Feeds:
المقالات
تعليقات

يحيى حقي.. ذكريات مطوية

haqeeيحيى حقي.. ذكريات مطوية

 

إعداد: نهى يحيى حقي وابراهيم عبدالعزيز

عدد الصفحات: 224 صفحة + ملحق صور.

دار النشر: دار سعاد الصباح/ الطبعة الاولى/ 1993م.

 

هذه الذكريات الخاصة بتجربة العمل الدبلوماسي للأديب يحيى حقي، يرويها على لسانه كل من ابنته الوحيدة “نهى”، وتلميذه “ابراهيم عبدالعزيز”، وبذلك يكون هذا الكتاب، هو الجزء المُكمل لكتاب “خليها على الله”، الذي اشتمل على ذكرياته عن عمله الإداري في صعيد مصر في عشرينات القرن العشرين.
***
جاءت الذكريات على طريقة حوار، وإجابات لأسئلة توجه بها مُعدّا الكتاب للأستاذ يحيى حقي، ومن ثم -على ما يبدو- تم تنسيق الكتاب في الحدود الدنيا، لدرجة أن الكتاب لم يشتمل على هامشٍ واحدٍ في حال احتيج إليه، وهذا من القصور في هذه الذكريات، فعلى سبيل المثال؛ حين كان يتحدث حقي عن تجربته الدبلوماسية في جدة، تطرق بالحديث عن الملك عبدالعزيز، ولكنه كان يُسميه “الملك سعود”، وفي موضع آخر، بعد صفحات قليلة، كان يتحدث عن الملك نفسه ولكن باستخدام اسمه الصحيح هذه المرة، ولا أعلم إن كان هذا الخلط من يحيى حقي نفسه، أم من المعدين، ولكنه على الأقل احتاج ولو لهامش توضيحي واحد.
كما أن هناك اختلاف وعدم توافق تاريخي في أول الكتاب، لا أعلم كيف لم يتنبهّ له مُعدا الكتاب، ويتعلق بالخصوص في تاريخ انضمام يحيى حقي للعمل في وزارة الخارجية، فتارة يقول أنه التحق بها عام 1921م، ثم أتنبه إلى أنه قد ذكر سابقًا أن وزارة الخارجية أنشئت بعد تصريح فبراير 1922م، ثم في صفحة أخرى يذكر أنه التحق بالوزارة أوائل عام 1923م، وبعدها مباشرة يذكر أن أول عمل دبلوماسي له كان في مدينة جدة، كأمين محفوظات القنصلية، وذلك بعد شهرين من التعيين والتمرين، وعند إكمال القراءة نجد أنه يقول أن فترة عمله في السعودية كانت لعامين فقط انتهت في عام 1930م، فهل يعقل أن يكون عام انضمامه لوزارة الخارجية أحد عامَين هما 1923 أو 1921م؟!
***
عمومًا، إخراج الكتاب بهذه الطريقة المتواضعة، حيث تعددت الأخطاء المطبعية، وتكرر وضعُ علامات التنصيص والأقواس في غير محلها الملائم، ودخول بعض العبارات والمفردات العامية وسط الحديث باللغة العربية، دون تنسيق، كل هذه الأمور لم تذهب بالفائدة التاريخية والتوثيقية التي سجلها يحيى حقي عبر تجربة العمل في السلك الدبلوماسي المصري.
***
أولى المحطات الدبلوماسية ليحيى حقي كانت في القنصلية المصرية في مدينة جدة، واستمرت لعامين كما ذكرتُ سابقًا، وقد احتفظ بذكريات عديدة عن هذه المدينة، وخصوصًا ما يتعلق بقناصل الدول الأوروبية وغيرها، وطبيعة الحياة البدائية والفقيرة. ولأنه في جدة، فقد كان تأمين وتنظيم وصول الحجاج المصريين إلى مكة لأداء شعائر الحج من مسئوليات القنصلية في جدة، وكان هذا الأمر بمثابة تحدي للعاملين في القنصلية، وفرصة لتأدية فريضة الحج، وهو ما يطلعنا عليه حقي في تجربته الأولى هذه، كما شهد حقي فترة جمود العلاقات الدبلوماسية بين السعودية ومصر على خلفية “قضية محمل الحج المصري”، وبعد عودته لأول مرة إلى مصر عام 1930م، صدر قرار بنقله إلى القنصلية الملكية المصرية في اسطنبول.
حافَظَ يحيى حقي على نفس المركز الوظيفي في اسطنبول، حيث عمل هناك كأمين محفوظات القنصلية، ووصل إلى اسطنبول عن طريق البحر في أوائل سنة 1931م، وبقي فيها إلى سنة 1934م، وكما يقول حقي، فقد شهد بنفسه عملية تَحوّل تركيا إلى النظام العلماني، تحت حكم القوة والقهر من مصطفى كمال أتاتورك، وتبدّى هذا التغيير في عدة مجالات، ومن أبرزها استخدام الحروف اللاتينية بدلاً عن العربية في كتابة اللغة التركية، وتطبيق القانون السويسري بدلاً عن الشريعة الإسلامية، ومنع ارتداء الطربوش، وغيرها، وللأستاذ حقي عدة مواقف خرج بها بانطباعات أن كل ما حدث كان رغمًا عن إرادة الشعب التركي المتدين بأكثريته، كما أن لديه رأيٌ في مصطفى كمال، وهو أنه يكن “كراهية للدين الإسلامي”، وفي موضع آخر يصفه بأنه “من أكبر المدمنين لشرب الخمر”.
وفي أثناء وجوده هناك، شهد حقي “حادثة الطربوش” الشهيرة بين مصطفى كمال ووزير مصر المفوض في تركيا آنذاك عبدالملك حمزة، وقد تولى حقي مهمة إيصال رسالة من السفارة المصرية إلى وزارة خارجيتها، تتضمن تفاصيل ما حدث، ولأجل أن تكون الرسالة بمأمن من إطلاع الأتراك عليها، سافر حقي إلى اليونان خصيصًا ليودعها في البريد الذاهب إلى مصر، وذلك قبل ظهور ما يُسمى بـ”الحقيبة الدبلوماسية”، كما يقول الأستاذ حقي.
ثالث المحطات كانت روما، حيث صدر قرار بنقل حقي للعمل في المفوضية المصرية هناك، واستمر إلى عام 1939م، وقد شهد نذر الحرب العالمية الثانية، وتصاعد القوى الداعمة للحرب، وفي مقدمتها صعود نجم الزعيم الطلياني “موسوليني”، وفي تلك المرحلة العملية، ارتقى حقي في منصبه إلى “مأمور القنصلية” أولاً، ثم إلى “نائب قنصل”.
ثم تم تعيين يحيى حقي سكرتيرًا ثالثًا في إدارة اقتصادية تتبع وزارة الخارجية، ومكث بها زهاء عشر سنوات، إلى عام 1949م، وخلال هذه الفترة، تزوج حقي ورزق بوحيدته “نهى” التي فقدت أمها بعد فترة قصيرة من ولادتها، وخلال تلك الحقبة، عاد حقي للمرة الأولى ليستقر مؤقتًا في مصر بعد عقد كامل تقلب فيه بين عدة دول وثقافات وتجارب.
عين حقي في عام ١٩٤٩م، سكرتيرًا أولاً لسفارة مصر في باريس،  وبقي هناك مدة عامين، كان من أهم ما قام به هناك، هو تعرفه على زوجته الثانية الفرنسية “جان”، وبالإضافة لماسبق أن قرره، يتحدث حقي عن ضعف التمثيل الدبلوماسي العربي عمومًا، حيث لا يتعدى دور السفارة عن القيام بواجب تنسيق رحلات وصول ومغادرة الملك وحاشيته، ووضع ختم السفارة على الحقائب وغيرها من الأمور الهامشية التي لا تسند سياسة بلد، ولا تحفظ حقوقه، ولا تبين مواقفه الاقتصادية والسياسية.
