Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘الأندلس’

image

 

رحلة من مصر إلى مصر
الأستاذ المحامي محمد فريد وجدي بيك

مراجعة وتصحيح وتعليق: د.عبدالمجيد خيّالي
عدد الصفحات: 146 صفحة (شاملة الفهارس والصور).
الناشر: مركز التراث الثقافي المغربي ودار ابن حزم/ الطبعة الأولى/ 2011م.

 

المحامي والسياسي والمؤرخ محمد فريد بيك، يقوم برحلة سياحية قصيرة في صيف عام 1901م، ليستطلعَ بها ما أصاب المسلمين جرّاء التخلف والانقسام والتنازع بينهم، ولذلك فهو يقصد اسبانيا، ليطلعَ على شواهد باقية من الحضارة الإسلامية، بقيت برغم محاولات المحو والتشويه، ثم يتوجه لشمال أفريقيا، ليكون شاهدًا شهادة العين والأذن والمعايشة، على ما يتعرض له العرب والمسلمون في ديارهم من ظلم المحتل.

مسار الرحلة:
بدأ المحامي وجدي بيك رحلته يوم الجمعة 5 يوليو 1901م، منطلقًا من القاهرة، وبحرًا توجه نحو مرسيليا، المدينة الفرنسية الساحلية العتيقة، وبعد قضاء بضعة أيام فيها، توجه بحرًا نحو اسبانيا التي طاف في أرجائها، فشملت رحلته بالترتيب المدن التالية: برشلونه – سرقسطة – مدريد – طليطلة – قرطبة – غرناطة – اشبيلية – وأخيرًا قادس.
ويبدو من خلال سير رحلته في ربوع اسبانيا، أن السائح كان يقصد التعرف على ما تبقى من آثار المسلمين في الأندلس، لذلك، فهو لم يتجشم عناء التوجه لمدن غرب وشمال اسبانيا، وذلك لعدم اشتمالها على ما تبقى ويُظَن أن له علاقة بتاريخ الأندلسيين وحضارتهم، واكتفى بأن يقضي يومين أو ثلاثة في كل حاضرة من حواضر الأندلس العريقة، وهو في رحلته هذه، يقدم دروسًا وعِبَر يطلب من المسلمين التنبه لها، كما أنه لا يُخفي حزنه على بدائع إسلامية تعرضت للتشويه والتبديل، وطمس آيات القرآن، ليوضع عليها وبشكل مُنفر علامات وأيقونات المسيحية.

كما أن الأستاذ المحامي، كان حريصًا على انتقاد بعض المظاهر غير الحضارية في الحياة الاسبانية اليومية، وأهمها كانت مصارعة الثيران، هذه الرياضة التي لا بد فيها من نزف الدماء وقتل الحيوانات، لا لشيء سوى المتعة، كانت هذه الرياضة محل انتقاد شديد من المحامي صاحب الرحلة، وسابقًا، انتقد الأستاذ الفرنسيين وعموم الأوروبيين على ممارساتهم واعتقاداتهم الدينية المتخلفة، المتمثلة في إلقاء النذور في الكنائس، وغيرها من السلوكيات فكتب يقول:

“ومن الغريب أن الإفرنج يرموننا بالجهل، لتمسك بعض جهلائنا بالأوهام الباطلة، واعتقادهم بتأثير الأحجية والتمائم مع شيوع هذه الاعتقادات بين أكثر طبقاتهم تنوراً، فهم يغمضون الجفن عن عيوبهم، وينظرون إلى أقل عيب في غيرهم بالنظارة المكبرة، لكن لا غرابة في ذلك، فهو أمر طبيعي في الأفراد والأمم”.

لكنه كذلك أثنى على دور الحكومة الاسبانية في الاهتمام والعناية بالآثار الأندلسية القديمة المتبقية، وهذا الأمر له علاقة مباشرة بما يسمى “الحنين إلى الأندلس” هذه الموجة الأدبية التي اجتاحت مثقفي وشعراء وأدباء الغرب في القرن التاسع عشر، فكان ذلك سببًا في إقبال السائحين والباحثين على اسبانيا، ومن هنا تنبهت الحكومة الاسبانية لما يمكن أن يعود عليها من منافع بسبب هذه الآثار فأولتها اهتمامها، وشخصيًا، أعتقد أن اهتمام العرب والمسلمين في أوليات القرن العشرين وحتى منتصفه، كان رجع الصدى لتلك الموجة الرومانسية الغربية تجاه الأندلس، فأحيت ما كان ضامرًا في النفوس العربية.
ولأنه عروبي ويعتز بالإسلام وحضارته، فلم يفوت فرصة المرور على “مكتبة الاسكوريال”، والتعرف على الكتب والمخطوطات العربية التي بحوزة هذه المكتبة، وهي تشكل ذخيرة غنية ومتنوعة، كثير منها لم يُكتشَف بعد.
***
وفي يوم الاثنين الموافق 29 يوليو، يتوجه المحامي بحرًا من قادس إلى طنجة، ومنها إلى عدة مدن عربية، وذلك على الترتيب التالي:
طنجة – مليلة – وهران – تلمسان – مدينة الجزائر.

طنجة.. المدينة الساحلية المغربية، كانت تخضع لنظام غريب، فهي أفريقية، ويتغلب عليها الأوروبيون، ويتحكمون بأمرها فعليًا، رغم أنها اسميًا تنتمي لسلطان “مراكش” أو ما يُعرف حاليًا بالمملكة المغربية.
وهناك، شاهد وجدي بيك -برأي العين وسمع الأذن وتقطع القلب- ما أحزنه وحذَّرَ منه، فالغلبة هناك للأوروبيين، مدنيًا مناطق الأوروبيين أنظف وأجمل، وعسكريًا، تولى الأوروبيون المناصب القيادية في الجيش والشرطة والبحرية، فقائد الجيش العام فرنسي، وقائد المشاة انجليزي، وقائد القطعة العسكرية البحرية الوحيدة ألماني، وثقافيًا، تتنوع لغات الصحف المطبوعة والمنشورة، ولا توجد بينها صحيفة واحدة تطبع باللغة العربية!
وفي ميدان الاتصالات والبريد، فلكل قنصلية أوروبية مصلحة بريد وتلغراف خاص بها.
وكل ذلك يورده المحامي وجدي بيك، ليحذر من مغبات التفرق، وهو ينتقد سلطان مراكش -ملك المغرب- لعدم استخدامه لضباط من الدولة العثمانية في “ترتيب جيوشه”، ويعزو ذلك لـ:

“التفرق والتخاذل الذي سبَّبَ ضياع بلاد الأندلس، والذي سيكون سببًا في ضياع مراكش وغيرها من بلاد الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله”.

وبعد قضاء يومين في طنجة، توجه بحرًا نحو وهران، ثم بالقطار إلى مدينة تلمسان، ومنها إلى مدينة الجزائر.
وعمومًا، كانت المشاهدات في الجزائر أكثر إيلامًا من تلك التي في لمغرب، ولم يُسمح له بالنزول من الباخرة إلا في اليوم التالي، وبعد بعض الاتصالات، لكنه في البداية وضح سبب زيارته وتجشمه عناء السفر للجزائر:

“أردتُ زيارة الجزائر لأتحقق مما يدَّعي الفرنساويون أنهم أتَوه من الإصلاح، وما قاموا به من الأعمال الجِسام لتحسين حالة الأهالي المعاشية، وتقدمهم في مراقب التمدن والسعادة، فما رأى كمن سمع”.

