Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘هتافات مُقتبسة’ Category

– “أوقِفوا اللص! أوقِفوا اللص!” إن ثمة لسحرًا في هذه الصيحة. فإذا بالتاجر يغادر منضدته، والحوذيُّ عربتَه، وإذا بالجزارِ يطرحُ صينيته أرضًا، وبالخباز ينبذ سلَّته، والحلّاب دلوه، والساعي رُزمَهُ، والتلميذ كُراتِهِ، وراصف الشوارع مِعْوله، والطفل مِضْربه الخاص بلعب الكرة، إنهم يهرعون وقد اختلط حابلهم بنابلهم وأخذوا يخبطون خبط عشواء، مهتاجين، صائحين، صارخين، صارعين عابري السبيل وهم ينعطفون حول الزوايا، مثيرين الكلاب، مذهلين الدجاج، وأن الشوارع والساحات والأفنبة لترجِّع صدى أصواتهم.
– “أوقِفوا اللص! أوقِفوا اللص!” وتتلقَّف الصيحة مئاتُ الأصواتِ وتكرِّرُها، ويتعاظم الحشد عند كل عطفة. ويغذّون السير، مخوّضين في الوحل، مطقطقين بأحذيتهم على الأرصفة: وترتفع مصاريع النوافذ إلى فوق، ويندفع الناسُ إلى الخارج، وتزحفُ الغوغاء إلى الأمام، وتهجر النظارة مسرحية الدمى الموسومة باسم “بانتش” والعقدةُ في أوج احتباكها، وينضم أفرادُها كلهم إلى الحشد المندفع، فيضخِّمون الصراخ، وينفخون في الصيحة عزمًا جديدًا: ” أوقِفوا اللص! أوقِفوا اللص!”.
– “أوقِفوا اللص! أوقِفوا اللص!” إن ثمة في أعماق الصدر البشري رغبة في المطاردة، في مطاردة أيّ شيء مهما يكن. طفلٌ مسكينٌ متقطِّع الأنفاس، لاهثٌ من أثر الإجهاد، مُروّع السِّمات، راشح العينَين بالألم المرير، مبلل الوجه بحبات عَرق كبيرة ليُجْهِدُ كلَّ عصبٍ من أعصابِه للنجاة من مُطارديه، وفيما هم يتعقبونه، مقتربين منه كل لحظة، يمطرون قوته المتناقصة بصيحات أعلى، ويهتفون ويصرخون في ابتهاج: “أوقِفوا اللص!” .. أجل، أوقِفوه إكرامًا لله، أوقِفوه رحمة بنا على الأقل!

من رواية “أوليفر تويست” لتشارلز ديكنز وترجمة منير بعلبكي

Read Full Post »

الناس في هذه الحياة يختلف بعضهم عن بعض في شتى أمور الحياة، في سلوكهم مع أنفسهم ومع الآخرين، وفي تصرفاتهم، بل في عقلياتهم وإدراكهم للأمور.

ومن هؤلاء الناس الشعراء الذين يصل بعضهم إلى قمة الإبداع والحكمة والنفاذ إلى صميم أمور الحياة، وتصوير هذا أو ذاك بأسلوب شعري معبر أصدق تعبير عن معاناتهم. ويصل بعضهم الآخر إلى حضيض الاسفاف، وحضيض الهراء والقول الفج والكلام الفاسد، وتركيب الحروف والكلمات تركيبًا متكلفاً، خاليًا من نغم الشعر، وروح القصيد، وجوهر الإنشاد، ومالشعر إلا روح المعاناة، ونشيد الحياة ونغمها وغناؤها.

عن عبدالله زكريا الأنصاري في “مع الشعراء في جدهم وعبثهم”

Read Full Post »

لو أن الأمور سارت بين الناس دون شوائب، وتمت بنفوس صافية، ونيّات حسنة، وتغاضي عن الهفوات غير المقصودة، لقام مجتمع فاضل بينهم.

إن المجتمع الفاضل بين الناس من الأمور المستحيلة، لأن الناس جبلوا بعيدًا عن الفضيلة، وبعيدًا عن النقاء، وبعيدًا عن الصدق والتجرد.

