تفتخر الكويت ونفتخر ككويتيين بجمعياتنا الخيرية الممتدة عبر بلاد العالم، تقدم مساعداتها المختلفة للمحتاجين سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، وهذا هو الخلق الذي جبل عليه ليس الكويتيين فقط وإنما عموم المسلمين، وقد طالت التهم الباطلة هذه الجمعيات من كل حدب وصوب، فصغيرًا كنت أسمع من “البعض” بأن الجمعيات تسرق أموال المتبرعين وأصحاب الخير، وتوضع تلك الأموال في جيوب القائمين على هذه الجمعيات، طبعًا كان هذا الكلام يصدر من “المخالفين” مذهبيًا ومن سار بركبهم -على عمى ودون هدى- وذلك لتشويه سمعة هذه الجمعيات، وآخرون ذوو انتماءات “علمانية” يسوءهم رؤية عمل الخير، كما طالت هذه الجمعيات دعاوى دعم الإرهاب الباطلة التي شنتها عليهم الإدارة الأمريكية، وقد تبين بعد تحقيقات عدة كذب وبطلان هذه الادعاءات، ومنذ أحداث 11/سبتمبر، والعمل الخيري أصبح يواجه تضييق داخلي وخارجي.
إلا أن الحق يُقال، فقد شهدت الكويت في الأعوام السالفة نشأة وتأسيس العديد من “المبرات الخيرية”، والتي تقدم مختلف أنواع العون والمساعدة للمحتاجين داخل وخارج الكويت، هذا إن دل على شيء فهو يدل على بذرة الخير والبر المغروسة أبدًا في نفوس أهل هذه البلاد الطيبة، وكذلك عموم المسلمين، وقد شهدت على ذلك بنفسي في مسجد “بيبي البدر” بمنطقة الصباحية خلال شهر رمضان الماضي، وكان لا يمضي يوم إلا ويقف أحد مندوبي الجمعيات الخيرية بعد صلاة العشاء لدعوة المصلين للتبرع والمساهمة في دعم مختلف أنواع العمل الخيري، وكان إقبال الناس على التبرع باستقطاع جزء من رواتبهم شهادة أخرى على حب عمل الخير.
هذا الكم الطيب من الجمعيات والمبرات واللجان الخيرية هو أمر مُبارك، لا أحد يختلف على ذلك، ولكن يشوب هذا الشيء نوع من الفوضى، وأقصد بها عدم تنسيق وترتيب الجهود بين هذه المؤسسات، فتجد المبرة الواحدة تقدم مُساعدات متنوعة، فهي تكفل الأيتام، وترعى المرضى، وتتكفل بتدريس المحتاجين، وطباعة ونشر القرآن، وبناء المساجد، وترميم المساكن، وإقامة الندوات العامة وغيرها من أعمال الخير، كل هذه الأعمال تُشرف عليها جمعية أو مبرة واحدة، وهذا جهد طيب يُشكُر القائمون عليه، ولكن أليس من الأولى تركيز الجهود، وتنسقيها وتنظيمها، فتتخصص كل جمعية أو كل مبرة في تقديم مجموعة من الأعمال لا تزيد عن ثلاثة على الأكثر، وذلك لتفادي ضياع المجهود سدى، فعلى سبيل المثال تتخصص الجمعية “أ” في تقديم المنح الدراسية للطلبة المحتاجين، وتقوم المبرة “ب” بكفالة الأيتام، وتقوم اللجنة “ج” بطباعة ونشر القرآن وكتب الحديث وبقية كتب العلوم، وهكذا يسير العمل بانتظام وسلاسة، ونضمن تقديم العمل الخيري -إن شاء الله- بصورة أكثر فعّالية، تضمن سلامة الكم والكيف معًا.
الأمر الثاني، وهو أن تتخصص كل جمعية أو لجنة في تقديم المساعدات لمنطقة جغرافية محددة، فاللجنة “أ” مثلاً تقدم المساعدات لأفريقيا، واللجنة “ب” مثلاً تقدم المساعدات لشرق آسيا، رغم أنهما يقدمان نفس نوع المساعدة وهي على سبيل المثال الرعاية الصحية الأولية.
أمر آخر لابد من ذكره والتركيز عليه، وهو أن مفهوم العمل الخيري ما زال يمثل بالنسبة لعموم المسلمين أنه مجرد عمل تطوعي، فيُقدِم عليه من وجد الرغبة في نفسه لتقديم المساعدة للمحتاجين حول العالم، هنا لا أقصد تقديم الأموال، وإنما أقصد المشرفين والمنظمين والمخططين، وكذلك المنفذين للعمل الخيري، وهنا أعتقد جازمًا بأن الأمر يجب أن يُصحح، فالعمل الخيري ما عاد أمرًا تطوعيًا، وخصوصًا في مناطق المسلمين، حيث تنشط عمليات التبشير، المدعومة بكافة أنواع الدعم والمساندة من قبل الحكومات والمنظمات والاختصاصيين، الأمر عند النصارى تطور كثيرًا، وأصبح عملاً مؤسساتيًا، قائم على أسس ومعايير عملية علمية لتقديم المساعدات، الأمر عينه أيضًا نراه في منظمات الأمم المتحدة المختلفة، إذًا فالعمل الخيري ما عاد أمرًا عشوائيًا، مندفع بفورة “إيمانية” قد تهدأ بعد وقت قصير وتنطفىء.
ما أريد أن أقوله، هو أنه لابد من تغيير مفهوم العمل الخيري في أذهان القائمين عليه، وذلك لكي نضمن أعلى نتيجة إيجابية لأعمال الخير، ومن ذلك أن تقوم الكليات والمعاهد الشرعية بتقديم مواد دراسية أكاديمية للطلبة الدارسين، تُطلعهم على الأساليب العلمية في تقديم المساعدات للمحتاجين، فيما يضمن عدم ضياع تلك الجهود الخيرية، وكذلك نيل النتائج المرجوة من العمل الخيري.