وفي سنة ١٩٥١م، صدر قرار بنقل حقي للعمل مستشارًا في المفوضية الملكية في أنقرة، وهناك، شهد عودة الإسلام للواجهة عبر الرئيس عدنان مندريس، الذي تنازل عن راتبه “ليخدم أمته مجانًا” على حد تعبير حقي، وقد شهد حقي مقدار محبة واحترام الأتراك لجهود وأعمال مندريس على مختلف الصعد، رغم التضييق الذي مارسه الجيش، والذي وصل ذروته عند محاكمة مندريس، والإقدام على إعدامه، ويؤكد حقي نقلاً عن مصادر متعددة، أن عدنان مندريس طلب السجادة وصلّى أمام المشنقة قبل أن يصعد، وقال لإبنه “إياك والسياسة”، ويرصد حقي أهم حدث مصري أثناء وجوده في تركيا حينذاك، حيث يذكر قيام الثورة في يوليو ١٩٥٢م، وتولي الضباط زمام الأمور.
ثم نُقل يحيى حقي للعمل في ليبيا كوزير مفوض بعد ترقيته من مستشار، وهذه من المفارقات التي يتوقف عندها حقي، حيث يقول أنه بدأ عمله الدبلوماسي في بلد فقير جدًا، ثم تحول لأغنى بلدان العالم، وأنهى عمله الدبلوماسي أيضًا في أحد أكثر بلدان العالم فقرًا، ثم تحول بعد اكتشاف النفط إلى صفوة البلدان الغنية، وهو يقصد هنا “السعودية” و”ليبيا”. ومن أهم ذكرياته عن ليبيا، هو تواضع النظام الإداري، وبدائية البنية التحتية في ليبيا حينها، وقد قابل قبل سفره إلى ليبيا محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة، ثم قابل جمال عبدالناصر، ويقول الأستاذ يحيى، بعد هذين اللقاءَين، أنه اسشتعر أن عبدالناصر هو “رأس الثورة المدبر وروحها”، ثم توجه برًا إلى ليبيا.
ولم يكمل الأديب يحيى حقي مسيرته في السلك الدبلوماسي، حيث أنه قرر الزواج من السيدة “جان” الفرنسية، لذلك طلب من وزارة الخارجية نقله إلى إدارة أخرى، منعًا للاحراج، وتعارض النظم والأعراف الدبلوماسية، التي تقضي بعدم زواج العاملين في السفارات من الأجنبيات، وقد انتهت بذلك مسيرته الدبلوماسية الخارجية عام 1954م، بعد نحو عام من زواجه الثاني.
***
وبالإضافة لما يسجله حقي من ذكريات عن الأجواء السياسية، يسرد لنا جانبًا آخر شغف به، وهو حضور الحفلات الموسيقية والمسرحيات، وقراءة الأعمال الأدبية بلغاتها الأم قدر ما أمكنه ذلك، وذلك بعد تعلم لغاتها، كما فعل ذلك في فرنسا وإيطاليا، وتركيا، ورغم أن أصول عائلته تعود إلى تركيا، إلا أنه لم يكن يتحدثها ولا يعلم عنها شيئًا قبل وصوله لاسطنبول في المرة الأولى.
***
  • ومن أهم الانطباعات التي ركّز حقي في حديثه عليها، العلاقات بين المصريين في الخارج، وما تشوبها من حقد وكراهية وسوء معاشرة، قال ذلك في مكة وفي غيرها، عندما لاحظ النفور بين المصريين، وانتشار الدسائس  فيما بينهم في غربتهم عن بلدهم، في وقت يحتاجون في إلى التعاضد والتعاون، وهذا للأسف أنا شخصيًا شهدتُ بعضًا منه بين بعض الزملاء المصريين في الأماكن المختلفة التي عملتُ بها، ولا يمكن تعميم هذا الأمر، لكنه موجود وملاحظ بين الأخوة المصريين، أقول ذلك وأنا أتعامل مع جاليات أخرى آسيوية هندية وفلبيبنة وعربية أخرى، لكنني لم أشهد بينهم ما شهدته بين الأخوة المصريين للأسف.
  • ومن الانطباعات الدبلوماسية التي ذكرتها آنفًا، تواضع المستوى التمثيلي للسفارات العربية في الخارج، وعدم وضوح الرسالة التي يحملها أفراد السفارة، فالعاملون في السفارة لا يؤدون سوى أعمال إدارية روتينية كما هو الحال في إحدى إدارات الدولة المحلية، دون بذل جهود في الدفاع عن مصالح الدولة والتعبير عن رؤاها في القضايا المختلفة، ودون بذل جهود في الاطلاع والتنقيب عن مواقف الدول الأجنبية وسياساتها الداخلية والخارجية ذات الصلة بالبلدان العربية، وهذا الأمر وجده وتحقق منه الأستاذ يحيى عبر ما شاهده وعاينه من تصرفات وسلوكيات العاملين في السلك الدبلوماسي المصري، حيث يقضي الموظف جلَّ وقته في أعمال إدارية بلا طائل، ثم يقضي ما تبقى من وقت فراغه في اللعب والانشغال بالتافه من الأمور، بخلاف الموظفين الأوروبيين في قنصليات بلدانهم، فتجدهم لا يملون من دراسة الدول والمجتمعات المبتعثين للعمل فيها، خدمة لبلدانهم، وانشغالاً بالنافع لهم، ونقل حقي ما شاهده في مدينة جدة، حيث تكلم عن قنصل هولندا “فان ديربيرن” الذي “كان يعمل ويتعمق في دراسة طبيعة الجزيرة العربية، وقرر أن يرسم بعض الخرائط العلمية، نتيجة لبعض الرحلات التي يقوم بها في الداخل”، والأمر نفسه تقريبًا لاحظه حقي لدى الدبلوماسي والسياسي الإنجليزي الشهير “سان جون فيلبي” الذي عمل لاحقًا مستشارًا لدى ابن سعود، فقد كان يمضي الليالي في كتابة التقارير، وكان “يربي في حديقة بيته نماذج عديدة من حيوانات ونباتات الصحراء”.
  • ومن الفوائد التي قد لا تجدها في كتب التاريخ والسياسة، الانطباعات عن الشعوب المختلفة التي عاش في وسطها يحيى حقي، فنقل تجربته بعيدًا عن المجاملات الدبلوماسية، وعن التحيزات السياسية، وعلى هذا الأساس، وصف مظاهر الحياة البدائية في جدة وليبيا، ووصف مظاهر تدين الشعب التركي وتمسكه بالإسلام، رغم ما عاناه من تغريب قسري على يد مصطفى كمال. ورغم أن حقي لم يتكلف الكلام طويلاً في هذا المجال، إلا أن ما كتبه، يعتبر مصدرًا ذا فائدة في رؤية الشعوب أو شريحة منها، في حقبة من الحقب التاريخية، لأنها بُنيت على تجربة شخصية، غير محكومة بأحكام مسبقة، ولا مشوبة بمنافع ومصالح آنية.
  • ومن الانطباعات التي خرج بها ذات أهمية بالنسبة إلي، وهو وضع الفنون الشعبية في الدول الاشتراكية، حيث يرى حقي أن “الفنون الشعبية تزدحم في النظم الاشتراكية لأن فيها ممالأة للشعب، وتقربًا إليه”، وهو يقرر أن الفن إنما هو إنتاج فردي، أما الإنتاج الجماعي فرغم جمالياته، إلا أنه لا يرقى إلى “إنتاج العبقرية الفردية”، وأذكر أنني قرأت في كتاب “الإسلام بين الشرق والغرب” قراءة مماثلة عن دور الفن في النظم الاشتراكية، قررها الرئيس علي عزت بيجوفيتش، وإن كان بيجوفيتش تناولها بشكل أكثر دقة، حيث يُفرق بين “الثقافة الشعبية” و“الثقافة الجماهيرية”، فالأولى وما تشتمل عليه من غناء ورقص وفلكلور، تنطوي على معانٍ اجتماعية وإنسانية إيجابية، أفراد المجتمع (في القرية أو المدينة) فيها ينتجون ويستهلكون بذات الوقت، على خلاف “الثقافة الجماهيرية” حيث تُختزل الآراء، وتنعدم المشاركة، ويحدث الانفصال، فهناك جمهور المنتجين، وهناك أيضًا جمهور المستهلكين، وهذا ما تروج له الأنظمة الاشتراكية خصوصًا، والأنظمة السياسية عمومًا، تملقًا للجماهير، وترويجًا لايديولجتها، لكن بيجوفيتش وحقي يتفقان أن الفن الحقيقي إنما هو إبداع فردي.

