Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘هتافات تاريخية’ Category

aliezzat
كانت حياة المفكر والمجاهد والرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش، سلسلة متواصلة من التجارب الشخصية القاسية، التي عانى منها على مدى سنين طويلة، منذ ولادته وحتى وفاته.
إحدى هذه التجارب العصيبة والقاسية كانت في ثمانينات القرن العشرين، فيما عُرِفَ بقضية “المثقفين المسلمين”، والتي روّج لها الصرب، وكانت تستهدف القضاء على المثقفين المسلمين في يوغسلافيا عمومًا، والبوسنة خصوصًا، خاصة أولئك الذين لا ينظرون للإسلام كونه مجرد تراث فقط، بل يتخذونه أساسًا ومنطلقًا للفكر والعمل.
وقد كان المفكر علي عزت بيجوفيتش أحد هؤلاء المثقفين، بل كان على رأس القائمة التي ضمَّت ثلاثة عشر مثقفًا مسلمًا، خصوصًا في أعقاب نشره كتاب “الإعلان الإسلامي”.
تمَّ اتهام هؤلاء المثقفين بعدة تهم تمس الأمن الوطني ليوغسلافيا الإتحادية، وهي تهم مُختلقة لا أساس لها من الصحة، وقد حُكم على علي عزت بيجوفيتش ورفاقه بالسجن لفترات تتراوح بين 5 و14 سنة.

وقد كانت تجربة السجن هذه هي الثانية بالنسبة لبيجوفيتش، بعد أن قضى ثلاث سنوات في السجن بين عامَي 1946 و1949م.
هذه التدوينة، مجرد إطلالة سريعة على رسائل أبناء علي عزت بيجوفيتش لأبيهم أثناء سجنه، وقد أورد بيجوفيتش بعضًا منها في ملحق كتابه “هروبي إلى الحرية”، ورغم أن علي عزت صاحب تجربة قديمة في السجن، والعمل السياسي والسجال الفكري، إلا أن ظروف هذه التجربة كانت مختلفة، في ظل تصاعد التطرف القومي الصربي، والذي كان قابضًا زمام الحياة في يوغسلافيا كلها، على حساب بقية القوميات.
بلغ عدد هذه الرسائل ٩٨ رسالة، ما بين العام ١٩٨٣م، والعام ١٩٨٨م، الذي نال فيه بيجوفيتش حريته بعد عدة محاكمات، انتهت بنيله عفوًا من بقية العقوبة، بعد أن قضى في السجن ٢٠٧٥ يومًا، بحسابه هو.
قام أبناء بيجوفيتش الثلاثة، الابن “بكر”، والبنتان “سابينا” و”ليلى” بالتناوب على الكتابة لوالدهم من غير اتفاق، وبشكل متواصل، بحيث يجد القارئ أن أحدهم يرسل رسالتَيْن أو ثلاثة في غضون عشرة أيام.
وقد تجلت في الرسائل مشاعر الشوق اللاهب نحو والدهم، فبلا استثناء، لا تقرأ رسالة لأحدهم، إلا وتجده يبث أشواقه الحارة لرؤية الوالد العزيز في البيت مرة أخرى، وقد كان هذا جليًا في رسائل الأولاد الثلاثة بوضوح.
سمة أخرى تُميزُ الرسائل وهي استرجاع بعض الذكريات القديمة مع الوالد، وخصوصًا في رسائل “بكر”، الذي كان من جانبٍ آخر كثيرًا ما يتناقش مع والده عن القراءة والكتب، ويبدو أنه كان يقوم بمهمة البحث عن الكتب التي يريدها والده، فيمضي ليبتاع بعضها، أو يستعير بعضها الآخر.
بعض الرسائل كان يطغى عليها جانِبٌ خبري، مع بعض المشاعر المبثوثة ما بين السطور، حيث يقوم الأولاد بإخبار أبيهم عن مستجدات قضيته، أو بعض الأحداث العائلية كوصول مولود جديد، أو وفاة شيخٍ كبير من أعضاء الأسرة، وفي ثنايا الخبر، لا ينسى كاتبها أن يخبر والده عن مشاعر الحب والشوق، والأمل باللقاء تحت سماء الحرية.
رسائل أخرى طغى عليها جانِبٌ عاطفيٌ ووجداني بشكل كامل، وخصوصًا من جانب الابنة “سابينا” التي ولدت ابنتان خلال فترة سجن والدها، كما ولد لبكر وليلى ابنة واحدة لكل منهما، فكانت الرسائل محملة بمشاعر مضطربة بين الفرح والحزن، بين الرجاء والخوف.

من الأمور التي لاحظتها في الرسائل، خوف الأبناء على أبيهم، وقلقهم الشديد عليه وعلى صحته بالتحديد، وكانت رسائل البنتان تفيض بالقلق من المستقبل المظلم، وإن حاولتا في رسائلهما أن تُظهرا بعض التفاؤل “المصطنع”، تشجيعًا للوالد في محنته، إلا أن مشاعر القلق والاضطراب، وعدم الثقة في النظام واجراءات المحاكمة كانت مكشوفة وواضحة للقارئ.

أمر آخر يلحظه القارئ في رسائل الأبناء، وهو التأييد الواضح، والدعم القوي، والمساندة المستميتة من الأبناء لأبيهم في نضاله الفكري والسياسي، ولا يمكن للقارئ أن يقع على ما يوحي بشيء من الامتعاض أو الانتقاد، وإن كان غير مباشر من أحد الأبناء تجاه أبيهم، وهذا يعكس قوة الرابطة التي جمعت علي بأولاده، كما يعكس ثقة الأولاد بصحة موقف والدهم، وتهافت مبررات اعتقاله.

كان من الأفضل لبيجوفيتش أن يورد بعضًا من رسائله لأبنائه، وذلك لتكتمل الصورة في ذهن القارئ، إلا أنه لم يفعل للأسف، لكن ذلك لا ينفي مدى أهمية هذه الرسائل في حقبة قاسية من حياة عائلة بيجوفيتش.
سأختار ثلاثة مقاطع من ثلاث رسائل أعجبتني، ولمن أراد المزيد، فسيجد ذلك في كتاب “هروبي إلى الحرية” لـ/علي عزت بيجوفيتش، وإن كانت ترجمة إسماعيل أبو البندورة متواضعة جدًا جدًا، بل كانت منفرة بترجمته للأعلام والمواقع، وعبارته غير مستساغة، لكن هذا ما تيسر لنا.

