Feeds:
تدوينات
تعليقات

Posts Tagged ‘مفهوم التمييز العنصري’

مقدمة:
إذا كان النقاش مقبول عند الحديث عن نسبة الإبادة وتجارة الرق لأوروبا، فان التمييز العنصري لا يمكن النقاش فيه، فقد نشأت العنصرية في أوروبا ونمت وترعرعت، وأصبحت سمة لأوروبا في تعاملها مع الآخر الديني داخل أوروبا أولاً، ثم خارجها، والآخر العرقي فيما بين أبناء القارة الأوروبية أولاً ثم خارجها، والعنصرية من وجهة نظري المتواضعة تشكل خطرًا أشد من الإبادة وتجارة الرقيق، بل إن العنصرية هي الدافع الذي يُسوّغ لنا أن نبيد الآخر-على أسوء احتمال-أو الاتجار به-على أحسن احتمال-، فالعنصرية تعني بكل بساطة الحط من قدر الآخر على أساس الجنس أو الدين أو اللون، وعدم حفظ حقوقه، بل العنصرية لا ترى للآخرين حقوقًا يجب المحافظة عليها، وجذور العنصرية ضاربة في التشكيل الحضاري الغربي، سواء الكنيسة النصرانية في عصر قبضتها على أوجه الحياة في أوروبا، أو حتى المدارس الفلسفية والفكرية الأوروبية التي ظهرت كردة فعل على تسلط الكنيسة.
والتمييز العنصري في الغرب إنما هو جهد جماعي موجه ومنظم، ولا يمكن حصره بأفراد أو أحداث تاريخية طارئة، أيد ذلك تعاليم دينية مسيحية عنصرية، وجهود فكرية وفلسفية قام بها كبار الفلاسفة الغربيين، وقد اتسمت أوروبا بالتمييز العنصري على مدى القرون الماضية، ومازالت حتى الآن، فقد كان التمييز والاضطهاد العنصري موجهًا قبل وأثناء عصر النهضة تجاه الأقليات الدينية سواء المسيحية أو غيرها، وخصوصًا بقايا المسلمين في الأندلس(أو اسبانيا بعد سقوط آخر المدن الأندلسية غرناطة 1492م)، واستمر الأمر على ذلك قرونًا، وفي القرن التاسع عشر كانت العنصرية القومية هي الطاغية، وقد وصلت ذروتها في القرن العشرين، حين أشعل متطرف صربي نيران الحرب العالمية الأولى باغتياله ولي العهد النمساوي في أثناء جولته بشوارع سراييفو البوسنية.
ولا تكاد نيران العنصرية المقيتة في أوروبا تنطفئ في مكان حتى تشتعل في مكان آخر، والعنصرية هي ذاتها أطلت على العالم بوجهها القبيح عام 1939م، لتُشعِلَ فتيل نار الحرب العالمية الثانية.
ومازالت حتى اليوم العنصرية متواجدة في أوروبا، وهي موجهة في الغالب ضد الوافدين وطالبي اللجوء في الدول الأوروبية، وكانت أوروبا عبر المناطق التي حازتها بالقوة في أفريقيا وآسيا والعالم الجديد، كانت تُمارس هذه العنصرية تجاه شعوب تلك المناطق، ولعل آخر الأمثلة الشاهدة على ذلك نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والذي دعمته واحتضنته الدول الغربية، وكذلك ما زال شاهدًا على العنصرية الغربية ما نراه ونشهده في الأرض المُحتلة من جَوْر وصلف وعدوان الصهاينة في وضح النهار دون أن يسترعي ذلك مشاعر الحكومات الغربية، وهنا لابد من الفصل بين تعاطف الشعوب الأوروبية ومواقف والتزامات الحكومات.
وفي بحثنا هذا سوف نتناول مفهوم العنصرية، وسنُعرّج على بعض النماذج التاريخية والمُعاصرة للعنصرية في الحضارة الغربية(أمريكا+أوروبا)، وسنكشف عن جذور العنصرية في التشكيل الحضاري الغربي، وكل ذلك بإيجاز القارئ وليس الباحث المُتخصص.

مفهوم التمييز العنصري:
لابد في البداية من أن نُعرِفَ مفهوم التمييز العنصري، وهو بشكل عام ” كل تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الجنس، ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها على قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أوفي أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة “(1).

في الجزء القادم سنتعرف على أهم الشواهد والأحداث العنصرية في أوروبا عبر العصور الماضية والأيام الحاضرة التي نعيشها.

Read Full Post »

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.