وبالفعل، لم تكن هذه سوى دعاية ترويجية للمحتل الفرنسي، فأهل البلاد في فقر وتخلف وجهل، وأما التمدن والبحبوحة العيش فكانت حصرًا للمستوطنين الفرنسيين، فأهل البلاد “شيّالون في الميناء أو خادمين عند الإفرنج.. ولا يوجد بينهم تاجر عظيم أو متوسط، ولا صاحب معمل”،ومما وقف عليه السائح العربي، تحويل عدة مساجد إلى كنائس أو مخازن في هذا البلد المسلم!
وكذلك لاحظ الغزو الثقافي الفرنسي، الذي أجبر الناس على هجرة تعلم العلوم العربية والشرعية، والتوجه لدراسة العلوم باللغة الفرنسية، طمعًا في تحصيل وظيفة أو منفعة دنيوية.
وفي وهران، ألتقى محمد فريد بأستاذ اللغة العربية المسيو “موليراس”، الذي كتب له خِطابَين أحدهما إلى قاضي تلمسان، والآخر إلى سكرتير حاكم الجزائر العام، حيث “أوصاهما فيهما بمساعدتي على جميع ما أريده من الاستعلامات عن حالة البلاد وأهليها”، ويؤكد وجدي بيك أن الخطاب الثاني الذي وجه به إلى سكرتير حاكم الجزائر كان مفيدًا له، حيث “أن المسلمين يحذرون من مقابلة من يأتي بلادهم من إخوانهم من البلاد الأخرى، إلا إذا علموا أن الحكومة ورجالها غير ناقمين من وجود هذا المسلم الأجنبي وبالأخص إذا كان تركيًا أو مصريًا”.
وبعد تلمسان توجه إلى مدينة الجزائر، ومما ذكره عنها، أنه كان يوجد فيها 14 مسجدًا جامعًا، لم يبق منها إلا أربعة!
وفي وسط المشاهد التي تجلب الضيق على النفس، والحزن في القلب، تبدى له مشهدًا جميلاً حينما شاهد وجود “عشرة من البحارة الروسيين يؤدون صلاة الجمعة بكل خشوع”، وحينما سألهم عن موطنهم، أجابه البعض بأنه من بلاد قفقاسيا، والبعض من أوفه، وقَزان، وكانت له لقاءات ببعض أعلام الجزائر في حينها ومنهم قاضي تلمسان شعيب بن عبدالله، الذي أكرم وفادة الأستاذ المحامي.
وفي الجزائر البلد الكبير المترامي الأطراف، لا توجد به سوى جريدة واحدة وهي “المبشر”، ولم يذكر عما إذا كانت عربية أم لا،وهي جريدة رسمية تنشر الأوامر وبعض الفصول في فضل فرنسا على العرب، والحض على التعلق بالولاء لها!
وفي آخر رحلته، قدّمَ المسافرُ العربي مقالتين قصيرتين جدًا عن مشاهداته في الجزائر، الأولى عنوانها “الحرية الشخصية في الجزائر”، وفيها يؤكد على ازدواجية معايير هذه الحرية، فكل شيء مباح للفرنسيين والغربيين، وكل شيء ممنوع على الجزائريين. والمقالة الثانية عنوانها “التعليم والمدارس في الجزائر”، وفيها يتناول أوجه الغزو الثقافي الفرنسي، الذي يعمل على تهميش وإقصاء علوم الشريعة واللغة العربية، ويركز عبر آليات عدة، في مقدمتها التوظيف في الإدارات الحكومية، على التعليم باللغة الفرنسية.

وفي يوم الأحد 11 أغسطس، غادر المحامي مدينة الجزائر بحرًا، عائدًا لمدينة مرسيليا، ومنها توجه لقضاء 20 يومًا في كل من مدينتي “باريس” و”فيشي”، ثم قفل عائدًا إلى بلده، فوصل الاسكندرية يوم 10 سبتمبر 1901م.

***
تمتاز هذه الرحلة بعدة خصائص، من أهمها أن صاحبها رجل يحمل هَمَّ الأمة، ويشعر بمغبة التفرقة والتنازع بين أبنائها، فكانت رحلته هذه مطبوعة بطابع النصح والإرشاد، واستلهام الدروس والعبر، فإذا ما عرفنا الوضع الحرج الذي كانت تعيشه الأمة العربية والإسلامية في مطلع القرن العشرين، وإذا ما عرفنا الدور السياسي والحقوقي والثقافي الذي اضطلع به الأستاذ محمد فريد، اكتشفنا أهمية رحلته القصيرة هذي، وأنها تستهدف تنبيه الأمة وإيقاظها من سباتها.
وتمتاز بطابعها الجغرافي الممتد، من مصر إلى مصر، مرورًا بعدة دول وحواضر أوروبية وعربية أفريقية، وهي تقع -كما ذكرتُ أعلاه- في حقبة تاريخية مضطربة ومتأزمة من تاريخ العالم العربي والإسلامي.

ومما تمتاز به هذه الرحلة، أنها من بواكير رحلات العرب إلى الأندلس، فكما أعلم -وعلمي قاصر- أن الأستاذ محمد فريد سبق الأديب الأمير شكيب أرسلان وغيره من العرب في السياحة إلى الأندلس، فكانت تجربة فريدة وسابقة جميلة تسجل لصاحبها.
كما تمتاز هذه الرحلة، باستشراف المستقبل، فكان السائح المثقف يدقق بصره وبصيرته في ممارسات المحتل في كل من المغرب والجزائر، وكان يحذر وينبه لخطورة ما تقوم به حكومات وإدارات المحتل في ثقافة وتاريخ ودين البلدان المحتلة.


كانت لغة صاحب الرحلة واضحة بسيطة، لم يتكلف لا في عبارته ولا في أسلوبه، وكذلك لم يتجنب إظهار عاطفته الحزينة لحال المسلمين، كما أنه كان حريصًا على الموضوعية، فانتقاده لهيمنة الدول الأوروبية واحتلالها بلداننا، لم يمنعه من الثناء على تنظيمها وحسن إدارتها لأمورها في بلدانها.
كان الكتاب قد طبع قديمًا، وهذه الطبعة هي الطبعة الثانية، وكانت بتحقيق الأستاذ عبدالمجيد كيالي، الذي أضاف هوامشًا عديدة، ربما لم يكن من المطلوب وضعها بهذا الشكل، كما أن هذه الطبعة حفلت بصور فوتوغرافية لم تشتمل عليها الطبعة اأصلية، وهذه من النقاط السلبية في هذه الطبعة، فبعض الصور “مسحوب” من منتدى في الانترنت، وتظهر في إحدى زواياها شعار ذلك المنتدى أو الموقع، وبشكل مُنفِّر، كما أن خط الطباعة كان كبيرًا، يماثل حجم خط الطباعة في الكتب المدرسية، وربما أرادت الدار إخراجه بهذا الشكل لزيادة عدد صفحات الكتاب.

وعمومًا، الرحلة مثيرة، وحافلة بالدروس، والتنبيهات والتحذيرات التي تحقق للأسف بعضٌ منها.

Advertisements

Read Full Post »

Kuwbookfباختصار، وبلا أي تعليقات في أي اتجاه، كان حصادي لهذا العام من معرض الكويت للكتاب، أكثر تنوعًا من حصاد العام الماضي، وقد اشتمل على عدة مؤلفات وكتب مترجمة، وللمرة الأولى، تدخل الموسوعات مكتبتي الصغيرة.

وهذا هو الحصاد باختصار:

  •  رسالة في التسامح. جون لوك. ترجمة وتعليق وتقديم د/عبدالرحمن بدوي. دار الغرب الإسلامي/ ط1988/1. 130 صفحة. ترجمة مباشرة عن اللاتينية.
  • النفي والعنف في الغرب الإسلامي. حميد الحداد. أفريقيا الشرق/ط2013/1. 263 صفحة.
  • الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16-17م. د/محمد رزوق. أفريقيا الشرق/ط2014/4. 433 صفحة.
  • مغامرة الفكر الأوروبي-قصة الأفكار الغربية. جاكلين روس. ترجمة أمل ديبو. كلمة-أبو ظبي/2011. 445 صفحة.
  • الأدب الأندلسي في الدراسات الاستشراقية البريطانية. رشا عبدالله الخطيب. دار الكتب الوطنية-أبوظبي. ط2013/1.
  • الموسوعة الفلسفية المختصرة. جوناثان ري و ج. أور. أرمسون. ترجمة/ فؤاد كامل-جلال العشري- عبدالرشيد صادق. مراجعة وإشراف زكي نجيب محمود. المركز القومي للترجمة. 485 صفحة.
  • بقايا اليوم. رواية لـ/ كازو إيشيجورو. ترجمة طلعت الشايب. المركز القومي للترجمة/ط2009/2. 357 صفحة.
  • قصة مدينة الحجر. رواية لـ/ اسماعيل كاداريه. ترجمة د.عفيف دمشقية. دار الآداب/ط1989/1. 298 صفحة.
  • ساعات القدر في تاريخ البشرية. ستيفان تسفايج. ترجمة محمد جديد. المدى/ط2005/1. 367 صفحة.
  • يحيى حقي.. ذكريات مطوية كما رواها لإبنته نهى. نهى يحيى حقي وتلميذه ابراهيم عبدالعزيز. دار سعاد الصباح/ط1993/1. 224 صفحة مع ملحق صور.
  • البوسنة والهرسك. د.جمال الدين سيد محمد. دار سعاد الصباح/ط1992/1. 291 صفحة.
  • المسألة الثقافية في لبنان-الخطاب السياسي والتاريخي. د.وجيه كوثراني. منشورات بحسون/ط1984/1. 200 صفحة.
  • الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي- من المتصرفية العثمانية إلى دولة لبنان الكبرى. د.وجيه كوثراني. منشورات بحسون/طبعة عام 1986. 424 صفحة.
  • تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين. جزآن اثنان. يوسف أشباخ. ترجمة وتعليق د.محمد عبدالله عنان. تقديم. سليمان العطار. المركز القومي للترجمة.

 

Read Full Post »

20140513-232729.jpg

الحضارة العربية في إسبانيا
ليڤي بروڤنسال
ترجمة: د.الطاهر أحمد مكي
عدد الصفحات: ٢٢٣ صفحة (شاملة ملحق وكشاف بالتاريخ السياسي الأندلسي ومسرد بالمصادر والمراجع).
اصدار: دار المعارف/ ط٣/ ١٩٩٤م.

