Feeds:
تدوينات
تعليقات

 

 

 

  

الأدب الأندلسي في الدراسات الاستشراقية البريطانية
رشا عبدالله الخطيب


من مجالات القراءة التي شغفت بها في السنوات الماضية ولا زلت، تاريخ الأندلس عمومًا، وما يتصل به من دراسات وأعمال قديمة وحديثة، عربية أو مترجمة، وكذلك مجال الدراسات الاستشراقية، سواء ما أنتجه المستشرقون أنفسهم، أو الكتابات العربية النقدية لإنتاج المستشرقين عمومًا، وفي هذا الكتاب، وجدت المجالَين مضمومين في موضوع واحد طريف وغير مسبوق، فكان حافزًا قويًا لدي لاقتناء الكتاب وقراءته حالاً.

وعمومًا، فالكتاب يبحث موضوع المستشرقين/المستعربين البريطانيين وعلاقتهم بدراسة الأدب الأندلسي، وفي مقدمة الكتاب تضع الباحثة رشا الخطيب عدة تحديدات لعنوان كتابها في ذهن القارئ قبل أن يشرع في قراءة الكتاب، ومن أهم هذه التحديدات:
– أن عبارة “الأدب الأندلسي” تشير إلى “الأدب بمعناه الإبداعي، أي النصوص الإبداعية من شعر ونثر وما ينضوي تحتهما من فنون أدبية متنوعة عرفتها الأندلس وأبدعها أعلامُها”.
– وأن كلمة “الاستشراق” الواردة في العنوان، ورغم عدم مناسبتها جغرافيًا حيث أن كلا الدارس والمدروس يقعان جغرافيًا في الغرب، إلا أن الباحثة تؤكد على أن الشرق هنا يؤخذ “بمفهومه العام الحضاري والثقافي، أي الشرق الذي يقصد به بلاد العرب والمسلمين”، وذلك في إطار تاريخ الأندلس، ووجود المسلمين فيها.
– أما كلمة “البريطاني”، فتوضح الكاتبة أن المقصود بها هو كل من كان يعمل في الهيئات العلمية والجامعية في بريطانيا، وليس بالضرورة فقط أولئك الذين يحملون جنسيتها.
ثم بعد هذه المقدمة، والتوضيحات الجانبية، يبدأ الكتاب الذي يقع في بابين اثنين هما:
– الاستشراق البريطاني والدراسات الأندلسية: توطئة عامة ونظرة تاريخية.
– الدراسات الأندلسية في بريطانيا: المنجزات العلمية والمنهجية.
وفي نهاية الكتاب، تضع الباحثة مسردَين أولهما يتعلق بالمستشرقين البريطانيين المهتمين بالتراث الأندلسي، والآخر مجرد قائمة بالمقابل اللاتيني لأعلام المستشرقين عمومًا.
ومنعًا للإطالة، أورد أهم ما تستخلصه الباحثة الخطيب في كتابها هذا:
– أن الدراسات البريطلنية المتعلقة بالأدب الأندلسي تعتبر قليلة إذا ما قورنت بالدراسات الفرنسية والإسبانية، إلا أنها كانت إضافة نوعية، أثبتت حضور بريطانيا في هذا المجال من الدراسات.
– عمومًا، تعتبر المدرسة الاستشراقية البريطانية جزءًا من النظرة الغربية العامة تجاه الأندلس، تتفق معها في أشياء، وقد تفترق في أخرى.
– أن المستشرقين الإنجليز الذين تناولوا الأندلس عمومًا، لم يكن التخصص الدقيق لغالبيتهم هو الدراسات الأندلسية، وإنما هم في الغالب من المستشرقين والمستعربين المهتمين عامة بالدراسات العربية والإسلامية.
– أن النشاط الاستعماري لبريطانيا، أثّرَ في توجهات المستعربين البريطانيين ومساهماتهم العلمية، مما جعل إنتاجهم أقل بكثير مما أنتجه المستعربون الفرنسيون والإسبان فيما يتعلق بالأندلس، وهذه إشارة قوية للعلاقة الوثيقة بين الاتجاه السياسي للدولة، وتأثيره على جهود الباحثين المنتمين له.


والقارئ سيجد متعة في قراءة واستكشاف تاريخ الدراسات العربية عمومًا في بريطانيا بين دفتي هذا الكتاب، فالباحثة الخطيب اهتمت في كتابها بأن تقدم إضاءات كاشفة على تاريخ الاهتمامات البريطانية بدراسة اللغة العربية، ودوافع هذه الاهتمامات، وصورها ومجالاتها، كما أنها تناولت موضوعًا مهمًا وهو جمع المخطوطات العربية في بريطانيا وفهرستها.
وعند العودة لموضوع الكتاب الرئيس، تجد الباحثة أن أهم القضايا التي شاركت المدرسة البريطانية في مناقشتها في الدراسات الأندلسية تقع في ثلاثة مجالات تكاد تكون قريبة، وهي:
– التأريخ للأدب الأندلسي.
– الأثر العربي في الآداب الأوروبية.
– الموشحات والأزجال الأندلسية.
وتُفصِّل الحديث عند مناقشتها لاتجاهات الباحثين البريطانيين ومواقفهم من هذه القضايا الثلاث، وتذكر بعض المعارك العلمية التي دارت رحاها بين الفرق العلمية الأوروبية التي تباينت رؤاها حول كل قضية.

باختصار الكتاب يعد ذات قيمة حقيقية فيما يتعلق بالاستشراق البريطاني عمومًا، ورغم قلة الإنتاج البريطاني المتعلق بالأندلس، إلا أن هذا لا ينفي الدور المبكر للمستعربين البريطانيين في تناول الأدب الأندلسي، بالتحقيق والترجمة والفهرسة وغيرها من النشاطات العلمية.

 

قصة مدينة الحجر

 

 

image

 

قصة مدينة الحجر

اسماعيل كاداريه

ترجمة: د.عفيف دمشقية

عدد الصفحات: 298 صفحة.

اصدار: دار الآداب-بيروت/ الطبعة الأولى/1989م.

 

في روايته “قصة مدينة الحجر”، يحاول اسماعيل كاداريه أن يروي لنا شهادة تاريخية على لسان طفلٍ، عاش في مدينة “جيروكاسترا” الألبانية، وشهد فيها أصعب فتراتها التي تزامنت واندلاع الحرب العالمية الثانية، وتناوب الغزاة على احتلال ألبانيا، ثم طردهم أخيرًا على يد الثوار الألبان، ومن أعلامهم في هذه المرحلة الدكتاتور أنور خوجا.

يريد كاداريه لهذه الشهادة “الطفولية” أن تكون بريئة ومحايدة، ويمكن القول أنه استخدم هذه المدينة – وهي بالذات مسقط رأسه- ليعبر عن هوية الشعب الألباني، ومزاجه العام، واختار مدينته مسرحًا للأحداث، ليُضفي عليها مسحة من التوثيقية والمصداقية، والتجربة الذاتية.
لكن التفاصيل الواردة في الرواية، وما حفلت به من صور رمزية، ومضامين آيديولوجية، لا تترك لنا فرصة في أن نصف هذا العمل كونه مجرد “سرد ما اختُزن في ذاكرة طفل بريء” دون مؤثرات خارجية، ودون انحيازات مسبقة، سيكون من السذاجة وصفنا لهذا العمل بهذا الشكل، فالمؤلف كان يبلغ من العمر فقط 3 سنوات حينما شبَّت نيرانُ الحرب العالمية الثانية، فكيف له أن يختزن كل هذه التفاصيل عن الغزاة، وعن الحياة اليومية في مدينته الحجرية؟!

