الخلاصات:
تدوينات
تعليقات

روايات شهر يناير الساخنة

في الشهر الماضي…قرأت ثلاث روايات عربية، تنتمي كل منها إلى مدارس أدبية مختلفة، وكتبت بلغات وأساليب متنوعة، وبالطبع كان الموضوع والمحتوى مختلف من رواية لأخرى.

ولعل من المفارقات، التي تستدعي قليلاً من التوقف والتأمل، هو أن الروايات الثلاث، رغم اختلاف موضوعاتها، وأساليب كتابتها، إلا أن عناوينها كان فيه نوعٌ من التمازج والتقارب، فجميع عناوين الروايات ذات مدلولات جغرافية، وهذا حدث بالصدفة، من غير ترتيب أو تخطيط.

فالأولى كانت تحت عنوان “شرق المتوسط” لعبدالرحمن منيف، والثانية “الكنز التركي” للدكتور سيف الإسلام بن سعود آل عبدالعزيز، أما الثالثة فهي “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح.

قرأت الروايات على الترتيب السابق صدفة، ولم أكن متعمدًا أن أختار هذه العناوين على الترتيب كي أقرأها، لكن برغم ذلك، فإنه بالفعل….كانت رحلة “جغرافية-أدبية” بمعية أدب الرواية العربية، استمتعت بها، ومررت من خلالها بلحظات الخيبة والتشاؤم…ولحظات أخرى فيها من روح الأمل والتفاؤل، لحظات فيها حزن، وأخرى-على قلتها- سعادة، لكن بالفعل، شعرت بأن هذه الروايات تعكس واقعًا حقيقيًا يعيشه الكثيرُ من العرب.

 

في الرواية الأولى.”شرق المتوسط” لـ/عبدالرحمن منيف، وفي طبعتها الخامسة عشر الصادرة عن المركز الثقافي العربي، وبـ”243″ صفحة، نقرأ قطعة أدبية عربية عن أدب، يعكس واقعًا عربيًا في شتى الأمصار العربية، وهو أدب السجون، وهو أكثر أنواع الأدب مقاربة للواقع العربي.

عبدالرحمن منيف، لا أعلم إن كان ينقل تجربة شخصية له، أو لغيره، قد برع-ولايحتاج لشهادة مني في ذلك- في نقل وتصوير معاناة الإنسان العربي البائس، نتيجة للأنظمة السياسية التي تحكمه.

في الرواية، أسلوب جديد للمرة الأولى ألحظه، وهو أسلوب الأفلام الوثائقية، وكأننا نشاهد فيلمًا وثائقيًا، نستعرض من خلاله شهادة اثنين ممن تعرضوا لصنوف من الأذى النفسي والجسدي، صورة هنا وصورة هناك، مشهدٌ هنا، ومشهدٌ هناك، مرة بعين وتجربة “رجب”، ومرة بعين وتجربة أخته”أنيسة”….الألم الذي اعتصر أقوامًا، وأذلهم في المشرق……….هو عينه الألم الذي سحق أماني الأطفال وأحلامهم في المغرب، رواية على لسان شخصين، تُحاكي واقعًا عانى منه الملايين.

ولايكتفي “منيف” في ابتكار هذا الأسلوب الروائي الشيق، بل ويتعدى ليستخدم لغة، صريحة واقعية، فيها من ملامح السجون السياسية والقمع، فيها من البذاءة والسباب والشتائم، ألفاظ لا تُقال….نعم وماذا تتوقع من السجّان الذي لا يخاف الله سوى البذاءة في الكلام، والتعنت والصلف في الأسلوب؟؟!!!، وكذلك أجاد في استخدام هذه اللغة، لم يكن متحاملاًُ، ولا مُبالغًا فيما استخدم من لغة، ولعل ال”YouTube” ومايحوي من أفلام ألتقطت بعدسات الكاميرا لخير دليل على وجود أمثال هذه الأساليب واللغات، يستخدمها صاحب النفوذ العربي-أينما كان موقعه- أنّى، ووقت، وكيف يشاء.

هذه الرواية…باختصار “شمعة أضاءها عبدالرحمن منيف في ظلام السجون الدامس، ليفضح جزء بسيط من هذا العالم…هذا الجحيم”.

 

الرواية الثانية.”الكنز التركي” لـ/سيف الإسلام بن سعود آل عبدالعزيز، وفي طبعتها الأولى الصادرة عن دار الفارابي، وتقع في “238″ صفحة، وللوهلة الأولى يظن القارئ أنه بصدد قراءة رواية من روايات المغامرة والبحث عن الكنوز والجواهر، تلك الروايات والقصص الكلاسيكية، والتي في أغلبها تصل إلينا عن طريق السمع لا عن طريق القراءة، وبالفعل لا تختلف كثيرًا هذه الرواية في ذلك، إلا أن لكل إنسان ما نوى في حياته، فإذا كان البعض في رحلتهم نحو الكنز، قد نووا الحصول على الذهب والفضة والأموال، فإن البعض الآخر قد نوى من الرحلة، تَحدٍ آخر، قد يجد نفسه فيه، نفسه التي تعبت من التناقضات والظلم وميل ميزان العدل الذي أصبح سمة من سمات هذه الحياة.

الرواية هذه تقع في 8 فصول، وهي على غرار الرواية السابقة في الأسلوب الروائي، فصلٌ هنا وفصلٌ هناك، مشهدٌ هنا، ومشهدٌ هناك، إلا أن الفرق هنا، أن الانتقال لا يحدث بين شخصين، وإنما بين عالمين، في بقعة جغرافية واحدة، وإن تعددت فهي على الأقل مُتقاربة، عالم طُويت صفحته، وأمسى رهن كتب التاريخ، وعالمٌ آخر مازالت الحياة تدب فيه، ومازالت آخر خطوطه قيد التشكل.