ذكر المترجم في مقدمته، أن هذا الكتاب بالأصل، هو ثلاث محاضرات ألقاها المستشرق الفرنسي ليڤي بروڤنسال في القاهرة، بدعوة من كلية الآداب في مارس عام ١٩٣٨م، ثم قام المستشرق بروڤنسال بجمع هذه المحاضرات وأضاف إليها موجزًا بالمصادر الهامة التي عاد إليها، وملحقًا بالتواريخ البارزة في تاريخ الأندلس، وطبعها بالفرنسية في القاهرة بعد ذلك بنحو شهرين.
لكن المترجم، أصدر ترجمته لهذا الكتاب، ملحِقًا بها ترجمته لمقال للمستشرق ذاته عنوانها “المذهب المالكي في الأندلس، وإسهامات المذاهب الشرقية الأخرى”.

وفي هذا الكتاب، يتناول المستشرق الفرنسي اليهودي الحضارةَ العربية في إسبانيا، بطريقة نقدية أكثر منها سردية، وذلك عبر فصول ثلاثة متمايزة، الأول منها تناول فيه مفهوم “الغرب الإسلامي” والحضارة العربية الإسبانية، وفي الفصل الثاني، تناول المشرق الإسلامي وعلاقته مع الأندلس، أما الأخير، فتناول إسبانيا المسيحية والتأثيرات المتبادلة لها مع الحضارة العربية الإسبانية.

وكما قلت، فالكتاب نقدي تاريخيٌ، تحليلي، أكثر منه سردي، إلا أن المؤلف لا يفتأ بين حين وآخر من ذكر بعض الأحداث التاريخية مسلسلة حسب تاريخها، بما يتناسب مع سياق حديثه، ويذكر بعض المعلومات التاريخية، التي لا بد من التأكد منها-بالنسبة لي على الأقل- عبر قراءة مصادر ومراجع أندلسية أخرى.

والمؤلف يبدو في كثير من كلامه، واثقًا في آرائه وأحكامه، ويزول عجبنا من هذا الكلام إذا قرأنا أن المترجم وصف المؤلف في مقدمته بأنه “حجة فيما يكتب أو يقول في هذا المجال” أي تاريخ الأندلس.

وكان المؤلف شديد الانتقاد للدور الذي قام به أئمة المذهب المالكي في الأندلس، إذ يعتبرهم عرقلوا مسيرة الازدهار الفكري والثقافي للأندلس، كما أنه ينقل تاريخ دخول المرابطين لنجدة الأندلس، وكأنه تنازل من الأخيرة عن بعضٍ من كبريائها السياسي والثقافي، لصالح البدو القادمين من المغرب، فقط في سبيل إنقاذ مصيرها من ألفونسو السادس، كما أنه يكرر في أكثر من مناسبة، أن اليهود القاطنين في الأندلس، قد أسهموا في بناء حضارتها الرائعة، إسهامًا فعّالاً، كما انهم أسهموا بنقلها -حين دنا زوالها- إلى إسبانيا المسيحية عبر الترجمة.

 

  • وفي الفصل الأول:
    يتناول بروڤنسال نقطتين هما:
    ١/ مصطلح “الغرب الإسلامي”.
    ٢/ الحضارة العربية الإسلامية.

فالمستشرق الفرنسي بروڤنسال يستهل كتابه بالدفاع عن مفهوم “الغرب الإسلامي”، ويراه أحق بالاستعمال عند الحديث عن الحضارة العربية الإسلامية في شمال إفريقيا وشبه الجزيرة الإيبيرية(إسبانيا والبرتغال).
ويَسوقُ عددًا من الأسباب في دفاعه هذا، “لأن الغرب يؤلف وحدة في نطاق العالم الإسلامي في جانب من أقصى طرفيه، أقرب ما يكون إلى أوروبا المسيحية”، وهو “بعيد ومعزول عن الشرق بالمسافات الشاسعة والعوائق الطبيعية، مما ترك أثرًا بالغًا في أوساطه الاجتماعية وفي ثقافته”، وبروڤنسال ينتقد مفهوم “المغرب الإسلامي”، لأنه معناه انكمش ولم يعد يشمل غير غرب شمال إفريقيا، ولم تعد تونس أو شبه جزيرة إيبيريا تدخل في نطاق مفهومه.
ثم في الصفحات التالية يَروي جانبًا من التاريخ الأندلسي، مستغنيًا عن السرد بالتركيز على أعلام وأحداث معينة تكوَّن جوهر الحضارة العربية الإسبانية، التي يرى بروڤنسال أن بدايتها الحقيقية تعود إلى لحظة إعلان عبدالرحمن الناصر قيام الخلافة في الأندلس.
ويركز بروڤنسال على إثارة الأسباب والخلفيات السياسية والاجتماعية والثقافية في التاريخ الأندلسي، والتي يرى أنها طبعت بمجملها الحضارة العربية الإسلامية في إسبانيا.
وأخيرًا؛ يتناول بروڤنسال في نهاية الفصل هذا بعضًا من أشهر مؤلفات علماء وأدباء الأندلس، وذلك في إطار سعيه الحثيث طوال صفحات الكتاب على التأكيد على تفوق الأندلسيين على جيرانهم المغاربة.

 

  • أما الفصل الثاني فيتناول بروڤنسال فيه تأثيرات المشرق الإسلامي في الحضارة العربية الإسبانية، ويحلل أسبابها ومظاهرها، مع بعض الإضاءات التاريخية على أعلام وأحداث ذات صلة بهذه التأثيرات.

وبحسب بروڤنسال، هناك عوامل وأسباب عديدة أدّت بمجملها لأن تطبع الأندلسَ بطابع ثقافي/اجتماعي مشرقي، وسوري على وجه التحديد، ومن هذه العوامل:
– إقطاع الأراضي للجند الفاتحين، وغالبهم قادمٌ من الشام.
– اهتمام عبدالرحمن الداخل ببناء إمارته الوليدة وإطاراتها الاجتماعية، على نفس الصورة السورية خلال الحكم الأموي هناك في دمشق.
– وفود العرب بجماعات منتظمة إلى الأندلس، تحمل معها ثقافتها المشرقية.

ويعتبر بروڤنسال أن الازدهار الثقافي في الأندلس بدأ يتفتح منذ النصف الأول من القرن التاسع الميلادي، بتأثير مباشر من الحضارة العربية في المشرق على أيام العباسيين، ويعود الفضل في هذا الازدهار الثقافي إلى جهود الأمير عبدالرحمن الثاني، الذي قام بعدة مبادرات ومشاريع تعكس توقًا شديدًا للثقافة والعلوم، ومن جهوده إنشاء دار سك العملة، وتدشين استخدام الخاتم الرسمي، وتأسس دار الطراز، واستقبل عبدالرحمن الأوسط عددًا من علماء وفناني المشرق كزرياب، الذي أحدث بقدومه للأندلس ثورة في نمط الحياة الأندلسية على صعيد الأكل واللبس والفن وغيرها، كما كانت للأمير عبدالرحمن الأوسط مكتبة عظيمة، يرسل رسلاً ومندوبين من أجل تزويدها بالجديد من الكتب والمؤلفات الصادرة في المشرق الإسلامي.

وينقل بروڤنسال عن مستشرق إسباني كبير هو ميجيل أسين بلاثيوس رأيه في أن تاريخ الفكر الفلسفي في إسبانيا الإسلامية هو صورة مطابقة لما كانت عليه الثقافة الإسلامية المشرقية، ويحمل بروڤنسال كثيرًا في كتابه هذا على المذهب المالكي، ويعتبره أساسًا للجمود الفكري في الأندلس، وعائقًا أمام أي تجربة تجديدية فكرية فيها، ويُثني على تأثيرات العلماء اليهود الأندلسيين، والذين طرحوا قبل مواطنيهم المسلمين مشكلة التوافق بين الدين والعقل، للوصول إلى حلول مختلفة لهما، بحسب بروڤنسال.

 

  • في الفصل الثالث، يلقي بروڤنسال الضوء على التداخلات المتبادلة بين الإسلام والمسيحية في شبه جزيرة إيبريا، وهو يستعرض تلك التداخلات عبر شبكة معقدة من العلاقات التي نشأت وتطورت عبر السنين الطويلة، في مجالات ومستويات الحياة المختلفة.
    فبداية، يذكر العلاقات الإنسانية بين مسلمي ومسيحيي الأندلس، فينوِّه بروح التسامح التي سادت سنين طويلة، من المسلمين تجاه المسيحيين، ويذكر احتضان الأمير الأموي وإقراره بما تنتهي إليه الانتخابات التي تجرى لاختيار كبار رجال الدين، وبخاصة مطران طليطلة وأسقف قرطبة، واستخدامه لهؤلاء الأحبار في بعثات وسفارات سياسية سرية.

جانبٌ آخر من التداخل المسيحي الإسلامي في الأندلس تمثل عبر الإضافات المتوالية التي حملها معهم صقالبة أوروبا، وهم الرقيق من الأوروبيين الذين كان يشتريهم المسلمون في الأندلس، وقد انضم بعضهم للجيش، وانضم آخرون للعمل في قصور الأندلس، وشكلوا في وقت لاحق حزبًا يناهض الجماعة العربية الأندلسية، والحزب البربري، بل وكوّن بعضهم إمارات صغيرة مستقلة، وقد اعتنق جميع هؤلاء الصقالبة الإسلام، ورغم ورودهم الأندلس صغارًا، إلا أنهم حملوا بعض التقنيات الجديدة من مواطنهم الأصلية، ومعها مفرداتها وألفاظها الدالة عليها.