missr1مصر وحركة الجامعة الإسلامية

من عام 1882 إلى عام 1914م

المؤلف: نصر الدين عبدالحميد نصر

عدد الصفحات: 129 صفحة.

الدار: الهيئة المصرية العامة للكتاب/ الطبعة الأولى/ 1984م.

بحثٌ تاريخي قصير يتناول فكرة الجامعة الإسلامية، وإرهاصاتها وبواكيرها، ورجالاتها وجهودهم، ومعارضي الفكرة في مصر، ويتقيد البحث بتناول فكرة الجامعة الإسلامية في مصر، وخلال الفترة الممتدة ما بين العام 1882م، وحتى العام 1914م.
وتنقسم الدراسة إلى مقدمة وتمهيد، وسبعة فصول، ثم خاتمة، ويورد المؤلف في النهاية مسردًا بمصادره ومراجعه والوثائق التاريخية التي استخدمها في دراسته.
 **
ويشير الباحث نصر الدين، إلى تطور فكرة الجامعة الإسلامية خلال القرن التاسع عشر في مصر، ويقدم عددًا من الإشارات التاريخية، التي يمكن اعتبارها إرهاصات لتبلور فكرة الجامعة الإسلامية في مصر، ومنها الاحتلال الفرنسي لمصر الذي دام 3 سنوات(1798-1801م)، حيث “ترك نواةً للاتجاه الوطني الذي مهد للفكرة القومية المتعصبة أو الدعوة إلى الفرعونية”، وهو الاتجاه الذي يعارضه الإسلاميون عمومًا، وإشارة أخرى تتعلق بدور محمد علي باشا وقيادته لمصر، وتطلعه نحو الغرب، ومساعيه لإيجاد هوية جديدة لمصر، متمايزة عن الدولة العثمانية، حيث “فتح أبواب مصر للأوروبيين، وأرسل الشباب إلى بعض البلاد الأوروبية ليتلقوا العلوم [هناك]”، وإشارة ثالثة تتعلق نزعة ظهرت في مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من قبل “بعض المثقفين ثقافة غربية”، وتتضمن هذه النزعة دعوات إلى “استخدام اللهجة العامية بدلاً من العربية الفصحى، وإلى دمج الأقليات الدينية بالأغلبية الإسلامية”، وهذه الإشارات -بحسب الكاتب- لم تؤد إلى ظهور فكرة الجامعة الإسلامية مباشرة، ولكنها أدت إلى بروزها والترويج لها.
**
ويشير المؤلف إلى الأسباب المباشرة لظهور فكرة الجامعة الإسلامية، ويجملها بموقف السلطان عبدالحميد الثاني، الذي رأى أن دولة الخلافة تعاني من أزمات متعددة، ويخضع بعض أجزائها للاحتلال الغربي، “ولم يجد السلطان عبدالحميد من مخرج له سوى طرح فكرة الجامعة الإسلامية، هادفًا من وراء ذلك إلى جمع الشعوب الإسلامية تحت لوائه في محاولة لمقاومة التدخل الأوروبي المتزايد في شئون بلاده”.
ولِما كانت مصر تحتله من مكانة في قلب العالم الإسلامي، ولظروفها السياسية والثقافية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فقد توجه إليها جمال الدين الأفغاني، وهو أحد روّاد فكرة الجامعة الإسلامية، حيث قصد مصر عام 1871م، داعيًا ومعلمًا، ومروجًا لفكرة الجامعة الإسلامية وفق نظرته هو، وهي قيام “وحدة حكومات معبرة عن وحدة شعوب”، وقد التف حول الأفغاني طلابٌ كثر، آمنوا بفكرته، ودعموها، وروجوا لها، إلا أن جهود الأفغاني ستصطدم مع السياسيين والطبقة الحاكمة، حيث صدر “قرار مجلس النظار المصري سنة 1879م، بطرده من مصر”، وفي الفصل الذي يليه تناول جهود أبرز تلاميذ الأفغاني وهو الشيخ محمد عبده، الذي كان يحضر دروس أستاذه الأفغاني، ورغم تأثره به، إلا أن دعوة الإصلاح التي تبناها كل منهما قد تمايزت عن الأخرى في جانب جوهري منها، “فبينما كان جمال الدين يريد الإصلاح عن طريق السياسة وتحرير الشعوب الإسلامية من الاستعمار الأوروبي، كان عبده يؤمن برسالة العلم والموعظة الحسنة وينادي بضرورة تثقيف المسلمين وأخذهم بأسباب الحضارة الأوروبية الحديث، ولنهوض بالأمة بالتدريج دون تهور أو اندفاع، وبعيدًا عن السياسية”.
وقد اتفق الرجلان في “السعي نحو تحرير العقل من الجمود الفكري والسخط على حكام المسلمين المستبدين، وأن نهضة المسلمين تتأتى بوحدتهم وببعث تراث السلف”.
 **
وفي الفصل الرابع، تناول الباحث موقف الحركة الوطنية المصرية من فكرة الجامعة الإسلامية، وبين فيها تأرجح عددٍ من الأحزاب بين الإيمان الحقيقي بفكرة الوحدة الإسلامية، وبين استخدامها كواجهة ودعاية لجذب الجماهير وترسيخ المكانة في مصر، حيث تحدث عن دور “الحزب الوطني” في عهد رئيسه محمد فريد وجدي بيك، الذي كان يؤمن بالفكرة، وينادي بها، والتعاون مع دولة الخلافة الإسلامية، يشكل محورًا رئيسيًا في مفهومه عن فكرة الجامعة الإسلامية، بينما على خلاف هذا الموقف الواضح والصلب، يوضح الباحث أن موقف “حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية” من فكرة الجامعة الإسلامية، كان موقفًا “تكتيكيًا” أكثر منه موقفًا مبدئيًا.
 **
وفي الفصل الخامس، تعرض لمواقف الأحزاب والأعلام المعارضين لفكرة الجامعة الإسلامية في مصر خلال تلك الفترة، وفي مقدمتهم “حزب الأمة” وكان من أهم رجالاته أحمد لطفي السيد، الذي عارض فكرة الجامعة الإسلامية، عبر مقالات له في جريدة “الجريدة” لسان الحزب الناطق، وقد دعا في مقالاته إلى “المصرية”، كهوية مستقلة للمصريين، ولما شب السجال بينه وبين الإسلاميين ومؤيدي فكرة الجامعة الإسلامية، انبرى د.طه حسين مدافعًا عن أحمد لطفي السيد، ومبررًا له مقالاته، ومؤيدًا له في مواقفه، وشكل غلاة الأقباط أحد التيارات المعارضة لفكرة الجامعة الإسلامية في مصر، هؤلاء الغلاة الذين “نادوا بالقومية الفرعونية”، ويعزو المؤلف ظهور هذه الفكرة “لمعارضة فكرة الجامعة الإسلامية التي كان يروج لها الحزب الوطني بنوع خاص”، وقد اتخذ الأقباط من اسم “رمسيس” شعارًا لهم، وأنشأوا ناديًا خاصًا بهم، وظهرت حركة ترمي إلى إحياء اللغة القبطية لأنها -كما قالوا- لغة البلاد المصرية، وقد كادت الدعوات المتطرفة لهؤلاء الأقباط أن تؤدي إلى نزاعات دموية بين المسلمين وعموم الأقباط في مصر، لولا تدخل العقلاء من الطرفين، وأما آخر الفئات المعارضة لفكرة الجامعة الإسلامية في مصر، فهم “المعارضون الأحرار”، والذين لا يجمعهم تيار سياسي معين، وإنما يرفضون الفكرة من منطلق فكري وفلسفي، مناقض للدين أساسًا، ومن بينهم شبلي شميل وتلميذه سلامة موسى.
 **
وفي الفصل السادس، تناول المؤلف مصر والدولة العثمانية وفيما بينهما فكرة الجامعة الإسلامية، ويبين أن مصر التي كانت آنذاك تحت الاحتلال البريطانية الفعلية، والتبعية الأسمية للدولة العثمانية، لم تستطع أن تتخذ موقفًا سياسيًا واضحًا من فكرة الجامعة الإسلامية، إلا أن هذا لا ينفي أن “عواطف المصريين كانت مع الدولة العثمانية”، ولم يقتصر الأمر على مجرد التعاطف، بل تعداه إلى المساهمة في التبرع للدولة العثمانية في حرب طرابلس الغرب، وتقديم المواد الإغاثية والطبية للمحتاجين، ومن قبلها أسهم المصريون في التبرع للجيش العثماني أثناء حرب اليونان، وقد ساد الابتهاج شوارع مصر حين انتصر العثمانيون، وتشكلت لجان لجمع التبرعات للجيش العثماني، وغير ذلك من الإشارات الدالة على اعتناق المصريين لفكرة الجامعة الإسلامية على المستوى التطبيقي قبل المستوى التنظيري، وإن كانت الطبقة السياسية تتأرجح في هذه الفكرة ما بين تأييد لها ومعارضة، ومناورة سياسية لكسب بعض المواقف.
 **
وفي الفصل السابع والأخير، تناول الكاتب موقف مصر والمصريين من حركات الإصلاح الإسلامية الشهيرة، وفي مقدمتها الحركة الوهابية ثم السنوسية ثم المهدية، ويؤكد الباحث “تأثر مصر بالحركة الوهابية رغم اصطدام محمد علي بها”، ورغم قبول الشعب لمصري لفكرة ودعوة الحركة الوهابية الإصلاحية، إلا أن الجهات الرسمية ظلت مناوئة لهذه الحركات عمومًا، وينقل عددًا من أسماء أهم أعلام العالم الإسلامي الذين تأثروا بهذه الحركة الإصلاحية، ومن بينهم: الآلوسي الكبير في بغداد، ومحمد بن علي الشوكاني في اليمن، وجمال الدين الأفغاني، وخير الدين التونسي، والشيخ محمد عبده، والمؤرخ الجبرتي، وفيما يتعلق بموضوع الكتاب، كانت الحركة الوهابية تستهدف إعادة توحيد الإمارات المتصارعة والمتنازعة في شبه الجزيرة العربية، وقد تحققت بالفعل وحدة متنامية ومتصاعدة، إلا أنها اصطدمت بقوة الحملة المصرية التي توجهت إلى الجزيرة العربية، وأجهضتها، وفتت في عضدها. وأما ثاني الحركات، وهي الحركة السنوسية، فيعزو الباحث سبب نجاحها في ابتعادها عن العمل السياسي المباشر، وكسب ولاء الخلافة العثمانية المعترف بها لدى أكثرية المسلمين، فلم تظهر بمظهر المعارضة، وهذا ما جعل وجودها وانتشارها أكثر سهولة من الحركة الوهابية والحركة المهدية في السودان، ولكن هذا لا ينفي أن قادة الحركة السنوسية كانوا يدعون للوحدة بين المسلمين، بينما كانت المواجهة العسكرية تستهدف القضاء على الحركة المهدية، التي نادت بتحرير أرض المسلمين من الاستعمار، وقد مارست العمل العسكري الجهادي، ولذلك السبب كان المصريون يؤيدون الحركة المهدية.
 **
وفي خاتمة البحث، يقرر الباحث أن “فكرة الجامعة الإسلامية فكرة محببة إلى كل مسلم، إلا أنها أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة”، ورغم هذه الخاتمة المتشائمة للمؤلف، إلا أنه يؤكد أن المصريين ظلوا في كل العصور مخلصين للفكرة الإسلامية، كما ظهر ذلك من مواقفهم تجاه حركات الإصلاح الإسلامية، وقد تجلى هذا الإخلاص في العقود الاخيرة بالتبرعات المالية والعينية التي يقدمها المصريون لمنكوبي ومحتاجي العالم الإسلامي.
ملاحظة أخيرة:
لم يكن البحث عميقًا ومتناسقًا، فهو أشبه ما يكون بالبحث القصير والسريع والسردي، وقد تبدى هذا في بعض الأفكار التي تحتاج إلى تفصيل أعمق، وذكر شواهد أكثر للتدليل على صلاحيتها، وقد حاولت البحث عن مؤلفات أخرى للباحث نصر الدين عبدالحميد نصر، بل أنني بحثت عن اسمه في شبكة الانترنت محاولاً الوصول إلى أي توصيف أكاديمي له، أو جهد علمي آخر أسهم به، إلا أنني لم أوفق إلى ذلك!

عامٌ آخر من القراءة

shaykh

صورة للشيخ ابن جبرين رحمه الله وهو يقرأ كتابًا في جولة برية

 

مضت علي عدة أعوام وأنا أقرأ الكتب المتنوعة، كان في كل عام ثمة عناوين مثيرة وجديدة، فكرية منها وتاريخية، روائية ونقدية، عربية ومترجمة، إلا أن عام 2014، ولله الحمد، كان يحمل في عناوينه القرائية إضافات عديدة على المستوى النوعي، وهذه التدوينة، هي لتسليط الضوء على بعض أبرز العناوين، أو الكتّاب الذين تعرفت عليهم العام الماضي عبر ما سطرته أقلامهم.

***

  • البداية كانت مع النمساوي ستيفان تسفايج، عبر سيرته الذاتية الرائعة “عالم الأمس”، والتي لم يستطع إنهاءها، بل قام الناشر بوضع النهاية لها، لسبب بسيط ومؤلم في الآن ذاته سيعرفه القارئ. لكن ما هي الإضافة التي قد يحملها كتاب سيرة ذاتية مضى على كتابتها أكثر من نصف قرن؟! باختصار، لم تكن سيرة ذاتية بقدر ما كانت كتابًا مزدوجًا، فهو عرض للتاريخ الأوروبي ممتدًا منذ نهايات القرن التاسع عشر، وحتى بداية أربعينات القرن العشرين، والعالم يصطلي بنيران حرب العنصرية والاستعمار والايديولوجيات المتنازعة، ومع ذلك، فذاتية الكاتب والفنان “ستيفان تسفايج” لم تكن لتغيب عن المشهد، أو جزء من المشهد، فهو لا يريد لسيرته أن تصبح كتابًا مدرسيًا جامدًا في التاريخ، وكذلك، لم يكن يريد لسيرته أن تغرق في الذاتية والتمحور حول شخصيته ومسيرته، لذلك سلكت هذه الصفحات طريقًا وعرة، وهو استكشاف التحولات الثقافية والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية التي طرأت على أوروبا، عبر عين أدبية وثقافية، لا تنتمي -كما يدعي- لأية ايديولوجيا أو تيار سياسي. لقد كنت قريبًا جدًا من التاريخ الأوروبي عبر سيرة “تسفايج”، كما كنت قريبًا جدًا من معاناته التي استطاع أن يعبر عنها بلغة هادئة غير متشنجة. أنصحكم بقراءة هذه السيرة الذاتية ذات العنوان “النستولوجي” الجذاب… عالم الأمس.