***

عمومًا، إن تغاضينا عن نقطة العمر، فلا يمكن لنا أن نتغاضى عن عدة وقائع ضمن الرواية، تحمل دلالات ومضامين آيديولوجية، تبتعد بالشهادة عن مجال الحياد والموضوعية ولو في حدها الأدنى.
هناك مثلاً، قصة “اسم عمر”، الذي تساءل عنه الطفل الراوية في الصفحة 52، فكانت إجابة أحد مثقفي مدينته بأنه “هوميروس” الشاعر اليوناني القديم، وقد نوافق على مضض بأن طريقة نُطق اسم “عمر” بالألبانية تجعله “أومير”، وهو بذلك قريب جدًا من الاسم الإغريقي “هوميروس”، إلا أننا بذات الوقت، نرى ذلك مجرد تجاهل للخلفية الثقافية الإسلامية، والتصاقًا بالغربية، إذ من الطبيعي أن تكون إجابة مثقف مسلم في مجتمع مسلم عن اسم عربي كعمر، تدور حول أعلام قدماء أو معاصرين يحملون الاسم ذاته، ولكن المؤلف أراد أن تكون الإجابة بعيدة في التاريخ والمضمون عن ألبانيا المجتمع المسلم.

قصة أخرى تتعلق بالمدفع القديم الرابض في القلعة، والذي احتاجه أهل المدينة ليساعدهم في مواجهة الغارات الجوية للأعداء، لكن هذا المدفع حينما استخدموه عجز أن يصد غارات المهاجمين، بل وعجز أن يشكل حتى مجرد خطر على طائراتهم، ثم -وهنا موضع القصيد- يشير المؤلف عبر حوار بين أهل المدينة والمدفعي، أن المدفع القديم إنما هو من مخلفات الوجود التركي، وقد يُكتفى من ذلك في الفهم بأن لا جدوى منه في مواجهة تكنولوجيا الأعداء، والمعنى لا يتوقف عند مجرد مدفع قديم وطائرة حديثة، بل يتعداه إلى ما هو أعقد من ذلك، مما يتصل بحياة الناس وثقافتهم ورؤيتهم للعالم، وقد وردت هذه الحادثة في الصفحات 157 – 165.

قصة أخرى ذات مغزى، وفي الاتجاه ذاته، تتعلق بتوصيات المهندس “الخبير الأجنبي” بعدم استخدام أقبية دور المدينة كملاجئ أثناء الغارات، لضعفها عن صد الهجوم وتحمل الضربات الجوية وقذائف الطائرات، ها هنا مرة أخرى ينبه صاحب الرواية وبطريقة غير مباشرة، إلى ضعف مدينته/هويته/تاريخه/تراثه في مواجهة المدنية والعسكرية الغربية الحديثة، فالخبير الأجنبي كان بحركة بسيطة يغرز فيها أداته بمساعدة مطرقته الصغيرة في سقف أو جدران القبو الحجري فينكشف له عن ضعفه وتحلله.

 

***

مواقف كهذه قد يكون من المبالغ تكثيفها وتقديمها كما قدمتُ في الأعلى، وتحميلها فوق ما تحتمل، لكن القارئ سيلاحظ تجاهل المؤلف لأي مؤثرات وخلفيات إسلامية ثقافية في هذا البلد المسلم (يشكل المسلمون نحو 70% من السكان)، سواء في الحياة اليومية، أو في سياق تحرير البلاد ومواجهة الأعداء، وحينما أراد المؤلف أن يذكر شيئًا ما، تناول “الكتب التركية” التي كان جده لأمه يقرأها بكثرة، وكان يعكفُ على قراءتها وقتًا طويلاً إلى حد العزلة عن العالم المحيط به، وتضجره من المماحكات والمجادلات، موقف آخر نجده في إمام المسجد الذي حاول أن يسمل عينيه وهو على المئذنة حينما شاهد الثوار الشيوعيين في شوارع المدينة، هؤلاء الثوار الذين يرد اسمهم في سياقَين عبر صفحات الرواية، السياقُ الأول: حرب التحرير التي دشنوها وأنجزوها، والسياق الآخر: الفهم المغلوط لدى الناس عن الشيوعيين، والشائعات المتداولة عن انحلالهم الأخلاقي، إن سياق ورود “الكتب التركية” و”محاولة الإمام سمل عينيه”، تتآزران في تعضيد الموقف السلبي من الخلفية الثقافية الإسلامية لدى المؤلف.

ومما لا يمكن تجاهله في استهلال الرواية، تلك الصورة التي قدمها كاداريه عن مجتمعه، مجتمعٌ وسواسي، أعمال السحر والشعوذة هي هاجس أفراده الرئيس، وانتشار الأوهام والحسد والقيل والقال سمة أساسية من سماته، والتفرقة الطبقية والنظرة التعصبية بين سكان المدينة وسكان القرى، هي إضافة لا بد منها لمسايرة التيار الايديولوجي الحاكم في ألبانيا، فأضيفت ولا شك بذلك.
ثم لا بأس من ترديد اسم “أنور خوجه”، في سياق الثوار ومعركة التحرير، هذا الرجل الذي ارتبط به اسماعيل كاداريه حينما كان الأول  يقبض على زمام الأمور في ألبانيا، وقد عيَّنه عضوًا في البرلمان على مدى 12 عامًا، وقد كان رئيسًا للوزراء حينما نشر كاداريه عمله هذا، تزلفٌ أدبي-سياسي لا يتردد اسماعيل كاداريه في تقديمه عبر روايته التاريخية هذي، ومما يذكر عن كاداريه، تنصله من حقبة خوجه بعد وفاته عبر بعض رواياته الحديثة.

 

***

اسماعيل كاداريه، الذي جسد مأساة الاحتلال، وتعاقب الغزاة على وطنه عبر روايته هذه، وكذلك في عدد من أعماله الأخرى كما يذكر النقّاد، هذا الأديب لم يستنكف في فبراير من هذا العام أن يقبل جائزة أدبية، ينظمها المحتل الصهيوني في القدس الشريف، ليكرس ويؤكد بالضبط، أنه ما هو إلا مجرد “حكواتي” انتهازي وبراغماتي تلهث نفسه وراء التكريم والاحتفاء والجوائز، مهما كانت متناقضة مع ما يكتبه ويؤلفه، ويزعجنا بتكراره، أنه المثقف الحداثي في صورته الحقيقية.

 

***

أخيرًا، الرواية تحمل فكرة جميلة، ورغم البطء الشديد الذي كانت تتحرك فيه الأحداث إلى ما يقرب ثلاثة أرباع الرواية، إلا أن الربع الأخير كان أكثر إثارة وتسارعًا في التغيرات والمواقف، عدة شخصيات ظهرت على مسرح الأحداث كشخصيات رئيسية، وأخرى ظهرت على الهامش، الرواية غنية بالصور الرمزية ذات الدلالات الموجهة، كما أن الأسلوب تباين ما بين سرد وحوار.
الترجمة كانت جيدة جدًا، لم أشعر بأن الرواية مترجمة إلا ما تعلق بالأسماء، وإذا ما عرفت أن المترجم هو د. عفيف دمشقية رحمه الله، فلا حاجة لي إلى قول المزيد.

بقايا اليوم

image

بقايا اليوم

تأليف: كازو إيشيجورو

ترجمة: طلعت الشايب

عدد الصفحات: 357 صفحة

اصدار: المركز القومي للترجمة/ الطبعة الثانية/ 2009.

 

فيما تبقى من اليوم، تركن النفس إلى الهدوء، بعد عمل مجهد خلال ساعات النهار الطويلة، لا يريد الإنسان في تلك اللحظات، لحظات الغروب وتباطؤ إيقاع الحياة، سوى أخذ هنيئة من الراحة، واسترجاع شريط ذلك اليوم، لحساب ماله وما عليه، لينظر بنفسه ولنفسه، أيظفر بالراحة، أم يظل قلقًا مكتئبًا على يومه، متوجسًا من بقايا اليوم؟!

