Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘الاحتلال’

image

 

رحلة من مصر إلى مصر
الأستاذ المحامي محمد فريد وجدي بيك

مراجعة وتصحيح وتعليق: د.عبدالمجيد خيّالي
عدد الصفحات: 146 صفحة (شاملة الفهارس والصور).
الناشر: مركز التراث الثقافي المغربي ودار ابن حزم/ الطبعة الأولى/ 2011م.

 

المحامي والسياسي والمؤرخ محمد فريد بيك، يقوم برحلة سياحية قصيرة في صيف عام 1901م، ليستطلعَ بها ما أصاب المسلمين جرّاء التخلف والانقسام والتنازع بينهم، ولذلك فهو يقصد اسبانيا، ليطلعَ على شواهد باقية من الحضارة الإسلامية، بقيت برغم محاولات المحو والتشويه، ثم يتوجه لشمال أفريقيا، ليكون شاهدًا شهادة العين والأذن والمعايشة، على ما يتعرض له العرب والمسلمون في ديارهم من ظلم المحتل.

مسار الرحلة:
بدأ المحامي وجدي بيك رحلته يوم الجمعة 5 يوليو 1901م، منطلقًا من القاهرة، وبحرًا توجه نحو مرسيليا، المدينة الفرنسية الساحلية العتيقة، وبعد قضاء بضعة أيام فيها، توجه بحرًا نحو اسبانيا التي طاف في أرجائها، فشملت رحلته بالترتيب المدن التالية: برشلونه – سرقسطة – مدريد – طليطلة – قرطبة – غرناطة – اشبيلية – وأخيرًا قادس.
ويبدو من خلال سير رحلته في ربوع اسبانيا، أن السائح كان يقصد التعرف على ما تبقى من آثار المسلمين في الأندلس، لذلك، فهو لم يتجشم عناء التوجه لمدن غرب وشمال اسبانيا، وذلك لعدم اشتمالها على ما تبقى ويُظَن أن له علاقة بتاريخ الأندلسيين وحضارتهم، واكتفى بأن يقضي يومين أو ثلاثة في كل حاضرة من حواضر الأندلس العريقة، وهو في رحلته هذه، يقدم دروسًا وعِبَر يطلب من المسلمين التنبه لها، كما أنه لا يُخفي حزنه على بدائع إسلامية تعرضت للتشويه والتبديل، وطمس آيات القرآن، ليوضع عليها وبشكل مُنفر علامات وأيقونات المسيحية.

كما أن الأستاذ المحامي، كان حريصًا على انتقاد بعض المظاهر غير الحضارية في الحياة الاسبانية اليومية، وأهمها كانت مصارعة الثيران، هذه الرياضة التي لا بد فيها من نزف الدماء وقتل الحيوانات، لا لشيء سوى المتعة، كانت هذه الرياضة محل انتقاد شديد من المحامي صاحب الرحلة، وسابقًا، انتقد الأستاذ الفرنسيين وعموم الأوروبيين على ممارساتهم واعتقاداتهم الدينية المتخلفة، المتمثلة في إلقاء النذور في الكنائس، وغيرها من السلوكيات فكتب يقول:

“ومن الغريب أن الإفرنج يرموننا بالجهل، لتمسك بعض جهلائنا بالأوهام الباطلة، واعتقادهم بتأثير الأحجية والتمائم مع شيوع هذه الاعتقادات بين أكثر طبقاتهم تنوراً، فهم يغمضون الجفن عن عيوبهم، وينظرون إلى أقل عيب في غيرهم بالنظارة المكبرة، لكن لا غرابة في ذلك، فهو أمر طبيعي في الأفراد والأمم”.

