قراءة في كتاب: صناعة الكراهية بين الثقافات.. وأثر الاستشراق في افتعالها…للدكتور/ علي بن إبراهيم النملة.
الاستشراق، أحد الأدوات التي ارتبط اسمها بالاستعمار الغربي للعالم الإسلامي، وظهور كم من القضايا والمشكلات والأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي مزقت وما تزال تمزق العالم الإسلامي، وأن الاستشراق كان وسطًا فعالاً في علاقة غير متكافئة بين الشرق والغرب، فقد أنحاز الاستشراق-على فرض أنه علم- إلى الأخير، وسوغ له استعمار الشرق، هذا برأي البعض، فالاستشراق في نظرهم…الشر كل الشر، وهناك من ينحاز للاستشراق، ومدارس المستشرقين، وكتاباتهم، وأطروحاتهم، ويدللون على صدق دعواتهم بكتابات هذا المستشرق أو ذاك، بل ويعدون ما كتب وما طرح وما اقترح المستشرق هذا أو ذاك، دليلاً وسبيلاً إلى التقدم والرقي، فالاستشراق في نظر هذا الفريق، يمثل الخير… كل الخير.
أما الدكتور علي بن إبراهيم النملة، وفي ضوء “نقده للعقل المعاصر” عبر كتابه “صناعة الكراهية بين الثقافات، وأثر الاستشراق في افتعالها” يقف، بل ويدعم الرأي الوسط، القائل أن أثر الاستشراق في العلاقة بين الشرق والغرب لم يكن كله سلبيًا، بل كانت له آثاره الإيجابية في تقديم الثقافة الإسلامية في ماضيها البنائي والتراثي وحاضرها المتنامي، والإفادة من معطياتها العلمية والفكرية على مرِّ الزمن.
الكتاب هذا-وهو على فكره ورقة عمل للكاتب قدمها في ندوة أقامتها رئاسة الحرس الوطني في المهرجان الوطني للتراث والثقافة، في دورته الثانية والعشرين سنة 1428هـ/ 2007م- مقسم إلى أربعة فصول وخاتمة، وهي على النحو التالي:
- الفصل الأول: المنهج في نقد الاستشراق.
- الفصل الثاني: وجوه الالتقاء وصناعة الكراهية.
- الفصل الثالث: وسائل صناعة الكراهية بين الثقافات.
- الفصل الرابع: الاستشراق ووسائل صناعة الكراهية.
وهذا الكتاب من إصدار دار الفكر- دمشق 2008، ويقع في 172 صفحة تقريبًا، شاملة المقدمة والمراجع.
هذا الكتاب ليس سردي، يسرد به الكاتب تاريخ الاستشراق، أو يفصل به آثار الاستشراق السلبية منها أو الإيجابية، بل هو لإلقاء ضوء على الاستشراق الجديد ودوره في وقتنا الحاضر في صناعة الكراهية بين الشرق والغرب.
- ففي الفصل الأول، يركز الكاتب على أن الفرق الوحيد بين الاستشراق الجديد والقديم هو في الأدوات المستخدمة، أما المفاهيم ، فلم يطرأ عليها أي تغير، فالاستشراق الجديد “يميل إلى التركيز على البعد السياسي للاستشرق، على حساب أبعاد الاستشراق الأخرى، كالبُعد الديني والعلمي”، وهذا ما أكسب الاستشراق الجديد “سمعة غير إيجابية بين المفكرين العرب والمسلمين وبين بعض المستشرقين الآخرين، ظهرت في النبرة التي يُواجه بها المنتقدون الاستشراق الجديد”.
والنتيجة الحتمية لتوجه الاستشراق الجديد نحو السياسة، وطغيان هذا التوجه عليه، أن “يقوي من نزوع الاستشراق إلى الإسهام في صناعة الكراهية بين الثقافات، إذا أخذنا بعين الحسبان أن السياسة هي العامل الأبرز الذي تُمارس من خلاله صناعة الكراهية بين الثقافات”.
