الفتوحات العربية في روايات المغلوبين
المؤلف حسام عيتاني
عدد الصفحات:٣٢٠ صفحة
الدار: دار الساقي الطبعة الأولى ٢٠١١
من أحدث كتب التاريخ نوعًا وموضوعًا، إذ يتناول فيه حسام عيتاني الفتوحات العربية، ولكن عبر روايات وأخبار ووثائق الشعوب المغلوبة.
خلال صفحات هذا الكتاب، يتبين لنا أن الأمور لم تكن بتلك الصورة النمطية التي نسمعها ونقرأها في كتب التاريخ عن الفتوحات العربية، ولكن كان هناك ثمة تباين في استقبال الفاتحين العرب والنظرة إليهم، وعلاقاتهم وتأثيراتهم مع وفي الشعوب المغلوبة.
في المقدمة؛ بسط المؤلف هدفه من الكتاب، وذلك بعرض الفتوحات العربية عبر المصادر التاريخية والدينية للشعوب المغلوبة، أي أنه يسعى لعرض “وجهة النظر” الغائبة أو”المُغيبَة” للفتوحات العربية، تلك النظرة التي “رآها إخباريو بيزنطية وفارس ومصر والصين والسريان وغيرهم”.
وهو يؤكد بأنه لايهدف إلى بيان الصح والخطأ في هذه الروايات، أو “تبييض أو تسويد” الفتوحات عند القارئ المعاصِر، بل يتلخص هدفه في إدراج هذه الروايات في حيز الوعي العربي، وعرضه للنقاش والنقد.
وبنهاية مقدمته، يؤكد هذا الفكرة:
“لا يضير الإسلام والمسلمين في شيء أن يروا صورتهم في مرايا الآخرين”.
وفي الفصول البالغ عددها أحد عشر فصلاً، يتنقل المؤلف جغرافيًا وتاريخيًا ليرصد النظرة “المُدَوّنَة” للشعوب المغلوبة عن الفتوحات العربية، معتمدًا على مصادر متنوعة كالحوليات وكتب التاريخ، أو الكتب الدينية للطوائف التي تواجدت أثناء فترة الفتوحات العربية.
ولكنه يستدرك ما أصاب هذه المرويات من قصور وإهمال وتحريف وتزييف، فيؤكد:
“إننا لم نغفل عن النواقص الكبيرة في المصادر غير العربية، بل حاولنا استنطاق محمولها الأيدلوجي والثقافي، أكثر من البحث عن حقائق ووقائع تاريخية”.
إذًا فليس“سرد التاريخ”هدف الكتاب وأسلوبه، وإنما جزئية يستخدمها الكاتب أحيانًا لتعيين موقف أيدلوجي أو ثقافي هنا أو هناك.
هناك عدد من النقاط استرعت انتباهي كثيرًا، وقد توقفت طويلاً عندها، وهي :
- في المقدمة؛ يُقرِرُ المؤلف بأن ثمة مناطق بحث في تشابك الدعوة الإسلامية والفتوحات العربية مازالت تُعتبَر “أرضًا حرامًا على الباحث العربي”، أعتقد أن ذلك غير صحيح، فأساس الإسلام-القرآن والسنة-تعرض للنقد بل والتشكيك سواء بطريقة موضوعية أو هجوم غير علمي، فما بالك بالفتوحات وهي أقل شأنًا بكثير من القرآن الكريم؟!
- نقطة أخرى تقع في الفصل الأول، حيث يوجّه الكاتب سؤالاً استفزازيًا للباحثين في التاريخ فيقول: ممَّن تألفَت جيوش الفتح سواء على المستوى “الديني” أو العرقي؟ ثم يُقرر-في السطرين التاليين-حقيقةَ إغفال كتب التاريخ للـ”الخلفية الدينية” لجنود الفتح لصالح الخلفية القبلية! وهذا سؤال حقيق بالبحث، إذ أن الكاتب لابد من أن لديه مصادر تجعله يرفع مثل هذا السؤال إلى مستوى البحث والمناقشة…. هل كان ثمة جند غير مسلمين في جيوش الفتح العربي؟ وما معنى ذلك إن صح هذا الادعاء؟ ألا يعني ذلك بصورة من الصور أن الدولة الإسلامية كانت لاتختلف كثيرًا عن بقية الامبراطوريات في سبيل توسعها؟ سؤال جدير بالبحث والإجابة.
- أيضًا في الفصل الثاني، يعرضُ المؤلف رأيه بأن “الإسلام بنشأته دينًا وبإقامته دولة” لم يكن في منأى عن الحركات السياسية-الدينية التي كانت الامبراطورية الرومانية-البيزنطية تشهدها، أي أن الإسلام تطور كأيدلوجيه ثقافية سياسية واقتصادية واجتماعية، عبر سلسلة من الأحداث التي كانت جذورها مسيحية، ثم يدلل على ذلك بلقاء النبي-صلى الله عليه وآله وسلم- بعدد من المسيحيين العرب في جزيرة العرب، وأنه تعرف على معتقداتهم الدينية!، ثم دفعًا للحرج يعود الكاتب ويقول بأن مثل هذه المواضيع بحاجة لمزيد دراسة! وأنا هنا أؤيده (صفحة٤٩).
- النقطة الأخيرة بهذا العرض الموجَز؛ توجد في الفصل التاسع..”بعد السيف… الكتاب” إذ تحدث الكاتب عن “الإسرائيليات” واليهودية بشكل عام وتأثيرها في الإسلام، وأن استياء كبيرًا يعتري الكثير من المسلمين بسبب هذا القول، ويردُّ أسباب هذا الاستياء إلى الصراع السياسي الراهن في فلسطين بين اليهود والمسلمين..أي كأنه يقول؛ لولا هذا الصراع لما نفى المسلمون واستنكروا صحة الادعاء القائل بتأثير اليهودية في نظم الإسلام وتشريعاته ودور”الاسرائيليات في تأسيس فكرهم وتراثهم، وهذه مُغالطة أخرى.. إذ أنه اختزل التاريخ كله في صراع عمره قرن من الزمان تقريبًا، ويغض النظر عن حقائق إسلامية دامِغة تؤكد صحة وسلامة ونقاء مصادر التشريع الإسلامي- القرآن الكريم والسنة النبوية-من أي تأثر بالاسرائيليات أو غيرها.
عمومًا الكتاب مفيد جدًا في عرض رؤية الآخر لنا ولتاريخنا، وهو يوقد شعلة التفكير والتمحيص في عقل القارئ، وهذا أعظم ماتستطيع الكتب القيام به… استفزاز القارئ.
نقطة لابد منها:
أشكر الأخ العزيز طلال عباس المناور على اقتراحه الكتاب لي وتشجيعي على قراءته.