****

مستر ستيفنس، كان في مقتطفاته التي رواها لنا عن رحلة عمله، وعن رحلته “العملية” كما يدعي التي يقوم بها، كان هذا الرجل بمثابة ذلك الإنسان، الذي أجهد نفسه طيلة ساعات اليوم، من الفجر وحتى المساء، مجتهدًا في أداء واجبه العملي، يريد لنا أن نقتنع أنه يشعر بالطمأنينة والرضا لما قدمه من خدمة للبشرية، عبر عمله الدؤوب في خدمة “اللورد دارلنجتون”، هكذا يريد للقارئ أن يرى ويصدق بأنه قد سعى سعيًا حقيقيًا لتحقيق معنى “الكرامة”، والمصداقية والنزاهة في العمل، وهو إذ يقوم برحلته هذه للقاء “مس كيتون”، إنما يواصل ما دأب عليه من دقة في العمل، وسعي لتلافي أدنى مستوى من مستويات الأخطاء في خدمته لمخدوميه!

**

لكنني غير مقتنع، نعم مستر ستيفنس، لم تقنعني يا مستر ستيفنس بأنك تشعر بالرضا كل الرضا لما آلت إليه حياتك بعد ما يقرب من ثلاثين عامًا في خدمة القصر، وحتى قدرتك الرائعة على استدعاء تفاصيل لأحداث مضت من عقود وليس مجرد سنين، إنما أرجعها لرتابة حياتك، والروتين الذي كنت تعيش به، وما ذكرك لمؤتمرات “اللورد دارلنجتون” التي لم تتعدى اثنين خلال عقدين من الزمان، إلا محاولة أخرى لتضخيم دورك في خدمة الإنسانية كما تزعم.
لكنها مزاعم بريئة وصافية، فالرجل لم يتجنَ على أحد، وكما كان وفيًا لمخدومه “اللورد”، ها هو يبدو مخلصًا ومتفانيًا في خدمة مخدومه الأمريكي الجديد.

**

إذًا ماذا كان يرمي إليه في بقايا اليوم؟! أظن أن ستيفنس ما زال يأمل بمسيرة جديدة في عمله مع السيد الأمريكي، ولكنها مسيرة ذات بعد شخصي إضافي إذا ما وضعنا رسالة مس كيتون في الاعتبار.
هذا الحذر الشديد في اختيار الكلمات، هذا الاقتصاد المثير في إبداء المشاعر، وهذا الحرص الكبير على قطع رحلة عبر البلاد الإنجليزية للمرة الأولى في حياته لمقابلة مس كيتون، لوجود احتمال بعودتها إلى العمل، كل هذه الأمور مجتمعة تجعلني لا أقتنع برواية مستر ستيفنس، وأنه يشعر بالرضا عن حياته، ثمة استحقاقات ما يزال يعتقد أنه لم يتصدى لها بالشكل الصحيح والمناسب، لذلك يأمل بأن يتدارك في “بقايا اليوم” ما فاته في فجره ونهاره وظهيرته، لعله يدرك المقصود في العشية، حينما تركن النفس إلى الهدوء والسكينة.
**
لدينا مثَلٌ شعبي يقول “مَنْ حَبّك لَاشاك”، أي أن الذي يحبك، ستصدر منه بعض الأفعال والأقوال، التي ستضايقك نوعًا ما، لا لشيء إلا لإظهار محبتك، وربما هذا ما كانت تفعله “كيتون” مع “ستيفنس”، لكنه أهمل وتجاهل كل الإشارات والمشاكل التي تصطنعها مس “كيتون”، كان غارقًا في العمل حتى قمة رأسه، والمؤلف رسم صورًا متعددة لطبيعة العلاقة الشائكة بين الثنائي “كيتون” و”ستيفنس”، ورغم أنها ترتكز على أساس عملي، إلا أن جانبًا من الود كان على وشك النمو، لولا أن مستر “ستيفنس” كان يجهضه باستمرار.

**
أعجبني في الرواية، التوظيف الدرامي لأحداث تاريخية وقعت، وأثرت على العالم، ونذكر بالتحديد هنا، فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وطبيعة العلاقة بين الإنجليز والألمان، وفترة ما قبل وما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي جانب آخر، نرى قدرة الكاتب على سبر أغوار النفس الإنسانية، عبر شخصية انجليزية، حاول باقتدار أن تكون بالفعل تتصف بالصفات الإنجليزية الشائعة، كبرودة الأعصاب، والدقة في العمل، وحسن التنظيم، والحساسية الشديدة في استخدام الكلمات والمفردات، وهذه تحسب للكاتب البريطاني صاحب الأصول اليابانية!
**
أعجبتني شخصية مستر ستيفنس، كان يفرض احترامه باستمرار عبر صفحات الرواية!

رحلة من مصر إلى مصر

image

 

رحلة من مصر إلى مصر
الأستاذ المحامي محمد فريد وجدي بيك

مراجعة وتصحيح وتعليق: د.عبدالمجيد خيّالي
عدد الصفحات: 146 صفحة (شاملة الفهارس والصور).
الناشر: مركز التراث الثقافي المغربي ودار ابن حزم/ الطبعة الأولى/ 2011م.

 

المحامي والسياسي والمؤرخ محمد فريد بيك، يقوم برحلة سياحية قصيرة في صيف عام 1901م، ليستطلعَ بها ما أصاب المسلمين جرّاء التخلف والانقسام والتنازع بينهم، ولذلك فهو يقصد اسبانيا، ليطلعَ على شواهد باقية من الحضارة الإسلامية، بقيت برغم محاولات المحو والتشويه، ثم يتوجه لشمال أفريقيا، ليكون شاهدًا شهادة العين والأذن والمعايشة، على ما يتعرض له العرب والمسلمون في ديارهم من ظلم المحتل.

مسار الرحلة:
بدأ المحامي وجدي بيك رحلته يوم الجمعة 5 يوليو 1901م، منطلقًا من القاهرة، وبحرًا توجه نحو مرسيليا، المدينة الفرنسية الساحلية العتيقة، وبعد قضاء بضعة أيام فيها، توجه بحرًا نحو اسبانيا التي طاف في أرجائها، فشملت رحلته بالترتيب المدن التالية: برشلونه – سرقسطة – مدريد – طليطلة – قرطبة – غرناطة – اشبيلية – وأخيرًا قادس.
ويبدو من خلال سير رحلته في ربوع اسبانيا، أن السائح كان يقصد التعرف على ما تبقى من آثار المسلمين في الأندلس، لذلك، فهو لم يتجشم عناء التوجه لمدن غرب وشمال اسبانيا، وذلك لعدم اشتمالها على ما تبقى ويُظَن أن له علاقة بتاريخ الأندلسيين وحضارتهم، واكتفى بأن يقضي يومين أو ثلاثة في كل حاضرة من حواضر الأندلس العريقة، وهو في رحلته هذه، يقدم دروسًا وعِبَر يطلب من المسلمين التنبه لها، كما أنه لا يُخفي حزنه على بدائع إسلامية تعرضت للتشويه والتبديل، وطمس آيات القرآن، ليوضع عليها وبشكل مُنفر علامات وأيقونات المسيحية.

كما أن الأستاذ المحامي، كان حريصًا على انتقاد بعض المظاهر غير الحضارية في الحياة الاسبانية اليومية، وأهمها كانت مصارعة الثيران، هذه الرياضة التي لا بد فيها من نزف الدماء وقتل الحيوانات، لا لشيء سوى المتعة، كانت هذه الرياضة محل انتقاد شديد من المحامي صاحب الرحلة، وسابقًا، انتقد الأستاذ الفرنسيين وعموم الأوروبيين على ممارساتهم واعتقاداتهم الدينية المتخلفة، المتمثلة في إلقاء النذور في الكنائس، وغيرها من السلوكيات فكتب يقول:

“ومن الغريب أن الإفرنج يرموننا بالجهل، لتمسك بعض جهلائنا بالأوهام الباطلة، واعتقادهم بتأثير الأحجية والتمائم مع شيوع هذه الاعتقادات بين أكثر طبقاتهم تنوراً، فهم يغمضون الجفن عن عيوبهم، وينظرون إلى أقل عيب في غيرهم بالنظارة المكبرة، لكن لا غرابة في ذلك، فهو أمر طبيعي في الأفراد والأمم”.