الكنز التركي، تتحدث عن رحلة مجموعة من الأشخاص للبحث عن الكنز التركي، وهي ثروة كبيرة من الذهب، دفنتها الحامية العثمانية –التركية، التي كانت مُرابطة في المدينة المنورة، وذلك قبل رحيلها وللمرة الأخيرة من المدينة المنورة، إثر هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى.

التشويق والإثارة، الحب والكراهية، ونقد النفس الإنسانية، ملامح تتكرر في هذه الرواية، عبر شخصياتها المتنوعة، رواية تستحق القراءة بالفعل.

 الرواية الثالثة.”موسم الهجرة إلى الشمال” للأديب السوداني/الطيب صالح، الصادرة عن مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، وفي “168″ صفحة، فهي أقصر الروايات.

رواية جميلة، وهي تختلف عن الروايتين السابقتين بأنها سردية، شخص واحد يسرد علينا الرواية، أو يسرد علينا تجربته مع شخص يكتنفه الغموض، والتساؤلات….. إنه مصطفى سعيد، ومازالت الأسئلة التي تدور حول شخصيته تبحث عن إجابات، نوع من الغموض أحيط بشخصية مصطفى سعيد، ذكي…ناجح…فحل…ومسكين، لم يجد في أي تحد خاضه سببًا للشعور بالسعادة.

في الخرطوم…في القاهرة…في لندن، وغيرها من العواصم، كان النجاح حليفه، أو هكذا نُقِل لنا.

حيثما أرتاد من أماكن، فإن له تأثير السحر على الفتيات، حتى وهو يمارس الجنس معهن، لم يكن يشعر بالسعادة، بقدر ما كان يشعر بأن تحدٍ آخر يخوضه، ولابد أن يجعل النجاح حليفه.

لم يرسب إلا في اختبار “جين مورس”، تلك العلامة الفارقة التي وجهت حياته فيما بعد، كان يستلذ بعذاب الفتيات…فاستلذت هي بعذابه، كان يظن نفسه قمة جبل لا تصلها أي فتاة، فوقع على وجهة حينما رأى قمتها، وكأن تشق السحاب…..”جين مورس” باءت معها كل الخطط والحللول بالفشل….”جين مورس” علاجها كان بنصل خنجر حاد زرعه مصطفى سعيد في صدرها.

ومع ذلك…..فلا زالت الأسئلة تدور حول مصطفى سعيد، حتى وهو يصف نفسه “أنا جنوب يحن إلى الشمال والصقيع” فإن الغموض مازال مخيمًا عليه.

كلمة واحدة أصدقها قالها عن نفسه…….”أنا لا أطلب المجد“…………كان يطلب شيء آخر….كان يطلب شيء آخر.

 

إشارة لابد منها:

تفوقت رواية عبدالرحمن منيف على جميع الروايات السابقة في نهايتها القاطعة لأي فكرة أو شك قد تنتاب القارئ، فالرواية هي تجسيد لواقع مُر، ولا مكان هنا للخيارات، أما الروايتان التاليتان فلم تكن النهايات محسومة، بل شابها نوع من الغموض، الذي يستدعي إعمال فكر القارئ في النهاية.

 

مللت…

مللت….

مللت…

مللتُ كلَ شيءٍ …حدَّ الملل.

مللتُ نفسي….

ومن قبلها الأصحاب والأهل.

مللتُ حتى إشراقة الشمس….وضوء القمر.

***

مللت…

مللت…

مللتُ النظام  يعتريه الخلل.

مللتُ الحياةَ لا تعدم الكدر.

***

مللت…

مللت…

مللتُ قطار العمر يمضي على عجل.

مللتُ الانتظار…متى يأتي الأجل؟

***

مللت…

مللت…

مللتُ الشعَّارَ ومدحهم لسكون النهر.

مللتُ البحارة وهواهم بجنون البحر.

مللتُ البدوي…وجولاته بعرض القفر.

***

مللت…

مللت…

مللتُ الحياة ومافيها من تفاهاتٍ أُخَرْ.

مللتها…وما عاد فيها للتحدي أي أثر.

***

مللت…

مللت…

مللتُ التناقضات ملءَ الأسماع والبصر.

مللت الأكاذيب تفطر القلوب…وقبلها الصخر.

***

مللت…

مللت…

مللتُ ولكني مازلت مهتديًا بنورٍ سماويٍ مُنتشِر.

بإيمانٍ بالله العزيز….عساه يزيل ما بي من ضجر.

                                                                                                   التوقيع/ ف.ن

إشارة لابد منها:

هذه التدوينة الأولى له عبر مدونتي…قد يبدو مطلعها تشاؤمي….ولكنني أدرك وأعلم أنه ليس من الذين يُحبون التشاؤم، وخير دليل على ذلك خاتمة هذه التدوينة، ولن أسميها القصيدة، قلت له ذلك، سأضعها على مدونتي ولكني لن أسميها قصيدة، لديك أفضل منها يا….ف.ن.

على العموم هذه التدوينة الأولى له على مدونتي، وستتوالى تدويناته قريبًا إن شاء الله.

الشاعر عبدالله العتيبي

يقول….

أنا نهمة البحار في أهواله

أنا نخوة البدوي حين يضام

 

وُلِدَ الشاعر عبدالله العتيبي* عام 1942م في الكويت، وأتم تعليمه الأولي فيها، ثم أكمل دراسته الجامعية في جامعة القاهرة، حيث حصل على ليسانس اللغة العربية وآدابها عام 1970م.

