Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘إلى’

resalah

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

محمود محمد شاكر

عدد الصفحات: 257 صفحة.

الدار: دار الهلال/دون تاريخ للطبعة أو رقم لها، ربما نسخة مصورة.

 

هذا الكتاب بمجمله، إجابة عن السؤال التالي: لمَّ نشأ الخلافُ بين منهج شاكر الأدبي والمناهج الأدبية السائده في عصره، والتي كان يروج لها أعمدة الأدب والثقافة في الوطن العربي، على أنها أفضل الأوعية التي يمكن أن تُدرَس وتُنتقَد بها الآداب العربية، وخصوصًا القديمة، وقد ظهر الخلاف أبرز ما يكون، حينما أقدم أبو فهر -كنية محمود شاكر- على إصدار كتابه “المتنبي” في ثلاثينات القرن العشرين، ما أحدث ضجة أدبية وثقافية كبيرة، استمرت زمنًا طويلا.

 

قضى محمود محمد شاكر 10 سنوات (1926-1936م) من عمره عاكِفًا على قراءة كتب التراث، قراءة حثيثة متأنية، بعيدًا عن تأثيرات المنتديات الثقافية والأدبية، والمجالس العلمية بين جدران الجامعة المصرية، حتى استقام له منهجه الذي نشر عبره كتابه الأول “المتنبي”.

يرفض شاكر ما يُسمَّى بـ”المناهج الأدبية” المستوردة، التي قضت على ثقافتنا العربية، وذلك لعدة أسباب أهمها أنها قد وجدت وتطورت وتبلورت في بيئات وأوساط ثقافية واجتماعية ودينية مغايرة لتلك التي نعيشها ونمارسها، فضلاً عن أن تكون عدوة لنا، ومتربصة بثقافتنا.

وفي بداية رسالته هذه، يعرض المؤلف رأيه في المنهج الصحيح لدراسة العلوم، وهنا نصل إلى أحد أهم إضافات هذا الكتاب، حينما يناقش شاكر ما يسميه بـ”ما قبل المنهج”، وهو يقصد، تلك العناصر التي تتفاعل في نفس كل إنسان حينما يريد دراسة علم من علوم الألسن، ويحدد المؤلف ثلاثة عناصر، تتمازج معًا، وتلعب دورًا موجهًا وقائدًا للباحث أثناء عمله ودراسته، وهذه العناصر الثلاثة هي: أ/ اللغة. ب/ الثقافة. جـ/ الهوى.

ثم يشرع في الإجابة على السؤال المتقدم من الصفحة 52 إلى آخر الكتاب تقريبًا، وفي عرضه، يرى شيخ العربية أن تدمير الثقافة العربية والإسلامية، هو السلاح الذي اهتدى إليه الغربيون بعد أن فشلوا عدة مرات، ولقرون طويلة في الانقضاض على الحضارة الإسلامية، ولم تكن “المناهج الأدبية” التي فُرضت على عقول الشباب في مقتبل حياتهم العلمية في قاعات الجامعات العربية، لم تكن هذه المناهج سوى وسائل لإنجاز التدمير المنشود.

والمستشرقون -بحسب المؤلف- هم طلائع الاستعمار والتبشير، وهم الذين حملوا عبأ نقل العلوم العربية والإسلامية للغرب، وإنذار الأخير ببواكير النهضة الإسلامية، حتى يتحين للغربيين أمر إجهاضها*، ولا يرى شاكر أن أعمال المستشرقين وإنتاجهم يرقى للنظر إليه على أنه “عمل علمي”، وهو يقدم لذلك عدة أسباب ومبررات، لكنه من الأساس يَنْقُضُ  “علمية المستشرق” نفسه، فهو يرى أن المستشرق لم يتحصل على العلم الكافي، ولم يستوفِ الشروط الأولية لتأسيس منهج علمي يمكنه بالنهاية من الحديث عن آداب العرب، وانتقادهم، والتصحيح لهم، وهنا ينتقد شاكر بشدة تلك الهالة من العظمة التي يُحاط بها قول المستشرق، وذلك الاحترام المبالغ به، حتى وصل لدرجة اختيارهم أعضاء في مجامع اللغة العربية.