ثم ينتقل الكاتب نقلات سريعة، تُبين المنهج الذي من خلاله يتم النظر للاستشراق، ومن ثم نقده، من هذه العناوين:
الدارس المتعالي: وهو منهج اتسم فيه “الإنتاج المعرفي للاستشراق بالتعالي على المدروسين، وإشعار هؤلاء المدروسين بلهجة الرقي والتفوق الذهني عليهم”، وقد يستخدم هذا المنهج العرب والمسلمين في نقدهم للاستشراق كله بمجمله، إلا أن هذا المنهج -وإن اتبعه جمع غفير من المستشرقين حين دراستهم للشرق- لا يسوغ لنا كمسلين أن ندلل عليه في نقدنا للاستشراق كله، فالوسطية أمر يطالبنا به ديننا ويحثنا عليه.
السحر والقابلية: سحر النظر إلى التراث -وما شابه من إلصاقات لم تكن واقعية، ولكنها مبثوثة في بعض كتب التراث- من قبل المستشرقين، وقابلية المسلمين لهذه النظرة، والاقتناع بها، ففي الاستشراق القديم، كانت الصورة النمطية للمسلم “(البربري المتوحش، راكب الجمل، ساكن الخيام، كثير النساء)، وانتقلت الآن-في عصر الاستشراق السياسي- إلى صورة الشباب المسلم، ذوي اللحاء الطويلة الغير مهذبة، واللباس القصير، والنساء المتحجبات، المتعطشين للبطش، وما يكتنف ذلك كله من نزوع إلى صناعة الإرهاب والعنف”.
إذًا يعمد الاستشراق بذلك إلى “تشكيل قوالب وأنماط ذهنية، فكرية ونفسية لدى الغربيين تجاه العرب والمسلمين”، ومن ثم يدللون على هذه القوالب والأنماط بأفعال فئة من المسلمين-سواء بحق أو بغير حق-، وهنا يتساءل الكاتب…”هل يمكن أن يُحققَ أبناء الأمة دون قصد مباشر منهم ما يصبو إليه أعداؤها؟”، ومن ثم يجيب عن هذه التساؤل….الذي تجدونه في الكتاب.
- وفي الفصل الثاني، يذكر الكاتب جُملةً من المناهج التي تعزز وجوه الالتقاء بين الحضارات والأمم، ومن ذلك، منهج التعارف بين الأمم، منهج التنافس والتدافع، منهج النظرة الوسط، منهج التأثُّر والتأثير…إلخ.
- أما الفصل الثالث، فقد خصصه لتجلية وتوضيح عنوان المبحث الرئيس، وهو دور الاستشراق في صناعة الكراهية بين الأمم، ومن العناوين الفرعية في هذا الفصل، الاستشراق وصناعة الكراهية، تصنيف المستشرقين،منهج السماحة،المزالق اللفظية…إلخ من العناوين.
- وفي الفصل الرابع، يتناول الدكتور موضوع “الاستشراق ووسائل صناعة الكراهية”، ويذكر فيها أنه ليس من السهل حصر الوسائل التي يمكن عدُّها مؤثرة في صناعة الكراهية بين الثقافات، بل تمتد إلى قائمة طويلة يمكن أن تُقسَّم إلى وسائل قديمة وأخرى حديثة ومعاصرة، بدأت بالطعون وإثارة الشبهات في الثقافة الإسلامية، ورافديها الرئيسيين القرآن الكريم ومن ثم السنة، وامتدت الآن وتطورت لتشمل مواقع الانترنت والفضائيات، ويرصد بعض الاصطلاحات التي ارتبطت بعملية التنفير من الإسلام كـ”الإسلام فوبيا”، وأثرها على العقلية الغربية، وكيف أنها استُُخدمت لاستدعاء مشاعر الكراهية والحقد تجاه الإسلام والمسلمين، كما رصد بعض ما يمكن اعتباره زلات لسان من قادة أو إعلاميين غربيين تجاه الإسلام ومقدساته.