في العام 1974م حصل على الماجستير في الأدب العربي من جامعة القاهرة وكان عنوان رسالته “شعر السلم في العصر الجاهلي”، في العام 1977م حصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي من جامعة القاهرة أيضًا، وكان عنوان رسالته “الحرب والسلم في الشعر العربي من صدر الإسلام إلى نهاية العصر الأموي”.

عَمِلَ العتيبي أستاذًا مُساعدًا في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة الكويت، وترأس هذا القسم عدة مرات، وعَمِلَ عميدًا مُساعدًا، ثم عميدًا لكلية الآداب في جامعة الكويت.

كمل شَغِلَ منصب نائب رئيس مجلس إدارة وكالة الأنباء الكويتية، وعضوًا في لجنة المعاهد الفنية، وعضو مجلس إدارة المعهد العالي للفنون الموسيقية، وعضو المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وعضو رابطة الأدباء في الكويت، ثم شَغِلَ منصب الأمين العام لها.

ترأس مجلس إدارة المجلة العربية للدراسات الإنسانية، كما عمل عضوًا للجنة الاستشارية لمجلة البيان، وقد ترأس تحرير كلتا المجلتين.

شارك عبدالله العتيبي في العديد من المؤتمرات والأنشطة والأمسيات واللجان الثقافية والأدبية والشعرية، كعضو ومُحَكِّم ومُشارك على مستوى الكويت والوطن العربي.

هو من شعراء الكويت الذين عاصروا فترة الأحتلال العراقي للكويت، فقام بكتابة العديد من القصائد والأشعار والأوبريتات الوطنية أثناء فترة الاحتلال، وبعد التحرير، إلى أن توفيَ يوم الأحد 15 يناير 1995م.

آثاره:

للدكتور عبدالله العتيبي في الشعر ديوانان: 1- “مزار الحلم”. 2- “طائر البشرى”.

وله من المؤلفات في الشعر:1- “شعر السلم في العصر الجاهلي”.

                                  2- “دراسات في الشعر الشعبي الكويتي”.

                                  3- “عبدالله سنان:دراسات ومختارات” بالتعاون مع خالد سعود الزيد.

شعره:

يمتاز شعر الدكتور عبدالله العتيبي بالتنوع في معالجة كثيرٍ من المواضيع والقضايا المحلية والعربية، وشعره الوجداني مزيجٌ من الصور النفسية والفكرية والعاطفية، وقد استعمل في شعره الفصحى بمفرداتها وتراكيبها وخصائصها المُحكمة لبناء القصيدة، وبنفس القوة استعمل العامية.

كتب الشعر الفصيح، والشعر الغنائي بالفصحى والعامية في كلمات حماسية، وتشبيهات ذات ألفاظ رقيقة.

 

* كان يُفترض بالتدوينة هذه أن تُنشر يوم الجمعة الموافق ليوم وفاة الشاعر عبدالله العتيبي، ولكن حالت ظروف دون ذلك.

أقيم وما زال حتى تاريخه ملتقى أو معرض الكويت للفنون الإسلامية في المسجد الكبير، وهو يحتوي على ذخيرة غنية ومتنوعة من الفنون الإسلامية كفن الخط العربي، وكفن النقش والخزف وأعمال الطين والرسم على الماء.

كانت فترة زيارتي ضيقة جدًا، وذلك لإنشغالي بموعد مسبق، ويقع على مسافة بعيدة من المسجد الكبير، إلا إنني اقتنصت الفرصة لأخذ جولة في المعرض، وإلتقاط عدد من الصور، أتمنى أن تحوز رضاكم، وهنا يجب أن أنوه للحضور المتميز للجناحين التركي والإيراني، كما لا يفوتني أن أنوه بالإقبال الطيب من الزوار، كبارًا وصغارًا، عوام ومتخصصين.

إشارات لابد منها:

- تجربة أخرى جميلة للمسجد الكبير، تُعيد للمسجد في الحضارة الإسلامية تلك المركزية القوية، فكما قلت في تدوينة سابقة..إن المسجد في الإسلام هو مركز الحضارة، وليس هامشها.

- تدارك المسؤولون الأخطاء التي ذكرتها في تدوينة سابقة عن الترويج للمعرض، وعن عدم وجود أية أنشطة مصاحبة للمعرض كالمحاضرات أو ورش العمل، وفي هذا المعرض أقيمت ورش عمل، حضرت جانبًا من إحداها عن فن الزخرفة، وقد كانت الفنانة تركية.

- مررت على الجناح التركي، وقد وجدت قصاصات مرسومة بشكل فني ولها ملمس رائع، عرض إحداها لا يتجاوز 4سم، وطولها لا يتعدى حوالي 8سم، وقد أهداني العارض التركي قطعة من كل تصميم، استخدمها الآن كفواصل للكتب التي أقرأها.

- كان اختبارات حفظ القرآن الكريم تقام آنذاك في المسجد الكبير، لذا فقد كان المسجد الكبير شعلة مضيئة ومفعمة بالنشاط، وكم أتمنى أن يدوم هذا النشاط على مدار العام.

- لاحظت غياب الفن الإسلامي في شبه القارة الهندية، فرجاء حار أبعثه لمنظمي المعارض على هذه الشاكلة الطيبة أن لا يتجاهلوا الذخيرة الفنية الإسلامية في شبه القارة الهندية، فهناك أبدعت الدول الإسلامية أيما إبداع في كافة الفنون، التي تستحق تسليط الضوء عليها.