  • سابينا ٢٦/ ٨/ ١٩٨٥م:

لو أنك تعرف كم هزَّني في الصباح ساعي البريد عندما أحضر رسالتك. كنا قد شربنا القهوة للتو، عندما قرع أحدهم الجرس، وهذا لا يحدث دائمًا لأننا عادة نكون خارج البيت والباب دومًا مفتوح، أعتقدتُ أنه أحد الضيوف من سكان البناية، وذهب “كوبر” لفتح الباب، [فأصخت سمعي] ثم قال لي [وهو في الممر].. سابينا.. بابا. واعتقدت للحظة أنك أنت [من يقف] بالباب، وتسمَّرتُ على المقعد، ثم أطل والرسالة في يده!
لا أعرف من أين تأتيني هذه الأفكار، لكن [الأمر] في تلك اللحظة بدا وكأنه واقع.

  • بكر ٢٢/ ٩/ ١٩٨٦م:

في مجلة (الكلمة الأدبية) ظهر مقالٌ عن الجريمة الشفوية، حيث يقول: إنه في جمهوريات يوغسلافيا الاتحادية يحكمون بشكل مختلف بموجب هذه الجريمة-أي الجريمة الشفوية-، في سلوفينيا لا شيء، وفي البوسنة والهرسك إجراءات محاكم التفتيش، وإذلال، وحبس وعقوبات جائرة، على غرار محاكمة المثقفين المسلمين في سراييفو ١٩٨٣م، هكذا كُتِب!
المحب لك.. بكر.

  • ليلى ٣١/ ٣/ ١٩٨٧م:

والدي العزيز
….
إنني أخشى -عندما تتلاشى الحياة- أن أندم، وأنني حملتها محمل الجد!!

Read Full Post »

روايتان تاريخيتان عن شخصية الأمير الأموي عبدالرحمن الداخل
(١)
يروي المؤرخون أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور قال يومًا لجلسائه: أخبروني مَنْ “صقرُ قريشٍ” مِن الملوك؟ فأجابوه: ذلك أمير المؤمنين الذي راضى الملوك، وسكن الزلازل، وأباد الأعداء، وحسم الأدواء. (كالعادة، تطبيل له أول وليس له آخر)
قال الخليفة: ما قلتم شيئا!
قالوا: فمعاوية.
قال: لا
قالوا: فعبدالملك بن مروان؟
قال: ما قلتم شيئا.
قالوا: فمن يا أمير المؤمنين؟!
قال الخليفة العباسي: صقرُ قريش هو عبدالرحمن بن معاوية الذي عبر البحرَ، وقطع القفرَ، ودخل بلدًا أعجميًا منفردًا بنفسه، فمصَّرَ الأمصار، وجنَّدَ الأجناد، ودوَّنَ الدواوين، ونالَ مُلْكًا بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة شكيمته. إن معاوية نهض بمركبٍ حمله عمر وعثمان عليه وذلَّلا له صعبه، وعبدالملك ببيعة أبرم عقدها، وأمير المؤمنين بطلب عترته واجتماع شيعته، (أما) عبدالرحمن (فهو) منفرِدٌ بنفسه، مؤَيدٌ بأمره، مستصحِبٌ لعزمه، وطد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور، وقتل المارقين وأذل الجبايرة الثائرين.

ويبدو أن هذه الرواية لم تُؤرَخ بتاريخ محدد للأسف، إلا أنها على الأغلب -بظني المتواضع- قد وقعت بعد أن فشلت كلُّ جهود المنصور في إجهاض إمارة عبدالرحمن الوليدة، واستعادة الأندلس إلى الخلافة العباسية، وكان آخرُ هذه الجهود الفاشلة هو ثورة العلاء الجذامي، الذي ثار بإيعاز ودعم عبّاسي على عبدالرحمن بن معاوية، إلا أن الأخير قد تغلب عليه، وقطع رأسه، ثم أرسله مع بعض الحجاج الأندلسيين إلى البيت الحرام، حيث وضعوا الصندوق الذي به رأس العلاء أمام خيمة المنصور، فلما أن شاهد المنصور رأس العلاء قال:
“الحمد لله الذي جعل بيننا وبين هذا الشيطان (يقصد عبدالرحمن) بحرا”.

(٢)
ولد عبدالرحمن الداخل عام ٧٣١م في المشرق قبل سقوط دولة الأمويين، وقد نشأ وترعرع في بيئة شامية عربية مشرقية، قبل أن يضطر لاحقًا للهرب غربًا، ثم شمالاً حيث الأندلس فأقام “مُلكًا بعد انقطاعه”، وقد حكم الداخل ٣٣ سنة، قضاها في توطيد ملكه ومحاربة الأعداء، وترتيب الإمارة وجُندِها ودواوينها، وهي في جملتها أمور تترواح ما بين “الجهد العسكري” و”النشاط السياسي” و”الروتين الإداري”، حيث الذهن مشغولٌ على الدوام بالإمارة الضعيفة الأركان، وبأهلها شديدي الباس، فكان الداخل يقضي جُلَّ أيامه في تعضيد أركان إمارته، وفي تسكين ثورات أهلها.
لكن المؤرخين مرة أخرى يعودون للمشهد، ليوردوا أبياتًا من الشعر وينسبونها لهذا الأمير صعب المِراس، ومنها:

تَبَدّت لنا وسط الرُّصافة نخْلةٌ| تَناءَت بأرض الغربِ عن بلدِ النخلِ
فقلتُ شبيهي في التغرب والنَوى| وطول التنائي عن بَنيِّ وعن أهلي
نشأِت بأرضٍ أنتِ فيها غريبةٌ| فَمِثْلُكِ في الإقصاء والمنتأى مثلي

وقال في أبيات أُخَر:

أيها الراكب الميممُ أرضي| أقرِ من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما عَلِمتَ بأرضٍ| وفؤادي ومالكيه بأرضِ
قُدِّرَ البَيْـنُ بيننا فافترقنا| وطوى البين عن جفوني غمضِ
قد قضى الله بالفراق علينا| فعسى باجتماعنا سوف يقضي

عبدالرحمن الداخل، أو “صقر قريش” كما وصفه خصمه المنصور، يتحول هنا إلى شاعرٍ مرهف الإحساس، بعد أن استبدَ به الشوقُ لرؤية أرضٍ ولِدَ وأمضى أيام صِباه فيها، وتبلغ به درجة الشوق والحنين، لأن يمثل حاله بحال نخلةٍ قامت في أرضٍ غريبة، ليس لها في هذه الأرض جذور، تمامًا كحاله، فيحاورها، ويخبرها بما يكابده من حنينٍ وشوقٍ لأرض الآباء والأجداد، لأرضٍ ينتمي إليها، وتمتد جذوره في أعماقها، وله فيها خبرٌ عظيم، ومجدٌ تليد.
لقد كان عبدالرحمن الداخل رائدًا على المستوى الأدبي العربي، عندما بثَّ مشاعره بالحنين لرؤية أرض الشام، بعد فراق قسري استمر حتى وفاته، وبذلك يكون قد قدَّم أولى التجارب الشعرية العربية فيما يُسمى بـ”أدب المنفى” أو “المهجر”.