لكنه كذلك أثنى على دور الحكومة الاسبانية في الاهتمام والعناية بالآثار الأندلسية القديمة المتبقية، وهذا الأمر له علاقة مباشرة بما يسمى “الحنين إلى الأندلس” هذه الموجة الأدبية التي اجتاحت مثقفي وشعراء وأدباء الغرب في القرن التاسع عشر، فكان ذلك سببًا في إقبال السائحين والباحثين على اسبانيا، ومن هنا تنبهت الحكومة الاسبانية لما يمكن أن يعود عليها من منافع بسبب هذه الآثار فأولتها اهتمامها، وشخصيًا، أعتقد أن اهتمام العرب والمسلمين في أوليات القرن العشرين وحتى منتصفه، كان رجع الصدى لتلك الموجة الرومانسية الغربية تجاه الأندلس، فأحيت ما كان ضامرًا في النفوس العربية.
ولأنه عروبي ويعتز بالإسلام وحضارته، فلم يفوت فرصة المرور على “مكتبة الاسكوريال”، والتعرف على الكتب والمخطوطات العربية التي بحوزة هذه المكتبة، وهي تشكل ذخيرة غنية ومتنوعة، كثير منها لم يُكتشَف بعد.
***
وفي يوم الاثنين الموافق 29 يوليو، يتوجه المحامي بحرًا من قادس إلى طنجة، ومنها إلى عدة مدن عربية، وذلك على الترتيب التالي:
طنجة – مليلة – وهران – تلمسان – مدينة الجزائر.

طنجة.. المدينة الساحلية المغربية، كانت تخضع لنظام غريب، فهي أفريقية، ويتغلب عليها الأوروبيون، ويتحكمون بأمرها فعليًا، رغم أنها اسميًا تنتمي لسلطان “مراكش” أو ما يُعرف حاليًا بالمملكة المغربية.
وهناك، شاهد وجدي بيك -برأي العين وسمع الأذن وتقطع القلب- ما أحزنه وحذَّرَ منه، فالغلبة هناك للأوروبيين، مدنيًا مناطق الأوروبيين أنظف وأجمل، وعسكريًا، تولى الأوروبيون المناصب القيادية في الجيش والشرطة والبحرية، فقائد الجيش العام فرنسي، وقائد المشاة انجليزي، وقائد القطعة العسكرية البحرية الوحيدة ألماني، وثقافيًا، تتنوع لغات الصحف المطبوعة والمنشورة، ولا توجد بينها صحيفة واحدة تطبع باللغة العربية!
وفي ميدان الاتصالات والبريد، فلكل قنصلية أوروبية مصلحة بريد وتلغراف خاص بها.
وكل ذلك يورده المحامي وجدي بيك، ليحذر من مغبات التفرق، وهو ينتقد سلطان مراكش -ملك المغرب- لعدم استخدامه لضباط من الدولة العثمانية في “ترتيب جيوشه”، ويعزو ذلك لـ:

“التفرق والتخاذل الذي سبَّبَ ضياع بلاد الأندلس، والذي سيكون سببًا في ضياع مراكش وغيرها من بلاد الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله”.

وبعد قضاء يومين في طنجة، توجه بحرًا نحو وهران، ثم بالقطار إلى مدينة تلمسان، ومنها إلى مدينة الجزائر.
وعمومًا، كانت المشاهدات في الجزائر أكثر إيلامًا من تلك التي في لمغرب، ولم يُسمح له بالنزول من الباخرة إلا في اليوم التالي، وبعد بعض الاتصالات، لكنه في البداية وضح سبب زيارته وتجشمه عناء السفر للجزائر:

“أردتُ زيارة الجزائر لأتحقق مما يدَّعي الفرنساويون أنهم أتَوه من الإصلاح، وما قاموا به من الأعمال الجِسام لتحسين حالة الأهالي المعاشية، وتقدمهم في مراقب التمدن والسعادة، فما رأى كمن سمع”.

وبالفعل، لم تكن هذه سوى دعاية ترويجية للمحتل الفرنسي، فأهل البلاد في فقر وتخلف وجهل، وأما التمدن والبحبوحة العيش فكانت حصرًا للمستوطنين الفرنسيين، فأهل البلاد “شيّالون في الميناء أو خادمين عند الإفرنج.. ولا يوجد بينهم تاجر عظيم أو متوسط، ولا صاحب معمل”،ومما وقف عليه السائح العربي، تحويل عدة مساجد إلى كنائس أو مخازن في هذا البلد المسلم!
وكذلك لاحظ الغزو الثقافي الفرنسي، الذي أجبر الناس على هجرة تعلم العلوم العربية والشرعية، والتوجه لدراسة العلوم باللغة الفرنسية، طمعًا في تحصيل وظيفة أو منفعة دنيوية.
وفي وهران، ألتقى محمد فريد بأستاذ اللغة العربية المسيو “موليراس”، الذي كتب له خِطابَين أحدهما إلى قاضي تلمسان، والآخر إلى سكرتير حاكم الجزائر العام، حيث “أوصاهما فيهما بمساعدتي على جميع ما أريده من الاستعلامات عن حالة البلاد وأهليها”، ويؤكد وجدي بيك أن الخطاب الثاني الذي وجه به إلى سكرتير حاكم الجزائر كان مفيدًا له، حيث “أن المسلمين يحذرون من مقابلة من يأتي بلادهم من إخوانهم من البلاد الأخرى، إلا إذا علموا أن الحكومة ورجالها غير ناقمين من وجود هذا المسلم الأجنبي وبالأخص إذا كان تركيًا أو مصريًا”.
وبعد تلمسان توجه إلى مدينة الجزائر، ومما ذكره عنها، أنه كان يوجد فيها 14 مسجدًا جامعًا، لم يبق منها إلا أربعة!
وفي وسط المشاهد التي تجلب الضيق على النفس، والحزن في القلب، تبدى له مشهدًا جميلاً حينما شاهد وجود “عشرة من البحارة الروسيين يؤدون صلاة الجمعة بكل خشوع”، وحينما سألهم عن موطنهم، أجابه البعض بأنه من بلاد قفقاسيا، والبعض من أوفه، وقَزان، وكانت له لقاءات ببعض أعلام الجزائر في حينها ومنهم قاضي تلمسان شعيب بن عبدالله، الذي أكرم وفادة الأستاذ المحامي.
وفي الجزائر البلد الكبير المترامي الأطراف، لا توجد به سوى جريدة واحدة وهي “المبشر”، ولم يذكر عما إذا كانت عربية أم لا،وهي جريدة رسمية تنشر الأوامر وبعض الفصول في فضل فرنسا على العرب، والحض على التعلق بالولاء لها!
وفي آخر رحلته، قدّمَ المسافرُ العربي مقالتين قصيرتين جدًا عن مشاهداته في الجزائر، الأولى عنوانها “الحرية الشخصية في الجزائر”، وفيها يؤكد على ازدواجية معايير هذه الحرية، فكل شيء مباح للفرنسيين والغربيين، وكل شيء ممنوع على الجزائريين. والمقالة الثانية عنوانها “التعليم والمدارس في الجزائر”، وفيها يتناول أوجه الغزو الثقافي الفرنسي، الذي يعمل على تهميش وإقصاء علوم الشريعة واللغة العربية، ويركز عبر آليات عدة، في مقدمتها التوظيف في الإدارات الحكومية، على التعليم باللغة الفرنسية.