- الأجنحة العربية كانت مشاركتها طيبة، وخصوًا الخطاطين الفلسطينيين، وكانت المشاركة الخليجية خجولة جدًا من جانب الخطاطين، فيرجى العمل على نشر مدارس تعليم الخطوط العربية وفنون الزخرفة في دول الخليج، فهذه فنون راقية، تستحق الوقت والمال كي تُبذل عليها.

- عندما هممت بالرحيل، قلت لابد أن أحصل على شيء مادي وملموس  للذكرى الجميلة ، كأن يكتب أحد الخطاطين اسمي على ورقة، ولذلك فقد ذهبت إلى الجناح التركي لأشتري ورقة ذات إطار، ولكن العارض قال لي إنه لا يعرف الكتابة بالعربية، عندها صرفت النظر عن الفكرة برمتها وهممت بالرحيل.

ولكن ما أن خرجت من خيمة المعرض حتى عدت مرة أخرى للجناح التركي، وإذا بالخطاط الصيني المسلم “نورالدين جانكي” واقفًا يبتاع بعض أدوات الخط والكتابة من الجناح التركي، عندها استغليت الفرصة، وقلت للعارض التركي أني سأشتري ورقة إذا وافق الخطاط أن يكتب اسمي عليها، كلاهما أجاب بالموافقة.

كنت فرحًا وأنا أنطلق مع الخطاط الصيني نحو جناحه ليكتب اسمي، ولكن ما أن وصلنا هناك حتى وجدنا وكيل وزارة الأوقاف الدكتور عادل الفلاح، للتو فقط أتى للمعرض، فوقف معه الخطاط الصيني -وهو على علاقة مسبقة به- وأهداه إحدى مخطوطاته، وسلخ من الوقت أكثر من نصف ساعة وهو يتحدث معه بحضور جمع من الناس، منهم إحدى كريمات الأسرة الحاكمة، التي أشادت بالمعرض، بل والأدهى من ذلك أن الخطاط الصيني أعطاني كاميرته الخاصة كي أصوره هو والدكتور عادل الفلاح، وقد التقطت له بكاميرته ما يزيد عن عشرين صورة مع الوكيل، وبعد أن انتهى من حديثه مع الوكيل….وبعد أن ذهب الوقت علي، أنا الذي كنت على موعد مسبق مع بعض الشباب، بدأ الخطاط في كتابة الاسم الذي اخترته……………..وهو اسم والدي. 

- الفنان والخطاط الكويتي فريد العلي كان له نشاط ملحوظ في أركان المعرض المختلفة، فشكرًا له، والشكر كذلك موصول لوزارة الأوقاف الإسلامية وإدارة المسجد الكبير على ما بذلوه في هذا الملتقى.

الخبر…..ل/صلاح عبدالصبور

نَصٌ آخر جميل للشاعر صلاح عبدالصبور 

****

يُلـقي بـي ضجري أحيانًا فـي شـطِ البحـرِ،

يستهويني عندئذ أن أهمسَ للموجِ المتدفق،

بأفـانيـن القصـص المنحـولـة عـن نفسـي.

أو أعلن عن أسمائي في أبواق الأفق المطبق.

فأسمي نفسي أحيانًا بالقرصان الأزرق.

أو بالتنين المحرق.

*****

أحـيانًا تُـلقي بي الأسفـار إلـى الغـابات،

في وحشتها تستيقظ في نفسي التهويمات.

ويُغمغم صوتي بالكلمات المدخولات.

وأقدم نفسي للشجر الملتف.

باسم الإعصار العاصف.

*****

في هاوية الجبل المسنون أسمي نفسي بالسيل القاصف.

فـي صخـر السفـح الغافـي فـي جـدران الصمـت.

أُسمي نفسي

قطب الوقت.

*****

من يدريني إذ يهبطُ ظلي في ظلي

حين أعود إلى ظلمة بيتي

بم تفْتر ثنايا الزبد البيضاء؟

وبم تصفِر ساخرةً أشجار الغابات؟

ماذا بثّ الجبل المتوحد للجبل المتوحد عن هازل أحوالي؟

في مُرتحلي، أو في حِلِّي.

من غمزات، أو إيماءات؟

ماذا غمغم في قيعان السفح الغافي

 من سخرية الأصوات؟

*****

آه ضقت بحالي، بأكاذيبي ضقت

لو يلتف على عنقي أحد الحبلين

الصدق

أو الصمت.

***

في أحد أيام شهر ديسمبر من العام 2003م ، عندما كنت في الصف الرابع ثانوي-أي السنة النهائية للثانوية في الكويت- كنت أتحاور مع أحد أقاربي عن الثانوية عن الاختبارات والدراسة ومتطلبات هذه المرحلة الحساسة بشكل عام، وقد سبقني إلى التخرج من الثانوية العامة بحوالي ثماني سنين، وقد طلب مني أن أحضرَ له كتاب النصوص العربية لأنه يريد أن يريني أفضل نص قرر عليه حينما كان في الثانوية العامة، فأخبرني بأنه هذا النص-في الأعلى- هو الأفضل، فوجئت حقيقة فقد كنت أتوقع أن يُخرجَ لي نص من نصوص أحمد شوقي أو أبي القاسم الشابي، ولكني على أية حال جاملته رغم أن هذا النص لم أكن قد درسته من قبل، إذ أنه على أي حال من النصوص المقررة للفصل الثاني.