هاتان روايتان عن شخصٍ واحد، رجلٍ واحد، في الأولى شهادة تأتيه من خصمه ونده، تمثله بمثال القوة القاهرة، والعزيمة الماضية، والإرادة الصلبة، والطموح العالي، وقد كانت بالفعل مُلخصًا لمسيرة عبدالرحمن الداخل منذ هروبه من المشرق، وحتى سِني عمره الأخيرة.
وفي الرواية الثانية، شهادة ذاتية مباشرة، من عبدالرحمن تجاه نفسه، وكأنه أراد الإفصاح عن نقصٍ ما زال يُعانيه، وشوقٍ على الدوام يُكابده، وهو رؤية أرض الشام، رغم ملكه الوليد، فتعكس لنا الأبيات عن رقةٍ وجدت مكانًا لها بين القوة القاهرة، وعن ضعفٍ تخلل الإرادة الصلبة، وعن قلة حيلة ترافقت مع العزيمة الماضية، وعن حنينٍ لماضٍ، لم يزده الطموح العالي إلا دمعًا في العين وألمًا في النفس.
روايتان عن شخصية واحدة، قد يُقال أنهما روايتان متناقضتان، لكن إن صحّت الروايتان، فما هما إلا تأكيدٌ على أن الإنسان يحمل دائمًا بين جَنَْبيه متناقضات شتى، يستبدُ بعضُها بالآخر حينًا، ويستكينُ حينًا آخر، وكل ذلك ينعكس على سلوك الإنسان وتصرفاته، وخطرات نفسه وأقواله، ومزاجه وأخلاقه، فـ“شقيٌ وسعيد”، والله أعلم.

Read Full Post »

 

20121027-094212.jpg

 

في ١٨٥٣/٧/١٤م، قبالة السواحل اليابانية، وجه القائد بيري-قائد الاسطول الأمريكي- انذارًا للسلطات اليابانية، مطالِبًا إياها بفتح الموانئ اليابانية أمام حركة الملاحة الدولية سلمًا أو بالقوة!
في العام التالي، أُجبِرت اليابان على توقيع اتفاقية مذلة مع الأمريكين، لم يكتفِ فيها الأمريكان بفتح موانئ اليابان، وإنما استتبعوها ببعض البنود التي شكلت انتقاصًا من سيادة واستقلال اليابان.
في الأعوام القليلة اللاحقة، ستنال الدول الأوروبية ما تريده عبر توقيع اتفاقيات مماثلة مع اليابان، كانت كذلك مذلة بشكل كبير لليابانيين.
استفزت هذه الاتفاقيات الشعب الياباني، وقامت حركات معارضة وعصيان لسلطة الشوغون، اتسم بعضها بالطابع الدموي، وانتهت هذه الحركات إلى إسقاط نظام الشوغون وحكوماته(والتي تُسمى بحكومات الباكوفو)، وإعادة مقاليد السلطة الحقيقية إلى الامبراطور للمرة الأولى منذ قرون.
تولى الامبراطور الميجي الحكم في اليابان عام ١٨٦٨م، وقد كانت البلاد تخوض اختبارًا عسيرًا على مستوى السيادة والاستقلال، لذلك عمل الميجي على تجاوز هذا الاستحقاق، ولكن باتباع استراتيجية مغايرة لتلك التي اتبعها الشوغونات في عهد “توكوغاوا”، وهي استراتيجية العزلة عن العالم.
لقد اعتمد الامبراطور الميجي استراتيجية مختلفة تقوم على التحديث في كافة مجالات الحياة في اليابان، إذ وجد أرضية مناسبة للقيام بهذه التحديث حققتها مرحلة العزلة، ووجد نفسه مدعومًا في ذلك من قبل حوالي ٤٠٠ مستشار من مختلف الطبقات والتخصصات والأعمار، يؤيدون ليس مجرد “تعديل” النظام، أو اضفاء بعض المسحات التجميلية له، بل يؤيدون “تغيير” النظام برمته حماية لاستقلال اليابان وسيادتها، التي رأوها تُتنقص بفعل الاتفاقيات الموقعة مع الدول الأوروبية من قبل النظام القائم.
لقد حظي الميجي بـ”شرعية شعبية” مهدت له القيام بالإصلاحات اللازمة لليابان، والتي بدأها أولاً في إعلان مبادئ الاصلاح الخمسة في ١٨٦٨/٣/١٤م، والمتضمِنة مبادئ ترسخ المشاركة الشعبية الحقيقية في صنع القرار الياباني الذي يستهدف “الدفاع عن المصلحة العليا لليابان”، كما تضمن هذا الإعلان مبادئ تقرر المساواة بين اليابانيين، ووضع التراث والثقافة اليابانية عين الاعتبار في مشروع التحديث، كما تضمن الإعلانُ مبادئَ الحفاظ على حقوق اليابانيين، ودعوتهم وتشجيعهم ودعمهم لاكتساب العلوم العصرية والتكنولوجيا الحديثة.

من أجل ذلك، وجه الامبراطور الميجي حركة إعادة فتح اليابان في وجه العالم، بالشكل الذي يحقق الفائدة لليابانيين، فاستقدم الخبراء والأساتذة الغربيين، وابتعث الطلبة اليابانيين لدراسة شتى التخصصات والمجالات العلمية في أوروبا، في موازاة ذلك، أقام سلسلة من التشريعات والأنظمة التي ساعدت في تنفيذ وتطبيق برامج الإصلاح والتحديث.
لقد تأكد اليابانيون أن نظام الشوغون لم يعد صالحًا للعمل في ظل نظام دولي قائم على الاستعمار والامبريالية، لذلك دعم اليابانيون الامبراطور الميجي في توجهه الاصلاحي التحديثي، لكن رغم ذلك، قامت بعض جيوب المعارضة التقليدية له، والتي أحسن الامبراطور الشاب في معالجتها رغم أنها كانت تنزع أحيانًا للعصيان والتمرد.
طالت تحديثات الميجي واصلاحاته الحياة اليابانية من قواعدها، وهذه المرة ركّز الميجي على التحديث في المجال العسكري، والذي توّجَه ببناء قوة عسكرية يابانية ضخمة ومرعبة، لم تنكسر إلا في نهاية الحرب العالمية الثانية.