**

  • بعيدًا في الاتجاه والتوجه، كان العام 2014م، هو العام الذي تعرفت فيه على كتب رحلات الشيخ محمد بن ناصر العبودي حفظه الله، ولئن كنتُ قد تعرفتُ عليه عبر حلقات برنامج يُبَثُ من إذاعة القرآن الكريم السعودية، وشاهدت له لقاءًا على قناة “دليل” منذ بضع سنوات خلت، إلا أنني لم أكن أعرف، أو لم أتنبّه إلى أنه قد طبع مذكراته عن رحلاته حول أصقاع العالم، مستكشفًا أحوال الأقليات المسلمة، وموصلاً الدعم لها من قبل رابطة العالم الإسلامي والمملكة العربية السعودية. فبتوفيق من الله، استطاع هذا الشيخ أن يجوب أنحاء العالم، في كل قاراته، في وفود صغيرة الحجم، لكنها عظيمة النشاط، وقد صوّر رحلاته أجمل تصوير، بلغة جميلة موجزة وغير متكلفة، وغنية بالمعلومات التاريخية والسياسية والثقافية عن البلدان التي زارها، والمسلمين الذين تعامل معهم، والمعلومات التي تخص المسلمين مهمة جدًا ويمكن اعتبارها قاعدة معلومات وبيانات للباحثين في شؤون المسلمين. بدأت قراءة كتابه “ذكريات من يوغسلافيا” وفيه يتحدث عن رحلته في منتصف عقد الثمانينات إلى يوغسلافيا، وزيارته لمناطق المسلمين في البوسنة وكرواتيا، حيث كانتا تتبعان يوغسلافيا آنذاك، ثم توالت قراءة كتب رحلات العبودي، في الشرق والغرب، في الجنوب والشمال، وكم كنت أشعر بمشاعر مختلطة من الفرح لهمّة هؤلاء المسلمين رغم ظروفهم الصعبة، وبالحزن لما وصل إليه حالهم… وحالنا نحن، ويمكن تعرف مثل هذه المشاعر المضطربة عند قراءة كتاب رحلته إلى بولندا “مع المسلمين البولنديين”، حينما ارتخت قبضة الشيوعيين عليها، وظهرت بوادر من الحرية التي يمكن لأتباع الأديان أن يستغلوها ببعض النشاط، وقد كان المسلمون من أول المبادرين بذلك. الشيخ العبودي لم يكن يقتصر في رحلاته على الجدول والبرنامج الموضوع مسبقًا، وإنما كان يخرج لاستكشاف المدن التي يزورها وحيدًا أحيانًا وبرفقة محدودة أحيانًا أخرى، ثم يورد بطريقته الجذابة والمختصرة مجمل ما رآه وسمعه هناك، كم كنت أغبطه على سفراته، ولقاءاته بالمسلمين واستطلاعه أخبارهم، ومعاونتهم ومدهم بما يحتاجونه من مساعدات. والحمدلله، جميع كتب رحلات الشيخ العبودي موجودة على الانترنت، ويستطيع أي شخص تنزيلها وقراءتها، وخصوصًا أولئك الذين يرومون استكشاف أحوال المسلمين اليوم ومقارنتها بما كانت عليه قبل 40 أو 30 أو 20 عامًا وذلك في مختلف أرجاء العالم.

**

  • وقريبًا من الشيخ العبودي في رحلاته وجولاته، كان هذا العام هو العام الذي اقتربت فيه كثيرًا من كتب الرحلات، وقد رأيت في أحد الأيام كتابًا مطبوعًا طباعة بسيطة عنوانه “رحلة ابن جبير”، وهو من سلسلة القراءة لجميع التي تصدر عن جريدة “القبس” وكان ذلك من بضعة أعوام، ولم يمضِ وقت طويل، حتى وجدت الكتاب في أحد أقسام الكتب المستعملة، فابتعته بثمن زهيد، وكان يستحق ما بُذلَ لأجله من انتظار ومال ووقت، فرحلة ابن جبير من أمتع الرحلات التراثية، فابن جبير رحمه الله، أرّخ لرحلته من الأندلس إلى مكة المكرمة للحج، ثم إيابه إلى موطنه بدقة وموضوعية سابقة لزمنها، فكتب الرحلات القديمة، كانت تعج بذكر الأعاجيب والأساطير وغيرها من الثرثرة لخلق الإثارة وجذب القرّاء، أما ابن جبير، فقد جعل كتاب رحلة حجه وثيقة تاريخية موضوعية، يعكس عبرها تاريخ المدن والموانئ التي مرَّ بها ونزل عليها، وهذا قيمة إضافية لم أجدها في كتب الرحلات التراثية الأخرى القليلة التي قرأتها خلال عام 2014، ولا أعلم إن كنت سأجد ما يغير هذا الرأي خلال قراءات عام 2015م.

**

  • وفي هذا العام، تعرفت على كتابات الباحث الشرعي ابراهيم السكران، ورغم معرفتي به عبر تويتر سابقًا، إلا أنني تعرفت عليه أكثر عبر كتبه ومؤلفاته، فقرأت له كتابه الأول مصورًا بصيغة بي. دي. إف، وعنوانه “مآلات الخطاب المدني”، وقد جذبني العنوان لأن موضوع المآلات موضوع يشغل بالي دائمًا، وأتحدث هنا عن مآلات الأفكار والايديولوجيات، مبدأها ودعواتها وتطبيقاتها ثم مآلاتها، ليس مجرد عمل تاريخي سردي، بل قراءة نقدية واستكشاف للمضامين، وهذا بالفعل ما وجدت قدرًا منه في كتاب السكران المشار إليه، ثم قرأت له كتابًا هو أضخم عمل نقدي إسلامي كما أراه يتناول الاستشراق والحداثيين العرب، وكان عنوانه “التأوبل الحداثي للتراث” وقد تحدثت عنه في تدوينة سابقة، وفي الاتجاه نفس، ولكن بمستوى متواضع، قرأت كتابًا ثالثًا عنوانه “سلطة الثقافة الغالبة” وهو عبارة عن مقالات قديمة في نقد الثقافة الغربية ودعاتها في الاوساط المحلية العربية، لكن إخراجه كان بسيطًا جدًا ولا يقترب من عمدة مؤلفات السكران “التأول الحداثي للتراث”، ثم قرأت كتابًا رابعًا، وهو في اتجاه آخر، يُسطر فيه السكران تأملاته بالقرآن وبالحياة تحت عنوان “رقائق القرآن”، وذلك عبر مقالات قصيرة رشيقة، لا يتخلى فيها السكران عن سمات كتاباته، ومنها استخدام لغة وعظية قريبة من النفس وغير مسرفة، وإيراد مواقف شخصية أو منقولة من تجارب الآخرين، وعدم الإغراق بالتفاصيل، وقد عرفت مؤخرًا أن له كتابًا خامسًا بعنوان “مسلكيات”  في الاتجاه ذاته، فلعلي أقرأه قريبًا بإذن الباري عزَّ وجل.

**

  • وأخيرًا، كان عام 2014 هو العام الذي دشنت فيه مشروعًا قرائيًا وبحثيًا طالما أجلته، وهو قراءة جميع ما أمكنني الوصول إليه من كتب وأبحاث تتناول تاريخ الكويت، وقد بدأت بداية جيدة في فبراير الماضي، ولكنني توقفت للأسف لظروف عملية، مما عرقل استمرارية المشروع، ودعاني لإعادة التخطيط له، وما زال الأمر كأنه مشروع حكومي مؤجل، بلا بارقة أمل في تنفيذه، ومن الكتب التي قرأتها في فترة وجيزة، كتاب “أبحاث في تاريخ الكويت” للدكتور عبدالمالك خلف التميمي، وكتاب “التطور السياسي والاقتصادي للكويت بين الحربين 1914-1939” للدكتورة نجاة الجاسم، وكتاب “تاريخ الكويت الحديث” للدكتور أحمد مصطفى أبو حاكمة،  وكتاب “مختصر تاريخ الكويت – وعلاقتها بالحكومة البريطانية والدول العربية” لـ/راشد عبدالله الفرحان، وقد قرأت جميع الكتب السابقة مصورة بصيغة بي. دي. إف، بالإضافة لكتاب “نصف عام نيابي-مذكرات خالد العدساني” التي قرأتها أيضًا مُصورة بي. دي. إف قبل نحو ثمانية أعوام، وقرأت كذلك الجزء الأول من مذكرات الدكتور أحمد الخطيب، وقبل ذلك بعام، أي في بداية 2006م، كنت قد قرأت كتاب “تاريخ الكويت السياسي” لخلف الشيخ خزعل، ثم توقف مشروع القراءة في/عن تاريخ الكويت إلى أجل غير مسمى.

والحمد لله على ما قضى وقدّر.

 

atta'aweelAboOmar

التأويل الحداثي للتراث – التقنيات والاستمدادات

ابراهيم بن عمر السكران

عدد الصفحات: 444 صفحة.

اصدار: دار الحضارة للنشر والتوزيع/ ط1/ 1435هـ-2014م.

 

يتتبع ابراهيم السكران في بحثه هذا “دلائل الاستمداد” الثقافي غير المعلنة بين تأويلات الحداثيين العرب للتراث الإسلامي، وما أنتجه المستشرقون الفيلولوجيون من قبل في المضمار نفسه، مؤكدًا على أن ما قام به الحداثيون العرب ليس سوى رجع الصدى لكتابات المستشرقين في علوم التراث الإسلامي، وإن اختلفت الدرجة من حَداثي لآخر. والاستمداد هنا لا يقتصر على استنساخ نتائج أبحاث المستشرقين وإنما يتعداه لاستيراد “تقنيات” البحث ذاتها التي ما فتئ المستشرقون يعالجون بها علوم التراث الإسلامي، وهما تقنيتان/آليتان اثنتان، الأولى “تقنية التوفيد”، والأخرى “تقنية التسييس”.

ويعتقد السكران أن الحداثيين العرب على اختلاف منطلقاتهم الايديولوجية، وحقباتهم الزمنية، كانوا في مشاريعهم الحداثية، وخصوصًا المتعلقة بعلوم التراث الإسلامي، مجرد تكرار لما طرحه المستشرقون من قبل، ويتخذ السكران من قضية “محنة الإمام أحمد ابن حنبل” نموذجًا تطبيقيًا لدراسة الاستمداد الحداثي العربي من الإنتاج الاستشراقي الفيلولوجي فيما يتعلق بالتراث الإسلامي، ويُفصل الكلام في هذه القضية ويشبعها تفصيلات مفيدة ومثيرة بحق، لا يشعر القارئ بأي ملل أو ضجر في قراءتها.

البحث يمكن لي أن أصفه بأنه أفضل ما كتبه الإسلاميون في نقد الاستشراق، ورغم أن بعض المؤرخين والمفكرين الذين يرتكزون على خلفية إسلامية شرعية وأكاديمية، قد تعرضوا في كتاباتهم لبعض مظاهر “التوفيد” أو “التسييس” التي ينتهجها/يستخدمها المستشرقون في كتاباتهم عن التراث الإسلامي، إلا أن هذه المقاربات لم تكن “تشخيصية” بقدر ما كانت استعراضية سريعة وموجزَة، وكانت تستهدف بالأساس “فضح”، أو لنَقُل “كشف” مظاهر العوار العلمي والموضوعي في كتابات المستشرقين، بينما السكران في عمله، يستقصي الملامح والآثار، ويُثْبِت الفكرة، ويحددها باستخدام مصطلحي “التوفيد” و”التسييس”، والضربة هنا مزدوجة، إذا مزج السكران في نقده بين المستشرقين والحداثيين العرب، فكان موفقًا -برأيي المتواضع- في الكشف عن حالة الاستلاب المعرفي والثقافي بل والأخلاقي التي تجتاح نفسية الحداثي العربي، وتجعله مجرد آلة تسجيل، تعيد بصياغات عربية، وبحروف عربية ما قاله المستشرقون، ولا يمكن لي أن أصف عمل السكران هذا بأنه حلقة جديدة من حلقات الجدال والصراع الإسلامي العلماني على طاولة التراث الإسلامي، فالسكران يبتعد كثيرًا عن “قالوا وقلنا”، وإنما يرتكز في نقده على قضية جوهرية واحدة، ثم يتناولها من عدة زوايا، والقضية هي كما ذكرت أعلاه، استمدادُ الحداثيين العرب اطروحات المستشرقين في تعاملهم مع التراث الإسلامي، ولذلك، فالباحث السكران يعتمد على منتجات هذين الفريقين في تأكيد هذا الاستمداد والتلقي الذي يصل إلى مستوى الاستنساخ، ويتعداه أحيانًا إلى مستوى المزايدة الرخيصة، لتأكيد “التجديد” و”الإضافة” في القضية محل النقاش.

