قراءة في: ثنائيات روايتي “الحصن الرقمي” و”1984“.
في الحقيقة لم يخطر على بالي أبدًا أنني في يوم من الأيام سأكتب “ملاحظاتي” على رواية قرأتها، فلست بالقارئ الأدبي المنكب على شؤون الروايات وتفاصيلها، ولست بالباحث المتخصص في تحليل الروايات ونقدها، ولكن شيئًا قويًا أجبرني على كتابة هذا الموضوع عن روايتين في آن واحد، فالروايتين قد تبدوان للجميع مختلفتين، إلا أنني من خلال قراءتي لكلا الروايتين وجدت ثمة “ثنائيات” تجمع ما بين هذه الروايتين، وثنائيات أخرى تفرق بينهما.
الزمن
ورغم أن كِلا الروايتين قد تم تأليفهما في القرن العشرين، إلا أن كلاهما ينتميان لعالمين مختلفين، وربما هذه أولى الثنائيات بينهما، فرواية “1984″ لـ”جورج أورويل” واسمه الحقيقي أريك أرثر بلير، يعود تاريخ نشرها إلى العام 1949م، وهي تتناول قصة رجل يعيش في بلاد يحكمها نظام شيوعي، مستبد بالناس، يُسيطر على أوجه الحياة، بل وعلى تفكير الناس، وتحت ناظري “الأخ الأكبر” يعيش الناس في نمط واحد، وفي إيقاع حياة متكرر رتيب، أما رواية “الحصن الرقمي” فتقريبًا أصغر بخمسين عامًا، إذ نُشرت لأول مرة عام 1998م، ومؤلفها هو المبدع “دان بروان” الذي ذاع صيته كثيرًا بعد تأليفه لرواية “شفرة دافنشي”-لم أقرأها بعد-، ورواية “الحصن الرقمي” تتناول قصة انتقام الياباني “إنسي تانكادو” من الولايات المتحدة، التي ألقت فوق مدينته قنبلة ذرية في نهاية الحرب العالمية الثانية، والياباني هذا استطاع بعبقريته من الدخول إلى الولايات المتحدة والعمل في أحد أجهزة استخباراتها “إن أس أي”، وقام بمكيدة ما، سوف تجعل أسرار هذه الوكالة بمتناول يد جميع المخربين والإرهابيين، الذين يُحاولون ليل نهار أن يخترقوا “الحصن” الذي يحمي شبكة أسرار ومعلومات هذه الوكالة، وسوف يؤدي ذلك إلى خراب عظيم مالم يتم تداركه.
شغف القراءة والمُتابعة
ثاني الثنائيات، باختصار هو الشعور الذي كان ينتابني أثناء قراءة الروايتين، فحقًا استطاع دان براون بأن يوزع عناصر الإثارة والتشويق على طول فصول “الحصن الرقمي” البالغ عددها 128 فصل، وبمقدار أقل منه نوعًا ما استطاع جورج أورويل من فعل ذلك بروايته، إلا أن جورج أورويل أقحمنا بموضوع وتفاصيل كثيرة أصابتني بالشعور بالملل، وذلك في الفصل الذي يقرأ فيه البطل سميث كتاب المعارض غولدشتاين، حيث يكشف ويفضح للشعب خبايا وأسرار الحزب، وقد يكون المؤلف جورج أورويل معذورًا في ذلك، إذا ما نظرنا إلى زمن تأليف الرواية، حيث صراع الأيديولوجيات المختلفة، وسعي كل منها لكشف عيوب الأخرى، أضف إلى ذلك أن في ذلك الوقت كان الكتاب بفعل “خير جليس في الزمان”، حيث لا توجد مُلهيات أخرى-كالانترنت- تشغل حيزًا من أوقات القراء، لذا فقرّاء ذلك الوقت كان يزهد في نظرهم الوقت لقراءة أمثال هذه التفاصيل، والتي أصبحت بنظري الآن مملة.