وفي الفصل الثاني أخبرنا الأستاذ أن الموضوع القادم المقرر للدراسة هو النص الشعري”الخبر” لصلاح عبدالصبور، يومئذ قرأت النص –تحضيرًا له- كاملاً وبتمعن، ومن الوهلة الأولى شعرت بأن هذا النص إنما هو مرآة تعكس حقيقة ما يشعر به الكثير من الناس في عالمنا هذا،مرآة تعكس الصراع الذي يعيشه العربي بين الوهم والحقيقة، بين الواقع والطموحات، بين الآمال والآم.

 تُلقي هذه القصيدة الضوء على حياة الإنسان المعاصر بكل ما تحتويه من تناقضات وصراعات داخلية تدور بين الإنسان ونفسه.

ففي هذا العصر المادي الذي اختفت فيه البطولات الحقيقية، يُحاول الإنسان أن يصنعَ لنفسه بعض البطولات الوهمية ليعوض فيها بعض النقص الذي يشعر به، ولعل ما نلاحظه هنا عدم سعي الإنسان المُعاصر إلى البطولات التي تهدف للخير وإيقاف الشر،وتهدف للعدل ورفع الظلم، وإنما هدف هذه البطولات هو أن يشعر الإنسان بأنه بطل….ولو كان ظالمًا معتديًا.

فهو يتوجه لشاطئ البحر ليتحدى البحر وأمواجه وقيعانه، وليُعلن عن نفسه بأنه ذاك “القرصان الأزرق” الذي يعتدي على السفن المبحرة،فُيغرقُ بعضها ويسلب بعضها الآخر، أو أن يدعي بأنه “التنين المحرق” الذي يحرق السفن والجزر.

وفي الجزء الثاني من القصيدة يذهب إنسان العصر هذا إلى الغابات سعيًا وراء البطولات الوهمية والخيالات وهناك حيث السكون والوحشة ،حيث لا يوجد أحدٌ ما قد يشهد على كذب هذا الإنسان، يبدأ هذا الأخير في إطلاق إدعاءاته ببطولات وهمية، وبأنه الإعصار العاصف الذي يقتلع الأشجار من جذورها ويُلقي بها بعيدًا.

وفي الجزء الثالث… يتوجه هذا الإنسان المغلوب على أمره إلى هاوية الجبل ليزعم بأنه السيل القاصف، و يتوجه إلى قاع الجبل ليُسمي نفسه قطب الوقت…أي محور الوقت العالم بكل شيء.

أما في الجزء الرابع من هذه القصيدة فنرى فيها نوعًا من اليقظة في ضمير هذا الإنسان، قد لا يكون مصدرها-أي اليقظة- الإنسان نفسه،إذ أن النفس الإنسانية تستغل ضعف الرقيب الذاتي وهو الضمير،لتزين للإنسان المخدوع قبيح ما يعمل، وصدق ما يدَّعي.

ولكن ما يُعين على إيقاظ الضمير لدى الإنسان هو تجاهل الكائنات الجامدة لادعاءات هذا الإنسان،إذ حينما يعود هذا الإنسان إلى واقع حاله يبدأ بالتساؤل…..عن ماذا قالت ثنايا الزَّبد البيضاء وهي أضعف شيء في البحر، أو يتساءل عن ماذا تصفر ساخرة أشجار الغابات؟، ماذا أرسل الجبل المتوحد -أي الجبل القوي- إلى الجبل المتوحد الآخر عن ضعف أحوالي؟

في صدقي وفي ادعاءي، في واقعي وفي خيالي، من غمزات بالعين ومن إيماءات باليد والرأس،ما كنه هذه السخرية التي يسمعها.

 وفي النهاية يشعر هذا الإنسان بالضيق…من حياته الفارغة من كل صدق، ومن أكاذيبه الفارغة من كل منطق، ويتمنى هنا لو…لو يتخذ من الصدق سبيلاً للحياة أو أن. ….. يصمُت.  

إشارة لابد منها:

كنوز عظيمة من الأدب العربي الحديث لابد لنا من أن نلقي عليها قليلاً من الضوء، فسواء كانت نثرًا أم شعرًا فهي الأقرب إلى واقعنا المعاصر نسبة إلى ماسبقها من نصوص نثرية وأدبية وُجدت في عصور وأزمان مختلفة كليًا  أو بالإجمال عن عصرنا الذي نعيش، بكل آلامه….وآماله.

المساجد في ألمانيا

يُقام في المسجد الكبير معرض صور بعنوان “المساجد في ألمانيا” للمصور والمهندس المعماري الألماني فيلفريد ديشاو، ويحوي المعرض على صور ألتقطها الأخير للمساجد في ألمانيا خلال الفترة الواقعة ما بين مارس وأبريل 2008م.

وهذا المعرض الذي قام به ديشاو، يُسلط الضوء على دور العبادة لدى المسلمين في ألمانيا، وقد استطاع بحرفية كبيرة من التقاط كم كبير للصور ومن مواقع مختلفة، وذلك ليؤكد انسجام المسلمين مع محيطهم الخارجي مهما اختلف.

هذا المعرض أقيم في أمكان كثيرة، منها اندونيسيا، وتركيا والنمسا، ووصل الكويت هذا الشهر، وسينتقل فيما بعد إلى ماليزيا والهند.

وقد زرت المعرض الأربعاء الماضي، والتقطت عدد من الصور”وعذرًا لرداءة التصوير فلست محترفًا في ذلك”.

إشارة لابد منها:

علمت بأمر المعرض من خلال قراءتي لإحدى الصحف، وذلك في معرض نشرها لمؤتمر صحفي للسفير الألماني، وهنا تقع إشكالية الترويج والدعاية، فهناك ملتقيات وفعاليات لاترقى أبدًا لمستوى هذا المعرض تحظى بدعاية أكبر وأوسع.

