Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘البوسنة’

 

20150301-222908-80948048.jpg

رحلة إلهامي إلى الموت
تأليف رشاد قاضيتش
ترجمة د.جمال الدين سيد محمد
عدد الصفحات: 146 صفحة
اصدار: دار سعاد الصباح/الطبعة الأولى 1993م.

هذه تجربة أخرى لي مع روايات من بلاد البلقان، وهذه المرة لمؤلف مسلم اسمه “رشاد قاضيتش” وهو مؤلف فيما يبدو معاصر، حسبما قدم المترجم، والرواية تتناول قصة “إلهامي”، إمام أحد المساجد في البوسنة إبّان حقبة الوجود العثماني، ويبدو أن الوالي العثماني كان يتسم بالظلم والفساد، الأمر الذي امتعض منه الشعب، فعبّر “إلهامي” عن هذا الامتعاض بقصيدة، يُستدعى على إثرها للقصر، ليواجه مصيره المحتوم.
وخلال رحلة “إلهامي” وحيدًا نحو القصر، أتيحت له عدة مرات فرص الهرب والنجاة بحياته، لكنه يرفض ويصر على التوجه للقصر، ليثبت موقفًا مبدأيًا، وليؤكد أن صاحب الحق لا يتزعزع ولا يتراجع مهما بلغت قسوة الظالم، ومهما اشتدت النتئج.

الرواية فنيًا متواضعة، غَلبَ عليها السرد بلغة مباشرة صريحة، وندُرَت فيها الصور الفنية على نحوٍ كبير.
الكاتب رشاد قاضيتش ينحو منحى العصر الذي يعيش فيه، تاريخيًا وسياسيًا وثقافيًا، فيكيل التهم للدولة العثمانية، أو لنقل البوسنة والهرسك في عهد سيطرة الدولة العثمانية عليها، ويركز على الظلم والاضطهاد الذي مارسته بحق البوسنيين، وهو -أي المؤلف- بذلك يكرر ما كتبه ويكتبه العرب وغير العرب ضد حقبة الوجود العثماني في المنطقة العربية وبقية المناطق حيث وجدت، ولم يذكر المترجم في مقدمته سنة تأليف ونشر هذه الرواية، لكنها على الأرجح تنتمي للحقبة التي أصبحت فيها البوسنة جزءًا من يوغسلافيا، وكانت الروايات تكتب عن الدولة العثمانية، أو الثقافة الإسلامية بشكل سلبي، ومن هذه النماذج على سبيل المثال إيڤو اندريتش صاحب رواية “جسر على نهر درينا”.
نهاية الرواية حملت بُعدًا وعظيًا قصصيًا مُستقى من التاريخ، ويتمثل في قصة قتل الحجاج الثقفي للتابعي سعيد بن جُبير، ثم وفاة الحجّاج بعده بقليل”.

Advertisements

Read Full Post »

bosniaالبوسنة والهرسك

المؤلف: الدكتور جمال الدين سيد محمد

عدد الصفحات: 291 صفحة

دار النشر: دار سعاد الصباح/ الطبعة الأولى/ 1992م

 