ختامًا؛ مثّلت “حركة العزلة” الطوعية عن العالم وعيًا يابانيًا بالمتغيرات الدولية، وادراكًا للقدرات الذاتية، وكذلك كانت حركة الانفتاح، رغم أنها جاءت بشكل قسري تقريبًا، إلا أنها هي الأخرى مثّلت وعيًا بالمتغيرات والقدرات، دون تكبر أو غرور أو عنجهية، وفي كلتا الحالتَين شكّلَت المصلحة القومية اليابانية العليا همًّا مقدسًا واجبَ الحفاظ عليه.

 

نظرة الغربيين للعزلة اليابانية؛
يحاول الكتاب الغربيون وصف العزلة اليابانية أنها السبب في تأخر اليابان وتخلفها، وأن اليابان كانت تعيش عزلة تامة عن العالم، وتنتظر إنذارًا أمريكيًا لتستيقظ!
وكذلك يحاول هؤلاء الكتّاب التقليل والتهوين من النتائج الإيجابية للعزلة، والتي شكلت لاحقًا الأرضية والقاعدة التي قامت عليها النهضة اليابانية.
هذه المحاولة ليست اعتباطية، وليست جهودًا فردية، بل هي مناهج درج عليها الأوروبيون للترسيخ في الأذهان أن النهضة اليابانية لم تأت إلا بعد أن فُتِحت البلاد للغربيين، إذًا ما زال موضوع “المركزية الأوروبية” يسيطر على فكر بعض الغربيين، وهم يحاولون دائمًا تجيير الفضل لأوروبا وأمريكا في أي مشروع نهضوي ناجح.

 

Read Full Post »

20121020-202221.jpg

ظروف العزلة اليابانية وتراكماتها:
لحماية اليابان من مخاطر التدخل الخارجي، جاءت قرارات الشوغون في مطلع القرن السابع عشر لتجعلَ “العزلة” أمرًا حتميًا، وإن كانت القرارات قد صدرت بشكل متدرج، إلا أن وتيرتها أخذت بالتسارع خصوصًا في الفترة الواقعة بين عامي ١٦٣٣-١٦٣٧م، حيث أصبح قانون العزل أو “ساكوكو” ساري المفعول، ولأكثر من قرنين من الزمان!

لقد شهدت اليابان خلال هذه الفترة تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، والتي شكّلت بمجموعها القاعدة التي انطلقت منها “النهضة اليابانية” لاحقًا في عصر الامبراطور الميجي.

ظروف العزلة:
لم تكن العزلة الطوعية مكتملة أو مُطلقة، ولكنها كانت بالفعل موَّجَهة، إذ بقيت بعضُ قنوات الاتصال والتواصل مع العالم الخارجي، وذلك لأغراض محددة، وتحت رقابة مشددة، وبأشكال وأماكن مُختارَة من قبل سلطة الشوغون.
استمر تواصل اليابانيين “المُحدَد” و”الرسمي” مع الغربيين عبر منفذين ضيقيْن، هما ميناء “ديشما” مع الهولنديين، وميناء “ناغازاكي” مع التجار الألمان.
أما التواصل مع الآخر الآسيوي، فقد كان يتسم بمرونة أكبر، وتعدى المجال الاقتصادي ليشمل الثقافي إلى حدٍّ ما.
عمومًا، لقد جنَّبت العزلةُ اليابان عن التعرض للضغوط الخارجية، وسمحت لقياداتها بالتركيز على تحقيق الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، بعيدًا عن أي تدخلات أو حسابات أو مصالح أو اعتبارات خارجية.

تراكمات مرحلة العزلة:
لا يمكن النظر إلى تراكمات أو منجزات مرحلة العزلة اليابانية بمعزل عن قراءة ماضي اليابان قبل العزلة، ولا يمكن فهم أو استيعاب نتائج العزلة دون مقارنتها بالأوضاع السائدة في اليابان، التي جعلت العزلة أمرًا واقعًا.
قبل سرد تراكمات/منجزات مرحلة العزلة، لابد من التذكير بأن اليابان كانت بلدًا اقطاعيًا، بلا سلطة مركزية قوية، وكان حكّام المقاطعات يتنافسون فيما بينهم، لدرجة تصل للحروب، وكانت اليابان قد أصبحت-على هذا الحال- ميدانًا للتنافس الغربي، وصراع الإرساليات وتنافسها على اكتساب الأتباع، كما قامت على موانئ اليابان عددٌ من المراكز التجارية الغربية، والتي بدأ بعضها بالتحول لمراكز استيطان وغزو غربي.
كما لابد من التذكير أن اليابان كانت بلدًا طبقيًا، تتحددُ فيه مكانة الفرد بانتمائه الطبقي، لا كفاءته.
إذا عرفنا كل ما سبق، وهي بمجملها تشكل الظروف التي كانت تسبق مرحلة العزلة، إذا ما عرفنا كل ذلك، فيمكننا الآن الولوج إلى قراءة سريعة لتراكمات مرحلة العزلة، ومنجزاتها:

  • ولادة وتطور الوحدة السياسية والإدارية والقومية في اليابان على قاعدة سلطة مركزية صارمة.
  • تراكم الثروات المحلية، وبلورة ملامح فئات اجتماعية جديدة من التجّار والحرفيين والبورجوازية.
  • زيادة الاهتمام -كمًا وكيفًا- في القطاعات الزراعية الحيوية كالأرز.
  • صياغة جديدة للتراتب الاجتماعي في اليابان، يقوم على أساس “الكفاءة” وليس الإنتماء الطبقي.
  • تنمية الثقافة اليابانية، وانتشار التعليم، و”مأسسته” وإتاحته للذكور والإناث من جميع الطبقات، وقد بلغت نسبة عدد المتعلمين في اليابان حوالي ٣٠٪ العام ١٨٦٨م، وازدهرت الفنون الجميلة والموسيقا، ونشطت حركة ترجمة وتأليف الكتب.

هذه إطلالة مختصرة وسريعة على تراكمات مرحلة العزلة في تاريخ اليابان، وتحت كل نقطة من النقاط الخمس المذكورة أعلاه، تندرج منجزات أخرى تتفرع منها، ولكنني ارتأيت الاختصار قدر المستطاع.

في الجزء الثالث والأخير، بإذن الله سأذكر أسباب انتهاء مرحلة العزلة، وما نجم عنها في تاريخ اليابان.

Read Full Post »

20121013-222427.jpg

قرأتُ قبل شهور قليلة كتاب “التجربة اليابانية” لـ/سلمان بونعمان، وقد ذكر موضوع عن تاريخ اليابان للمرة الأولى أسمع به، وهو موضوع دخول اليابان وشعبها في عزلة عن العالم.