والبحث غني بالمراجع والمصادر التراثية والحديثة، العربية والأجنبية، المترجمة وغير المترجمة، وقد كان جهد السكران واضحًا للقارئ الذي يتتبع الهوامش المليئة بالمصادر الأجنبية، وذلك حين يتعرض لنقد الاستشراق بشكل مباشر، وكذلك الهوامش غنية بذكر عناوين مؤلفات الحداثيين العرب حينما يوجه الباحث النقد المباشر لها، وهذا برأيي يضفي قيمة علمية مضاعفة على عمل ابراهيم السكران هذا.

ومن أعجب ما قرأته في الكتاب، تلك العبارات الابراهيمية التهكمية الطريفة على بعض السقطات الحداثية والاستشراقية عند تعاطيهم مع التراث الإسلامي، على أن هذه العِبارات لم تتضمن إساءة شخصية أو بذاءة لفظية، وإنما كانت موجهة ومركزة على كلمة أو عبارة تفسيرية أو تقريرية متكلفة أو شاذة أو خاطئة خطأ بيّنًا، وما دمنا نتكلم عن العبارة الابراهيمية، فلا بد أن أشير للحرارة التي شعرت بها في كلمات ومفردات السكران، فبحثه هذا ليس بحثًا في الفيزياء أو الكيمياء، وإنما عن التَركة العظيمة التي ورثناها عن أسلافنا المسلمين، وهي علوم التراث الإسلامي، ابتداءًا من القرآن الكريم، ومرورًا بالسنة النبوية المطهرة، والتاريخ الإسلامي، وهو يحاول أن يذب عنها متوخيًا في ذلك أعلى درجات الموضوعية والعلمية، لكنه لا يتردد أبدًا في أن يُفصح عن ذاتية مسلمة حزينة لما آلت إليه طريقة التعاطي مع علوم التراث الإسلامي، وتجرؤ الكثيرين عليها بحجة المناقشة والدراسة العلمية، وهم أبعد ما يمكن عنها، إن محاولة تشويه/تحريف أو كما يُسمى إعلاميًا “برامج إعادة قراءة التراث الإسلامي” لا يقتصر ضررها على أوراق كتبت منذ مئات السنين، وإنما يتعدى ضررها سطور الكتب، وجدران الفصول الدراسية، لتنال من قيم إسلامية عظيمة، قرَّرها القرآن الكريم، وأكدتها السنة النبوية المطهرة، وبذل لأجلها المسلمون دماءهم وأرواحهم.

وتأليف الكتاب هذا يعكس حالة ثقافية طارئة على الوسط السعودي تحديدًا، لاحظ المؤلفُ تزايدها ونموها في العقدَين الأخيرَين، تمثّلت عبر انتشار كتابات ومؤلفات الحداثيين العرب بين أيدي الشباب السعودي، وخصوصًا في أعقاب حرب الخليج الثانية، وقد أدى ذلك إلى انتشار المفاهيم والتفسيرات المنطلقة من رؤى وتفسيرات غربية في التعامل مع التراث، وهذا ما ينبري السكران للتصدي له، وقد أشار بالفعل إلى أن من دوافع تأليف هذا الكتاب، تلك الموجة الغريبة التي تمثلت عبر انتشار كتب الحداثيين العرب في مجالس الشباب، وعلى صفحات الصحف والمنتديات.

وبالحقيقة، يمكن لي أن أعتبر هذا الكتاب هو عمدة ما كتبه ابراهيم السكران، وهو يمثل حالة من النضج المعرفي والفكري والنقدي، أفضل بكثير مما قرأته له في كتابه الأول”مآلات الخطاب المدني” والذي تعرض فيه بشيء من الإيجاز لتقنيتي التوفيد والتسييس، وقدّم الأولى تحت عنوان “أداة المديونية”، وللسكران كتاب آخر وهو “سلطة الثقافة الغالبة”، إلا أنه بكتابه موضوع المناقشة، قد كشف عن ثراء معرفي وجهد علمي وأصالة نقدية، قلما وجدتها في كاتب.
لكن وللأسف، يعيب الكتاب عدم وجود فهرس تفصيلي بالمواضيع، ففي الفهرس نجد الفصل الثالث يبدأ مع الصفحة ٢٧٤، ثم “تذييلات ختامية” في صفحة ٤٠٢، وأخيرًا المراجع في صفحة ٤١٣، وهذا يعني أن نحو ١٣٠ صفحة غير مفهرسة تمتد ما بين بداية الفصل الثالث من الباب الرابع إلى بداية تذييلات ختامية، رغم ما تحتويه من عناوين فرعية مفيدة، وهذا هو الخطأ الفني في إخراج الكتاب الذي أراه، بالإضافة لعدم وجود كشاف باسم الأعلام مما قد يساعد القارئ الباحث عند بحثه عن مواضع ذكر الأعلام.

***

فيما سبق كان رأيي بالكتاب، وأما ما يلي، فهو استعراض فصول ومحتويات الكتاب بشيء من الإيجاز، لا يغني عن قراءة الكتاب:
قدّم السكران لكتابه هذا بأربعة فصول ضمن الباب الأول، كانت من أهم الفصول برأيي، لأنه عرّج على مفهوم “الفيلولوجيا” وعرض مدى صلته بالاستشراق، ثم بيّن كيف أن الاستشراق يعتبر متخلفًا لأنه مازال قائمًا على آلية بالية وضعيفة في قراءة واستكشاف وتفسير التراث الإسلامي، وهنا موضع القصيد، فالسكران وفي إطار إشارته لتخلف وأزمة “معدات الاستشراق” عن المفاهيم النظرية في العلوم الإنسانية، يؤكد على أن هذا التخلف ظاهرة عامة تسود العلوم الأوروبية الاجتماعية والإنسانية مثل القانون والتذوق الأدبي واللاهوت، وينقل عن علماء غربيين أن هذه “النظريات في التأويل والقراءة مجرد صيحات مؤقتة وموجات عارضة، وليست مناهج علمية مبرهنة ومحكمة جاهزة للتطبيق”، وهنا يؤكد النتيجة الأخرى الملازمة للأولى، وهي أن دعوات الحداثيين العرب لتطبيق نظريات الهرمنيوطيقيا والنقد الأدبي الغربي ونحوها في تفسير الشريعة الإسلامية، أنها “دعوات فيها سذاجة دعائية مفلطحة، فهذه النظريات الهرمنيوطيقية والنقدية والمابعد حداثية لم يطبقها الغربيون أنفسهم في تفسير تشريعاتهم، فكيف نطبقها نحن في تفسير شريعة الله؟!”.

وفي الفصل الثالث، عرض السكران لما يسمى المحور التاريخي في تاريخ التراث، وهو يرقب سير وتطورات علم من العلوم، وينأى عن المشاركة المباشرة في تحليل مسائل العلم موضوعيًا، والباحث في المحور التاريخي لعلوم التراث “يبذل جهدًا في التفتيش خصوصًا في مرحلة البدايات، ونقاط التلاقي والتأثير والتأثر، والرموز الذين قدموا إضافات أو ألهموا التحولات”، وهذا على خلاف المحور الموضوعي في علوم التراث، والذي ينخرط به طلاب العلم الشرعي، والذي يتم عبره دراسة آحاد وأفراد المسائل وتحليلها، ويستعرض مفهومها والخلاف فيها وأدلة كل قول والترجيح في ذلك.
ويلاحظ السكران أن المحور التاريخي يستحوذ على اهتمام المثقف العام، بينما المحور الموضوعي هو ما يشتغل به ويعمل عليه طالب العلم الشرعي.

ومن التقديم هذا، ينطلق السكران ليعرض علينا أعلام “المثقفين” العرب والمسلمين الذين اهتموا بالمحور التاريخي لعلوم التراث، وكانوا في اهتمامهم مجرد تكرار لما ألفه وأنتجه المستشرقون، ومن أوائل هذه الأسماء نجد جرجي زيدان(١٨٦١-١٩١٤م)، وأحمد أمين(١٨٨٦-١٩٥٤م)، اللذين تأثرا جدًا بما كتبه المستشرقون عن التراث الإسلامي، ورغم غزارة إنتاجهما إلا أنهما لم يقدما جديدًا يخالف “تاريخ التراث” كما تصوره وكتب عنه المستشرقون من قبل.
وفي الربع الأخير من القرن العشرين نجد مشاريع/برامج “قراءة التراث الإسلامي” الحداثية تتزاحم أمام القارئ العربي، ويطرح السكران أسماء أصحابها وأهم سماتها واتجاهاتها العامة، فمن ذلك برنامج طيب تيزيني(و١٩٣٤م)، وحسين مروة(١٩٠٨-١٩٨٧م)، وأدونيس(و١٩٣٠م)، وحسن حنفي(و١٩٤٥م)، ومحمد عابد الجابري(١٩٣٦-٢٠١٠م)، ويلخص السكران القولَ بأنه لم يجد تأثيرًا لجميع هذه البرامج في الداخل الإسلامي فيما عدا سلسلة أحمد أمين، ومجموعة الجابري، أما أصحاب البرامج العربية الحقلية لتاريخ التراث، فمن أهم الاسماء التي يذكرها محمد أركون(١٩٢٨-٢٠١٠م)، وفهمي جدعان(و١٩٤٠م) وغيرهم.

وفي الفصل الأخير من الباب الأول، يتطرق السكران لمدرستَين استشراقيتَين برزتا في النصف الأخير من القرن العشرين، وهما “مدرسة انثربولوجيا الإسلام” والأخرى “مدرسة المراجعين”، فأما الأولى فهي تهتم بدراسة المجتمعات المسلمة المعاصرة بتوظيف بعض النماذج التفسيرية في العلوم الاجتماعية، وبحسب السكران، فإنه لا يُلْحَظ لها أي تأثير على الحداثيين العرب، وأما المدرسة الأخرى وهي مدرسة المراجعين، ويمكن أن تسمى مدرسة الشكوكيين، فهي تنزع إلى الشك في كل المصادر الإسلامية والبحث عن مصادر تاريخية أخرى لدى الأمم الأخرى لتقويض الإسلام، ومن نماذج اطروحات مدرسة المراجعين الاستشراقية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير موجود تاريخيًا أصلاً، وأن مكة ليست في الحجاز أساسًا بل هي في الأردن، وغيرها من الأفكار الغريبة التي يرددها رواد هذه المدرسة، والتي يصف السكران حقيقة عملها بأنها مستوى من المزايدة في الشكية على دراسات المستشرقين الفيلولوجيين، فـ“إذا كان الأخيرون يَشكون في صفحات داخل بعض الكتب الإسلامية، فإن مدرسة المراجعين قد أغلقت المكتبة الإسلامية بكاملها”.