لكنه كذلك أثنى على دور الحكومة الاسبانية في الاهتمام والعناية بالآثار الأندلسية القديمة المتبقية، وهذا الأمر له علاقة مباشرة بما يسمى “الحنين إلى الأندلس” هذه الموجة الأدبية التي اجتاحت مثقفي وشعراء وأدباء الغرب في القرن التاسع عشر، فكان ذلك سببًا في إقبال السائحين والباحثين على اسبانيا، ومن هنا تنبهت الحكومة الاسبانية لما يمكن أن يعود عليها من منافع بسبب هذه الآثار فأولتها اهتمامها، وشخصيًا، أعتقد أن اهتمام العرب والمسلمين في أوليات القرن العشرين وحتى منتصفه، كان رجع الصدى لتلك الموجة الرومانسية الغربية تجاه الأندلس، فأحيت ما كان ضامرًا في النفوس العربية.
ولأنه عروبي ويعتز بالإسلام وحضارته، فلم يفوت فرصة المرور على “مكتبة الاسكوريال”، والتعرف على الكتب والمخطوطات العربية التي بحوزة هذه المكتبة، وهي تشكل ذخيرة غنية ومتنوعة، كثير منها لم يُكتشَف بعد.
***
وفي يوم الاثنين الموافق 29 يوليو، يتوجه المحامي بحرًا من قادس إلى طنجة، ومنها إلى عدة مدن عربية، وذلك على الترتيب التالي:
طنجة – مليلة – وهران – تلمسان – مدينة الجزائر.

طنجة.. المدينة الساحلية المغربية، كانت تخضع لنظام غريب، فهي أفريقية، ويتغلب عليها الأوروبيون، ويتحكمون بأمرها فعليًا، رغم أنها اسميًا تنتمي لسلطان “مراكش” أو ما يُعرف حاليًا بالمملكة المغربية.
وهناك، شاهد وجدي بيك -برأي العين وسمع الأذن وتقطع القلب- ما أحزنه وحذَّرَ منه، فالغلبة هناك للأوروبيين، مدنيًا مناطق الأوروبيين أنظف وأجمل، وعسكريًا، تولى الأوروبيون المناصب القيادية في الجيش والشرطة والبحرية، فقائد الجيش العام فرنسي، وقائد المشاة انجليزي، وقائد القطعة العسكرية البحرية الوحيدة ألماني، وثقافيًا، تتنوع لغات الصحف المطبوعة والمنشورة، ولا توجد بينها صحيفة واحدة تطبع باللغة العربية!
وفي ميدان الاتصالات والبريد، فلكل قنصلية أوروبية مصلحة بريد وتلغراف خاص بها.
وكل ذلك يورده المحامي وجدي بيك، ليحذر من مغبات التفرق، وهو ينتقد سلطان مراكش -ملك المغرب- لعدم استخدامه لضباط من الدولة العثمانية في “ترتيب جيوشه”، ويعزو ذلك لـ:

“التفرق والتخاذل الذي سبَّبَ ضياع بلاد الأندلس، والذي سيكون سببًا في ضياع مراكش وغيرها من بلاد الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله”.

وبعد قضاء يومين في طنجة، توجه بحرًا نحو وهران، ثم بالقطار إلى مدينة تلمسان، ومنها إلى مدينة الجزائر.
وعمومًا، كانت المشاهدات في الجزائر أكثر إيلامًا من تلك التي في لمغرب، ولم يُسمح له بالنزول من الباخرة إلا في اليوم التالي، وبعد بعض الاتصالات، لكنه في البداية وضح سبب زيارته وتجشمه عناء السفر للجزائر:

“أردتُ زيارة الجزائر لأتحقق مما يدَّعي الفرنساويون أنهم أتَوه من الإصلاح، وما قاموا به من الأعمال الجِسام لتحسين حالة الأهالي المعاشية، وتقدمهم في مراقب التمدن والسعادة، فما رأى كمن سمع”.