وفي يوم الأحد 11 أغسطس، غادر المحامي مدينة الجزائر بحرًا، عائدًا لمدينة مرسيليا، ومنها توجه لقضاء 20 يومًا في كل من مدينتي “باريس” و”فيشي”، ثم قفل عائدًا إلى بلده، فوصل الاسكندرية يوم 10 سبتمبر 1901م.

***
تمتاز هذه الرحلة بعدة خصائص، من أهمها أن صاحبها رجل يحمل هَمَّ الأمة، ويشعر بمغبة التفرقة والتنازع بين أبنائها، فكانت رحلته هذه مطبوعة بطابع النصح والإرشاد، واستلهام الدروس والعبر، فإذا ما عرفنا الوضع الحرج الذي كانت تعيشه الأمة العربية والإسلامية في مطلع القرن العشرين، وإذا ما عرفنا الدور السياسي والحقوقي والثقافي الذي اضطلع به الأستاذ محمد فريد، اكتشفنا أهمية رحلته القصيرة هذي، وأنها تستهدف تنبيه الأمة وإيقاظها من سباتها.
وتمتاز بطابعها الجغرافي الممتد، من مصر إلى مصر، مرورًا بعدة دول وحواضر أوروبية وعربية أفريقية، وهي تقع -كما ذكرتُ أعلاه- في حقبة تاريخية مضطربة ومتأزمة من تاريخ العالم العربي والإسلامي.

ومما تمتاز به هذه الرحلة، أنها من بواكير رحلات العرب إلى الأندلس، فكما أعلم -وعلمي قاصر- أن الأستاذ محمد فريد سبق الأديب الأمير شكيب أرسلان وغيره من العرب في السياحة إلى الأندلس، فكانت تجربة فريدة وسابقة جميلة تسجل لصاحبها.
كما تمتاز هذه الرحلة، باستشراف المستقبل، فكان السائح المثقف يدقق بصره وبصيرته في ممارسات المحتل في كل من المغرب والجزائر، وكان يحذر وينبه لخطورة ما تقوم به حكومات وإدارات المحتل في ثقافة وتاريخ ودين البلدان المحتلة.


كانت لغة صاحب الرحلة واضحة بسيطة، لم يتكلف لا في عبارته ولا في أسلوبه، وكذلك لم يتجنب إظهار عاطفته الحزينة لحال المسلمين، كما أنه كان حريصًا على الموضوعية، فانتقاده لهيمنة الدول الأوروبية واحتلالها بلداننا، لم يمنعه من الثناء على تنظيمها وحسن إدارتها لأمورها في بلدانها.
كان الكتاب قد طبع قديمًا، وهذه الطبعة هي الطبعة الثانية، وكانت بتحقيق الأستاذ عبدالمجيد كيالي، الذي أضاف هوامشًا عديدة، ربما لم يكن من المطلوب وضعها بهذا الشكل، كما أن هذه الطبعة حفلت بصور فوتوغرافية لم تشتمل عليها الطبعة اأصلية، وهذه من النقاط السلبية في هذه الطبعة، فبعض الصور “مسحوب” من منتدى في الانترنت، وتظهر في إحدى زواياها شعار ذلك المنتدى أو الموقع، وبشكل مُنفِّر، كما أن خط الطباعة كان كبيرًا، يماثل حجم خط الطباعة في الكتب المدرسية، وربما أرادت الدار إخراجه بهذا الشكل لزيادة عدد صفحات الكتاب.

وعمومًا، الرحلة مثيرة، وحافلة بالدروس، والتنبيهات والتحذيرات التي تحقق للأسف بعضٌ منها.

image

ساعات القدر في تاريخ البشرية
ستيفان تسفايج
ترجمة: محمد جديد
عدد الصفحات: 367 صفحة
اصدار: دار المدى/ الطبعة الأولى 2005.

هذا الكتاب هو تجربة القراءة الثانية لي مع ستيفان تسفايج، حيث قرأت كتابه الآخر وهو سيرته الذاتية التي لم يكملها، وكان عنوانها “عالم الأمس”، والحقيقة أن ما وجدته في “عالم الأمس” حفزني لأن أقتني كتابًا آخر للمؤلف ذاته، وإن كان موضوع الكتاب ليس متعلقًا بسيرته الذاتية مباشرة، إلا أنه على صلة وثيقة بالسير الذاتية والأحداث التاريخية التي شغف بها تسفايج.

 

يختار ستيفان تسفايج 14 ساعة من عمر البشرية، كل منها تنتمي لعالم وعصر مختلف، ولكل منها ظروفها الخاصة وأسبابها المتنوعة، إلا أن الرابط بينها كلها هو تأثيرها في عمر ومسار البشرية، لا يعني هذا أنها كلها كانت ساعات انتهت بالنجاح، وتكللت بالتوفيق، لا يبدو أن تسفايج أراد رسم صورة جميلة زاهية مؤطرة بالانتصارات فقط، قد يكون هذا ما يتمناه، لكنه لا ينتمي لواقع الحياة، يقول تسفايج في مقدمة كتابه:

“وأحاول أن أذكِّر هنا ببعض من أمثال هذه الساعات الحاسمة، وقد أطلقت عليها هذا الاسم لأنها تشع بنورها كالنجوم، مضيئة، لا تتبدل، في ليل الفناء والزوال، من عصور وأصقاع شتى”.

أربعة عشر ساعة اختزل فيها تسفايج شغف الإنسان للتحدي، تحدي الطبيعة، وتحدي الناس، وقبلها تحدي الذات، أربعة عشر ساعة غير ذات صلة ببعضها أراد تسفايج التأكيد على أن ما يربطها هو مزيج من معاني ثلاثة هي: الإنسان-الإرادة-القدر.
فلئن كان الإنسان هو البطل، وهو الضحية، فذلك يتطلب منه عزيمة وإرادة لتحقيق المستحيل وإنجاز الصعب، وهذا ما يتطلب تدخل القدر -عنصر الحسم الثالث- الذي يحدد الساعة التي يقبل فيها الإنسان نحو تحديه أو يتردد فيها، وحينها فقط تتبلور في التاريخ ساعة من ساعات القدر في تاريخ البشرية.
أحداث تاريخية مختلفة، وأسماء وأعلام تنتمي لعوالم متناقضة، وجغرافيا مترامية الأطراف، توفر مسرحًا لساعات القدر المفصلية، ولئن كان تحديد الساعة أمرًا عسيرًا، فالمؤلف يكتفي بتحديد اليوم ذي العلاقة بالحدث، اليوم الذي صادف أن تكون إحدى ساعاته فارقة في عمر البشرية، ويورد تسفايج الأحداث بصورة أدبية، بعيدًا عن رسميات التأريخ ولغته الاحصائية، التي لا تتنازل عن ذكر الأسباب والنتائج والحيثيات و..و..وألخ، بل يركز تسفايج الحديث حول محور الحدث التاريخي، مع بعض التهكم أو السخرية، أو الرثاء والأسى، أو الإعجاب والثناء.