في أوائل تسعينات القرن الماضي، وبعد انهيار ما يسمى بالمعسكر الشرقي، عبر انحلال الاتحاد السوفييتي، وقبله سقوط جدار برلين، في تلك الحقبة التاريخية المفصلية، كانت أمم صغيرة في شرق ووسط أوروبا تشق طريقها نحو الحرية والانفتاح، والديمقراطية والاستقلال، لكن بقايا النظام المتهالك لم يكن ليسمح لها جميعًا بالوجود على مسرح البلدان، وكانت البوسنة والهرسك هي إحدى هذه الدول التي حاولت أن تبصر النور بعد استفتاء شعبي شاركت فيه أغلبية السكان في البوسنة، وأيدوا الانفصال والاستقلال عن يوغسلافيا، كما فعلت سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا من قبل، لكن البوسنة والهرسك ذات الأغلبية المسلمة، كان ينتظرها مصيرٌ آخر.
لقد رفضت قوات الجيش اليوغسلافي الاتحادي مغادرة البوسنة والهرسك، وتشكلت مليشيات صربية أخرى في البوسنة، ترفض الانفصال، وتدعم السلطة المركزية في بلجراد، لتجعل من البوسنة والهرسك مسرحًا لجرائم مروعة نفذها الصرب ومرتزقة وفدوا من عدة دول أوروبية، لإجهاض ولادة دولة مستقلة، ذات أغلبية مسلمة في أوروبا.
وانبرى المسلمون محاولين الدفاع عن حق الشعب البوسني بالحياة وإدارة دولته بشكل مستقل، حاله كحال بقية الشعوب الأوروبية التي استقلت بنفسها، وأقامت دولاً حديثة، ومن هذه الجهود في الدفاع عن البوسنة وأهلها، كتاب الدكتور جمال الدين سيد محمد، وهو استجابة عاجلة وموجزة، يستهدف من خلالها المؤلف تسجيل “بعض ملامح تلك السمات الإسلامية التي أراد البعض عن عمدٍ محوها” وكما يقول صراحة المؤلف، فقد أراد أن “ينقذ ملف مسلمي البوسنة والهرسك من الضياع في خضم الأحداث السياسية المتلاحقة”.
 ***
ومن الملاحظ في مقدمة الكتاب، أن المؤلف انتهى منه في ديسمبر عام 1992م، وهو العام الذي اندلعت فيه الحرب الشعواء التي شنها الجيش الصربي وصرب البوسنة ضد المسلمين، كما يُلفت النظر ذلك العنوانُ الخالي من أية سمة سوى “البوسنة والهرسك”، ويبدو أن الكاتب ونظرًا للظرف الطارئ الذي يكتب فيه، اكتفى بأن وضع اسم البلد التي يدور حولها محتوى الكتاب، دون التكلف في إضافة أي عبارات جذابة أو دعائية أو تفسيرية، هكذا بكلمة واحدة “البوسنة والهرسك”، ربما يُعد ذلك قصورًا في إخراج الكتاب، لكن لا تثريب عليه بما احتوى من مضمون. والكتاب عبارة عن دراسة قصيرة، تتضمن مجموعة من المقالات، بلغ عددها 28 مقالة متنوعة، متفاوتة بين قصيرة ومتوسطة، جمعها الكاتب بأسلوبٍ غير متكلف ولا مطنب، وعززها بمعلومات تاريخية وجغرافية وأدبية، وثقافية عامة عن البوسنة والهرسك وأهلها.
كانت أول 3 مقالات تتناول الأحداث الجارية في البوسنة سنة 1992م، وهي السنة التي بدأت فيها أعظم حرب تطهير عرقي في أوروبا عند نهاية القرن العشرين، على يد الصرب ومن عاونهم ضد مسلمي البلقان، وتحديدًا البوسنة، ويبدو أن الكاتب أراد أن يضع القارئ في صلب الأحداث المتسارعة، وذلك لتسهيل تشكيل صورة اولية عن البوسنة والهرسك.
ثم 11 مقالة ثقافية-تاريخية-جغرافية، وهي بالأحرى تعريفية، يفتح بها المؤلف النوافذ على تاريخ البوسنة والهرسك، وعلى أعلامها، ومعالمها الشهيرة من مساجد ومكتبات ومدارس، وسيندهش القارئ حين يتعرف على حجم الأعمال الوقفية التي رصدها مسلمو البوسنة قديمًا، دعمًا لأعمال الخير في مجتمعهم، وتشجيعًا على التكافل الاجتماعي فيما بينهم، واهتمامًا بالعلم والعمل، وأخص بالذكر هنا أوقاف الغازي خسرو بيك، التي تنوعت ما بين مسجد ومكتبة ومدرسة، وغيرها من أعمال البر. وسيجد القارئ مقالات أخرى منوعة، تتناول مدنًا بوسنية مثل “ترافنيك”، وأخرى عنوانها “جسر على نهر درينا”، في اقتباس مباشر لعنوان رواية شهيرة لإيفو اندريتش، ومقالة تتناول سمات شهر رمضان في المجتمع البوسني الحديث، وفي الاتجاه نفسه، مقالة تعريفية بداعية إسلامي بوسني اسمه د.أحمد سماسلوفيتش.
أما المقالات الـ14 الأخرى، فكانت تدور عن موضوعات ذات صلة مباشرة بتخصص المؤلف في اللغة والآداب لشعوب الاتحاد اليوغسلافي، وتتعلق هذه المقالات باللغة والأدب والاستشراق البوسني*، والكلمات العربية في اللغة الصربو-كرواتية، ومقالات تعريفية بالأدباء البوسنيين، وأعمال أدبية بوسنية، مثل رواية “رحلة إلهامي إلى الموت”**، ومن الأدباء الذين كتب عنهم مقالات ضمن الكتاب: إيفو اندريتش صاحب رواية “جسر على نهر درينا”، وقد ذكر بعضًا من الانتقادات الموضوعية التي وجهت لهذه الرواية، ومن الأعلام الأدباء الذين تمَّ ذكرُهم محمد بك قبطانوفيتش لوبوشاك، الذي كان من أبرز الكتاب الذين يستخدمون “الهاميادو”، وهو الأدب الأعجمي، وهو أدب مؤلف باللغة المحلية للبلد، أي اللغة الصربو-كرواتية، ومكتوب بالحروف العربية.