اللغة تشكل مجالاً آخر للتداخل بين المسيحية والإسلام، ويزعم المؤلف أن نسبة عالية من المسلمين في الأندلس كانت -خلال كل عصور الإسلام- تتكلم لغتين، وتستخدم العربية والرومانثية في سهولة. ويورِدُ هنا عددًا من الكلمات العربية التي انتقلت بشيء من التحوير إلى الفرنسية عبر اللغة الإسبانية، التي ظلَّت حتى القرن التاسع الميلادي على الأقل تأخذ من اللغة العربية ما كان ينقصها.

التأثير الفني أيضًا بدوره كان وسيطًا للتبادل بين الإسلام والمسيحية، وقد استفادت إسبانيا وفرنسا من الفن المعماري الإسلامي المغربي إلى حدٍّ كبير، وقد قلَّدوا كثيرًا من أشكاله في حرية واسعة.

أما فكريًا، وهو أعظم مجال وميدان للتبادل بين الثقافات والأديان، فيزعم بروڤنسال أنه يمكن لنا أن نتبين ملامح تأثير آداب إسبانيا المسيحية في أكثر الأعمال الفكرية شهرة في العصر الأندلسي الكلاسيكي. وقد اضطلع بهذا الدور-كما يقول بروڤنسال- جماعات يهودية استقرت في الأندلس، كان منهم مترجمون وأطباء ورجال دين، وغيرهم أيضًا سواء مسلمين أو مسيحيين، عملوا على نقل الأفكار والاطروحات الفلسفية والدينية، فكانت تبدو التأثيرات المسيحية في الأعمال الإسلامية في القرون الوسطى، وكانت تبدو-كما توصل إلى ذلك بعض المستشرقين- التأثيرات الإسلامية في بعض الأعمال الفكرية في أسبانيا وأوروبا عمومًا لاحقًا في عصر النهضة وما بعده.
في نهاية هذا الفصل، يطرح بروڤنسال تساؤلاً مهمًا يتعلق بواقع إسبانيا المعاصرة له*(عام ١٩٣٨م)، وهذا التساؤل لا أراه موضوعيًا، ولا منطقيًا، فيقول… هل يمكن أن نرد سبب الاستنزاف لقوة أسبانيا عبر السنوات والعقود الأخيرة إلى الإسلام الإسباني؟ وهو يجيب إجابتين مختلفتين، إحداهما نعم، حيث أن الإسلام فرض على إسبانيا المسيحية لونًا من السلوك لا تستطيع أن تحيد عنه ولا أن تخرج منه حتى القرن الخامس عشر، فأنضب هذا كل فاعليتها. ويجيب إجابة أخرى، وهي؛ لا، في المجالات التي ساعد الإسلام فيها إسبانيا ونفخ في روحها ثقافة تتلاءم مع عبقريتها الخاصة.

ورغم أن المؤلف يجيب إجابتين متناقضتين، كنوعٍ من الموضوعية والحيادية، إلا أنني أرى أن التساؤل من الأساس غير موضوعي، فهل يمكن أن نرد أسباب تخلف بلاد معينة في فترة معينة، لدين تم إخراجه من هذه البلاد بالقوة قبل أكثر من 400 سنة، كما تم مطاردة كل من اعتنقه ولو متخفيًا، كما أن الثقافة التي كانت تمثل هذا الدين، بدأت بالتقهقر والتراجع قبل ذلك بنحو 200 سنة، فسياسيًا وثقافيًا، وطبعًا دينيًا، كانت الأمور في إسبانيا محسومة لحركة الاسترداد، ذات الطابع العسكري الإقصائي الدموي، فلماذا الالتفاف على التاريخ، ومحاولة إقحام الإسلام في شيء ليس له فيه أي علاقة؟!

الهامش:
* كانت أسبانيا حينذاك تمزقها حربٌ أهلية، وتتخلف عن ركب الحضارة والمدنية الأوروبية المجاورة لها بشكل كبير.

Read Full Post »

روايتان تاريخيتان عن شخصية الأمير الأموي عبدالرحمن الداخل
(١)
يروي المؤرخون أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور قال يومًا لجلسائه: أخبروني مَنْ “صقرُ قريشٍ” مِن الملوك؟ فأجابوه: ذلك أمير المؤمنين الذي راضى الملوك، وسكن الزلازل، وأباد الأعداء، وحسم الأدواء. (كالعادة، تطبيل له أول وليس له آخر)
قال الخليفة: ما قلتم شيئا!
قالوا: فمعاوية.
قال: لا
قالوا: فعبدالملك بن مروان؟
قال: ما قلتم شيئا.
قالوا: فمن يا أمير المؤمنين؟!
قال الخليفة العباسي: صقرُ قريش هو عبدالرحمن بن معاوية الذي عبر البحرَ، وقطع القفرَ، ودخل بلدًا أعجميًا منفردًا بنفسه، فمصَّرَ الأمصار، وجنَّدَ الأجناد، ودوَّنَ الدواوين، ونالَ مُلْكًا بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة شكيمته. إن معاوية نهض بمركبٍ حمله عمر وعثمان عليه وذلَّلا له صعبه، وعبدالملك ببيعة أبرم عقدها، وأمير المؤمنين بطلب عترته واجتماع شيعته، (أما) عبدالرحمن (فهو) منفرِدٌ بنفسه، مؤَيدٌ بأمره، مستصحِبٌ لعزمه، وطد الخلافة بالأندلس، وافتتح الثغور، وقتل المارقين وأذل الجبايرة الثائرين.

ويبدو أن هذه الرواية لم تُؤرَخ بتاريخ محدد للأسف، إلا أنها على الأغلب -بظني المتواضع- قد وقعت بعد أن فشلت كلُّ جهود المنصور في إجهاض إمارة عبدالرحمن الوليدة، واستعادة الأندلس إلى الخلافة العباسية، وكان آخرُ هذه الجهود الفاشلة هو ثورة العلاء الجذامي، الذي ثار بإيعاز ودعم عبّاسي على عبدالرحمن بن معاوية، إلا أن الأخير قد تغلب عليه، وقطع رأسه، ثم أرسله مع بعض الحجاج الأندلسيين إلى البيت الحرام، حيث وضعوا الصندوق الذي به رأس العلاء أمام خيمة المنصور، فلما أن شاهد المنصور رأس العلاء قال:
“الحمد لله الذي جعل بيننا وبين هذا الشيطان (يقصد عبدالرحمن) بحرا”.

(٢)
ولد عبدالرحمن الداخل عام ٧٣١م في المشرق قبل سقوط دولة الأمويين، وقد نشأ وترعرع في بيئة شامية عربية مشرقية، قبل أن يضطر لاحقًا للهرب غربًا، ثم شمالاً حيث الأندلس فأقام “مُلكًا بعد انقطاعه”، وقد حكم الداخل ٣٣ سنة، قضاها في توطيد ملكه ومحاربة الأعداء، وترتيب الإمارة وجُندِها ودواوينها، وهي في جملتها أمور تترواح ما بين “الجهد العسكري” و”النشاط السياسي” و”الروتين الإداري”، حيث الذهن مشغولٌ على الدوام بالإمارة الضعيفة الأركان، وبأهلها شديدي الباس، فكان الداخل يقضي جُلَّ أيامه في تعضيد أركان إمارته، وفي تسكين ثورات أهلها.
لكن المؤرخين مرة أخرى يعودون للمشهد، ليوردوا أبياتًا من الشعر وينسبونها لهذا الأمير صعب المِراس، ومنها:

تَبَدّت لنا وسط الرُّصافة نخْلةٌ| تَناءَت بأرض الغربِ عن بلدِ النخلِ
فقلتُ شبيهي في التغرب والنَوى| وطول التنائي عن بَنيِّ وعن أهلي
نشأِت بأرضٍ أنتِ فيها غريبةٌ| فَمِثْلُكِ في الإقصاء والمنتأى مثلي

وقال في أبيات أُخَر:

أيها الراكب الميممُ أرضي| أقرِ من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما عَلِمتَ بأرضٍ| وفؤادي ومالكيه بأرضِ
قُدِّرَ البَيْـنُ بيننا فافترقنا| وطوى البين عن جفوني غمضِ
قد قضى الله بالفراق علينا| فعسى باجتماعنا سوف يقضي

عبدالرحمن الداخل، أو “صقر قريش” كما وصفه خصمه المنصور، يتحول هنا إلى شاعرٍ مرهف الإحساس، بعد أن استبدَ به الشوقُ لرؤية أرضٍ ولِدَ وأمضى أيام صِباه فيها، وتبلغ به درجة الشوق والحنين، لأن يمثل حاله بحال نخلةٍ قامت في أرضٍ غريبة، ليس لها في هذه الأرض جذور، تمامًا كحاله، فيحاورها، ويخبرها بما يكابده من حنينٍ وشوقٍ لأرض الآباء والأجداد، لأرضٍ ينتمي إليها، وتمتد جذوره في أعماقها، وله فيها خبرٌ عظيم، ومجدٌ تليد.
لقد كان عبدالرحمن الداخل رائدًا على المستوى الأدبي العربي، عندما بثَّ مشاعره بالحنين لرؤية أرض الشام، بعد فراق قسري استمر حتى وفاته، وبذلك يكون قد قدَّم أولى التجارب الشعرية العربية فيما يُسمى بـ”أدب المنفى” أو “المهجر”.