  • تبدأ أول الساعات عام 1513م، العام الذي اكتشف فيه الإنسان للمرة الأولى المحيط الهادي، بعد رحلة قامت أساسًا على طمع وجشع بشري لاقتناء الذهب والمجوهرات، لتنتهي بهذا الكشف الجغرافي التاريخي.
  • ثم الساعة الثانية يخصصها تسفايج للحديث عن فتح القسطنطينية عام 1453م، وإن كان في سرده ينحاز للمركزية الغربية، بحيث يتبنى الرؤى المسيحية في معالجتها لفتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح، وهو في نهاية مقالته/ساعته هذه، يجعل فتح القسطنطينية كأنه مصيبة حلّت على هذه المدينة، وأن الفتح لم يكن بمهارة المسلمين، وهو لا ينكره بصورة مباشرة، وإنما السبب الرئيس هو “الصدفة”، وقد صوّر المسلمين وكأنهم مجرمون قتلة، هذا بالإضافة لأخطاء تاريخية ودينية أخرى متعلقة بالإسلام.
  • ثم في الساعة الثالثة، يخصصها للموسيقي جورج فريدريش هيندِل، الذي تلقى عام 1741م، طردًا مرسلاً من قبل الشاعر يينين، تضمن قصيدة جديدة للأخير، كانت بمثابة وقود جديد وغير مسبوق للموسيقي الشهير كبير السن، والذي كان بأمس الحاجة لما يجدد قوته، ويبعث نشاطه، ليؤكد للناس أنه ما زال موجودًا، وما زال قادرًا على الابداع.
  • وفي المقالة/الساعة الرابعة، تناول فيها حادثة تأليف نشيد المارسليز في 1792م، وهو النشيد الذي شقَّ طريقه بصورة عجيبة ليصبح النشيد الوطني لفرنسا إلى يومنا هذا.
  • الساعة الخامسة، كانت ذات أثر كبير في توجيه مصير أوروبا والعالم إلى اليوم، هذه الساعة التي حسمت معركة واترلو عام 1815م لصالح الإنجليز، وانهارت على إثرها امبراطورية وطموحات نابليون بونابرت، وهذا الحادث، هو من الحوادث القليلة التي يوردها المؤلف، بحيث كان عنصر الإحجام والتردد هو العنصر الحاسم في الحدث التاريخي، لقد كان عجز الماريشال “غروشي” عن اتخاذ قرار حاسم، هو -بحسب رواية ستيفان تسفايج- القشة التي قصمت ظهر نابليون في جولته الأخيرة أمام الأوروبيين عمومًا، تلكؤ “غروشي” في الارتداد إلى قائده ومساندته، كان من جهة أخرى مؤازرة غير متعمدة للإنجليز عند لقائهم الجيش الفرنسي، والذي تكلل بانتصار الإنجليز.
  • أما الحدث السادس، فهو يمثل عودة للمجال الذي أحبه واهتم به ستيفان تسفايج، بالتحديد الأدب، وهنا ساعة أخرى من ساعات المجد الأدبي الشعري، التي تأتي نتيجة الشعور المفرط بالحزن والأسى، وانعدام الحيلة واقتراب الأجل المحتوم. “مرثية ماريينباد” التي أبدعها شاعر ألمانيا الكبير غوته، هي محور الساعة السادسة من ساعات تسفايج، وهذه الساعة تعود إلى أحد أيام سبتمبر عام 1823م، هذه المرثية التي يهديها غوته لنفسه قبل أن يهديها للعالم، قصيدة تدور حول قصة حبه لفتاة بعمر أحفاده لا تتجاوز سن التاسعة عشر، ماذا يفعل شيخ كبير سبعيني عشق فتاة في التاسعة عشر من عمرها؟! ماذا يجديه غير الشعر الذي يهديه للفتاة أولريكه فون ليفتسوف، ويصرح فيه عن مأساة الرجل الكبير الذي عشق ما لا يمكنه الوصول إليه أبدا:

ألا فغادريني، يا رفيقة الطريق الأمينة
ودعيني وحدي على الصخرة، في المستنقع وسط الطحلب!
ألا فليكن ذلك! فإن العالم قد انفتح لكِ،
والأرض على اتساعها، وفي مثل عُلُوِّ السماء واتساعها؛
فلتنظروا، ولتبحثوا ولتجمعوا تفاصيل الدقائق والتفاصيل، ولتَرْووا عن الطبيعة ما تفضي به من سرّها، متلعثمة
أما أنا فكل هذا يُخَيَّل إلي أنني فقدت نفسي ذاتها.

  • العالم الجديد مرة أخرى، وهنا نتوجه للحظات اكتشاف الغرب الأمريكي مع أحد المغامرين الأوروبيين، “يوهان أوغست سوتر” الذي أراد أن يبدأ حياة أخرى جديدة، نظيفة وقانونية في أمريكا، وهذا ما كانت تُنْبئ به الأيام الأولى، التي وصلت ذروتها عند وصوله للغرب الأمريكي الواعد بالثروات والكنوز، لكن في أحد أيام عام 1848م، يكتشف أحد عماله شيئًا ثمينًا سيقلب حياة “سوتر” رأسًا على عقب، حزنًا بعد فرح، خسارة بعد ربح.
  • وغير بعيد في التاريخ، وبالتحديد عام 1849م، وفي لحظة تاريخية ندر أن تتكرر، يهدي تسفايج المقالة الثامنة للأديب الروسي دويستوفيسكي، الرجل الذي أحبه كثيرًا، وقرأ أعماله بنهم شديد، وهذه اللحظة يقدمها تسفايج كقصيدة مهداة للأديب الروسي الذي كان من المفترض أن يتم إعدامه في ليلة من ليالي ذلك العام، ولكن عفوًا يصدر من القيصر بالاكتفاء بنفيه إلى سيبيريا، ينقذ دويستوفسكي في اللحظات الأخيرة، ويتمثل عبر القصيدة مشاعر الثقة بالنفس، والجسارة والإرادة لدى دويستوفسكي، كما يصور تسفايج، وهي قصيدة جميلة بمعانيها رغم ترجمتها للغة أخرى.
  • وفي المقالة التاسعة، ينتقل تسفايج إلى عالم التكنولوجيا، وأولى بوادر ما يسمى اليوم بـ”العولمة”، وخصوصًا قطاع الاتصالات، عبر تطور كبير تمثل في ربط العالم الجديد بأوروبا حينما بدأ مشروع مد خطوط التلغراف في المحيط الأطلسي.
  • وفي المقالة العاشرة، عودة أخرى للأدب، وروسيا مرة أخرى، حيث يكمل ستيفان تسفايج في هذه المقالة مسرحية لتولستوي، كانت بمثابة مرآة يعكس من خلالها الأيام الأخيرة لعمر الأديب الكبير، ونهايته التي سعى إليها، وكنت قد قرأتُ سابقًا في كتاب تسفايج “عالم الأمس” مدى حبه وشغفه بقراءة أعمال الأدباء الروس، وتأثره به، وفي طليعتهم ليو تولستوي.
  • المقالة الحادية عشر، تتناول قصة الصراع من أجل الوصول واستكشاف القطب الجنوبي، وفيها يتناول قصة الفريق الإنجليزي الذي حاول الوصول للقطب، لكنه كان قد سُبق من قبل الفريق النرويجي، وما تلا ذلك من مأساة أصابت جميع أفراد البعثة الإنجليزية.
  • وفي المقالة الثانية عشر، نبقى مع روسيا، ولكن هذه المرة مع ثورة البروليتاريا، والموضوع الرئيس هو عودة لينين بالقطار إلى روسيا بعد اندلاع الثورة فيها.
  • وأما المقالة قبل الأخيرة، فيوغل فيها تسفايج بالعودة إلى الماضي السحيق، إلى أيام الرومان، ودور شيشرون في محاولة إنقاذ الجمهورية، لكن محاولته باءت بالفشل، وأودت بحياته في نهاية المطاف.
  • وأما المقالة رقم 14 والأخيرة، فهي لا تختلف في فكرتها العامة عن فكرة المقالة السابقة، إلا أن أحداثها تقع جميعها بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وكما كان شيشرون يحاول إنقاذ النظام والحفاظ على مبادئ الجمهورية الرومانية، وقوة المواطنين فيها، فيوجد أيضًا في عصرنا من سعى لإنقاذ العالم من الصراعات وإخراجه من دائرة الحروب المتكررة، وحاول تأسيس نظام عالم جديد، تقرر فيه الشعوب مصيرها وحقوقها، أتحدث بالضبط عن الرئيس الأمريكي “ويلسون” الذي حاول عبر ورقة مبادئه الـ14 الشهيرة، أن ينهي الصراع البشري السياسي والحربي، لكنه ويا للمفارقة لم ينجح بذلك تمامًا كما حدث لشيشرون قبل أكثر من 1000 عام.