وبالفعل، لم تكن هذه سوى دعاية ترويجية للمحتل الفرنسي، فأهل البلاد في فقر وتخلف وجهل، وأما التمدن والبحبوحة العيش فكانت حصرًا للمستوطنين الفرنسيين، فأهل البلاد “شيّالون في الميناء أو خادمين عند الإفرنج.. ولا يوجد بينهم تاجر عظيم أو متوسط، ولا صاحب معمل”،ومما وقف عليه السائح العربي، تحويل عدة مساجد إلى كنائس أو مخازن في هذا البلد المسلم!
وكذلك لاحظ الغزو الثقافي الفرنسي، الذي أجبر الناس على هجرة تعلم العلوم العربية والشرعية، والتوجه لدراسة العلوم باللغة الفرنسية، طمعًا في تحصيل وظيفة أو منفعة دنيوية.
وفي وهران، ألتقى محمد فريد بأستاذ اللغة العربية المسيو “موليراس”، الذي كتب له خِطابَين أحدهما إلى قاضي تلمسان، والآخر إلى سكرتير حاكم الجزائر العام، حيث “أوصاهما فيهما بمساعدتي على جميع ما أريده من الاستعلامات عن حالة البلاد وأهليها”، ويؤكد وجدي بيك أن الخطاب الثاني الذي وجه به إلى سكرتير حاكم الجزائر كان مفيدًا له، حيث “أن المسلمين يحذرون من مقابلة من يأتي بلادهم من إخوانهم من البلاد الأخرى، إلا إذا علموا أن الحكومة ورجالها غير ناقمين من وجود هذا المسلم الأجنبي وبالأخص إذا كان تركيًا أو مصريًا”.
وبعد تلمسان توجه إلى مدينة الجزائر، ومما ذكره عنها، أنه كان يوجد فيها 14 مسجدًا جامعًا، لم يبق منها إلا أربعة!
وفي وسط المشاهد التي تجلب الضيق على النفس، والحزن في القلب، تبدى له مشهدًا جميلاً حينما شاهد وجود “عشرة من البحارة الروسيين يؤدون صلاة الجمعة بكل خشوع”، وحينما سألهم عن موطنهم، أجابه البعض بأنه من بلاد قفقاسيا، والبعض من أوفه، وقَزان، وكانت له لقاءات ببعض أعلام الجزائر في حينها ومنهم قاضي تلمسان شعيب بن عبدالله، الذي أكرم وفادة الأستاذ المحامي.
وفي الجزائر البلد الكبير المترامي الأطراف، لا توجد به سوى جريدة واحدة وهي “المبشر”، ولم يذكر عما إذا كانت عربية أم لا،وهي جريدة رسمية تنشر الأوامر وبعض الفصول في فضل فرنسا على العرب، والحض على التعلق بالولاء لها!
وفي آخر رحلته، قدّمَ المسافرُ العربي مقالتين قصيرتين جدًا عن مشاهداته في الجزائر، الأولى عنوانها “الحرية الشخصية في الجزائر”، وفيها يؤكد على ازدواجية معايير هذه الحرية، فكل شيء مباح للفرنسيين والغربيين، وكل شيء ممنوع على الجزائريين. والمقالة الثانية عنوانها “التعليم والمدارس في الجزائر”، وفيها يتناول أوجه الغزو الثقافي الفرنسي، الذي يعمل على تهميش وإقصاء علوم الشريعة واللغة العربية، ويركز عبر آليات عدة، في مقدمتها التوظيف في الإدارات الحكومية، على التعليم باللغة الفرنسية.

وفي يوم الأحد 11 أغسطس، غادر المحامي مدينة الجزائر بحرًا، عائدًا لمدينة مرسيليا، ومنها توجه لقضاء 20 يومًا في كل من مدينتي “باريس” و”فيشي”، ثم قفل عائدًا إلى بلده، فوصل الاسكندرية يوم 10 سبتمبر 1901م.

***
تمتاز هذه الرحلة بعدة خصائص، من أهمها أن صاحبها رجل يحمل هَمَّ الأمة، ويشعر بمغبة التفرقة والتنازع بين أبنائها، فكانت رحلته هذه مطبوعة بطابع النصح والإرشاد، واستلهام الدروس والعبر، فإذا ما عرفنا الوضع الحرج الذي كانت تعيشه الأمة العربية والإسلامية في مطلع القرن العشرين، وإذا ما عرفنا الدور السياسي والحقوقي والثقافي الذي اضطلع به الأستاذ محمد فريد، اكتشفنا أهمية رحلته القصيرة هذي، وأنها تستهدف تنبيه الأمة وإيقاظها من سباتها.
وتمتاز بطابعها الجغرافي الممتد، من مصر إلى مصر، مرورًا بعدة دول وحواضر أوروبية وعربية أفريقية، وهي تقع -كما ذكرتُ أعلاه- في حقبة تاريخية مضطربة ومتأزمة من تاريخ العالم العربي والإسلامي.

ومما تمتاز به هذه الرحلة، أنها من بواكير رحلات العرب إلى الأندلس، فكما أعلم -وعلمي قاصر- أن الأستاذ محمد فريد سبق الأديب الأمير شكيب أرسلان وغيره من العرب في السياحة إلى الأندلس، فكانت تجربة فريدة وسابقة جميلة تسجل لصاحبها.
كما تمتاز هذه الرحلة، باستشراف المستقبل، فكان السائح المثقف يدقق بصره وبصيرته في ممارسات المحتل في كل من المغرب والجزائر، وكان يحذر وينبه لخطورة ما تقوم به حكومات وإدارات المحتل في ثقافة وتاريخ ودين البلدان المحتلة.