الجنس
أما الثنائية الثالثة، فهي الجنس في الرواية، ففي رواية “1984″ حيث الرقابة الشديدة…على كل حركة…على كل همسة…على كل نظرة، بل وكل لحظة من لحظات التفكير، يتحول الجنس إلى “رذيلة” من رذائل بقية أفراد الشعب، ينزه أعضاء الحزب أنفسهم عن ممارستها، بل ويوجد فرقة من شباب وشابات الحزب المشبعين بالحماسة والولاء للحزب، والذين يمتنعون عن ممارسة الجنس-ولو ظاهريًا، فـ”جوليا” خير مثال على نقيض ذلك- وينذرون نهارهم مع ليلهم في خدمة الحزب والأخ الأكبر، أما مؤسسة “الزواج” فأصبحت العلاقة الجنسية -التي تربط طرفي هذه الشركة- مجرد آلية لإنتاج أفراد جُدد، سيعملون للحزب…حيث ولائهم وحيث انتمائهم، بعيدًا عن كل مشاعر المرح والسرور واللذة الإنسانية الفطرية، وتحت مثل هذا النوع من الضغط المتواصل، يتحول “الجنس” إلى هاجس، إلى طموح يحدو مشاعر كل عضو من أعضاء الحزب، فيحاولون أن يتمردوا على هذا المنع الذي لا يُراعي رغباتهم النفسية والفسيولوجية…فيتبعون بذلك كل وسيلة ممكنة لتنفيذ هذا، وعلاقة جوليا مع سميث مثال على كسر القواعد الصارمة للحزب فيما يتعلق بالعلاقة الجنسية بين أعضاء الحزب بعيدًا عن الأبصار.
أما رواية “الحصن الرقمي” حيث بلاد الحرية بلا حدود، فيتحول الجنس إلى تجارة رابحة رغم “محاربة” السلطات لها -نوعًا ما-، لقد أصبحت العلاقة بين الجنسين لا تلتزم بأي نوعٍ من أنواع القيود الأخلاقية أو الدينية، فالذكور يتحدثون إلى الإناث فيما يتعلق بالجنس كما يتحدثون إلى الذكور لا فرق في ذلك والعكس صحيح، وبهذا الشكل فأنا لا استغرب طريقة التعامل بين الموظفين في الوكالة (طريقة معاملة كريج هيل لسوزان أو طريقة تعامل برينكيرهوف لميدج) أو في اشبيليا إذ رأينا كيف أن “خدمة المرافقة” تحولت بالفعل إلى نوع من أنواع الدعارة. ومن المنظور نفسه أرى بأن المؤلف وفق في توظيف الجنس في هذه الرواية،إذ يُرينا حجم التناقض الكبير بين ما وصل إليه العقل البشري في مجال التقنيات من ارتفاع وتقدم،وما وصل إليه المستوى الأخلاقي لديهم من هبوط وانحلال.
إذًا كلا الروايتين تطرحان موضوع واحد من زاويتين مختلفتين، ففي “الحصن الرقمي” حيث الـ”لاحدود” على العلاقة الجنسية، وفي “1984″ حيث القيود المفروضة بقوة على كل علاقة تجمع فردين من أعضاء الحزب، والنتيجة الحتمية هي الانحلال الأخلاقي، والفساد الكبير الذي يُصيب أعضاء المجتمع.