عن الأديب عبدالله زكريا الأنصاري في “مع الشعراء في جدهم وعبثهم”

Read Full Post »

كانت ليلة من ليالي الشتاء الباردة…سرتُ في الطريق وفي رأسي تدور أحاديث كثيرة، …وعند منعطف الطريق المُحاذي للمسجد كان يقع بيت “أبو ابراهيم”، بيتٌ متواضع متطامن الحيطان، ظهر بين البيوت الأخرى مزريًا ببابه الخشبي القديم ونافذته الخشبية المستطيلة التي بنبعث منها ضوء شاحب ضئيل..وحينما حاذيت النافذة ترامى إلى سمعي صوت يأتي من غرفة الجلوس: أنا فلاّح قدير..ثم يُتابع طفل: أنا فلاح قدير..أنا فلاح قدير..أنا فلاح قدير أزرع الحب الكبير.

وشدني الفضول فدنوت من النافذة ومن الخصّ الذي ينبثق منه الضوء، رأيت ابراهيم منكبًا على كتاب، وبجانبه الأخ الصغير مُنبطحًا على بطنه يحدق في الكتاب المدرسي. ابراهيم يردد..والصغير يُتابع. الأم والأب يتابعون في هدوء واستمتاع، والأخت الكبرى توزع فناجين الحليب بالزنجبيل فيصعد بخارها في الفضاء الشاحب مختلطًا برائحة الحطب.

كانت أنفاس الليل هادئة، وضوء القمر يشع في حيطان البيوت المقابلة….وانسللت من مكاني وراح الصوت الضعيف يتبعني: أنا فلاح قدير..أنا فلا..أنا فـ ..أ

…وتكبر صورة “أبو ابراهيم: العامل البسيط..الفقير الذي قضى حياته في القرية، يعمل في البناء، ونقل الاخشاب، وشذب جريد النخيل، يأخذ أجره الضئيل من هذا ومن ذاك، ليعول هذه الأسرة البسيطة اللطيفة، وراح يزرع بماء عرقه وكفاحه في هذا البيت الضئيل بواكير العلم والمعرفة.

….ومرت الأيام، وفرقت القرية أهلها..وقبل فترة مررت بالبيت، فرأيته كما هو، بل زاد ضآله وشحوبًا، وخدشت الأمطار، والإهمال واجهته، إلا أن الباب لا يزال كما هو، والنافذة لا تزال كما هي، وتذكرت العائلة ورحت أسأل عنها بإلحاح وشغف..فقيل لي: أن ابراهيم صار طبيبًا، وأن الطفل الصغير -محمدًا- أستاذ في الجامعة، أما الأخت فأصبحت مديرة مدرسة، فامتلأ صدري بمزيج من الفرح والجلال لذ لك الأب المكافح العظيم، وراح ذلك الصوت الضئيل في تلك الليلة الشتائية المظلمة يتردد على سمعي: أنا فلاح قدير..أزرع الحب الكثير..أزرع الجد الكثير..أزرع الأمل الكبير.

عن عبدالله الناصر في “من أحاديث القرى-حكايات من ذاكرة الأرض” بتصرف يسير

Read Full Post »

ومن  ناحية أخرى فقد مكثتُ عامًا في “أفلو”* دون أن تحدث جريمة، وثمة نادرة كانت الأكثر تأثيرًا في نفسي. تلك قصة راعٍ أودع قطيعه المؤلف من خمس مئة أو ست مئة جمل إلى من يرعاه،ثم  افتقد ذلك المؤتَمَن ولم يعد يراه ويئس من رؤيته ثانية.

وبعد مضي عامين، يرى فجأة قطيعه في مضرب الخيام، وقد بلغ ضعفين، ذلك أن الذي أخذ القطيع ليرعاه تاه في الصحراء بحثًا عن المرعى والكلأ، وقاده ذلك إلى حدود السودان،ومدة الذهاب والعودة التي حكمتها مسيرة القطيع بما يحفظ عليه صحته وإنتاجه، قد استغرقت عامين، وخلال ذلك فإن الراعي الأمين لم يأخذ من هذا القطيع غير ما جادت به أثداء النوق من لبن لغذائه

عن مالك بن نبي في “مذكرات شاهد للقرن”

* “أفلو” هي إحدى دوائر ولاية الأغواط في الجزائر….بحسب ويكيبيديا

Read Full Post »

وهكذا لم يتردد لاهوتيو النصف الثاني من القرن الثالث عشر في العودة عند المشكلات اللاهوتية الرئيسية إلى المفكرين المسلمين لرؤيتها في ضوء جديد، أو لصياغتها بمصطلح فلسفي إسلامي على الأقل.

عن ريتشارد سوذرن في “صورة الإسلام في أوروبا في العصور الوسطى”

Read Full Post »