كانت لغة صاحب الرحلة واضحة بسيطة، لم يتكلف لا في عبارته ولا في أسلوبه، وكذلك لم يتجنب إظهار عاطفته الحزينة لحال المسلمين، كما أنه كان حريصًا على الموضوعية، فانتقاده لهيمنة الدول الأوروبية واحتلالها بلداننا، لم يمنعه من الثناء على تنظيمها وحسن إدارتها لأمورها في بلدانها.
كان الكتاب قد طبع قديمًا، وهذه الطبعة هي الطبعة الثانية، وكانت بتحقيق الأستاذ عبدالمجيد كيالي، الذي أضاف هوامشًا عديدة، ربما لم يكن من المطلوب وضعها بهذا الشكل، كما أن هذه الطبعة حفلت بصور فوتوغرافية لم تشتمل عليها الطبعة اأصلية، وهذه من النقاط السلبية في هذه الطبعة، فبعض الصور “مسحوب” من منتدى في الانترنت، وتظهر في إحدى زواياها شعار ذلك المنتدى أو الموقع، وبشكل مُنفِّر، كما أن خط الطباعة كان كبيرًا، يماثل حجم خط الطباعة في الكتب المدرسية، وربما أرادت الدار إخراجه بهذا الشكل لزيادة عدد صفحات الكتاب.

وعمومًا، الرحلة مثيرة، وحافلة بالدروس، والتنبيهات والتحذيرات التي تحقق للأسف بعضٌ منها.

Read Full Post »

“نحن العرب المقيمين في زنجبار وشرق أفريقيا، لم نحتط للغد على الإطلاق، فلم يكن أحدنا يتخيل أننا سنضطر يومًا إلى هجرة أراضينا والتربة التي تربى عليها أجدادنا على مدى مئات السنين، كان خطؤنا الفادح بأننا شعرنا باطمئنان مبالَغ فيه ولم نتقن قراءة المستقبل”

12 يناير 1964م

12 يناير 2014م

نصفُ قرن من الزمان مضى وانقضى منذ أن استيقظ أهالي جزيرة زنجبار على وقع أصوات الرصاص، وهجوم العصابات والمرتزقة على بيوتهم ومزارعهم، معلنين بذلك قيام انقلاب دموي على الحكم العربي لزنجبار، أودى بحسب التقديرات بحياة آلاف العرب والمسلمين، وضاعت الجزيرة التي كانت تسمى الفردوس الإفريقي من يد العرب، مع بقاع عربية أخرى خلال القرن العشرين، ومنها الأحواز العربية، وأشرفها القدس الشريف.

العائدون حيث الحلم

العائدون حيث الحلم/ مشاهد وذكريات عودة من زنجبار والجزيرة الخضراء إلى عمان

حبيبة علي الهنائي

عدد الصفحات: 108 صفحة

مؤسسة الانتشار العربي/الطبعة الأولى 2013م

حبيبة الهنائي، العُمانية الزنجبارية تروي لنا ذكريات عودتها وأسرتها من زنجبار هروبًا إلى الوطن الأم عمان، كانت رحلة قاسية تعرضوا فيها لأهوال ومصاعب شتى، كغيرهم من العرب الذين استطاعوا الهروب من جحيم مآلات الانقلاب في زنجبار، وبالطبع كان حالهم أفضل من أولئك الذين انقطعت بهم السبل، في بحر أو يابسة أو مطار جوي، فكانوا لقمة سائغة للموت.

لكن حبيبة الهنائي، تُعرِض عن أن تورد لنا تأريخًا سياسيًا بحتًا، وتركز على جانبٍ آخر، قلّما التفت إليه الباحثون:

“هذا الكتاب، معنيٌ بالتحديد برواية الجانب الإنساني لذلك الحدث الفاصل للإنسان العماني، في تلك البقعة من الارض، وفي تلك الفترة من التاريخ، رواية تحاول الاقتراب من روح ذاك الزمان بكل آلامه وآماله”.