أكثر ثلاث ساعات أعجبتني هي:
دقيقة واترلو في تاريخ البشرية (المقالة السادسة).
لحظة بطولية (المقالة التاسعة، وهي قصيدة).
شيشرون (المقالة الثالثة عشر).

بطريقة أدبية جميلة أورد تسفايج هذه الأحداث التاريخية، واستخدم فيها ألوانًا من الكتابة: الشعر والمسرحية والمقالة، وقد تباينت في الطول والقصر، كما تباينت في المتعة والإثارة، ولا أنسى أنها في النهاية مجرد إضاءات على التاريخ، ولكن كما أشرت فيها مركزية غربية واضحة في التعاطي مع الأحداث والشخوص.

كانت الترجمة جيدة، عابها صياغة العبارة في بعض الأحيان، رغم جهد المترجم في وضع الهوامش التوضيحية حيثما لزم.

 

 

 

 

رحلة إلهامي إلى الموت

 

20150301-222908-80948048.jpg

رحلة إلهامي إلى الموت
تأليف رشاد قاضيتش
ترجمة د.جمال الدين سيد محمد
عدد الصفحات: 146 صفحة
اصدار: دار سعاد الصباح/الطبعة الأولى 1993م.

هذه تجربة أخرى لي مع روايات من بلاد البلقان، وهذه المرة لمؤلف مسلم اسمه “رشاد قاضيتش” وهو مؤلف فيما يبدو معاصر، حسبما قدم المترجم، والرواية تتناول قصة “إلهامي”، إمام أحد المساجد في البوسنة إبّان حقبة الوجود العثماني، ويبدو أن الوالي العثماني كان يتسم بالظلم والفساد، الأمر الذي امتعض منه الشعب، فعبّر “إلهامي” عن هذا الامتعاض بقصيدة، يُستدعى على إثرها للقصر، ليواجه مصيره المحتوم.
وخلال رحلة “إلهامي” وحيدًا نحو القصر، أتيحت له عدة مرات فرص الهرب والنجاة بحياته، لكنه يرفض ويصر على التوجه للقصر، ليثبت موقفًا مبدأيًا، وليؤكد أن صاحب الحق لا يتزعزع ولا يتراجع مهما بلغت قسوة الظالم، ومهما اشتدت النتئج.

الرواية فنيًا متواضعة، غَلبَ عليها السرد بلغة مباشرة صريحة، وندُرَت فيها الصور الفنية على نحوٍ كبير.
الكاتب رشاد قاضيتش ينحو منحى العصر الذي يعيش فيه، تاريخيًا وسياسيًا وثقافيًا، فيكيل التهم للدولة العثمانية، أو لنقل البوسنة والهرسك في عهد سيطرة الدولة العثمانية عليها، ويركز على الظلم والاضطهاد الذي مارسته بحق البوسنيين، وهو -أي المؤلف- بذلك يكرر ما كتبه ويكتبه العرب وغير العرب ضد حقبة الوجود العثماني في المنطقة العربية وبقية المناطق حيث وجدت، ولم يذكر المترجم في مقدمته سنة تأليف ونشر هذه الرواية، لكنها على الأرجح تنتمي للحقبة التي أصبحت فيها البوسنة جزءًا من يوغسلافيا، وكانت الروايات تكتب عن الدولة العثمانية، أو الثقافة الإسلامية بشكل سلبي، ومن هذه النماذج على سبيل المثال إيڤو اندريتش صاحب رواية “جسر على نهر درينا”.
نهاية الرواية حملت بُعدًا وعظيًا قصصيًا مُستقى من التاريخ، ويتمثل في قصة قتل الحجاج الثقفي للتابعي سعيد بن جُبير، ثم وفاة الحجّاج بعده بقليل”.

البوسنة والهرسك

bosniaالبوسنة والهرسك

المؤلف: الدكتور جمال الدين سيد محمد

عدد الصفحات: 291 صفحة

دار النشر: دار سعاد الصباح/ الطبعة الأولى/ 1992م

 