وفي الباب الثاني، يناقش السكران عبر فصول ثلاثة “تقنية التوفيد”، ففي الفصل الأول، يذكر نمطًا سار عليه المستشرقون الفيلولوجيون في معالجتهم التراث الإسلامي، وهو رد العلوم الإسلامية والمنجزات الثقافية والحضارية للمسلمين للأديان والحضارات والثقافات السابقة والمجاورة زمانيًا وتاريخيًا، والنتيجة النهائية أن المسلمين عاجزين عن إنتاج أي علم، وبناء على ذلك فكل إبداع علمي، أو تشريعي، أو لغوي، فيجب أن يكون مستوردًا من ثقافات أخرى من خارج الإسلام، ويتكلف المستشرقون في اختراع الاتصال والتشابه لتأكيد ادعاءاتهم هذه.
وفي الفصل الثاني، يناقش السكران “إعادة التصنيع العربي للتوفيد”، وهو جوهر ما يقصده السكران بـ”الاستمداد الثقافي”، ويقدم نماذج على إعادة إنتاج الحداثيين العرب لآلية التوفيد غير المُبرهَن لدى المستشرقين، ثم وفي الفصل الثالث، يتطرق لمناقشات فكرة/تقنية التوفيد، ومفهومها، ورده على استعمال المستشرقين الفيلولوجيين ثم الحداثيين العرب لهذه التقنية، وهو يدحض الطريقة الفجة وغير العلمية والمغالاة التي انتهجها الفريقان في تعاملهم مع التراث الإسلامي، وتطبيق تقنية التوفيد على أصول وفروع العلوم الإسلامية.

وفي الباب الثالث، يناقش السكران “تقنية التسييس” وكما فعل في الباب الثاني، يفعل في الباب الثالث، ففي الفصل الأول، يتطرق السكران لمناقشة “التسييس في الاستشراق الفيلولوجي”، وبداية يعرف التقنية هذه بأنها: أداة تسييس الموضوعي، بما يعني افتعال خلفيات وأغراض سياسية خلف العلوم الإسلامية التي فرضتها المعطيات الموضوعية في التراث الإسلامي. ثم يذكر الباحث شواهد من تسييس التراث من كتابات المستشرقين، وفي نهاية الفصل، يؤكد السكران أن الغرض النهائي من استخدام تقنية التسييس وتطبيقها على التراث الإسلامي، هو إظهار الإمام من أئمة من السلف على أن علومه ومواقفه لم تكن تحركه اعتبارات أخلاقية أو موضوعية أو إيمانية، وإنما مدفوع بدوافع السلطة، إما التزلف لصاحب السلطة، أو الدفاع عن سلطته الشخصية وجاهه ونفوذه.
ثم يبدأ السكران بذكر نماذج استمداد الحداثيين العرب لتقنية التسييس، وفي نهاية ذكره لهذه الشواهد والأمثال، يعلق تعليقًا ملفتًا للنظر، حيث يقول، “أن الأبحاث الحداثية الأخيرة التي لم تستطع أن تجترح أفقًا بحثيًا جديدًا في دراسة تاريخ التراث لم يكن أمامها إلا المزايدة على التسييس السابق والإمعان في نسج التخيلات السياسية لاستجداء قناعة القارئ بأن ثمة جديدًا”.
وفي الفصل الثالث، يقوم أبو عمر بمناقشة النماذج الاستمدادية للحداثيين العرب التي ذكرها في الفصل الثاني، وذلك تحت عناوين عديدة، من أهمها ” تسيس حديث شد الرحال”، و”تسييس [مذهب] الظاهرية”، والأكثر إثارة “مثقفو البلاط”.

أما الباب الرابع، فقد ناقش السكران فيه نموذجًا تطبيقيًا لظاهرة الاستمداد الحداثي العربي من المستشرقين، وهو قضية تسييس “محنة ابن حنبل” وهذا من أعظم ما قرأته في نقد وتحليل الخطاب الاستشراقي منذ أن عرفت كلمة “الاستشراق”، وهو تتبع علمي وموضوعي وتاريخي دقيق لكيفية تناول المستشرقين لمحنة الإمام أحمد بن حنبل، وتقلب مواقفهم منها، ثم كيفية تم تهريب هذه النظرة الاستشراقية بصورتها الفان-إسية (نسبة إلى المستشرق الألماني يوسف فان إس)، وتلقفها الحداثي العربي فهمي جدعان، وفي المناقشة المستفيضة التي يكتبها السكران في الباب الثالث، وهو أكثر الأبواب صفحات، يتباين لنا مدى العوار الموضوعي والأخلاقي للحداثيين العرب في تناولهم للتراث الإسلامي، كيف أنهم أضافوا لقصورهم المعرفي، قصورًا أخلاقيًا غير مبرر.

وفي نهاية بحثه الكبير، يقدم السكران عددًا من النتائج التي توصل إليها من خلال بحثه في الاستشراق وكتابات المستورد الحداثي العربي، ومن أهمها، أن القول بأن الاستشراق قد مات، ما هي إلا مقولة مضللة، فللاستشراق تأثير عنقودي استطاع اكتساح عقول الحداثيين العرب، ومن يقرأ لهم في الداخل العربي، حتى بات واضحًا تكرار أفكار الاستشراق في المحافل واللقاءات الثقافية، ومن النتائج التي يخلص إليها الباحث، أن المستشرق الفيلولوجي، ينزع الى استخدام تقنية التوفيد أكثر من استخدامه تقنية التسييس، في حين أن الحداثي العربي يميل إلى استخدام تقنية التسييس أكثر من تقنية التوفيد، والسبب واضح، فالأوروبي من خارج الدائرة الإسلامية، فهو يريد إعادة العلوم والمنجزات الإسلامية إلى مؤثرات خارجية، وبالطبع، في مقدمتها المؤثرات الكتابية والهللينية، وهما أسلافه، بينما الحداثي العربي هو كاتب من الداخل، وهو مشغول أيضًا بالصراع ضد ما يسميها حركات الإسلام السياسي، فلذلك فهو في معاركه مع هذا التيار يريد أن ينقض ويطعن الكيانين (حركات الإسلام السياسي، وخلفيتها التراث الإسلامي) بأنهما يوظفان الدين في صراع السلطة. وهناك نتيجة أخرى يصل إليها وهو “ظلم النقد الإسلامي للاستشراق”، أي تجاهل الدور الإسلامي الذي أدّاه بعض علماء المسلمين في نقد الاستشراق وكشف مضامينه، ولا يفوت السكران أن يذكر خلاصة مهمة، وهي “النقد الخاطئ للاستشراق” فعلى الرغم من نقده للاستشراق، إلا أنه في الوقت ذاته ينتقد الدفاع الخاطئ عن الإسلام برفض النتائج الصحيحة للاستشراق، فقد تنبه بعض المستشرقين في بعض أبحاثهم إلى مظاهر غير صحيحة يمارسها المسلمون بدعوى أنها من الدين، كذم المستشرقين لمظاهر الوثنية، فلا ينبغي بالمسلم أن يهاجم المستشرق في موقفه هذا، وأما الخلاصة النهائية فهي بعنوان “الابتلاء بالاحتمالات الدلالية” وهي خلاصة تستحق التأمل كثيرًا. وهي ما يمكن أن نعتبره آخر ما يهيله السكران من التراب على قبر البرامج الحداثية العربية في قراءة التراث الإسلامي.

arabfrance

تاريخ الدراسات العربية في فرنسا

تأليف الدكتور محمود المقداد

عدد الصفحات: 285 مع صفحات المراجع والمصادر.

اصدار: سلسلة عالم المعرفة/ رقم 167/ نوفمبر 1992م/ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب/ الكويت.

يتتبع الدكتور محمود المقداد في هذا البحث، تاريخَ الدراسات العربية في فرنسا، منذ بواكيرها في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وحتى ما قبل عشر سنوات من تأليف البحث، أي سبعينات وثمانينات القرن العشرين، ويهتم البحث برصد أعلام “الاستعراب” في فرنسا وجهودهم المتنوعة، ومراحل تطور الدراسات العربية ومجالاتها في المؤسسات الاكاديمية والعلمية والسياسية الفرنسية.

يبدأ أولاً المقداد بحثَه بإلقاء ضوء على مفهوم “الاستشراق”، وهو مفهوم عام يتناول “دراسة الشرق من جميع النواحي”، ولمَّا كان مفهومًا عامًا يشمل العرب وغيرهم، يشمل الإسلام وغيره من الأديان، فقد نشأ مفهومٌ آخر أكثر دقة وتخصصًا، يشير إلى الدراسات العربية والإسلامية، وهو “الاستعراب”، والمشتغِل في هذا الحقل يُطلَق عليه “المستعرب” Arabisant.

لم يكن الاستشراق/الاستعراب خلوًا من الغايات والأهداف، فهذا ما لا يمكن تصوره في أي حركة بشرية، وعلى أي مستوى، ولكن من جهة أخرى، لا يمكن أن توصَف أهداف الاستشراق/الاستعراب بالسيئة والسلبية على طول الخط، فمن هذه الأهداف ما فيه نفع لنا ولهم، وما ليس فيه ضرر علينا، ومنها ما فيه ضرر علينا، لذلك، فالباحث يرفض الأحكام القطعية الجامدة المسبقة التي تُلقى على الاستشراق/الاستعراب أيًّا كانت، فكل مرحلة من مراحل الاستشراق/الاستعراب كانت تمتاز ببعض السمات، التي لا بد من دراستها على حدة وبموضوعية قبل إصدار الأحكام عليها. لكن المؤلف عمومًا يقرر بأن “الهدف العام لحركة الاستعراب أو الدافع الرئيسي لها كان حب الكشف والتعرف والاطلاع للإفادة العلمية والتواصل الفكري بين الفرنسيين والعرب”.