بلغة غير متكلفة، سردت لنا حبيبة الهنائي طبيعة الحياة والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في زنجبار، وبعضًا من مشاهد الحداثة التي كانت تنتشر في العاصمة “أونجونجا”، كوجود صالات السينما، وانتشار المدارس، والتيار الكهربائي الذي دخل الخدمة منذ عام 1905م، وملابس الشباب والشابات، وخصوصًا العرب، ثم عرجت على الفسيفساء الاجتماعي الذي تميزت به زنجبار، العرب والأفارقة والآسيويون وغيرهم، ومهاراتهم وحرفهم في كسب الرزق، وبعضًا من عاداتهم وتقاليدهم.

ثم انتقلت للحديث -وبشكل غير مغرقٍ في التفاصيل- عن انقلاب يناير 1964م، والذي نتج عنه ليس فقط سقوط الحكم العربي هناك، وإنما محوٌ شبه كامل للعنصر العربي المكوِّن لجزيرة زنجبار، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، كان انقلابًا دمويًا أوقع الآلاف من الأبرياء المسلمين، عانى المسلمون خلال وبعد هذا الانقلاب صنوف التعذيب والمهانة والقتل، وبشكل بشع ومقصود، لم يُستثنى من ذلك كبير السن أو المرأة، أو حتى الطفل. 

“كان يوم السبت الموافق 12 يناير 1964م، هو يوم النكبة الذي صادف سقوط زنجبار، ومنذ ذلك اليوم تغيرت الخارطة السياسية في شرق أفريقيا، ومعها تغيرت حياة سكان زنجبار إلى الأبد”.

وعندما يصل العذاب للذروة، تتخذ الذكريات وضعًا يوصف بـ”المغامرة”، فبعد خمس سنوات من ميلاد “حبيبة”* ، بالتحديد في عام 1970م،  يقرر والدها “علي الهنائي” الهروب من زنجبار، لإنقاذ عائلته من يد المهانة والتعذيب التي بدأت تحاصرهم من كل مكان، فأعد العُدة لهروبه هو و”حبيبة” وأحد أشقائها خلسة، على أن تتبعهم والدتها الحامل مع بقية إخوتها لاحقًا.

وقد كان لهم ما أرادوه، ولكن بعد مصاعب ومشاق، رأوا فيها أهوال الموت مرات عديدة، مختبئين في جوف قارب صغير، تتلاطمه الامواج، أو لاجئين في بيت قريبٍ لهم، أو مترقبين وصول بريد يحمل لهم خبرًا مفرحًا، أو منتظرين قرارًا مصيريًا يسمح لهم بركوب طائرة تقربهم أكثر من حلم العودة إلى الوطن الأم… عُمان.

ولأجل تقديم شهادة أكثر مصداقية، وصورة أكثر شمولية،  قصدت “حبيبة” كثيرًا ممن تعرفهم من العمانيين الذين عايشوا فترة الانقلاب، وذاقوا مراراته وخاضوا -مرغمين- أهواله، فتكونت لها شهادات على قلتها، تفي بالغرض، وذلك لإحجام معظم من قصدتهم عن الإدلاء بشهاداتهم عن تلك التجربة المميتة، إما هروبًا من تذكرها واسترجاع آلامها، وإما خوفًا من تبعات الإفضاء ببعض الأسرار التي كانت بمثابة التُهم في يومٍ من الأيام.

ذكريات “حبيبة” كانت قصيرة، فلم تتجاوز صفحاتها الـ108 صفحة في كتاب من القطع الوسط، لكنها-وبلا أي مجاملة- كانت ثرية بتسليطها الضوء على بقعة جغرافية اعتراها التجاهل العربي الإعلامي والسياسي، كما كانت فريدة من حيث توثيقها للتجارب القاسية التي تعرض لها العرب بعد انقلاب 1964م، وتميزت هذه الذكريات بكونها شخصية، وعلى إثر ذلك، لم توغل “حبيبة” في التاريخ والسياسة كثيرًا، وإنما اكتفت من ذلك ببعض المشاهد والملامح التي تعكس المأساة التي تعرض لها عرب زنجبار بين ليلة وضحاها، كان تطرقها لبعض الأحداث والأسماء السياسية، يتم في شكل متواز مع سردها للذكريات الشخصية الأليمة، التي استقتها بصعوبة من أولئك الذين عاشوا التجربة، فكان في النهاية توثيقًا فريدًا.

ويبدو لي في الأسطر الأخيرة من ذكرياتها أن سيكون ثمة جزء آخر، تستكمل فيه “حبيبة” ذكرياتها العربية الزنجبارية، ولكن في مرحلة وعي أكثر نضجًا وإدراكًا للوسط المحيط، وللمتغيرات الاجتماعية والثقافية، وها نحن بالانتظار.