أثار انتباهي هذا الموضوع، فعزمت على كتابة تدوينة تناقش:

  • تاريخ العزلة في اليابان وأسبابها ونطاقها.
  • ظروف العزلة وتراكماتها/نتائجها.
  • نهاية العزلة وانفتاح اليابان من جديد على العالم.

وتدوينة واحدة لن تفي هذا الموضوع حقه، وستبدو مختزِلة للكثير من الحقائق، لذلك قررت أن أقسمها ثلاث تدوينات تُنشر تباعًا، بحسب المحاور المذكورة أعلاه، وقد قرأت بعض المقتطفات المتعلقة بمرحلة العزلة هذه في كتب أخرى تناولت تاريخ اليابان، وسأضمنها هنا.

يابان ما قبل العزلة:
بعد توسع النفوذ الغربي المسيحي في اليابان مع بدايات القرن السابع عشر، والذي اتخذ طابعًا تجاريًا، لكنه امتد ليشمل المجالات الأخرى الدينية والثقافية، والاجتماعية، بل والسياسية، والتي كان لها تأثيرًا سلبيًا على خطوات تحقيق مشروع الوحدة اليابانية، بعد كل هذا اتخذ الشوغون “منصب الحاكم العسكري” قرارًا استراتيجيًا يقضي بـ”تصفية أي وجود غربي” في اليابان مع كافة مصالحهم التي أسسوها خلال ما يقرب من القرن (١٥٤٣-١٦٣٧م).
وهذا القرار يعني من جانب آخر، دخول اليابان في عُزلة طوعية عن العالم، يمكن وصفها بأنها “وقائية دفاعية استباقية” بدأت فعليًا منذ العام ١٦٣٧م.

الوضع الداخلي في اليابان قبل العزلة:
كانت اليابان حتى القرن السادس عشر عبارة عن عدد من المقاطعات التي يحكمها “الدايميو” .. وهم؛ الإقطاعيون الذين يحكمون الاقطاعيات المنفصلة.
آنذاك، لم تكن لليابان سلطة مركزية قوية، وكانت النزاعات الإنفصالية موجودة وبقوة بين حكام المقاطعات، لدرجة تصل لشن الحروب بينهم وبين الشوغون “الحاكم العسكري في اليابان، والذي سيطر على مقاليد الأمور بعد تضاؤل سلطة الامبراطور”.
عمل “الشوغون” على تعزيز الوحدة بين المقاطعات، وإخضاع “الدايميو” للسلطة المركزية، وقد اعتمد في ذلك على إصدار القرارات الإدارية تارّة، وعلى الحملات العسكرية تارة أخرى.
من جانب آخر، ورغم أن الشعب الياباني كان بمجمله يعتنق البوذية، إلا أنه كان مقسمًا ثلاث طبقات، مما أضاف عنصرًا جديدًا معوقًا للوحدة.

الاحتكاك مع الغربيين:
رصد بعض المؤرخين أول تواجد غربي قرب السواحل اليابانية عام ١٥٣٠م، كان البرتغاليون هم أول من نزل في الموانئ اليابانية، وهم الذين أدخلوا السلاح الناري لليابان، وتاجروا به مع حكام المقاطعات المتصارعة، وشكلت لهم هذه التجارة موردًا ماليًا هائلاً.
وحتى بداية القرن السابع عشر، استخدم البرتغاليون ٣ وسائل متداخلة لتعزيز نفوذهم باليابان:
١) التجارة.
٢) بيع الأسلحة النارية.
٣) التنصير.
يؤرَخ للديانة المسيحية أنها ظهرت لأول مرة في اليابان العام ١٥٤٩م عبر أحد الرهبان، ثم توالى عمل المبشرين بعده من إسبانيا وفرنسا.
اعتنق المسيحية لاحقًا، وخلال فترة وجيزة عدد من حكام المقاطعات، وكانت العمليات التبشيرية تحظى بدعمهم ومساندتهم، في الوقت نفسه كانت البوذية تتعرض للتضييق، ويعاني البوذيون من الاضطهاد!
عام ١٥٨٢م، وصل عدد معتنقي الديانة المسيحية في اليابان إلى ٥٠ ألف مسيحي.
وقد وفدَت عدة إرساليات لاحقًا لتعزز النشاط التبشيري في اليابان، واستغلَّ المبشرون المسيحيون فترة انشغال الشوغون “هيديوشي” في غزواته الخارجية، ليكثفوا من أعمالهم ونشاطاتهم.
لكن بعد عودة الشوغون من حروبه الخارجية منهزِمًا، ركز جهوده على ملاحقة المبشرين، ففي العام ١٥٩٦م، تم احتجاز باخرة اسبانية عند سواحل اليابان، وتبين من التحقيق أنها كانت محملة بكميات كبيرة من الليرات الذهبية لاستخدامها لغزو اليابان عسكريًا.
أمر الشوغون بالتضييق على عمل المبشرين، فصلب بعضهم، وهرب آخرون، وتم إعدام عدد من اليابانيين المتنصرين، وتم إغلاق وهدم ١٣٧ مدرسة وكنيسة حتى العام ١٥٩٧م.

يبدو أن الشوغون “هيديوشي” قد خشي على نفوذه الذي بات يتهدده النشاط المتزايد للمبشرين، ومن معهم من الدايميو المتنصرين، وخصوصًا في أعقاب هزيمته في حروبه الخارجية، بالإضافة لما قد لاحظه من كثرة النزاعات بين الإرساليات الأجنبية العاملة في اليابان، وتهديدها لنظام القيم الاجتماعية السائدة في اليابان، الأمر الذي دعاه إلى التضييق على المسيحيين، وإعادة الاعتبار للبوذيين.
ويبرز سبب آخر يبرر للشوغون عمله في التضييق على عمل المبشرين، وهو تحوُّل الوجود المسيحي لقوة سياسية، استخدمها أطراف النزاع على السلطة، كمدخل للتعاون مع القوى الخارجية مثل البرتغاليين والإسبان والإنجليز والفرنسيين وغيرهم الذين تضاعفت أعداد مراكزهم التجارية في اليابان، ما دعا الشوغون للتنبه لهذا الخطر المحدق به، فأمر بالتضييق على نشاطاتهم كليَّة.