هاتان روايتان عن شخصٍ واحد، رجلٍ واحد، في الأولى شهادة تأتيه من خصمه ونده، تمثله بمثال القوة القاهرة، والعزيمة الماضية، والإرادة الصلبة، والطموح العالي، وقد كانت بالفعل مُلخصًا لمسيرة عبدالرحمن الداخل منذ هروبه من المشرق، وحتى سِني عمره الأخيرة.
وفي الرواية الثانية، شهادة ذاتية مباشرة، من عبدالرحمن تجاه نفسه، وكأنه أراد الإفصاح عن نقصٍ ما زال يُعانيه، وشوقٍ على الدوام يُكابده، وهو رؤية أرض الشام، رغم ملكه الوليد، فتعكس لنا الأبيات عن رقةٍ وجدت مكانًا لها بين القوة القاهرة، وعن ضعفٍ تخلل الإرادة الصلبة، وعن قلة حيلة ترافقت مع العزيمة الماضية، وعن حنينٍ لماضٍ، لم يزده الطموح العالي إلا دمعًا في العين وألمًا في النفس.
روايتان عن شخصية واحدة، قد يُقال أنهما روايتان متناقضتان، لكن إن صحّت الروايتان، فما هما إلا تأكيدٌ على أن الإنسان يحمل دائمًا بين جَنَْبيه متناقضات شتى، يستبدُ بعضُها بالآخر حينًا، ويستكينُ حينًا آخر، وكل ذلك ينعكس على سلوك الإنسان وتصرفاته، وخطرات نفسه وأقواله، ومزاجه وأخلاقه، فـ“شقيٌ وسعيد”، والله أعلم.

Read Full Post »

20140313-205545.jpgرحلة ابن جبير

تقديم: د. حسين نصّار

عدد الصفحات: 301 صفحة.

اصدار: جريدة القبس بالتعاون مع دار المدى-سلسلة الكتاب للجميع-الاصدار رقم 16- 2004م.

يقوم محمد بن أحمد بن جبير الأندلسي، البَلنسي المولد، والغرناطي المستَقّر، برحلة إلى الديار المقدسة، لأداء فريضة الحج، وذلك في ظروف تاريخية حَرجة تقع في شرق العالم الإسلامي، إذ تزامنت رحلته مع الحروب الصليبية، واحتلال الصليبيين لبعض المدن والحواضر الإسلامية، وفي مقدمتها القدس الشريف.

وانطلق ابن جبير من غرناطة يوم الخميس الموافق 8 شوال 578هـ، مارًا في طريقه بعدد من المدن الأندلسية، ليركب البحر على متن مركبٍ “جَنَويٍ” يقصد الإسكندرية، وكان يصحبه في رحلة الحج هذه صديقه أحمد بن حسان.

وفي رحلته، يجوز ابن جبير بحارًا وأنهارا، ويعبر قرى ومدنا، وقد تناولها بالترتيب، مرحلة إثر مرحلة، فيذكر تاريخ دخوله للمدينة، وتاريخ خروجه منها، وكم قضى فيها من أيام وأشهر.

فبعد ركوبه للبحر، يصل لبعض جزر البحر المتوسط، كجزيرة “سردينيا” وجزيرة “أقريطش” أو “كريت” كما تُسمى الآن، ثم منها ينطلق جنوبًا ليصل الإسكندرية، ليقصد بعدها القاهرة، ثم طريقًا نهريًا نحو الجنوب مرورًا بصعيد مصر، حتى يصل مدينة “قوص”، وهي “ملتقى الحجاج… ومنها يفوّزون لصحراء عيذاب”، وبالفعل من “قوص” يتخذ ابن جبير مسارًا صحراويًا قاصدًا ميناء “عيذاب” المطل على البحر الأحمر.

ثم يجوز البحر الأحمر، لينزل في ميناء جدة، ومنها برًا نحو مكة المكرمة، وبعد أدائه لفريضة الحج هناك، يقصد ابن جبير المدينة المنورة، ومنها يتجه نحو العراق، فالشام، ثم البحر المتوسط، وجزره مرة أخرى، وأخيرًا يعود إلى غرناطة.

والجميل في رحلته هذه، أنه لم يغرق بالأساليب العربية التقليدية، كالسجع والجناس، وغير ذلك من الأساليب الأدبية المعهودة لذلك العصر، بل كان حديثه موجزًا ومقتصرًا على تقييد الفائدة أو الطرفة هنا وهناك، مع بعض التفصيل في وصف بعض المواقع والمواضع كما حدث هذا في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمسجد الأموي في دمشق.

ومن الملاحظ أنه كان يقيد رحلته أولاً بأول، فهو منذ البداية يستهل تدوين رحلته بالفقرة التالية:

بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد،،

أبتدِىءُ بتقييدها يوم الجمعة الموفى ثلاثين لشوال سنة ثمان وسبعين وخمس مئة، ونحن على مَتْن البحر بمقابلة جبل “شُلَير” عرّفنا الله السلامةَ بِمنِّه.

فهو إذًا يقوم بكتابة أحداث رحلته كمذكرات مباشرة يدونُها في الآن دون تأخير، ومن الغريب أنه يضيف إلى اليوم والتاريخ الهجري، ما يوافقه من التاريخ الأعجمي بذكره لليوم والشهر فقط، دون ذكر السنة الميلادية، كأن يقول:

وفي ليلة الثلاثاء الثامن عشر لذي القعدة المذكور، والخامس عشر من شهر مارس المذكور أيضًا، …. فارقنا بر “سردانية” المذكورة.

وقد تزامن مرور ابن جبير على مصر وهي إحدى محطاته الأساسية في طريقه للحج، مع تولي صلاح الدين الأيوبي لمقاليد الأمور فيها، وقد أثنى ابنُ جبير على جهود صلاح الدين في التيسير على الحجاج، والمارين بمصر في طريقهم إلى مكة، فذكر التسهيلات والخدمات المقدمة لحجاج بيت الله خصوصًا، والمغاربة عمومًا، كما ذكر الإصلاحات التي أجراها صلاح الدين، والمكوس التي ألغاها عن كاهل عامة الناس.

وكان ملفتًا للغاية كيف أن ابن جبير استطاع توثيق مذكراته بعناية ودقة، فهو يذكر -كما قلت أعلاه- كم عدد أيام كل مرحلة من مراحل رحلته، فيذكر مثلاً أنه في طريقه إلى مكة قد قضى في “عيذاب” قبل الركوب لجدة 23 يومًا، وهو يحتسبها عند الله، وكان هذا الاحتساب مخصوصًا في “عيذاب”:

لشظف العيش بها، وسوء الحال، واختلال الصحة، لعدم الأغذية الموافقة، وحسبك من بلد كل شيء فيه مجلوب حتى الماء، والعطش أشهى إلى النفس منه.

وعند مغادرته لمكة المكرمة، بعد أداء فريضة الحج، قاصدًا المدينة المنورة ضمن حملة الحج العراقي، لا ينسى ابن جبير أن يقيد مدة إقامته في مكة المكرمة، ومتى دخلها ومتى غادرها، فيقول:

فكانت مدة إقامتنا بمكة، قدسها الله، من يوم وصولنا إليها، وهو يوم الخميس الثالث عشر لربيع الآخر من سنة تسع وسبعين، إلى يوم إقلاعنا من الزاهر، وهو يوم الخميس أيضًا الثاني والعشرون لذي الحجة من السنة المذكورة، ثمانية أشهر وثلث شهر، التي هي بحساب الزائد والناقص من الأشهر مئتا يوم اثنتان وخمسة وأربعون يومًا سعيدات مباركات، جعلها الله لذاته، وجعل القبول لها موافقًا لمرضاته.

وعند اجتيازه لجزر البحر المتوسط، في طريق عودته لغرناطة، يتطرق لأحوال المسلمين المغلوبين في تلك الجزر، ومنها صقلية، وميسينا، و”باليرمو” كما في التسمية المعاصرة، أو “المدينة” كما في تسمية المسلمين لها، أو “بلارمة” كما كان يسميها النصارى حينذاك.

وفي طريق عودته عند ركوبه البحر، تطرق لما واجهه من أعباء البحر المخيفة، التي كادت أكثر من مرة أن تودي بهم:

فحُطَت الشرعُ عن صواريها، واستسلمت النفوس لباريها، وتُرِكنا بين السفينة ومجريها، وتتابعت علينا عواريض ديم، حصلنا منها ومن الليل والبحر في ثلاث ظُلَم.

وقد عاصر ابن جبير فترة الملك “غليام” ملك صقلية، والذي عرف بحبه للعلوم الإسلامية، واستخدامه للمسلمين وثقته الكبيرة بهم، ومعرفته للكتابة والقراءة بالعربية، وقد نقل أحد خاصة هذا الملك لابن جبير أن عبارة ختم الملك غليام هي “الحمد لله حق حمده“.