- تجربة جميلة للمسجد الكبير، وهنا تأكيد للدور الحضاري المناط بالمسجد….أي مسجد، فهو مركز الحضارة، وليس على هامشها، فشكرًا لإدارة المسجد الكبير.

- طبعًا حركة ذكية من السفارة الألمانية، فبعد إغتيال الشهيدة مروة، وبعد الاستفتاء السيء في سويسرا، تبادر ألمانيا عبر سفارتها، وتنظم بالتعاون مع المسجد الكبير هذا المعرض المصور، وذلك للترويج لصورة ألمانيا الحضارية.

- مكثت أكثر من ثلث ساعة في المعرض، ثم أخذت جولة في أرجاء المسجد الكبير، ولم ألحظ أي إقبال من الناس على المعرض!!

- الخطأ الذي ارتكب في هذا المعرض، هو أنهم اقتصروا على المعرض الصوري، ولقاء مفتوح مع المصور في يوم الافتتاح، ولم تُقم أية فعالية أخرى مُساندة للمعرض، الأمر الذي قد يقلل من تأثيره، وقد كنت أتمنى أن تتم استضافة عدد من المسلمين الناشطين في ألمانيا، وذلك كي يتحدثوا عن “الحالة” الإسلامية في ألمانيا.

- في المساجد، تغلب اللمسة الإسلامية الفنية الداخلية، وخصوصًا في المساجد التي تقام بدعم الجالية التركية، وهذا واضح في مسجدي الفاتح ويافوز سليم…………فتمتعوا بالصور”الال

قراءة في كتاب: الإسلام وحركات التحرر العربية

لـ/شوقي أبو خليل الطبعة الثانية دار الفكر-دمشق 1991م

في بدايات القرن العشرين، اضطلع البعض ممن يصف نفسه بالمؤرخ أو المثقف في محاولات تشكيك الأمة بدينها، وجدوى إلتزامها تعاليمه وقيمه، وذلك من خلال الطعن في تاريخ الأمة، أو من خلال تبرير وجود الاستعمار بالتخلف الذي أصاب الأمة جراء تمسكها بدينها، فهم مع الإسلام:

“إن تحدثوا في أمور إيجابيه نسوه، وإن تحدثوا في أمور سلبية لمزوا وغمزوا”

وهذا هو ديدن المستشرقين ومن سار على نهجهم من المنخدعين بهم من أبناء هذه الأمة.

وفي هذا الكتاب، يوضح الدكتور شوقي أبو خليل، ذلك الدور الريادي للإسلام ورجالاته في التصدي للإستعمار، وما يبثه من سموم، وذلك عبر ميادين عدة…منها التصدي بالمقاومة المسلحة، أو بالثقافة وربط الناس بدينهم، أو من خلال إغاثة المحتاجين، ودعمهم، هذا بالإضافة إلى جانب الإصلاحات السياسية في نظم إدارة الحكم في بعض الأقطار العربية، وذلك لما فيها من فساد، وسوء إدارة، وتهاون في التعامل والتصدي للمستعمر، والتي كان من طليعة النخبة التي طالبت وأطرت لهذه المطالبات هم مشايخ الإسلام.

لذلك فهذا الكتاب هو…

-  نظرة سردية موجزة لجهود مشايخ الإسلام في مقاومة المستعمر، ووتوضيح الدور الإيجابي لهذه الرجالات في دعم المقاومة بل والاضطلاع بها من أرض الميدان، يشهد على ذلك دور مشايخ الازهر في أيام الحملة الفرنسية على مصر، ودور الامير عبدالقادر الجزائري والشيخ عبدالحميد بن باديس وغيرهم في الجزائر، والشيخ عبدالعزيز الثعالبي في تونس، ومحمد المهدي في السودان، والشيخ عمر المختار في ليبيا، والشيخ محمد عبدالكريم الخطابي في المغرب….وغيرهم الكثير سواء في أقطارهم أو أقطار العرب الأخرى.

- نجد من خلال الكتب، تلك العلاقات المترابطة وأواصر الحب والتعاون التي تجمع الشعوب العربية، فتجد أنه ما أن يُضيَّق على شيخٍ مجاهدٍ في بلده حتى يلجأ إلى جيرانه من الأشقاء في القطر العربي المجاور أو غير المجاور، وهذا دليل سامٍ على وحدة هذه الأمة، نجد ذلك في أمثلة كثيرة، وكان لابد للشعوب العربية أن تتذكر هذا الإرث التاريخي العظيم في كل أزمة تمر بهم، فلا يتركوا لفاسق (كالإعلام التجاري الذي أجج الصراع بين الجزائر ومصر من أجل…. الكرة) أن يدنس صلاتهم وعلاقاتهم.

- كذلك يؤكد الكاتب من خلال هذا الكتب، ان الإستعمار مهما تغيرت أشكاله ومعالمه، يبقى تحطيم وهدم الإسلام والقرآن هو هدفهم، وقد بيّن الكاتب ذلك من خلال المقدمة، ومن خلال استعراضه لجهود الاستعمار في كل قطر عربي يحتلونه، كمنع استخدام اللغة العربية في التدريس، وإنشاء الكنائس، بل وتحويل بعض المساجد إلى كنائس وهذا ما حصل في الجزائر، وقد بدا أن التاريخ الصليبي مازال ينبض بقوة في قلوب المستعمرين، تجلى ذلك من خلال موقف الجنرال الفرنسي “غورو” حينما دخل دمشق، وتجلى ذلك في نشيد الطليان أثناء استعداهم لغزو ليبيا، فقد كان يقول نشيدهم:

” يا أماه أتمي صلاتك ولاتبكي، بل اضحكي وتأملي، ألا تعلمين أن إيطالية تدعوني، وأنا ذاهب إلى طرابلس فرحًا مسرورًا، لأبذل دمي في سبيل سحق الأمة الملعةنى، ولأحارب الديانة الإسلامية، سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن”

……….وغيرها من الجهود التي تثبت عداوتهم للإسلام.