وفي النهاية، يضع المؤلف ببلوغرافيا قصيرة، يسرد فيها عناوين كتب تتناول التاريخ البوسني من عدة جهات، وبلغ عددها 19 عنوانًا.
 ***
والحق، أن المقالات كانت ثرية بمحتواها، سلسة في أسلوبها وكتابتها، لم يعمد فيها المؤلف إلى الإغراق في التفاصيل، وكذلك كان من المُلاحظ أن هذا الكتاب الذي يتزامن مع نشوب الحرب الضروس، لم يجعله المؤلف مجرد بكائيات على حال البوسنيين، وشحن عاطفي للقراء، واستجداء لدموعهم، رغم تعاطفه الواضح مع مسلمي البوسنة، وانتصاره لهم، ولحقهم في الحياة، ورفضه للحرب التي يشنها الصرب عليهم، واستنكاره للصمت العالمي، لكنه -مع ذلك- حافظ على الخط الموضوعي، وتعرض بالنقد والمعالجة الموضوعية لكافة أوجه الحياة لدى مسلمي الوسنة.
ومن بين أهم الملاحظات، تكرار الكاتب لطرح فكرة تجاهل الاتحاد اليوغسلافي للتركة الثقافية والأدبية لمسلمي البوسنة، بل ومحاولة التعتيم عليها وإخفائها عن الأعين، وهذا السلوك ليس منحصرًا في قادة الاتحاد اليوغسلافي الاشتراكي، بل مسبوق بعدة سوابق مثل إغفال اسم البوسنيين عند تشكيل مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين عام 1918م، والتي كانت البوسنة جزءًا في هذه المملكة، ومن هذه المحاولات مصادرة أوقاف المسلمين وأملاكهم في البوسنة، وتوطين قوميات أخرى فيها لتفتيت الهوية البوسنية، ومنع وحظر كثير من الأنشطة والشعائر الدينية للمسلمين، كما تعرض مفكرو البوسنة وعلمائها للسجن كثيرًا، وهنا نتذكر قضية محاكمة وسجن مثقفي البوسنة مطلع الثمانينات، والتي كان الرئيس علي عزت بيجوفيتش أبرز ضحاياها.
لكن هذه الممارسات الاقصائية والتهميشية لم تكن مقتصرة على جهود الحكومة والنظام اليوغسلافي، بل لقد تبنى بعض المثقفين اليوغسلاف هذه الأساليب ودعموها بكتاباتهم وأعمالهم العلمية والأدبية، ومن هؤلاء الأديب البوسني إيفو اندريتش صاحب جائزة نوبل، والذي يذكر الكاتب أن رسالته في الدكتوراه التي نالها من جامعة جراتس في النمسا عام 1923م، كان عنوانها ومضمونها “الحياة الفكرية في البوسنة والهرسك في عهد الأتراك”، ويضيف المؤلف د.جمال الدين أن الأديب إيفو اندريتش حاول في رسالته البرهنة على التخلف الأدبي والثقافي للبوسنيين، واعتبر ذلك كشفًا علميًا، وقد عالج نفس هذه الفكرة في عدد كبير من رواياته وقصصه التاريخية عن البوسنة وأهلها.
ولعل البعض قد يستغرب أن يجد كاتبًا يتناول البوسنة بهذا الحجم الكبير من المعرفة الواسعة، وقدرته على كتابة 28 مقالة تتناول التاريخ والجغرافيا واللغة والأدب وغيرها من جوانب الحياة في مدة قصيرة، لكن الاستغراب سيزول حتمًا حينما نعلم أن المؤلف ليس غريبًا على الاتحاد اليوغسلافي، إذ عاش في بلغراد فترة من الزمن لا تقل عن 4 سنوات، وزار سراييفو وبعض المدن البوسنية الأخرى عدة مرات، وحصل على درجتي الماجستير(سنة 1976) والدكتوراه(سنة 1979) من كلية اللغات بجامعة بلغراد، وقبلها كان قد تخرج من كلية الألسن بجامعة عين شمس قسم اللغة الصربو-كرواتية سنة 1963م، وقد تعمق أكثر في الدراسات والأعمال الأدبية واللغوية الصربو-كرواتية، فأنتج عددًا من الترجمات لأعمال أدبية يوغسلافية، وله أيضًا ترجمات من اللغة العربية إلى لغات شعوب يوغسلافيا سابقًا، كما أنه نشر كتابًا عنوانه “الأدب اليوغسلافي المعاصر” ضمن سلسلة عالم المعرفة، التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت عام 1984م.
———-
* في سياق الاستشراق اليوغسلافي، أنصح بقراءة كتاب “مراجعة الاستشراق – ثنائية الذات/الآخر – نموذج يوغسلافيا” للدكتور محمد الأرناؤوط، اصدار دار المدار الإسلامي 2002م، وفيه نظرة تأريخية ونقدية لأعلام المستشرقين اليوغسلاف وإنتاجهم، كما أنه يتركز على موضوع طريف في الاستشراق وهو دراسة الذات/الآخر.
** رواية “رحلة إلهامي إلى الموت” للأديب البوسني رشاد قاضيتش وبترجمة الدكتور جمال الدين سيد محمد، قرأتها في ديسمبر 2013م، وسأكتب عنها مراجعة قريبًا بإذن الله.