في الفصل الأول، تناول المقداد الصلات بين الشرق العربي والغرب الأوروبي، وأكد بأن هذه العلاقات تعود إلى الماضي الموغل في القدم، فهي لم تنقطع إلا خلال فترات من الزمن قليلة، وأما في الغالب، فالعلاقات كانت متواصلة بين الشطرين سواء سلمًا أو حربًا، وبالتحديد منذ بزوغ فجر الإسلام، وقد وصلت إلى أوجها حربًا في الحروب الصليبية، والتي كانت فرنسا تحتل فيها مركزًا متقدمًا في الحشد والإمداد العسكري، لكن وبحسب المؤرخين، فإن لهذه الحروب التي انتهت باخفاق عسكري أوروبي في الشرق، تأثيرات عميقة في المجتمع الأوروبي، كان من أهمها تسهيل التبادلات التجارية والفكرية والفنية بين طرفي المتوسط. وقد بدأت في حينها ترجمة المؤلفات العربية إلى اللغة اللاتينية، لغة العلم والثقافة في أوروبا حينذاك، وينقل المؤلف أن أحد المؤرخين الغربيين واسمه ليكليرك Leclerc أحصى في كتابه “تاريخ الطب العربي” عدد المؤلفات العربية التي تُرجمَت إلى اللغة اللاتينية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، فوجدها تزيد على 300 ترجمة، من بينها 90 ترجمة تتعلق بالعلوم الفلسفية والفيزيائية والطبيعية، و90 أخرى تتعلق بالعلوم الطبية، وغيرها من المجالات الثقافية والأدبية والعلمية.

في وقت لاحق، نشأت ظروف سياسية وعسكرية وثقافية جديدة في أوروبا، نتيجة لفتح العثمانيين القسطنطينية عام 1453م، هذا العام الذي يعتبر الأوروبيون فاصلاً بين حقبة انتهت، وهي العصور الوسطى، وحقبة جديدة ابتدأت، وهي عصر النهضة الأوروبية، والذي ستتخذ فيه الدراسات العربية في فرنسا بُعدًا آخر.

فقد تطورت اللغات القومية الأوروبية، وظهرت إلى مسرح الوجود المعاهد والجامعات التي لا تعترف بسلطة الكنيسة، ووصايتها عليها، فبدأ الأوروبيون محاولة الرد على الأخطار العثمانية عبر قراءة واستكشاف المنتج الثقافي للحضارة التي تحمل الدولة العثمانية لوائها، ومن هنا كان اهتمام الفرنسيين بتجميع المخطوطات العربية، والاحتفاظ بها في فرنسا، وترجمتها، واهتم الفرنسيون كذلك بإيجاد جيل من الفرنسيين يتقنون العربية والتركية والفارسية، وبذلك بدأ اتجاه جديد برعاية الدولة، يهتم بالدراسات العربية في فرنسا، وإن كان سينتابه بعض الفتور في لحظات تاريخية معينة، إلا أنه ومنذ الثورة الفرنسية 1789م، سيزداد الاهتمام الفرنسي بالدراسات العربية، والتي توجها نابليون بونابرت بحملته على مصر عام 1798م.

وقد ظهر في القرون الثلاثة الماضية عددٌ من الباحثين والمستعربين الكبار، الذين بذلوا جُلَّ أوقات أعمارهم في دراسة وتدريس اللغة العربية، والثقافة العربية للفرنسيين، وترجمة وتحقيق التراث العربي، بما يحقق مصالح بلادهم، ومن أهم هؤلاء المستعربين سلفستر دو ساسي (1758-1838م) الذي أسهم باقتراحاته ودراساته في تبوء الدراسات العربية مكانة هامة في الأوساط الأكاديمية الفرنسية.

وقد اهتم الفرنسيون منذ القدم في جمع المخطوطات العربية، ونقلها إلى فرنسا، وترجمتها، وذلك من أجل التعرف على الثقافة العربية، وكشف أسرارها، وقد جُنِّدَ لذلك رهبان مبشرون وتجار، وجواسيس، ودبلوماسيون، وسفراء في العالم العربي والإسلامي، وسوّاح ومستعربون، كُلفوا خصيصًا بهذا العمل، وقد مرت على عملية جمع المخطوطات العربية في فرنسا 6 مراحل بحسب المؤلف، تمتد الأولى منذ بداية القرن الثامن وحتى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، ولا يلحظ فيه أي اهتمام جدي من الغرب الأوروبي عمومًا بالشرق أو باللغة العربية، وأما آخر هذه المراحل، وهي السادسة، فتمتد من عام 1883 إلى عام 1975م، وفيها أضافت فرنسا عددًا كبيرًا من المخطوطات العربية في مكتباتها، نتيجة استعمارها عددًا كبيرًا من البلدان العربية والإسلامية في غضون هذه الحقبة، إلى حد أنها تجاوزت عدد سبعة آلاف مخطوطة.

ويلخص المقداد جهودَ المستعربين الفرنسيين في التعامل مع المخطوطات العربية في 7 نقاط، وهي:

  • البحث عن هذه المخطوطات وجمعها ونقلها إلى فرنسا.
  • حفظ هذه المخطوطات.
  • وضع فهارس تنظم الإفادة منها.
  • تحقيق بعضها ونشره.
  • نشر اقتباسات من هذه المخطوطات، أو خلاصات لها بغية تعريفها.
  • ترجمة بعض هذه المخطوطات إلى الفرنسية.
  • نسخ بعض هذه المخطوطات أو تصويرها.

وفي فصل آخر (الفصل3)، تناول المقداد تدريس اللغة العربية في فرنسا، وهي عملية مرت بعدة أطوار، أولها في معهد فرنسا (كوليج دو فرانس)، وقد أدخلت العربية كأحدى المواد عام 1587م، على يد أرنولد دو ليسل، واستمرت كذلك إلى عام 1613م. ثم ظهرت جهة أخرى تولي العربية واللغات الشرقية الأخرى اهتمامها، وهي مدرسة فتيان اللغة التي تأسست عام 1669م، والتي كانت تأمل فرنسا من ورائها تأسيس جيل من الفرنسيين يتقنون العربية بالتحديد، وذلك لتولي مصالح بلادهم السياسية والتجارية مع الشرق، ثم تمَّ تأسيس المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحية عام 1795م، والتي نافست وتفوقت على مدرسة الفتيان، وأصبحت هي المصدر الأساسي لتخريج المستعربين في فرنسا إلى يومنا هذا، وكان سلفستر دو ساسي أحد أعمدة هذه المدرسة، وواضع أهم لوائحها ونظمها.

وفي فصل آخر، وهو الرابع، تطرق المؤلف لأنواع الدراسات العربية في فرنسا، وهو يعني بالتحديد الفنون من الثقافة العربية التي اهتم المستعربون بها، فعملوا على نشر مخطوطاتها، أو قاموا بنشر مؤلفاتها أو أسهموا في إلقاء المحاضرات عنها، ومن هذه الدراسات: الدراسات اللغوية، الدراسات الأدبية، الدراسات التاريخية، الدراسات الإسلامية، الدراسات الجغرافية، وغيرها، وسنأخذ مثالاً هنا الدراسات اللغوية.

قام المستعربون الفرنسيون في إطار اهتمامهم بالدراسات اللغوية العربية بتأليف كتب في النحو العربي، كما قام بذلك بوستل عام 1538م، ودو سافاري عام 1748م، ونشر دو ساسي كتابًا في قواعد اللغة العربية أسماه “التُحفة السَنية في علم العربية” عام 1810م، وقام المستعربون كذلك بوضع المعاجم اللغوية العربية، حيث صنّف مارسيل سنة 1837م، معجمَه “كنز المصاحبة” وهو معجم فرنسي-عربي عامي، وكذلك قام المستعربون بنشر الكتب النحوية العربية وترجمتها، وتأليف الدراسات اللغوية حول اللغة العربية الفصحى واللهجات العامية، وقاموا بوضع الكتب التعليمية، ونشر المختارات النحوية العربية.

في الفصل الخامس، تناول الدكتور المقداد، مجالات أخرى لعمل المستعربين غير العمل التدريسي، وهذه المجالات بلا شك تثير جدلاً كبيرًا، خصوصًا إذا ما علمنا بأن بعضها كان يتعلق بأغراض سياسية وعسكرية استعمارية، وأخرى دينية تبشيرية، وقد عمل بعض المستعربين في السلك الديبلوماسي الفرنسي، مثل كليمان هوار الذي تخرج من مدرسة اللغات الشرقية عام 1873م، وعُين مترجمًا في القنصلية الفرنسية في دمشق أولاً ثم الآستانة تاليًا، وفي وقت لاحق عُين قنصلاً عامًا لحكومته في دمشق، وينقل المؤلفُ شهادةَ د.طه حسين في المستعرب لوي ماسينيون الشهير، وأنه كان موظفًا في إدارة المخابرات في وزارة الخارجية الفرنسية. وهذه جهود ومجالات عمل، لا شك بأنها تلقي نوعًا من الشك والريبة في الإنتاج الثقافي والعلمي لهؤلاء المستعربين، ونقص في الثقة التي يوليها المثقف العربي لآراء المستعربين التي توصف بأنها علمية.

لكن هناك مجالات أخرى علمية، عمل بها هؤلاء المستعربين، مثل عقد المؤتمرات الاستشراقية، والتي بدأت أولها عام 1873م في باريس، والاشتراك في تحرير مواد “الموسوعة الإسلامية”، وتأسيس الجمعيات الاستشراقية والاستعرابية، والاشراف على الاطروحات الجامعية.

وفي الفصل السادس والأخير، تناول د.محمود المقداد بعض أعلام الاستعراب الفرنسيين، وسلط الضوء على سيرهم وأعمالهم بإيجاز، وفي مقدمتهم سلفستر دو ساسي، والذي يرد إليه الفضل في تطور الدراسات العربية في فرنسا خصوصًا وأوروبا عمومًا، كما تناول جهود مستعربين آخرين مثل موريس غودفروا-ديمومبين(1862-1957م)، وغاستون فييت(1887-1971م)، وأخيرًا ريجيس بلاشير(1900-1973م).

 

البحث غني بالمعلومات التاريخية والموضوعية عن عالم الدراسات العربية في فرنسا، والمؤلف يقدمها بطريقة موضوعية غير منحازة، وهناك طرائف تاريخية عديدة، تتعلق بالعلاقات الثقافية العربية-الفرنسية، يجدها القارئ منثورة بانتظام فيما بين سطور الكتاب، وقد لاحظتُ نوعًا من التحامل السلبي من المؤلف تجاه الدولة العثمانية، حيث يعتبرها مسؤولة عن التخلف الذي أصاب العرب، ويتهمها بأنها كانت لديها نزعة خفية إلى تتريك العرب خاصة وإلغاء اللغة العربية ثقافيًا. وفي صفحة أخرى، يعتبر المؤلف أن همَّ الدولة العثمانية كان منصبًا نحو جمع الضرائب وبناء الجيش الانكشاري وتدعيم سلطانهم في الآستانة، دون نظر إلى مصالح الرعية الحقيقية وحقها في التقدم والازدهار.

حصاد معرض الكويت للكتاب 2014

Kuwbookfباختصار، وبلا أي تعليقات في أي اتجاه، كان حصادي لهذا العام من معرض الكويت للكتاب، أكثر تنوعًا من حصاد العام الماضي، وقد اشتمل على عدة مؤلفات وكتب مترجمة، وللمرة الأولى، تدخل الموسوعات مكتبتي الصغيرة.