بعد ذلك، أتى الشوغون “إياسو توكوغاوا” والذي أقصى رجال الدين المسيحين عن العمل كواسطة بالتعامل بينه وبين القوى الخارجية.
وبعد وفاة الشوغون “إياسو توكوغاوا”، أكمل الشوغون الجديد عمله، فأصدر تعليمات تحظر العلاقات مع الأجانب، وتضع الموجودين منهم في اليابان تحت رقابة السلطة المركزية، وذلك في عام ١٦٢٤م، وهو العام ذاته الذي قرر الشوغون فيه قطع العلاقة مع الإسبان.
وبحلول العام ١٦٣٩م، أصبحت مراسيم العزل التي تُسمى “ساكوكو” -معناها؛ البلد مغلق- سارية المفعول، وتنص أهم بنود هذه المراسيم على:

  • حصْر الملاحة الخارجية بسفن الدولة فقط.
  • فرض عقوبة الموت على المهاجرين الذين يغادرون اليابان بطرق سرية، ومصادرة مراكبهم.
  • تنفيذ الإعدام بأي ياباني يبقى خارج اليابان لمدة تزيد على خمسة سنوات بعد صدور هذه القرارات.
  • منع التجار اليابانيين من الاتجار مباشرة مع الأجانب، أو تخزين بضائعهم -أي بضائع التجار الأجانب- في مخازن يابانية.
  • منع تصدير الأسلحة اليابانية.
  • منع الإرساليات الأجنبية من العمل.

في التدوينة القادمة بإذن الله، ظروف وتراكمات مرحلة العزلة اليابانية.

Read Full Post »

20120526-172313.jpg

الوحدة الخليجية…

تنص إحدى فقرات المادة الرابعة من النظام الأساسي لمنظمة مجلس التعاون الخليجي الصادر في ٢٥ مايو١٩٨٢م:
: تتمثل أهداف مجلس التعاون الأساسية فيما يلي
“تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا الى وحدتها”

غاب موضوع “الوحدة” عن البيانات الختامية الصادرة عن قمم مجلس التعاون الخليجي، ولم تعد مرة أخرى إلا في بيان منفصل للقمة الثانية والثلاثين التي عقدت في الرياض ديسمبر ٢.١١م، وكذلك في بيان آخر على هامش اللقاء التشاوري الرابع عشر!!
هكذا يقفز موضوع هام واستراتيجي من مجرد كلمة مهملَة في النظام الأساسي للمجلس، إلى دعوة صريحة واجبة التطبيق!

لا يمكن إيجاد أية نوايا أو مخططات للأنتقال من حالة التعاون إلى حالة الأتحاد عند قراءة مضامين البيانات الرسمية لقمم مجلس التعاون خلال السنين الماضية، لذلك يقفز السؤال التالي إلى الواجهة:
ما الذي يجعلُ أنظمة مجلس التعاون(كلها أو بعضها) تتبنى خطاب الوحدة بعد غيابه عن أجندتها-سواء على مستوى البيانات أو المشاريع-منذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي، ورغم كونه مطلبًا شعبيًا لدى شعوب الخليج منذ القدم؟!

في الحقيقة، لا تعكس رغبة أو إعلان الانتقال من حالة التعاون إلى حالة الوحدة توجهًا رسميًا قديمًا لأنظمة الخليج، رغم ورود الوحدة كهدف أخير لقيام مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي لا يمكن اعتباره تطورًا منطقيًا تدريجيًا… إن هذا الإعلان يأتي بصورة مفاجئة لبيانات وتصريحات قادة دول الخليج، وكذلك هو يشكل قفزة في الحديث عن هذه المنظومة العربية الصغيرة، فإلى اليوم؛ لا يزال الخليجيون يتندرون أن أبرز إنجازات مجلس التعاون بعد ٣٠ عامًا من إنشائه هو السماح لمواطني المجلس بالتنقل بالبطاقة أو الهوية المدنية بين الدول الأعضاء…ناهيك عن أشكال “التعاون” الأخرى الحقيقية التي لا تزال قيد الأحلام، ولم تخرج بعدُ حتى إلى طور التخطيط!

إذًا مرة أخرى؛ ما هو الباعث على جعل أنظمة الخليج تتحدث عن الإتحاد بعد سنين من التعاون-وأساسًا هو لا يرقى إلى تعاون حقيقي-؟!
إن منطقة الخليج كونها إحدى مناطق الصراع في الشرق الأوسط، شعوبها تتأثر بصورة كبيرة فيما يحدث بأجزاء المنطقة الأخرى، ومع الربيع العربي، وتصاعد وتيرة المطالبات الشعبية والحراك المجتمعي-بيانات/حركات مدنية/مظاهرات واعتصامات..ألخ- رأت الأنظمةُ الحاكمة الخليجية أنه لابد من تحصين أنفسها عبر تأسيس الإتحاد الخليجي، وهو يمثل بحد ذاته طموحًا شعبيًا خليجيًا أصيلاً، ولكن قبل ذلك عمدت الأنظمة عبر وسائل إعلامها-الرسمية والمحسوبة عليها- إلى:
– تضخيم الخطر الخارجي الذي يحيط بالخليج وشعوب الخليج، والذي يتمثل في إيران…وإيران حصرًا ومن يتعاون معها من منظمات.
– تصوير المطالِب الشعبية بالإصلاحات السياسية في البلدان الخليجية كونها ثورة على الأنظمة، وخروجًا على ثوابت التاريخ والدين والسياسة، وحشد المسوِّغات والمبررات الدينية والاجتماعية لمواجهة ذلك الخطر!
– تعمُد تشويه الحراك الشعبي في بلدان الربيع العربي، وتصويره بالشر، واستخدام لغة تحذيرية من سوء المآل الذي ينتظر الخليج في حال أصرت الشعوب الخليجية على اقتفاء أثر بلدان الربيع العربي، ليس بسبب الأنظمة-معاذ الله- بل بسبب طبيعة هذه الحركات-الفتن-التي تأكل بعضها ببعضها…هكذا هو الخطاب المستخدم!
– حاولت ضخ الأموال مرة أخرى لإعطاء الانطباع لدى الشعوب والنخب السياسية-المنادية بالإصلاح- بأن مشاريع التطوير والتنمية وإيجاد فرص العمل والعيش الكريم وغيرها هي في طور التنفيذ.
– تقديم بعض المبادرات الشكلية التي توحي بأن هذه الأنظمة لا تمانع الإصلاح ولا ترفضه مثلاً: إقالة وزراء/تنظيم انتخابات/تعديل تشريعات/عمل لجان تحقيق..وغيرها، وذلك لامتصاص غضب الجماهير وتخديرها.

