الوحدة الخليجية…
تنص إحدى فقرات المادة الرابعة من النظام الأساسي لمنظمة مجلس التعاون الخليجي الصادر في ٢٥ مايو١٩٨٢م:
: تتمثل أهداف مجلس التعاون الأساسية فيما يلي
“تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا الى وحدتها”
غاب موضوع “الوحدة” عن البيانات الختامية الصادرة عن قمم مجلس التعاون الخليجي، ولم تعد مرة أخرى إلا في بيان منفصل للقمة الثانية والثلاثين التي عقدت في الرياض ديسمبر ٢.١١م، وكذلك في بيان آخر على هامش اللقاء التشاوري الرابع عشر!!
هكذا يقفز موضوع هام واستراتيجي من مجرد كلمة مهملَة في النظام الأساسي للمجلس، إلى دعوة صريحة واجبة التطبيق!
لا يمكن إيجاد أية نوايا أو مخططات للأنتقال من حالة التعاون إلى حالة الأتحاد عند قراءة مضامين البيانات الرسمية لقمم مجلس التعاون خلال السنين الماضية، لذلك يقفز السؤال التالي إلى الواجهة:
ما الذي يجعلُ أنظمة مجلس التعاون(كلها أو بعضها) تتبنى خطاب الوحدة بعد غيابه عن أجندتها-سواء على مستوى البيانات أو المشاريع-منذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي، ورغم كونه مطلبًا شعبيًا لدى شعوب الخليج منذ القدم؟!
في الحقيقة، لا تعكس رغبة أو إعلان الانتقال من حالة التعاون إلى حالة الوحدة توجهًا رسميًا قديمًا لأنظمة الخليج، رغم ورود الوحدة كهدف أخير لقيام مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي لا يمكن اعتباره تطورًا منطقيًا تدريجيًا… إن هذا الإعلان يأتي بصورة مفاجئة لبيانات وتصريحات قادة دول الخليج، وكذلك هو يشكل قفزة في الحديث عن هذه المنظومة العربية الصغيرة، فإلى اليوم؛ لا يزال الخليجيون يتندرون أن أبرز إنجازات مجلس التعاون بعد ٣٠ عامًا من إنشائه هو السماح لمواطني المجلس بالتنقل بالبطاقة أو الهوية المدنية بين الدول الأعضاء…ناهيك عن أشكال “التعاون” الأخرى الحقيقية التي لا تزال قيد الأحلام، ولم تخرج بعدُ حتى إلى طور التخطيط!
إذًا مرة أخرى؛ ما هو الباعث على جعل أنظمة الخليج تتحدث عن الإتحاد بعد سنين من التعاون-وأساسًا هو لا يرقى إلى تعاون حقيقي-؟!
إن منطقة الخليج كونها إحدى مناطق الصراع في الشرق الأوسط، شعوبها تتأثر بصورة كبيرة فيما يحدث بأجزاء المنطقة الأخرى، ومع الربيع العربي، وتصاعد وتيرة المطالبات الشعبية والحراك المجتمعي-بيانات/حركات مدنية/مظاهرات واعتصامات..ألخ- رأت الأنظمةُ الحاكمة الخليجية أنه لابد من تحصين أنفسها عبر تأسيس الإتحاد الخليجي، وهو يمثل بحد ذاته طموحًا شعبيًا خليجيًا أصيلاً، ولكن قبل ذلك عمدت الأنظمة عبر وسائل إعلامها-الرسمية والمحسوبة عليها- إلى:
- تضخيم الخطر الخارجي الذي يحيق بالخليج وشعوب الخليج، والذي يتمثل في إيران…وإيران حصرًا ومن يتعاون معها من منظمات.
- تصوير المطالِب الشعبية بالإصلاحات السياسية في البلدان الخليجية كونها ثورة على الأنظمة، وخروجًا على ثوابت التاريخ والدين والسياسة، وحشد المسوِّغات والمبررات الدينية والاجتماعية لمواجهة ذلك الخطر!
- تعمُد تشويه الحراك الشعبي في بلدان الربيع العربي، وتصويره بالشر، واستخدام لغة تحذيرية من سوء المآل الذي ينتظر الخليج في حال أصرت الشعوب الخليجية على اقتفاء أثر بلدان الربيع العربي، ليس بسبب الأنظمة-معاذ الله- بل بسبب طبيعة هذه الحركات-الفتن-التي تأكل بعضها ببعضها…هكذا هو الخطاب المستخدم!
- حاولت ضخ الأموال مرة أخرى لإعطاء الانطباع لدى الشعوب والنخب السياسية-المنادية بالإصلاح- بأن مشاريع التطوير والتنمية وإيجاد فرص العمل والعيش الكريم وغيرها هي في طور التنفيذ.
- تقديم بعض المبادرات الشكلية التي توحي بأن هذه الأنظمة لا تمانع الإصلاح ولا ترفضه مثلاً: إقالة وزراء/تنظيم انتخابات/تعديل تشريعات/عمل لجان تحقيق..وغيرها، وذلك لامتصاص غضب الجماهير وتخديرها.