- هذا الكتب هو باختصار مسرد لأعلام عظيمة في سماء أمتنا، غابت …أو بشكل أدق ”غُيبَت” هي وجهودها عن الأذهان، فأنبرى أناس مخلصون لهذه الأمة، كي يربطوا الحاضر بالماضي، ولكي يصححوا ما حاول البعض أن يطبعه في الأذهان عن الدين الإسلامي من دعاوى واتهامات باطلة.

إشارة لابد منها:

في هذا الكتاب، نظرة هامشية على الدور الإيجابي للصحف في مقاومة المستعمر، وخصوصًا صُحف المغرب العربي، وهذا ما يدعوني أو يدعوا المتخصصين من القراء بالإعلام، ان يُلقي ضوء أكبر على دور الصحافة في مقاومة المستعمر.

من أحاديث القرى

 

حكايات من ذاكرة الأرض…لـ/عبدالله بن محمد الناصر

العبيكان الطبعة الأولى 2007م

يعود بنا عبدالله الناصر في فسحة زمانية ومكانية إلى القرية التي نشأ وترعرع فيها، وإلى عهد الطفولة والمراهقة، مقتطفًا من سجل ذاكرته بعض القصص والأحداث التي تركت علامات بارزة في حياته. هذا النوع من الأدب جميل، ويتمتع ببساطته، وهو أدب الذاكرة-كما أطلق عليه أنا-، حيث يعود بنا الكاتب إلى أحداث مر بها فأثرت فيه وأثّر فيها. في المقدمة، يستهل عبدالله الناصر قصصه بهذه القطعة الأدبية الرائعة:

 ”هذه الحكايات مزيج من الواقع وشبه الواقع، مزيج من القص، والتقاط الصور..تلك الصور الإنسانية التي ترسمها ريشة الزمن في وقت من الأوقات، فلا تعود لرسمها مرة أخرى، وقد رُسِمَت على لوحات جغرافية مكانية ضمن ظروف اجتماعية، وثقافية، لا يمكن لها أن تعود”

وهي بحق…خير استهلال، فكثير من الأحداث تمر بنا في زمنٍ ما، ومكانٍ ما، فلا يبقى منها لنا سوى استدعاءها من الذاكرة، فلا نستطيع أن نعدلها أو نبدلها حيثما أردنا، فقط نستدعي الصورة، ومن ثم إما أن نستمتع بها إن كانت طيبة، أو نتحسر عليها إن كانت شر.

 القرية بكل بساطة عالم كبير، فمهما صغرت القرية أو كبرت، تظل لها شخصيتها وفرادتها الثقافية والاجتماعية، ومن واقع هذه القرية يسرد علينا الكاتب 25 قصة…أو تجربة…أو حكاية تناقلتها الألسن، إن كانت صحيحة أو مجرد أسطورة. قد تُضحكنا بعضها…وقد تُحزنا بعضها، ولكن يجب أن نتأمل تلك الحِكَم والعبر التي تحملها في طياتها، ولعل “كِفاح” هي أبرزها….على العموم هي دعوة لقراءة هذا الكتاب الذي تبلغ عدد أوراقه 111 من القطع الصغير.

أيام في جناح المسالك البولية

كان جناح جراحة المسالك البولية هو أول الأجنحة التي عملت بها، وقد كانت تجربة ثرية لي، فقد كان الطاقم التمريضي جد متعاون معي، فقد شجعوني على الانخراط والانسجام في العمل منذ اليوم الأول.
المسالك البولية، أحد أفرع الطب، يهتم بكل ما يتعرض له الجهاز البولي من اضطرابات وأمراض، بدءًا من الكليتين، ومرورًا بالحالبين والمثانة وانتهاءًا بالإحليل، وأشهر أمراض الجهاز البولي، هي كما نعمل تكون الحصوات في أحد أجزاءه، وعليه فقد كان هذا ما يميز جناحنا.
وعلى ذلك فقد كان العمل في الجناح يتسم بجانب كبير من التنظيم والتنسيق، لم أره حتى الآن في جناح آخر.
أمر آخر أسهم في أن يتسم هذا الجناح بالتنظيم، وهو طريقة تعامل الأطباء مع الطاقم التمريضي والمرضى، فكل شيء -تقريبًا ومقارنة بباقي الأجنحة- مرتب ومنظم.
أغلب المرضى في المسالك البولية، يتم تركيب قسطرة بولية(Foley Catheter) لهم، سواء بعد العملية بصورة مؤقتة لا تتعدى 24 ساعة، أو تستمر لعدة أيام أخر، وهنا أذكر موقف تعرض له أحد الزملاء في أول فصل دراسي لنا أثناء الميداني، حيث كنا جميعًا نجهل هذه الأشياء، وأثناء قيام هذا الطالب بترتيب سرير المريض صباحًا، أو كما نطلق عليه نحن معشر الممرضين(Bed Making)، لاحظ أن هناك ثمة بربيش أو هوز”hose” على السرير، فقام وسحبه بشدة -ولم يلاحظ أنه كان موصولاً بجسم المريض- فصاح المريض من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، فما كان من صاحبنا إلا أن هرب ذلك اليوم، وفي اليوم التالي، أعتقد أنه غاب ولم يحضر للميداني.