وعند وصوله لغرناطة أخيرًا، يثبت ابن جبير مدة رحلته الطويلة هذه -بمقاييس واعتبارات زماننا- فيكتب:

فكانت مدة إقامتنا من لدن خروجنا (من غرناطة) إلى وقت إيابنا هذا، عامَيْن كاملَيْن وثلاثة أشهر، والحمد لله رب العالمين.

وقد حفلت رحلته بعدد من الأحداث والموضوعات الشيقة والطريفة، علاوة على أهمية رحلته التوثيقية، التي أرخت لطريق الحج الأندلسي، ذهابًا وإيابا، ومن هذه الموضوعات الطريفة، ما يذكره عن أخلاق وسلوكيات أهل بعض المدن كأهل “عيذاب” الميناء الذي يتوجه منه الحاج من مصر إلى جدة عبر البحر الأحمر، وما ذكره عن أهل اليمن، القادمين للحج، ورأيه بأهل بغداد وأهل الموصل، وغيرهما من المدن.

كما انه احتوى على جانبٍ توثيقي حضاري بما ذكره من مرافق عامة في الحواضر الإسلامية التي مر بها، كذكره لانتشار البيمارستانات، والخانات، والقيساريات، والمدارس، والمساجد، والحمامات، والأوقاف التي كانت تنتشر في كل المدن، وتؤدي خدمة اجتماعية متقدمة في عصرها، يستفيد منها المقيم.. صاحب البلد، والغريب.. عابر السبيل، كما أنه تطرق في طريق عودته للعلاقات الصليبية الإسلامية في مدن ومناطق التماس كعكا وصور وغيرها.

وإذا كان ابن جبير قد أثنى على ما شاهده من مظاهر التقدم في الشرق الإسلامي، والتكافل الاجتماعي بين أفراده، فأنه لم يتوانى عن انتقاد بعض المظاهر السلبية التي عاينها بنفسه، ومنها المكوس (أو الجمرك) التي تؤخذ من المسافرين في الإسكندرية، وبيع الرقيق في مكة، والاستغلال المادي البشع لشريف مكة للقادمين على الحرم الشريف، وغير ذلك من إشارات وملاحظات، أكسبت الرحلة طابعًا موضوعيًا عقلانيًا، ابتعد فيها -في كثير من الصفحات- عن التهويل والمبالغات، وذكر الأعاجيب من الأمور، مما هو شائع في بعض كتب الرحلات.

جانب آخر يُضفي على هذه الرحلة قيمة تأريخية وعلمية، هو أن جلَّ ما كتبه وقيده ابنُ جبير في رحلته، إنما كان رأي العين، والمشاهدة عن قرب، والمعاينة المباشرة، وقلما اعتمد في كتابة رحلته على القصص المَرويَّة، التي ينقلها الآخرون إليه، فإذا ما أضفنا إلى ذلك ما ذكرناه سابقًا، من أن ابن جبير كان يُقيد مشاهداته وملاحظاته في الحال ودون تأخير، علمنا أن الدقة في الإخبار والتأريخ قد وصلت أقصى حدودها، كما لا يمكن أن نتجاهل الجانب النقدي الذي مارسه ابن جبير تجاه بعض الممارسات والسلوكيات، التي ينهجها ويكررها بعض المسلمين في المدن التي اجتازها.

وقد قرأتُ الكتاب بطبعة متواضعه، غابت عنها الهوامش من بداية الرحلة إلى نهايتها، كما حفلت بعديد من الأخطاء المطبعية، لكنها مع ذلك لا بأس بها، وقد جبر ذلك النقص مقدمة الدكتور حسين نصار، الذي قدم للرحلة بمقدمة بسيطة ولكنها شاملة، ألقى فيها إضاءات على سيرة ابن جبير، وعائلته، والعصر الذي عاش فيه، وجهوده السياسية والعلمية والأدبية.

فمن ضمن ما ذكره د.نصار أن جدَّ ابن جبير كان من العرب الأوائل الذين انتقلوا للأندلس منذ عام 123 هـ، وقد تبوأ ابن جبير مناصب هامة أثناء عصر الموحدين في المغرب والأندلس، وذكر أن ابن جبير قد قام بثلاث رحلات للحج، وقد دوّن منها الأولى وهي موضوع الكتاب هذا، أما رحلته الثانية للحج، فقد قام بها بعد انتشار أخبار تحرير صلاح الدين الأيوبي للقدس الشريف، واستغرقت رحلتُه الثانية الفترةَ بين 9 ربيع الأول 585 هـ(1189م) و13 شعبان 587 هـ(1191)، أما رحلته الثالثة، فلم يكتب له فيها إياب لغرناطة، إذ وافته المنية في الإسكندرية يوم الأربعاء 27 أو 29 من شعبان 614 هـ(1217) رحمة الله عليه.

Read Full Post »

قال الشاعر الأندلسي ابن أبي شرف متحسرًا على حال بلاده في عهد ملوك الطوائف:

وممـا يزهدني فـي أرض أندلـس ….أسمـاء معتمـد فيهـا و معتـضد

أسمـاء مملكـه فـي غير موضعـها….كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

قام ملوك الطوائف في الأندلس بتلقيب أنفسهم بشتى الألقاب ذات الصبغتين الدينية والملكية،وذلك ليحيطوا أنفسهم بأسمى درجات الفخر والعظمة والأبهة وجلال القدر والمكانة،ولكي يرسخوا في نفوس العامة مشاعر الهيبة والوجل عند سماع أسماء ملوكهم،ورغم أن بعض من هؤلاء الملوك لم يكونوا يملكون سوى عدد قليل من الحصون والقلاع،إلا أنها من الواضح كانت كافية ليسبغوا على أنفسهم ألقابًا عظيمة مثل المعتضد بالله،والمعتمد على الله،والمستعين ،والمقتدر ، والمتوكل وغيرها من الأسماء والألقاب التي لم تكن في الحقيقة سوى “اسمًا على غير مسمى”.

ولم تكن الألقاب ذات الطابع الملكي موجودة في العهد النبوي الشريف، إذ كان المسلمون يخاطبون الرسول بـ”رسول الله”، ولم تكن للرسول-صلى الله عليه وآله وسلم- ألقاب كألقاب ملوك الفرس والروم، وإن كان ابن خلدون يذكر في مقدمته أن العرب كان يلقبون الرسول –صلى الله عليه وآله وسلم- بـ“أمير مكة” أو”أمير الحجاز”، وعلى كُلٍ فهذا ليس بلقب تشريفي للرسول-فرسول الله في غنى عن هذه الألقاب-ولكنها في حقيقة الأمر “وصفًا لواقع الأمر بعد فتح مكة”.

ولما توفي الرسول-صلى الله عليه وآله وسلم- تولى أمرَ المسلمين أبو بكر الصديق-رضي الله عنه- ولُقِبَ بـ”خليفة رسول الله“، ولكن الأمر احتاج إلى تغيير عندما تولى عمرُ بن الخطاب-رضي الله عنه- أمرَ المسلمين في العام 13 من الهجرة، لذا لُقب بـ“أمير المؤمنين” وذلك لرفع الحرج عن من يتحدث إليه، إذ أنهم استثقلوا هذا اللقب بكثرته وطول إضافته ، وتخيل لو أن رجلاً ما يُريد أن يُخاطب -على سبيل المثال- الإمام علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه- حينما تولى الخلافة فهل من اليسر أن يُنادى بـ”خليفة خليفة خليفة خليفة رسول الله”، لذا كان اتخاذ لقب “أمير المؤمنين” وسيلة للتيسير لا للتشريف، أضف إلى ذلك إلى أنه ضرورة سياسية، إذ لا بد أن يكون للحاكم لقب خاص به لا يشاركه أحد فيه من الرعية، وهذا من مقتضيات الدولة، كما رأينا تاريخيًا.

ومع نشأة الدولة العباسية في العام 132هـ ، ظهرت موجة جديدة من الألقاب، فلم يكتفِ الخلفاء بلقب “أمير المؤمنين”، بل اتخذوا لأنفسهم ألقاب أخرى تشريفية ، وكان البادئ في هذا الأمر هو الخليفة العباسي الأول أبو العباس الذي لقب نفسه بـ”السفاح” ،ثم تبعه بقية الخلفاء فظهرت لدينا ألقاب كـ”المنصور”، “الرشيد”، “المهدي” ،المعتصم بالله”، “المتوكل على الله”،”الأمين”….وغيرها الكثير.