لم تكن المفردات المستخدمة في صياغة البيانات الختامية لقمم مجلس التعاون سوى خليط من المفردات التالية:
التكامل/التعاون/العمل المشترك/التنسيق، أما الوحدة فلم ترد إلا في سياق الحديث عن العملة-الوحدة النقدية- والشؤون الجمركية!..أقول هذا بعد قراءة كافة البيانات الختماية من عام ٢٠٠١م، وحتى عام ٢٠١١م مع بيانات اللقاءات التشاورية!
إذًا لا يمكن وضع موضوع الوحدة-البِدعة هذي- إلا في سياق مواجهة الحِراك الشعبي، ومطالبات الشعوب الخليجية بالإصلاحات السياسية الحقيقية.
لماذا الخوف من الإتحاد وهو اتحاد كونفدرالي وليس فدرالي؟!
نعم، ليس الخشية من الإتحاد الكونفدرالي، وإنما مآلات هذا الاتحاد، وهناك بعض الأسباب الرئيسة التي تجعل المواطن-الكويتي مثلاً-يخشى من هذا الإتحاد:
- أولاً؛ الاتحاد سيكون بين دول مستقلة ذات سيادة-هكذا يُدّعى في ظل وجود القواعد الأمريكية!-، وستقوم-طبقًا لخصائص الإتحاد الكونفدرالي-بتفويض بعض صلاحياتها لهيئات مشتركة لتنسيق عدد من السياسات بمختلف المجالات المتفَق عليها سلفًا، وهنا تبدو المشكلة؛ ما حدود هذه المجالات؟ وما هو رأي الشعوب بطبيعة السياسات التي ستقوم هذه الهيئات المشتركة بتقريرها؟!
- ثانيًا؛ رغم أن الكونفدرالية تحترم مبدأ السيادة واستقلال الدول، إلا أنها تحمل احتمالاً ليس بمستبعَد من أنها ستتطور لاحقًا، من مجرد معاهدات إلى اعتماد دستور مشترك بين البلدان الأعضاء، وذلك للتوحد أكثر فيما يتعلق بالسياسات الخارجية والدفاعية، هنا مرة أخرى يُطرَح السؤال؛ ما هو موقف المواطن الخليجي مما يدور ويحدث؟!
- ثالثًا؛ الإتحاد الكونفدرالي هذا من المفترض أن يجمع بين دول ذات أنظمة سياسية متشابهة أو متقاربة، وهذا ما لا يتوافر في الخليج، حيث يتراوح بين الديمقراطيتين الجزئيتين في الكويت والبحرين-مع وجود تفاوت كبير في التجربتين- وأنظمة حكم استبدادية في السعودية وعمان وقطر، ونظام حكم إتحادي-فيدرالي- في الإمارات، هو الآخر فيه استبداد كان واضحًا خلال الأشهر الماضية عبر سلسلة من الاعتقالات والملاحقات الأمنية والتجاوزات الإنسانية..إذًا؛ لاشك بأن الأقلية النادرة-الكويت برغم علاتها وابتعاد نموذجها من النظام الديمقراطي الحقيقي- ستغوص في بحر الأغلبية التي تمثل الاستبداد الحقيقي، وهنا وللمرة الثالثة، يتم تغييب الإنسان الخليجي من أي مشاركة سياسية، بل وتقضي على آماله بقيام أي إصلاحات سياسية.
- رابعًا؛ أن الدعوى للإتحاد الكونفدرالي هو في سياق الرد على تحديات واستحقاقات خارجية -كما صوّر ذلك الإعلام الرسمي للأنظمة- وهنا تتأكد شكوكنا بأن لا نية في الإصلاح، بل كل ما في الأمر هو مجرد تدابير وقائية لتحتفظ الأنظمة الحاكمة بممتلكاتها!، لم ترد أي كلمة عن الاستحقاقات الداخلية، أو المشاكل الحقيقية التي تعاني منها شعوب الخليج، وكأنه لا وجود لها.
(١)
لذلك؛ رفضنا للإتحاد الخليجي المزمع إقامته ولو كان كونفدراليًا، ليس رفضًا للإتحاد أو فكرة الإتحاد، وإنما رفضًا لاختزال الإصلاح السياسي وتحقيق العدل والمساواة والأمن والاستقرار بإقامة كيان جديد، حتمًا بأنه لن يكون إلا في خدمة الأنظمة.
(٢)
إن الإصلاح السياسي الحقيقي، وليس الشكلي، يجب أن يكون سابقًا في كل بلد خليجي قبل الحديث عن أي وحدة مع أي بلد آخر أو مجموعة بلدان.
(٣)
إن المشاركة الشعبية في تقرير المصير واجبة لضمان نجاح أي اتحاد خليجي، والإتحاد الأوروبي يقدم لنا مثالاً في ذلك، بتحمل الشعوب المسؤولية سواء بسواء مع الأنظمة في وجه كل استحقاق سياسي واقتصادي يواجه الإتحاد الأوروبي، فقط لأنها أبدت رأيها في هذه الاستحقاقات ولم يتم إقصاءها.
(٤)
باختصار؛ إن قيام إتحاد بهذا الشكل بين دول الخليج ماهو إلا تكريس للاستبداد السياسي الذي تعاني منه شعوب الخليج، وممانعة ومواجهة لأي حراك مدني يمكن أن تقوم به هذه الشعوب.