انتهاك الخصوصية
أهم الثنائيات، وهي بنظري محور الموضوع كله، هو موضوع “الحرية الشخصية”، ففي رواية “الحصن الرقمي” رأينا أن المؤلف يوظف كثير من الجنسيات في روايته، فقد رأينا أولاً الياباني ثم الكندي والاسباني والألماني وأخيرًا البرتغالي،وبالتأكيد الشخصيات الرئيسية هي الأمريكية،إذًا فالمؤلف لا يتحدث عن قضية تشغل حيزًا جغرافيًا ضيقًا،وإنما يتحدث عن قضية عالمية تطال البشرية جمعاء،ومهما يكن هنالك من اختلاف في وجهات النظر عما إذا كان عمل الـ”إن أس أي” هو عمل مشروع أم لا؟ أخلاقي أم غير أخلاقي؟ فإن توظيف المؤلف لهذا الكم من الجنسيات يقرر بأن التقنيات الحديثة قد جعلت بالفعل العالم كله قرية واحدة، وأنه بالإمكان مراقبة خطوات الفرد خطوة بخطوة ولو على بعد آلاف الأميال،وأن هذه الأحداث لا تعني مجتمعًا واحدًا بعينه بل تعني البشر حول العالم جميعهم، وهنا تبرز إشكالية “الحرية الشخصية” للإنسان، فمع استخدام التقنيات الحديثة من هاتف وإيميل إلكتروني وغيرها، أصبح بإمكان أجهزة الاستخبارات أن تتنصت وتخترق أسرار الأشخاص، سواء أكانوا أشخاص ذو شأن أم عاديين.
أما في رواية “1984″ فأكثر ما لفت نظري فيها هو “لا تلفت النظر”، وهي العبارة التي يكررها ونستون سميث البطل، كلما همَّ بفعل ما، فنظام الحياة في أوقيانيا، يجعل الإنسان يعيش تحت هاجس المراقبة الدائمة، بل حتى صور “الأخ الأكبر” تتحول إلى أجهزة مراقبة تعد وتُحصي على سميث حركاته وأنفاسه، ويبرهن هذا ما حدث في نهاية الرواية، إذ اكتشف سميث أنه كان تحت المراقبة منذ سبع سنوات وهو لا يعلم، رغم الاحتياطات التي اتخذها.
إذًا كلا الروايتين تطرحان إشكالية أخرى، وهي “الخصوصية” التي يتمتع بها الأفراد، قد يعترض أحد ما ويقول، أن ما تعرض له سميث كان بوجود نظام ما، وأنه آل إلى الزوال الآن، ولذلك زالت معه جميع ملامحه، وخاصة “مراقبة الناس”، إلا أن دان بروان بروايته “الحصن الرقمي” يبددُ ويفندُ هذا الرأي، فالخصوصية ما زالت حتى في أكثر بلدان العالم حرية، عُرضة للانتهاك من قِبَلِ أجهزة الدولة.
في النهاية أود شكر الشقيقين العزيزين، الأستاذ عبداللطيف الميموني الذي أعارني رواية “الحصن الرقمي” في الصيف قبل الماضي، وشقيقه المهندس عبدالهادي الميموني الذي أعارني رواية “1984″ هذا الصيف… أوليست هذه ثنائية أخرى بحد ذاتها!!! بل هي أجملهن.


تحية طيبة عزيزي
سلامي لك ولأصدقائك الراعوان ال الميموني
علاقتي سيئة مع الاعمال المترجمة
لإيماني التام أن النص يفقد الكثير من جماله عند
الترجمة .
ومع ذلك اقرأ لغارسيا ماركيز لحبي لكتاباته
وبمناسبة الحديث عن بروان قرأت له
“شفرة دفنشي ” وكان ممتعاً .
أشكر لك هذه القراءة الجميلة للكتابين
موفق أخي .
دمتم ..
أهلاً أخي ميقات،،
بالعكس أخالفك في موضوع الترجمة هناك مترجمون يقومون بعمل ترجمة بارعة يُحافظون من خلالها على جمال النص المترجم قدر الإمكان، وبالنسبة لغارسيا ماركيز فأحاول خلال الفترة المقبلة الحصول على بعض رواياته وخاصة “الجنرال في متاهته”.
أما “شفرة دافنشي” فإن شاء الله ستكون من قائمتي قراءاتي قريبًا.
شكرًا لك.