على الهامش، لقد تبدت لي بعد قراءة هذا الكتاب، “مركزية غربية” حتى في بكائياتنا على الأطلال، فنحن نشتاق ونتذكر الأندلس، تلك التي سقطت منذ مئات السنين، ونشتاق للحديث عن مسلمي البلقان، وعن تضحياتهم والمجازر التي تعرضوا لها، لكن أحدًا ما لا يلتفت للكنوز العربية المفقودة في أفريقيا أو شرق آسيا، وهي قريبة العهد بنا، فضلاً عن غناها وثرائها، فلماذا البكاء المستمر على فردوس عربي مفقود منذ مئات السنين، ولا نتذكر ولو بشكل عابر فردوسًا عربيًا آخر، لم يمضِ على فقدانه سوى نصف قرن؟! أهي العنصرية أم الجهل؟! أذكر أنني شاهدت ندوة للشيخ محمد بن موسى الشريف منذ فترة طويلة، وهو يسترجع كنوز العرب وذخائرهم في الهند، ويؤكد على أنه لو توفر للحضارة العربية الإسلامية في الهند بعض ما توفر للأندلس من اهتمام وكتابات لبزتها الهند.. ولكنها مرة أخرى، المركزية الغربية، ويا للغرابة!!

ملاحظات مهمة:

  • * ولدت حبيبة بعد عام واحد من الانقلاب، بالتحديد عام 1965م، وكانت والدتها تعمل مدرسة، وكانت تصحبها “حبيبة” للمدرسة في زنجبار عندما كانت صغيرة، وهذا ما سيتسبب لاحقًا بتصميم والدها على قرار الهرب من زنجبار.
  • خرج الإنجليز من زنجبار قبل فترة قصيرة من الإنقلاب الدموي، وكان الإنجليز منذ أن بدأت سيطرتهم على زنجبار عام 1890م، يقومون بصنع الدسائس في الجزيرة.
  • تطرقت “حبيبة” لمظاهر الترف التي كانت منتشرة بين عرب زنجبار، وتقليدهم لنمط الحياة الإنجليزية، لدرجة أنهم كانوا يبتاعون بعض مقتنياتهم من بريطانيا، وكانت تصلهم عبر البريد، كما ذكرت مدى الانفتاح الذي كان سائدًا، وكان من مظهره ملابس وهندام الزنجباريات.
  • قائد الانقلاب العسكري “جون أكيلو” لم يكن من أهل زنجبار، بل كان أوغنديًا، ولم يكن قائدًا عسكريًا، ونقلت الكاتبة عن سيدة عمانية زنجبارية، ان الزعيم السياسي للانقلاب “كرومي” كان مجرد عامل بسيط في المراكب، وكان يتردد كثيرًا على منزل والدها طلبًا للمساعدة.
  • على الرغم من المستوى التعليمي المتقدم للزنجباريين العرب، إلا أنهم لم يوثقوا صلاتهم بالوطن الأم عمان.
  • ذكرت الكاتبة أن السنوات الأولى بعد الانقلاب شهدت ازديادًا ملحوظًا في عدد الأفارقة النازحين من الدول المجاورة من الديانة المسيحية أو غيرها للاستقرار في زنجبار.
  • من خارج الكتاب: بعد الانقلاب، اتحدت كل من “تنجانيقا” و”زنجبار”، ليشكلا دولة واحدة اتخذت اسم “تنزانيا”، والاسم مشتق من الأحرف الثلاثة الاولى للدولتين.
  • من خارج الكتاب: في الأيام الاولى بعد الانقلاب، وخصوصًا في يوم 19 يناير 1964م، صادف وجود فريق تلفزيوني إيطالي في زنجبار، فقام هذا الفريق بتوثيق عمليات الاعدام الجماعية التي تعرض لها العرب ودفنهم في مقابر جماعية، كما صور فريق العمل مشهد العرب وهم يهيمون على وجوههم هربًا من جحيم الانقلابيين، وفي اليوم التالي صور الفريق جثث مئات العرب الهاربين موتى على شاطئ البحر، ولمن يريد مشاهدة الفيلم، فاسمه هو: Africa Addio وهو موجود في “يوتيوب”.

Read Full Post »