لم تكن المفردات المستخدمة في صياغة البيانات الختامية لقمم مجلس التعاون سوى خليط من المفردات التالية:
التكامل/التعاون/العمل المشترك/التنسيق، أما الوحدة فلم ترد إلا في سياق الحديث عن العملة-الوحدة النقدية- والشؤون الجمركية!..أقول هذا بعد قراءة كافة البيانات الختماية من عام ٢٠٠١م، وحتى عام ٢٠١١م مع بيانات اللقاءات التشاورية!

إذًا لا يمكن وضع موضوع الوحدة-البِدعة هذي- إلا في سياق مواجهة الحِراك الشعبي، ومطالبات الشعوب الخليجية بالإصلاحات السياسية الحقيقية.

لماذا الخوف من الإتحاد وهو اتحاد كونفدرالي وليس فدرالي؟!

نعم، ليس الخشية من الإتحاد الكونفدرالي، وإنما مآلات هذا الاتحاد، وهناك بعض الأسباب الرئيسة التي تجعل المواطن-الكويتي مثلاً-يخشى من هذا الإتحاد:
– أولاً؛ الاتحاد سيكون بين دول مستقلة ذات سيادة-هكذا يُدّعى في ظل وجود القواعد الأمريكية!-، وستقوم-طبقًا لخصائص الإتحاد الكونفدرالي-بتفويض بعض صلاحياتها لهيئات مشتركة لتنسيق عدد من السياسات بمختلف المجالات المتفَق عليها سلفًا، وهنا تبدو المشكلة؛ ما حدود هذه المجالات؟ وما هو رأي الشعوب بطبيعة السياسات التي ستقوم هذه الهيئات المشتركة بتقريرها؟!

– ثانيًا؛ رغم أن الكونفدرالية تحترم مبدأ السيادة واستقلال الدول، إلا أنها تحمل احتمالاً ليس بمستبعَد من أنها ستتطور لاحقًا، من مجرد معاهدات إلى اعتماد دستور مشترك بين البلدان الأعضاء، وذلك للتوحد أكثر فيما يتعلق بالسياسات الخارجية والدفاعية، هنا مرة أخرى يُطرَح السؤال؛ ما هو موقف المواطن الخليجي مما يدور ويحدث؟!

– ثالثًا؛ الإتحاد الكونفدرالي هذا من المفترض أن يجمع بين دول ذات أنظمة سياسية متشابهة أو متقاربة، وهذا ما لا يتوافر في الخليج، حيث يتراوح بين الديمقراطيتين الجزئيتين في الكويت والبحرين-مع وجود تفاوت كبير في التجربتين- وأنظمة حكم استبدادية في السعودية وعمان وقطر، ونظام حكم إتحادي-فيدرالي- في الإمارات، هو الآخر فيه استبداد كان واضحًا خلال الأشهر الماضية عبر سلسلة من الاعتقالات والملاحقات الأمنية والتجاوزات الإنسانية..إذًا؛ لاشك بأن الأقلية النادرة-الكويت برغم علاتها وابتعاد نموذجها من النظام الديمقراطي الحقيقي- ستغوص في بحر الأغلبية التي تمثل الاستبداد الحقيقي، وهنا وللمرة الثالثة، يتم تغييب الإنسان الخليجي من أي مشاركة سياسية، بل وتقضي على آماله بقيام أي إصلاحات سياسية.

– رابعًا؛ أن الدعوى للإتحاد الكونفدرالي هو في سياق الرد على تحديات واستحقاقات خارجية -كما صوّر ذلك الإعلام الرسمي للأنظمة- وهنا تتأكد شكوكنا بأن لا نية في الإصلاح، بل كل ما في الأمر هو مجرد تدابير وقائية لتحتفظ الأنظمة الحاكمة بممتلكاتها!، لم ترد أي كلمة عن الاستحقاقات الداخلية، أو المشاكل الحقيقية التي تعاني منها شعوب الخليج، وكأنه لا وجود لها.
(١)
لذلك؛ رفضنا للإتحاد الخليجي المزمع إقامته ولو كان كونفدراليًا، ليس رفضًا للإتحاد أو فكرة الإتحاد، وإنما رفضًا لاختزال الإصلاح السياسي وتحقيق العدل والمساواة والأمن والاستقرار بإقامة كيان جديد، حتمًا بأنه لن يكون إلا في خدمة الأنظمة.
(٢)
إن الإصلاح السياسي الحقيقي، وليس الشكلي، يجب أن يكون سابقًا في كل بلد خليجي قبل الحديث عن أي وحدة مع أي بلد آخر أو مجموعة بلدان.
(٣)
إن المشاركة الشعبية في تقرير المصير واجبة لضمان نجاح أي اتحاد خليجي، والإتحاد الأوروبي يقدم لنا مثالاً في ذلك، بتحمل الشعوب المسؤولية سواء بسواء مع الأنظمة في وجه كل استحقاق سياسي واقتصادي يواجه الإتحاد الأوروبي، فقط لأنها أبدت رأيها في هذه الاستحقاقات ولم يتم إقصاءها.
(٤)
باختصار؛ إن قيام إتحاد بهذا الشكل بين دول الخليج ماهو إلا تكريس للاستبداد السياسي الذي تعاني منه شعوب الخليج، وممانعة ومواجهة لأي حراك مدني يمكن أن تقوم به هذه الشعوب.

Read Full Post »

20120427-175902.jpg

 

في مثل هذا اليوم المبارَكْ ٢٧ أبريل من عام ٢٠١١م المبارك… سجّلني الأخ عبداللطيف المطيري في تويتر.

ُفي البداية كنت رافضًا أن أسجّلَ به، كنت أشاهد البعض من الشباب وهم يُنفقون جلَّ أوقاتهم بالدوانية في تصفحه، لذلك كنت رافضًا له، كانت صورته لدي مُشَوَّشة جدًا وغير صحيحة.

بعد أن سجّلتُ به، أصبحت بلا مبالغة… من مدمني تويتر، لا تكاد تمضي ساعة أو ساعتين إلا وأنا مُمسِك بجهاز الآيفون متصفحًا الـ”تايم-لاين”… هكذا كانت بدايتي مع تويتر خلال الأشهر العشرة الأولى تقريبًا.
الحمدلله، منذُ شهرين وأكثر تقريبًا بدأتُ بالسيطرة على نفسي، وبدأتُ أقللُ من ترددي على تويتر قراءة و”تغريدًا”، وبدأتُ بتوزيع نشاطي على بقية مواقع التواصل الاجتماعي ومنها goodreads الخاص بعالم القراءة.