في الأعلى ذكرت أن أغلب حالات المسالك البولية هي تكون الحصوات في الجهاز البولي، وأضيف عليه كذلك تضخم البروستاتا، سواء الحميد أو الخبيث، والذي يستلزم أحيانًا تدخلاً جراحيًا بحسب ما يرأي الأطباء، وهنا يجب أن أذكر أن تضخم البروستاتا هو أمر طبيعي عند الرجال، وخصوصًا بعد سن الأربعين، إلا إن ذلك لا يعني عدم الفحص الدوي للبروستاتا، وذلك لاستبعاد أي خطر لتكون الأورام الخبيثة.

من أسوء الحالات التي ترد على جناح المسالك البولية برأيي المتواضع:

حالات “التفاف الخصية” أو Testicular torsion، وتتطلب تدخلاً جراحيًا عاجلاً، وإلا فقد الذكر إحدى أو كلتا خصيتيه، وقد ينشأ هذا الاتفاف نتيجة حركة عنيفة قام بها الرجل، وفي الغالب في سن المراهقة، أثناء ممارسة الرياضة، أو حتى وهو نائم، لذا يجب توخي الحذر، فبعد أي نشاط بدني قوي وعند نشوء ألم شديد في الخصية، فيجب التوجه إلى الطبيب للاطمئنان واستبعاد حدوث هذا الأمر، لا أراكم الله مكروه.

S.D.U

الـ”S.D.u” أو Staff Developing Unit هي وحدة تطوير الموظفين، وهي خاصة بالممرضين فقط، فلا سلطة لها على أي من الطواقم الأخرى العاملة في المنشأة الصحية، وهي تدار من قبل بعض “الممرضات” ذوات الخبرة المتوسطة، والتي تترواح بين 10 إلى 20 عامًا في مجال التمريض، على اختلاف في الشهادة العلمية، وأعتقد أن حملة البكالوريوس أقلية في هذه الوحدة، فضلاً عن حملة الماجستير أو الشهادات ذات الطابع التخصصي في التمريض.

فكرة هذه الوحدة هي فكرة رائدة وطيبة، وهي تسعى لتطوير أداء الممرضين، وتطويرهم علميًا وعمليًا، وذلك في سبيل الحصول على أعلى مردود إيجابي من الرعاية الصحية للمريض، وتدارك أي خطأ قد ينجم عن ممارسة الممرض لمهام عمله في حق المريض، هذه باختصار فكرة “وحدة تطوير الموظفين” كما رأيتها وعايشتها خلال أسبوع كامل في هذه الوحدة، وسنة كاملة عبر زيارة الموجهة الميدانية إلى الجناح، وسماع توجيهاتها أو تعليقاتها على أعمالنا.

لكن على أرض الواقع هل فعلاً تؤدي هذه الوحدة دورها المطلوب؟؟ وهل تحقق بالفعل هدفها المنشود؟؟

ما أن يتبادر إلى مسامع الممرضين اسم هذه الوحدة، حتى يبدأوا بالتأفف والتذمر وعدم الرغبة في رؤية الموجهة الميدانية المسؤولة عن الجناح، وذلك ما عايشته أنا بنفسي، حيث تأتي الموجهة وتبدأ بسرد الانتقادات والتعليقات التي توحي بأننا مقصرون في عملنا، أضف إلى ذلك أحيانًا كثيرة “استحداثهم” للقوانين بصورة شفوية وسريعة، ناهيك عن أن ملاحظات موجههة ميدانية مسؤولة عن هذا الجناح ليس بالضرورة أن تتطابق مع ملاحظات موجههة ميدانية أخرى في جناح آخر، وهذا ما كان يوقعني ويوقع كثير من الممرضين والممرضات في حيرة، كما أن أسلوب الموجهة الميدانية في التعامل مع الطاقم التمريضي يأخذ “غالبًا” الطابع الجاسوسي المتحامل، والذي يحمل في طياته التهم بالإهمال والتقصير.

لذلك باختصار، لا تقوم هذه الوحدة بأي مجهود إيجابي يطور بالفعل من قدرات الممرضين، والدليل أنه يأتي إلينا ممرضين من خارج الكويت، ويحملون شهادات طيبة في التمريض، كما لديهم خبرات أكثر من جيدة، ولكن بسبب ما يتعرضون له من ضغط بالعمل، تأخذ قدراتهم وخبراتهم بالذبول والانكماش، لأن عليهم أن يتكيفوا مع وضع جديد، ومعقد، وهذا ما سمعته من كثير من الممرضين سواء العرب أو الآسيويين، حيث يتم توظيفهم في مناطق عمل، في غالب الأحيان غير تلك التي خبروها واعتادوا عليها، فمن ذلك أن ممرض عناية مركزة يتم توظيفه في جناح الباطنية، وممرض الباطنية يتم توظيفه في وحدة القلب المركزة، كما أن ممرض لديه خبرة ما وشهادة عليا في التمريض(ولدي مثال وهو ممرضة عربية لديها درجة ماجستير مُعترف بها ) وآخر ليس لديه سوى شهادة تمرض عامة، وهي التي تُعادل ثانوية عامة هؤلاء يتم مساواتهم في نفس نوع الأعمال، فكلاهما يقوم بمثل المهام وكلاهما يستلم نفس نوعية المرضى، وذلك استنزاف عشوائي لطاقة الممرضين،  وإلى غير ذلك من الأمثلة، التي تستوجب أن تقوم وحدة تطوير الموظفين بالقيام بعمل ما لتدارك هذا الخطأ…ولكن أبدًا لا.

 

Older Posts »