في أوائل تسعينات القرن الماضي، وبعد انهيار ما يسمى بالمعسكر الشرقي، عبر انحلال الاتحاد السوفييتي، وقبله سقوط جدار برلين، في تلك الحقبة التاريخية المفصلية، كانت أمم صغيرة في شرق ووسط أوروبا تشق طريقها نحو الحرية والانفتاح، والديمقراطية والاستقلال، لكن بقايا النظام المتهالك لم يكن ليسمح لها جميعًا بالوجود على مسرح البلدان، وكانت البوسنة والهرسك هي إحدى هذه الدول التي حاولت أن تبصر النور بعد استفتاء شعبي شاركت فيه أغلبية السكان في البوسنة، وأيدوا الانفصال والاستقلال عن يوغسلافيا، كما فعلت سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا من قبل، لكن البوسنة والهرسك ذات الأغلبية المسلمة، كان ينتظرها مصيرٌ آخر.
لقد رفضت قوات الجيش اليوغسلافي الاتحادي مغادرة البوسنة والهرسك، وتشكلت مليشيات صربية أخرى في البوسنة، ترفض الانفصال، وتدعم السلطة المركزية في بلجراد، لتجعل من البوسنة والهرسك مسرحًا لجرائم مروعة نفذها الصرب ومرتزقة وفدوا من عدة دول أوروبية، لإجهاض ولادة دولة مستقلة، ذات أغلبية مسلمة في أوروبا.
وانبرى المسلمون محاولين الدفاع عن حق الشعب البوسني بالحياة وإدارة دولته بشكل مستقل، حاله كحال بقية الشعوب الأوروبية التي استقلت بنفسها، وأقامت دولاً حديثة، ومن هذه الجهود في الدفاع عن البوسنة وأهلها، كتاب الدكتور جمال الدين سيد محمد، وهو استجابة عاجلة وموجزة، يستهدف من خلالها المؤلف تسجيل “بعض ملامح تلك السمات الإسلامية التي أراد البعض عن عمدٍ محوها” وكما يقول صراحة المؤلف، فقد أراد أن “ينقذ ملف مسلمي البوسنة والهرسك من الضياع في خضم الأحداث السياسية المتلاحقة”.
 ***
ومن الملاحظ في مقدمة الكتاب، أن المؤلف انتهى منه في ديسمبر عام 1992م، وهو العام الذي اندلعت فيه الحرب الشعواء التي شنها الجيش الصربي وصرب البوسنة ضد المسلمين، كما يُلفت النظر ذلك العنوانُ الخالي من أية سمة سوى “البوسنة والهرسك”، ويبدو أن الكاتب ونظرًا للظرف الطارئ الذي يكتب فيه، اكتفى بأن وضع اسم البلد التي يدور حولها محتوى الكتاب، دون التكلف في إضافة أي عبارات جذابة أو دعائية أو تفسيرية، هكذا بكلمة واحدة “البوسنة والهرسك”، ربما يُعد ذلك قصورًا في إخراج الكتاب، لكن لا تثريب عليه بما احتوى من مضمون. والكتاب عبارة عن دراسة قصيرة، تتضمن مجموعة من المقالات، بلغ عددها 28 مقالة متنوعة، متفاوتة بين قصيرة ومتوسطة، جمعها الكاتب بأسلوبٍ غير متكلف ولا مطنب، وعززها بمعلومات تاريخية وجغرافية وأدبية، وثقافية عامة عن البوسنة والهرسك وأهلها.
كانت أول 3 مقالات تتناول الأحداث الجارية في البوسنة سنة 1992م، وهي السنة التي بدأت فيها أعظم حرب تطهير عرقي في أوروبا عند نهاية القرن العشرين، على يد الصرب ومن عاونهم ضد مسلمي البلقان، وتحديدًا البوسنة، ويبدو أن الكاتب أراد أن يضع القارئ في صلب الأحداث المتسارعة، وذلك لتسهيل تشكيل صورة اولية عن البوسنة والهرسك.
ثم 11 مقالة ثقافية-تاريخية-جغرافية، وهي بالأحرى تعريفية، يفتح بها المؤلف النوافذ على تاريخ البوسنة والهرسك، وعلى أعلامها، ومعالمها الشهيرة من مساجد ومكتبات ومدارس، وسيندهش القارئ حين يتعرف على حجم الأعمال الوقفية التي رصدها مسلمو البوسنة قديمًا، دعمًا لأعمال الخير في مجتمعهم، وتشجيعًا على التكافل الاجتماعي فيما بينهم، واهتمامًا بالعلم والعمل، وأخص بالذكر هنا أوقاف الغازي خسرو بيك، التي تنوعت ما بين مسجد ومكتبة ومدرسة، وغيرها من أعمال البر. وسيجد القارئ مقالات أخرى منوعة، تتناول مدنًا بوسنية مثل “ترافنيك”، وأخرى عنوانها “جسر على نهر درينا”، في اقتباس مباشر لعنوان رواية شهيرة لإيفو اندريتش، ومقالة تتناول سمات شهر رمضان في المجتمع البوسني الحديث، وفي الاتجاه نفسه، مقالة تعريفية بداعية إسلامي بوسني اسمه د.أحمد سماسلوفيتش.
أما المقالات الـ14 الأخرى، فكانت تدور عن موضوعات ذات صلة مباشرة بتخصص المؤلف في اللغة والآداب لشعوب الاتحاد اليوغسلافي، وتتعلق هذه المقالات باللغة والأدب والاستشراق البوسني*، والكلمات العربية في اللغة الصربو-كرواتية، ومقالات تعريفية بالأدباء البوسنيين، وأعمال أدبية بوسنية، مثل رواية “رحلة إلهامي إلى الموت”**، ومن الأدباء الذين كتب عنهم مقالات ضمن الكتاب: إيفو اندريتش صاحب رواية “جسر على نهر درينا”، وقد ذكر بعضًا من الانتقادات الموضوعية التي وجهت لهذه الرواية، ومن الأعلام الأدباء الذين تمَّ ذكرُهم محمد بك قبطانوفيتش لوبوشاك، الذي كان من أبرز الكتاب الذين يستخدمون “الهاميادو”، وهو الأدب الأعجمي، وهو أدب مؤلف باللغة المحلية للبلد، أي اللغة الصربو-كرواتية، ومكتوب بالحروف العربية.
وفي النهاية، يضع المؤلف ببلوغرافيا قصيرة، يسرد فيها عناوين كتب تتناول التاريخ البوسني من عدة جهات، وبلغ عددها 19 عنوانًا.
 ***
والحق، أن المقالات كانت ثرية بمحتواها، سلسة في أسلوبها وكتابتها، لم يعمد فيها المؤلف إلى الإغراق في التفاصيل، وكذلك كان من المُلاحظ أن هذا الكتاب الذي يتزامن مع نشوب الحرب الضروس، لم يجعله المؤلف مجرد بكائيات على حال البوسنيين، وشحن عاطفي للقراء، واستجداء لدموعهم، رغم تعاطفه الواضح مع مسلمي البوسنة، وانتصاره لهم، ولحقهم في الحياة، ورفضه للحرب التي يشنها الصرب عليهم، واستنكاره للصمت العالمي، لكنه -مع ذلك- حافظ على الخط الموضوعي، وتعرض بالنقد والمعالجة الموضوعية لكافة أوجه الحياة لدى مسلمي الوسنة.
ومن بين أهم الملاحظات، تكرار الكاتب لطرح فكرة تجاهل الاتحاد اليوغسلافي للتركة الثقافية والأدبية لمسلمي البوسنة، بل ومحاولة التعتيم عليها وإخفائها عن الأعين، وهذا السلوك ليس منحصرًا في قادة الاتحاد اليوغسلافي الاشتراكي، بل مسبوق بعدة سوابق مثل إغفال اسم البوسنيين عند تشكيل مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين عام 1918م، والتي كانت البوسنة جزءًا في هذه المملكة، ومن هذه المحاولات مصادرة أوقاف المسلمين وأملاكهم في البوسنة، وتوطين قوميات أخرى فيها لتفتيت الهوية البوسنية، ومنع وحظر كثير من الأنشطة والشعائر الدينية للمسلمين، كما تعرض مفكرو البوسنة وعلمائها للسجن كثيرًا، وهنا نتذكر قضية محاكمة وسجن مثقفي البوسنة مطلع الثمانينات، والتي كان الرئيس علي عزت بيجوفيتش أبرز ضحاياها.
لكن هذه الممارسات الاقصائية والتهميشية لم تكن مقتصرة على جهود الحكومة والنظام اليوغسلافي، بل لقد تبنى بعض المثقفين اليوغسلاف هذه الأساليب ودعموها بكتاباتهم وأعمالهم العلمية والأدبية، ومن هؤلاء الأديب البوسني إيفو اندريتش صاحب جائزة نوبل، والذي يذكر الكاتب أن رسالته في الدكتوراه التي نالها من جامعة جراتس في النمسا عام 1923م، كان عنوانها ومضمونها “الحياة الفكرية في البوسنة والهرسك في عهد الأتراك”، ويضيف المؤلف د.جمال الدين أن الأديب إيفو اندريتش حاول في رسالته البرهنة على التخلف الأدبي والثقافي للبوسنيين، واعتبر ذلك كشفًا علميًا، وقد عالج نفس هذه الفكرة في عدد كبير من رواياته وقصصه التاريخية عن البوسنة وأهلها.
ولعل البعض قد يستغرب أن يجد كاتبًا يتناول البوسنة بهذا الحجم الكبير من المعرفة الواسعة، وقدرته على كتابة 28 مقالة تتناول التاريخ والجغرافيا واللغة والأدب وغيرها من جوانب الحياة في مدة قصيرة، لكن الاستغراب سيزول حتمًا حينما نعلم أن المؤلف ليس غريبًا على الاتحاد اليوغسلافي، إذ عاش في بلغراد فترة من الزمن لا تقل عن 4 سنوات، وزار سراييفو وبعض المدن البوسنية الأخرى عدة مرات، وحصل على درجتي الماجستير(سنة 1976) والدكتوراه(سنة 1979) من كلية اللغات بجامعة بلغراد، وقبلها كان قد تخرج من كلية الألسن بجامعة عين شمس قسم اللغة الصربو-كرواتية سنة 1963م، وقد تعمق أكثر في الدراسات والأعمال الأدبية واللغوية الصربو-كرواتية، فأنتج عددًا من الترجمات لأعمال أدبية يوغسلافية، وله أيضًا ترجمات من اللغة العربية إلى لغات شعوب يوغسلافيا سابقًا، كما أنه نشر كتابًا عنوانه “الأدب اليوغسلافي المعاصر” ضمن سلسلة عالم المعرفة، التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت عام 1984م.
———-
* في سياق الاستشراق اليوغسلافي، أنصح بقراءة كتاب “مراجعة الاستشراق – ثنائية الذات/الآخر – نموذج يوغسلافيا” للدكتور محمد الأرناؤوط، اصدار دار المدار الإسلامي 2002م، وفيه نظرة تأريخية ونقدية لأعلام المستشرقين اليوغسلاف وإنتاجهم، كما أنه يتركز على موضوع طريف في الاستشراق وهو دراسة الذات/الآخر.
** رواية “رحلة إلهامي إلى الموت” للأديب البوسني رشاد قاضيتش وبترجمة الدكتور جمال الدين سيد محمد، قرأتها في ديسمبر 2013م، وسأكتب عنها مراجعة قريبًا بإذن الله.