عمومًا؛ تجربتي مع تويتر أحسبُها نافعة لي، ومضارها أقل بكثير من فوائدها، ولعلي أُلَخِصُ منافعها في النقاط التالية:

  • أتاحَ لي تويتر الاطلاعَ بصورة أكثر “قُرْبًا” من القضايا والأزمات بكافة مجالاتها، السياسية منها والإنسانية، الاجتماعية والثقافية، لقد أصبحتُ على خط التماس مع المعنيين بهذه القضية أو تلك الأزمة، يتحدثون بأنفسهم ويعبرون عن معاناتهم-مثلاً- دون حاجة لوسيط بيننا، كنت فيما سبق، أكتفي بقراءة المدونات ومشاهدة الأخبار وهكذا تسير حياتي، مع تويتر، ارتفعَ مستوى تعقيد الحياة هذه (:
  • كنت أقرأُ كتابًا واحدًا شهريًا قبل دخولي تويتر، مع النقاشات الشبابية أو مع التواصل مع المتخصصين(علماء/شعراء/مثقفين..ألخ) في تويتر، ازْدادَ النشاطُ القرائي لدي كمًا وكيفًا، بل وأصبحت أتواصل مع عقول وأفهام كثيرة ومختلفة، وأتعرف على نشاطات المجموعات القرائية، أو تعليقات المثقفين المباشرة على الكتب وتوصياتهم، وأطّلِعُ على أحدث ما تنتجه المطابع ودور النشر العربية.
  • حتى وسطي الاجتماعي زاد زيادة كمية ونوعية، كنتُ فيما سبق، لا أتردَّدُ إلا على دوانية أصدقائي بمنطقة الرقة، وكانوا هم وسطي الاجتماعي غير عائلتي وأقاربي، بالإضافة إلى زملاء العمل، تويتر وَفّرَ لي الفرصة أن أتعرف على أصدقاء جُدُد سواء من الكويت أو من خارجها، ولم يكن تويتر هو وسيلتنا الوحيدة للتواصل، بل لقد اجتمعنا مع بعضنا في بعض الملتقيات والاجتماعات العامة، وهذا ما يُضفي جديّة أكثر على تعاملنا مع مَنْ نتعرف عليهم عبر تويتر.
  • تويتر أتاح لي الفرصة أن أعبّرَ عن موقفي الشخصي من قضايا كثيرة، داخلية وخارجية، ما يُشكِلُ مجالاً خارجًا عن يد السلطة في بلدي، وبنفس الوقت هو قريب من جميع الناشِطين في مختلف حقول الحياة، وهذا أمرٌ مستَحْدَث في مثل بيئاتنا.
  • أذكرُ سابقًا أنني كنتُ أكتفي بكتابة تدوينة تعبيرًا عن موقفي من بعض القضايا وأكتفي بذلك، تويتر ومن خلال تواصلي مع شباب آخرين نقلني لمستوى آخر من التفاعل، وهو النزول لساحات الاعتراض والشجب والرفض لممارسات السلطة هنا في الكويت، والاقتراب من الفاعِلين الشباب الذين قادوا الحراك الكويتي خلال الفترة الماضية، وشهود أكثر الأيام سخونة في تاريخ الكويت خلال عام ٢٠١١م.

هذه بعض من فوائد تويتر علي شخصيًا، أمّا مضاره، فلا تكاد تتجاوز ذلك الوقت الذي أقضيه في قراءة الـ”تايم-لاين” والروابط التي تنقلني من صفحة لأخرى، وهذا ما بدأتُ فعليًا بالسيطرة عليه في الآونة الأخيرة.

تويتر باختصار ليس عالَمًا افتراضيًا، بل هو ميدان آخر من ميادين صراعاتنا المختلفة، الجديدُ فيه أنه يتيح لنا الاقتراب أكثر من مواقع التماس، ويتيح لجميع الأطراف المختلفة نفس الفرصة في عرض وجهات نظرهم، ونحن من يحكم أخيرًا.

لابد لي من عرض بعض الأفكار-التي أتبعها-في استخدامي لتويتر:
– تويتر ليس لتتواصل مع أقاربك الذين تراهم ليل نهار وتتواصل معهم لحمًا ودما، سمعًا وبصرًا، بل هو للتواصل مع عقول وأفكار الآخرين، داخل وخارج بلدك، فلا تحوِّل تويتر لـ”ديوانية” أخرى.
– تويتر يتيح لك الفرصة في أن ترتقي بأفكارك من خلال التواصل مع الآخرين ومناقشتهم، فلا تُضِع هذه الفرصة بالمساجلات والمشاحنات والمجاملات.
– أتاح لي تويتر أن أدرِّب نفسي-مجانًا- على الاستماع -برحابة صدر- للآراء الشاذة والتي أختلفُ معها جملة وتفصيلا في قضايا كثيرة، وهذا مما يُدفَعُ له المال الكثير في دورات التطوير الذاتي التي نقرأ إعلاناتها كثيرًا في الصحف!
إنها فرصة أن تطور ذاتك بالمجان…دون أن تدفع دينارًا واحِدًا.
– تويتر ليس المكان المناسب أبدًا لتتعلم وتتعمّق في فهم القضايا الثقافية والسياسية، هنا قد تجد رؤوس أقلام فقط، ولكنها ليس كل شيء، ابحَثْ ونَقِّبْ عن الحقائق في الكتب وفي التواصل الحي مع الآخرين، فتويتر لعرض السريع الوجيز من الأفكار والأخبار فقط.
– ليس من الضروري أن “يُتابعك” كل مَنْ تتابعه من أصدقائك أو أقاربك، أو غيرهم، بل وحتى إذا ما تابَعَك في يوم من الأيام أحدهم، ثم ألغى متابعته لك، فلا تَبْتَئِس، فهي أكثر الطرق تأدُبًا في المفارقة، ثم لا تنسى أنك مازلت تتنفس بصورة طبيعية دون متابعته لك، فَلِمَ تَضخيم مثل الأمور؟!

حتى وقت كتابة هذه التدوينة لدي في تويتر هذه الاحصائية:
– أتابع ١٤٢ “حِساب”، منهم فقط قريبان لي، و٣ حسابات إخبارية، و٤ حسابات تهتم بعالم الكتب والقراءة، و٤ حِسابات تهتم بالأنشطة الثقافية والأدبية، و٥ حِسابات لأعضاء البرلمان، منهم من كنتُ أتابعه حتى من قبل ترشحه للمجلس وهما: فيصل اليحيى ود.عادل الدمخي، وحِسابات الصحفيين والمفكرين والناشطين الشباب هي الغالِب والحمد لله.
-يتابعني: ٤٣٣ حِساب.
– لدي: ٩٢٥٦ تغريدة..أسأل الله أن يجعلها لي لا علي…اللهم آمين

Read Full Post »

Older Posts »