أما في بلاد الأندلس فلم تكن هذه العادة معروفة في عصر الولاة، ومع قيام الإمارة الأموية على يد عبدالرحمن بن معاوية في العام 138هـ، وُجدَت هناك بعض الألقاب التي أطلِقَت على أمراء بني أمية، وذلك لارتباطهم بها، فعلى سبيل المثال لُقب عبدالرحمن بن معاوية بـ“الداخل” وذلك لأنه أول من دخل الأندلس من أمراء بني أمية، ولُقِب خليفته هشام بـ“الرضا” وذلك لورعه وتقواه، وحُسن طباعه وشمائله، ولُقب الأمير الحكم بن هشام بـ“الربضي” وذلك لأنه قمع ثورة الأرباض-الأرباض هي الأحياء السكنية في قرطبة-، وعلى ذلك نلاحظ أن الألقاب التي مُنحت لهؤلاء الأمراء لم تكن من أجل التشريف ورفع المكانة والقدر، وإنما للربط بين هؤلاء الأمراء وأحداث أو وقائع وقعت وحدثت في عهدهم.

وعندما تولى عبدالرحمن الثالث مقاليد الإمارة،اتخذ لنفسه لقب الخلافة وذلك في العام 316هـ،مُضاهيًا في ذلك الخلفاء العباسيين،ولم يكن أحد من أسلافه قد قام بهذا الأمر، كما لقب نفسه بـ”الناصر” وهو بلا شك أهلٌ لذلك، إذ كان حازمًا في ملكه،انصاع لأمره القاصي والداني،كما أنه يُعتبر من أفضل أمراء بني أمية الذين تولوا أمر الأندلس بعد جده عبدالرحمن الداخل،ومن بعده أتى ابنه الحكم الثاني الذي تلقب بـ“المستنصر بالله”، وقد كان على نهج أبيه من حيث قوة وصلابة الحكم، والقرب من العلماء ، ولقد عُرف بشخصيته العلمية وحبه الشديد للقراءة واقتناء الكتب والمراجع النادرة، والبحث عنها في كل مكان.

أتى بعد ذلك خلفاء ضعفاء لا يستحقون حتى مجرد تبؤ منصب الإمارة فضلاً عن اتخاذ جملة من الألقاب التي لم تناسب شخوصهم، إذ لم يكونوا سوى ألعوبة بيد نساء القصر أو الحجّاب أو الوزراء،ناهيك عن انهماكهم في الملذات والشهوات ،وابتعادهم عن شؤون الحكم، وتسيير أمور الرعية،ومن هؤلاء الخلفاء محمد بن هشام لقبه “المهدي”،ثم سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبدالرحمن الناصر ولقبه”المستعين بالله”،وسار بنو أمية على هذا المنوال إلى أن سقطت إمارتهم في عام 422هـ،الموافق1031م، في عهد الخليفة هشام الثالث الذي لقب بـ”المعتد بالله”.

ومع ظهور عهد ملوك الطوائف، سار هؤلاء الملوك على نهج أمرائهم وملوكهم الأمويين من حيث اتخاذ الألقاب والأسماء التشريفية، ولعل ابرز ما يدل على هوس هؤلاء الملوك باتخاذ الألقاب ما قاله الملك الإسباني ألفونسو السادس متحدثًا إلى سفير….المعتمد بن عبّاد ملك اشبيليا ،قال ألفونسو السادس:

“كيف اترك قومًا مجانين، تَسمَّى كل واحدٍ منهم بأسماء خلفائهم وملوكهم وأمرائهم،المعتضد والمعتمد ، والمعتصم والمتوكل، والمستعين والمقتدر، والأمين والمأمون، وكل واحد منهم لا يسل في الذب عن نفسه سيفًا ولا يرفع عن رعيته ضيمًا ولا حيفًا، وقد أظهروا الفسوق والعصيان ،واعتكفوا على المغاني والعيدان،وكيف يُحِل البشر أن يُقروا منهم على رعيته أحدًا وأن يدعها بين أيديهم سُدًا”.

لم يتورع هؤلاء الملوك عن مقاتلة بعضهم بعض، بل إنهم لم يجدوا حرج في أن يعقدوا صفقات واتفاقيات مذلة مع العدو الصليبي الإسباني في سبيل القضاء على ممالك أخوانهم المسلمين وذلك طمعًا في الحصول على أكبر قدر ممكن من المدن والقلاع والحصون كي تنضوي تحت راياتهم،وتناسوا وهم في غمرة صراعاتهم أنه يوجد عدو يتربص بهم، ويسعى للنيل منهم وتدميرهم، لقد فعل هؤلاء الملوك الكثير من الجرائم التي لم تستطع ألقابهم -التي لقبوا بها أنفسهم- أن تزيلها أو على الأقل تزينها في نظر العامة والخاصة من المسلمين.

في النهاية أريد أن أقول….. أن الألقاب هذه لم تكن لتزيد في شرف أحد من الخلفاء أو الأمراء،أو ترفع من شأنهم،أو تُعزز مكانتهم بين الناس، فالتاريخ يشهد على كثير من الأمراء والخلفاء الذين لم يُلقبوا في حياتهم بكثير من الألقاب،ورغم ذلك فإن لهم من الإنجازات ما لا سبيل إلى مقارنته بأفعال هؤلاء الملوك.

المراجع:

مقدمة ابن خلدون – دار العودة بيروت.

ملوك الطوائف لـ/محمد عبدالله عِنان.

التأريخ السياسي للمغرب والأندلس للدكتور/أحمد يوسف الدعيج “مجموعة أشرطة صوتية”.

تاريخ الأندلس من الفتح الإسلامي حتى سقوط الخلافة في قرطبة لـ/وديع أبو زيدون.

Read Full Post »

عَودًا على بِدْء، عودًا على خبر صحيح، وطَيف جميل، عودًا على دار أندلسٍ، فكما نستقي منها الأخبار السعيدة، والمحزنة، والأحداث البهيجة والمؤلمة، فكذلك نستقي منها العبر…فجادك الغيث يا زمان الوصل.
في أيام الدولة الأموية في الأندلس، وفي آخر سني حكم الأمير عبدالرحمن الثاني “الأوسط” هبّت على البلاد رياح فتنة دينية، اجتماعية، وعنصرية.
فقد نشأت حركة انتحارية في أوساط “المُستعربين”(1) كادت أن تودي بالبلاد الأندلسية إلى مالايُحمد عقباه، وإن كانت قد كشفت عن هشاشة الوضع الاجتماعي بين السُكان.
إذ انتشرت بين المتدينين النصارى في العاصمة قرطبة(2)، دعوة للتمرد على حكم المسلمين، وذلك بالتعمد بسب الإسلام ورسوله-صلى الله عليه وآله وسلم- علنًا وأمام المساجد، بل وفي أوقات الصلاة، واستمرت هذه الحركة فترة من الزمن، وكان المحرضان عليها هما راهبان الأول هو “أولوخيو” والثاني “الراهب “ألفارو”(3)، لقد ساء هذان الراهبان تلك النزعة العربية التي ظهرت في أوساط الشباب من المستعربين، وميول هذه الفئة إلى الآداب العربية، ونظم الشعر العربي، أو قراءة الكتب العربية، فحاول هؤلاء الغلاة تأسيس حزب معارض، لتأليب المُستعربين ضد الإسلام، وكانا -الراهبان- يدعوان النصارى إلى سب الرسول عليه الصلاة والسلام علنًا، والطعن في الإسلام، وكان عقاب من يفعل ذلك الموت، وذلك بعد أن يُنظر في أمره بالمحاكم.