ويرفض شاكر كذلك ما يسمى بـ”الثقافة العالمية” ويرى أنها محاولة لفرض سيطرة أمة غالبة على أمم مغلوبة:

“فالثقافات متعددة بتعدد الملل، ومتميزة بتميز الملل، ولكل ثقافة أسلوب في التفكير والنظر والاستدلال منتزع من “الدين” الذي تدين به لا محالة، فالثقافات المتباينة تتحاور وتتناظر وتتناقش، ولكن لا تتداخل تداخلاً يُفضي إلى الامتزاج البتة”.

 

لقد كان الأسلوب الذي اتبعه شاكر في رسالته القصيرة هذي، أسلوب سرد تاريخي، من تجربته الشخصية، ومما اطلع عليه في كتب التاريخ والأدب، وإن لم يوثق في هوامشه شيئًا كثيرًا منها -بحسب نسختي التي قرأتها- لكنه يذكر بين حينٍ وآخر مصادره في ثنايا سطور كتابه، وقد كان أسلوبه من زاوية أخرى، أسلوبًا أدبيًا سلسًا، عكس تمكنه من العربية، وخصوصًا حينما يستخدم بعض المفردات العربية التي نظنها أنها عامية، ثم يشير بالهامش إلى أصلها العربي الفصيح، ومن زاوية أخرى، كانت مشاعر الغضب والحدة تتمايز عبر السطور، على ما أصاب الثقافة العربية، ومآلها الذي وصلت إليه في وقته، وحتى بعد أن ندم بعضُ كبار مروجي المناهج الأدبية المستوردة على دورهم في تدمير الثقافة واللسان العربي، ولكن ندمهم أتى متأخرًا، فضلاً عن أن يتدارك شيئًا من التدمير الذي أحدثوه باحتضانهم لذلك السم الزعاف المسمى بالمناهج الأدبية، هذا السم الذي أودى بحياة وعقيدة كثيرين، كان مقدرًا لهم أن يكونوا أبناء مخلصين للأمة، لكنهم انساقوا وراء هذه المناهج، فزلت أقدامهم، وشاكر هنا يتناول تجربته الشخصية، التي أدت به إلى الانعزال لعشر سنوات عن هذه المنتديات الثقافية، التي اعتنقت “مناهج الادب” المستورد.

 

——

* رجال النهضة الذين حملوا همَّ إيقاظ الأمة،  الذين “أحسوا الخطر فراموا إصلاح الخلل الواقع في حياة دار الإسلام”، هم -بحسب شاكر- خمسة رجال:

1/ البغدادي .. عبدالقادر بن عمر، صاحب “خزانة الأدب” (1030-1093هـ)(1620-1683م) في مصر.

2/ الجبرتي الكبير.. حسن بن ابراهيم الجبرتي العقيلي، (1110-1188هـ)(1698-1774م) في مصر.

3/ ابن عبدالوهاب، محمد بن عبدالوهاب التميمي النجدي، (1115-1206هـ)(1703-1792م) في جزيرة العرب.

4/ المرتضى الزبيدي، محمد بن عبدالرزاق الحسيني، صاحب “تاج العروس”، (1145-1205هـ)(1732-1790م) في الهند ومصر.

5/ الشوكاني، محمد بن علي الخولاني الزيدي، (1173-1250هـ)(1760-1834م) في اليمن.

وبحسب شاكر، فإن الفارق الحضاري بين المسلمين والأوروبيين حين قام هؤلاء الرواد بمشاريعهم النهضوية، لم يكن هذا الفارق سوى خطوة واحدة، لذلك عمل الأوروبيون على وأد هذه النهضة، وكان المستشرقون عيونًا مبثوثة، تحذر منها، وتسرق علوم العربية للغرب.

 

Advertisements

Read Full Post »