وهذا هو الحصاد باختصار:

  •  رسالة في التسامح. جون لوك. ترجمة وتعليق وتقديم د/عبدالرحمن بدوي. دار الغرب الإسلامي/ ط1988/1. 130 صفحة. ترجمة مباشرة عن اللاتينية.
  • النفي والعنف في الغرب الإسلامي. حميد الحداد. أفريقيا الشرق/ط2013/1. 263 صفحة.
  • الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16-17م. د/محمد رزوق. أفريقيا الشرق/ط2014/4. 433 صفحة.
  • مغامرة الفكر الأوروبي-قصة الأفكار الغربية. جاكلين روس. ترجمة أمل ديبو. كلمة-أبو ظبي/2011. 445 صفحة.
  • الأدب الأندلسي في الدراسات الاستشراقية البريطانية. رشا عبدالله الخطيب. دار الكتب الوطنية-أبوظبي. ط2013/1.
  • الموسوعة الفلسفية المختصرة. جوناثان ري و ج. أور. أرمسون. ترجمة/ فؤاد كامل-جلال العشري- عبدالرشيد صادق. مراجعة وإشراف زكي نجيب محمود. المركز القومي للترجمة. 485 صفحة.
  • بقايا اليوم. رواية لـ/ كازو إيشيجورو. ترجمة طلعت الشايب. المركز القومي للترجمة/ط2009/2. 357 صفحة.
  • قصة مدينة الحجر. رواية لـ/ اسماعيل كاداريه. ترجمة د.عفيف دمشقية. دار الآداب/ط1989/1. 298 صفحة.
  • ساعات القدر في تاريخ البشرية. ستيفان تسفايج. ترجمة محمد جديد. المدى/ط2005/1. 367 صفحة.
  • يحيى حقي.. ذكريات مطوية كما رواها لإبنته نهى. نهى يحيى حقي وتلميذه ابراهيم عبدالعزيز. دار سعاد الصباح/ط1993/1. 224 صفحة مع ملحق صور.
  • البوسنة والهرسك. د.جمال الدين سيد محمد. دار سعاد الصباح/ط1992/1. 291 صفحة.
  • المسألة الثقافية في لبنان-الخطاب السياسي والتاريخي. د.وجيه كوثراني. منشورات بحسون/ط1984/1. 200 صفحة.
  • الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي- من المتصرفية العثمانية إلى دولة لبنان الكبرى. د.وجيه كوثراني. منشورات بحسون/طبعة عام 1986. 424 صفحة.
  • تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين. جزآن اثنان. يوسف أشباخ. ترجمة وتعليق د.محمد عبدالله عنان. تقديم. سليمان العطار. المركز القومي للترجمة.

 

Sultan

 

دور السلطان عبدالحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين (١٨٧٦-١٩٠٩)

د.فدوى نصيرات.
عدد الصفحات: ٢٤٨ صفحة.
الدار: مركز دراسات الوحدة العربية/ط١/مارس ٢٠١٤م.

كما يحدثك العنوان الصادم عن نفسه تمامًا، كان محتوى هذا الكتاب، فالباحثة الدكتورة فدوى نصيرات، تحاول من خلال صفحات بحثها هذا، نقض المُسلمَّة التاريخية التي تؤكد وقوف السلطان عبدالحميد الثاني في وجه التطلعات الصهيونية في فلسطين، والقدس تحديدًا، ومن جهة أخرى، يُعتبر هذا الكتاب بقعة من الضوء على الوجود اليهودي في فلسطين في أخريات القرن التاسع عشر، وتوسع نفوذهم عبر هجراتهم المتوالية وتأسيس مستوطناتهم على الأراضي الفلسطينية، حتى وصلت أعدادهم إلى ٤٥ ألف يهودي في القدس وحدها مع نهاية القرن التاسع عشر.

تبدأ د.فدوى كتابها بتقديم صورة عن الأوضاع العامة للدولة العثمانية إبّان حكم السلطان عبدالحميد الثاني، ثم تطرقت لشخصية السلطان في ضوء الكتابات التي تناولته، وأخيرًا ينتهي التمهيد بعرض تاريخي آخر يتناول الحركة الصهيونية، ودور هرتزل فيها.
أما الفصل الأول، فقد تناولت فيه بدايات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وعرضت مواقف السلطان العثماني تجاهها، ثم تناولت نتائج الهجرات اليهودية إلى فلسطين وانعكاساتها على الوضع عامة.

وفي الفصل الثاني، ناقشت فيه الكاتبة موقف السلطان عبدالحميد الثاني من الاستعمار الصهيوني في فلسطين، وهي بنقضها للمسلمة التاريخية التي تقول برفض السلطان القاطع لهذه الهجرات، تحاول أن تنعى على الخليفة المسلم، عدم تحويله أقواله إلى حقائق على أرض الواقع، وعدم إنفاذه للفرمانات التي أصدرها بخط يده، والتي تستهدف الحيلولة دون استيطان اليهود في فلسطين، وهذا هو أحد المآخذ الرئيسية المستخدمة في حيثيات التهمة التي تقرأها في عنوان الكتاب.
ومن المآخذ الأخرى، رضوخ السلطان لضغوط القناصل الأوروبيين والأمريكي، وذلك في أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، وبالتالي، كانت قوانين حظر الهجرة اليهودية والاستيطان اليهودي في فلسطين دون أية قيمة حقيقية، ومن المآخذ أيضًا دور بعض الولاة وأثرياء العرب والموظفين العثمانيين، الذين تراوحت جهودهم في تسهيل مهمة الاستيطان اليهودي في فلسطين، ما بين قبول الرشوة، أو شهادة الزور، أو الالتفاف على القوانين المانعة أو المقيدة لبيع الأراضي لليهود.

أما الفصل الثالث، فقد كان الأكثر إثارة، وهو فصل تناول قضية مفاوضات هرتزل-عبدالحميد الثاني، والتي استمرت لمدة ٦ سنوات، وقد فصّلت فيه الباحثة الكلام عن موضوع هذه المفاوضات، وزيارة هرتزل اسطنبول خمس مرات خلال سير هذه المحادثات، والتي كانت أولها غير مباشرة. وقضية المفاوضات هي الأخرى تدخل ضمن حيثيات الاتهام الذي تسوقه الباحثة ضد السلطان العثماني، فهي تستنكر قبول الخليفة المسلم إجراء محادثات مع زعيم الحركة الصهيونية، كما لو كان الأمر “قوة أمام قوة”. لقد أعطت المفاوضات قوة وجودية للحركة الصهيونية، رفعتها إلى مستوى الحكومات والهيئات الدولية، باختصار، لقد كانت المفاوضات اعترافًا بالقضية اليهودية، والمساعي الصهيونية، ولعل أحدهم يعترض بأن المفاوضات لم تؤول إلى نتائج حقيقية على أرض الواقع، إلا أن مجرد قبول الاستانة بإقامة مثل هذه المفاوضات، كان بمثابة نجاح كبير للصهيونية.
وأخيرًا، وفي الفصل الرابع والأخير، تم تسليط الضوء على الموقف الشعبي العربي تجاه النشاط الصهيوني في فلسطين، وقد كان فصلاً ثريًا بما احتوى من معلومات تدور حول كفاح الفلسطينيين والعرب المبكر في رفض واستنكار الاستيطان الصهيوني، وهو ما لا يُذكر أو يشار إليه بشكل واضح، وقد تمثلت هذه المواقف في خطين متوازيين، أولها العرائض والشكاوى التي يرفعها أهل القدس تحديدًا إلى السلطان عبدالحميد الثاني مطالبين بوقف تدفق المهاجرين اليهود، “وقد سجل عرب فلسطين أول تذمر رسمي لهم من الهجرة اليهودية في يونيو ١٨٩١م، حينما بعث جمع من زعماء القدس ببرقية موقعة من ٥٠٠ شخص إلى الصدر الأعظم يطالبون بفرمان يمنع الصهيونيين من دخول فلسطين”، كما قام أئمة وخطباء المساجد بمهاجمة الدور الاستعماري النشط في فلسطين. والخط الثاني تمثل في الصحف العربية التي رصدت مبكرًا هذا التجمع البشري الهائل والمتزايد لليهود في فلسطين، وقد حاول المراسلون الصحفيون الوقوف على حقيقة ما يحدث على أرض فلسطين، فكانوا يعودون لصحفهم بعنوان كبيرة صادمة، تحاول عكس حجم الاستيطان الصهيوني في فلسطين والتحذير من تبعاته، وأهم هذه الصحف “الأهرام” و”المقطم”، وقد عنونت “المقطم” أحد تقاريرها بـ”استعمار فلسطين” مطالبة السلطان عبدالحميد بقمع المهاجرين اليهود والمتواطئين معهم، ومحاربة الرشوة.
ولم تكن أخبار المؤتمرات الصهيونية ببعيدة عن اهتمام الصحف العربية، فلقد سلطت “الأهرام” الضوء على مقررات هذه المؤتمرات، وما تهدف إليه من استقطاب اليهود من كل مكان، وتأسيس دولة يهودية على أرض فلسطين.
وفي خاتمة الكتاب، تقرر الكاتبة على ضوء ما تقدم، من أنه:

“لا يمكن تبرئة السلطان عبدالحميد الثاني من المسؤولية تمامًا مما تمكن الصهاينة من تحقيقه على أرض فلسطين”.

برأيي أن الكتاب محاولة موفقة من الباحثة التي سلطت الضوء على قضية تاريخية متصلة بالواقع الذي نعيشه ونعاني منه اليوم، فهي اعتمدت على الأرشيف العثماني والأرشيف الغربي، كما اعتمدت على مصادر أجنبية ومحلية، وضمنته جداول توضح نمو المستعمرات والمستوطنات اليهودية في فلسطين، وقد حاولت من خلال ما قدمت، نقد وتمحيص جميع المرويات التاريخية ذات العلاقة بالموضوع، إلا أن الذي عاب الكتاب بحقيقة، تلك الافتتاحية الهجومية المليئة بالشماتة، والتي كتبها د.خالد الحروب، مما أعاد بالكتاب-أو كاد على الأقل- إلى حقل الكتابات السجالية العلمانية-الإسلامية، إلا أنه وللحق، كان مستوى كتابة وبحث الدكتورة فدوى أعلى بكثير جدًا من مستوى ما كتبه خالد الحروب، وأعتقد أن على من يمتلك وجهة نظر مغايرة، أن يدفع بدراسة من المستوى هذا، إن كان يريد دحض رسالة الكتاب الرئيسة.

نقطة أخيرة:

الكتاب يلقي الضوء على جهود أعلام الصهاينة من تجار ومثقفين وسياسيين في دعم ةمساندة أبناء دينهم، وكذلك يلقي ضوءًا آخر على الوعي العربي الفلسطيني تجاه ما يحدث على أرض فلسطين، وعند المقارنة بينهما لا يمكن إلا أن أردد: اللهم أنني أشتكي إليك عجز المؤمن، وجلد الكافر.