ولقد اجتاح هذا التيار الجارف من الغلو الروحاني الجنوني الأندلس، وأدركت الدولة الأبعاد الحقيقية الخطيرة، حيث أنها ماكانت راغبة في الاسترسال في تنفيذ حكم الإعدام، ولا كانت قادرة على التغاضي عن أعمال يُعاقب عليها القضاء الشرعي بالموت، وعندما تكررت هذه الحادثة، صار القُضاة المسلمين يُعالجونها باللين والحُسنى، فيسعون لاقناع المتهمين بالتراجع عن أقوالهم أو بتحريفها، بحيث لا تظهر الرغبة في تحدي القوانين والأنظمة، لكن نادرًا ما نجحت هذه الأساليب، لأن الحركة قد فشت ورسخت في ضمائر الكثيرين من غلاة مؤمني النصارى.
وكان أوقع الإعدامات أثرًا في النفوس، اعدام فتاة قرطبية بارعة الجمال تُدعى “فلورا” أبوها مسلم، وأمها نصرانية، نشأت في كنف أمها، فمالت للنصرانية، بل وتدينت تدينًا شديدًا، وقد فشلت كل محاولات أخيها لإعادتها إلى عائلتها ومحيطها المسلم، وكذلك باءت بالفشل كل المحاولات التي بذلها القاضي لمنعها من اللحاق بحركة المعارضة الدينية، أو إن شئت فسمها باسمها الصحيح “حركة المنتحرين”.وكانت “فلورا” على صلة بالراهب “أولوخيو” وشديدة التأثر بأفكاره، وأمام تمسكها بموقفها وتكرار شتمها للنبي-صلى الله عليه وآله وسلم- والإسلام كذلك علنًا وعمدًا، كما أمام قضاة الشرع، فكان لابد من إعدامها.
تكررت هذه البطولات الانتحارية العنصرية، في أوساط المتدينين النصارى، ولقد أربكت هذه الأحداث -كما قلت السنين الأخيرة من حكم الامير عبدالرحمن الثاني-، ومما كان يُعقّد موقف الأمير أن الدولة ما كان بإمكانها القبول بتقديم تنازلات للمستعربين وذلك لسببين:
1- أن المستعربين في قرطبة، كما في سائر مناطق الأندلس،ماكانوا يخضعون لمعاملة سيئة، فيما يتعلق بأوضاعم الدينية والكنسية، بل من المؤكد أن وضعهم في ظل دولة الإسلام كان أفضل حالاً من وضع أي أقلية دينية في أوروبا في العصور الوسطى.
2- أن الأمير في تعامله مع هذه العناصر المتطرفة لا يستطيع أن يتصرف إلا على أساس أنه رئيس لدولة، دينها الإسلام، ودستورها القرآن، ودعامتها الشريعة الإسلامية، وبموجب هذه الشريعة يُعاقب المرتد عن الإسلام، وكذلك من يشتم ويسب الذات الإلهية وذات الرسول-صلى الله عليه وسلم-، وهذه العقوبة لا تُطبق حصرًا على غير المسلمين، وإنما تُطيق على الجميع، وقد سجّل التاريخ أن رجلاً مسلمًا يُدعى أبا الخير حوكم وأعدم أيام الخليفة الحكم الثاني لهذه التهمة.
لقد كانت هذه الحركة الانتحارية مرفوضة من جانب أغلب المستعربين، الذين ادركوا أن هذه الحركة إنما هي حركة سياسية، عنصرية، ستؤدي إلى اضطرابات، ونشوء عداوات بين أفراد المجتمع الأندلسي.
لذلك فما أن دعا الأمير عبدالرحمن الثاني رجال الكنيسة الإسبانية إلى النهوض بمسؤلياتهم تجاه مايحدث، حتى بادروا بعقد مجمع مُقدس في قرطبة العام 852م، برئاسة أسقف اشبيليا، ومثّل حكومة قرطبة أحد كبار موظفيها (والي الكتابة) وكان مسيحيًا من المستعربين يُدعى “غومس بن أنطونيان”، وفي هذا المجمع تداول المجتعون أسباب هذه الحركة، وتطوراتها، وفي مايمكن أن تؤدي إليه من اضطرابات وانعكاسات سيئة، ومع كل ما عبر عنه المجتمعون من عطف شديد على المنتحرين، ومن تقدير لتضحياتهم، إلا أنهم أعلنوا استنكارهم لتلك الحركة الانتحارية، وحذروا النصارى المخلصين من ولوج هذا الدرب الخطير، كما طلبوا من الدولة اعتقال كل مخالف لقرارات المجمع المقدس.
نهاية الحركة:
أصيب التيار العنصري بانتكاسة لقرارات المجمع الكنسي، وتأييدها لحكومة قرطبة، واعتقل الراهب “أولوخيو” كما تم اعتقال آخرين، وبعد وفاة الامير عبدالرحمن الأوسط، حاول خلفته الأمير محمد-في بداية ولايته- أن ينهج سياسة أكثر لينًا ومرونة، فأخرج الزعيم المتشدد من السجن، وسمح له بالسفر خارج العاصمة، كما أطلق سراح رفاقه، على المدى القصير رقدت هذه الحركة الانتحارية في قرطبة، وذلك لبعض الحين، وحلّ الراهب “أولوخيو” في مدينة بنبلونة عند البشكنس، ولكن أفكاره لم ترق لهم ، وذلك لعدم خضوعهم أصلاً لسلطان الدولة الإسلامية، رغم تمسك البشكنس بالمسيحية وانتصارهم للوطنية الإسبانية، ولم ينجح سوى في أن يُنتخَب رئيسًا لأساقفة طليطلة، وهو الانتخاب الذي كان بحاجة لموافقة الأمير ليصبح نافذًا مما لم لم يحصل أبدًا.
فعاد مرة أخرى محرضًا ومشجعًا على إعادة حركة الانتحار في صفوف الشبّاب المستعربين، ولكنه لم يفلح بذلك إلا على فترات متقطعة، وبأعداد قليلة، إذ لم ينتحر خلال الفترة بين 853 إلى 858 أكثر من 14 متطوعًا.
وأخيرًا وبعد أن شعر الأمير محمد أن حركة الانتحاريين قد خفت كثيرًا وأن تجاوب المستعربين مع دعوات “أولوخيو” و”ألفارو” قد خبا كثيرًا، عزم على حسم الموقف نهائيًا ومرة واحدة، فأحال زعيم التمرد إلى القضاء الذي أصدر الحكم بإعدامه، وقد أعدم فعلاً في 11 مارس عام 859م.
لقد كشفت حركة الانتحرايين أن العناصر البشرية التي تواجدت في اسبانيا عقب الفتح الإسلامي، لم يندمجوا في وحدة وطنية تُساعد على تكوين ما يُمكن تسميته بـ”الأمة الأندلسية”.
ودلت كذلك على حزم الدولة الأموية في مواجهة كل من تجرأ على قذف وسب وشتم والنيل من الثوابت والمقدسات الإسلامية، قد يكون الصواب قد جانبها في بعض المواضع، إلا أن حزم الامير عبدالرحمن الأوسط، أعطى انطباعًا بأن حدودًا ما للصبر، وخطوطًا حمراء لا يجوز لأحد أن يتجاوزها، وإلا سقط المجتمع، وانهارت أعمدته، كما رأينا كيف أن القضاة المسلمين حاولوا بطرق ودية معالجة هذه الفتنة، ولكن الحمق والاستهتار والعصبية أعمت عقول هؤلاء الانتحاريين قبل عيونهم، ولا يفوتنا هنا أن عامة المسلمين في قرطبة لم ينجروا إلى الوقوع في هذه الفتنة، بل كانت الأمور تحت سيطرة الدولة، فلم نرى أي محاولات من جانب المسلمين لقتل النصارى في الشوارع، حتى أولئك الذين يقومون بهذه الأعمال الانتحارية، بل كانوا يرسلونهم إلى القضاء، الذي يقرر الحكم فيهم.
السؤال….مايحدث الآن في الكويت من انتهاك واضح وسافر للثوابت والمقدسات الإسلامية على مدى الأسابيع الماضية، وذلك على جدران المساجد…المساجد، التي هي بيوت الله، آلا تستدعي هذه الحركة تيقظًا وانتباهة من جانب القائمين على مقاليد الأمور في هذا البلد؟!، أعتقد أن الحادثة التاريخية أعلاه ليست للتندر، بل هي لأخذ الموعظة والعبرة، فتداركوا الأمر، قبل أن يفلت الزمام.

هذه كانت قصة…فينبغي أن لا تكون بلدنا قصة أخرى مثلها.

تجدون القصة أعلاه في:

– “صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى” لـ/ريتشارد سوذرن، ترجمة رضوان السيد-المدار الإسلامي.
– “تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس” للدكتور/ السيد عبدالعزيز سالم-در النهضة العربية.
– “التاريخ الأندلسي” للدكتور/ عبدالرحمن علي الحجي- دار القلم.
– ” تاريخ الدولة الأموية في الأندلس- التاريخ السياسي-” للدكتور/ عبدالمجيد نَعني- دار النهضة العربية، وتجدون القصة هنا بتفاصيل وتحليل أكثر.

الهوامش:

1) المستعربون في الأندلس هم الإسبان الذين مع تمسكهم بديانتهم الكاثوليكية، ظلوا في أراضيهم ومدنهم بعد الفتح الإسلامي، وخضعوا لحكم المسلمين، وعاشوا معهم، وبالتالي أخذوا مع الوقت اللغة العربية، وتعلموا أساليب حياة الفاتحين الجدد.

2) لقد حفظ المسلمون الفاتحون للنصارى الإسبان حقوقًا كثيرة، وقد كتبوا العهود والمواثيق على ذلك، الأمر الذي وفر للنصارى المستعربين استقلالاً في كنيستهم، وأحكامهم، كما أبقى المسلمون للنصارى نوعًا من الهيئات الخاصة لإدارة شؤونهم، كما كانت لهم محاكمهم الخاصة، بموجب قوانينهم وتقاليدهم القديمة، ولا يمثلون أمام محاكم المسلمين إلا إذا حدث خلاف بين مسلم ونصراني.

3) الراهب “أولوخيو” ابن لعائلة نصرنية عريقة في نسبها، مقدمة في مكانتها، هاله ما كان يرى من تحول سريع للإسبان عن دينهم وقوميتهم، فحاول خلق حركة تجديد في اللغة اللاتينية لتقريبها من أذواق الشباب، ولكن دون جدوى، فمال نحو الدعوة للتمرد على حكم المسلمين، وجنح نحو إثارة الأحقاد ضدهم والسعي للتخلص من وجودهم، وكانت دعوته في أساسها دينية وطنية تهدف لإحياء الحس القومي لدى المستعربين، وهو ما يؤكده المؤرخ ريتشارد سوذرن حيث “فثاروا محتجين ليس ضد الإسلام بشكل مباشر، بل ضد رضا العامة المسيحية بالحضارة العربية”. أما الراهب “ألفارو” فهو الآخر من عائلة قرطبية عظيمة الثراء، ذات أصول عبرانية.

Read Full Post »

Older Posts »