Read Full Post »

shaykh

صورة للشيخ ابن جبرين رحمه الله وهو يقرأ كتابًا في جولة برية

 

مضت علي عدة أعوام وأنا أقرأ الكتب المتنوعة، كان في كل عام ثمة عناوين مثيرة وجديدة، فكرية منها وتاريخية، روائية ونقدية، عربية ومترجمة، إلا أن عام 2014، ولله الحمد، كان يحمل في عناوينه القرائية إضافات عديدة على المستوى النوعي، وهذه التدوينة، هي لتسليط الضوء على بعض أبرز العناوين، أو الكتّاب الذين تعرفت عليهم العام الماضي عبر ما سطرته أقلامهم.

***

  • البداية كانت مع النمساوي ستيفان تسفايج، عبر سيرته الذاتية الرائعة “عالم الأمس”، والتي لم يستطع إنهاءها، بل قام الناشر بوضع النهاية لها، لسبب بسيط ومؤلم في الآن ذاته سيعرفه القارئ. لكن ما هي الإضافة التي قد يحملها كتاب سيرة ذاتية مضى على كتابتها أكثر من نصف قرن؟! باختصار، لم تكن سيرة ذاتية بقدر ما كانت كتابًا مزدوجًا، فهو عرض للتاريخ الأوروبي ممتدًا منذ نهايات القرن التاسع عشر، وحتى بداية أربعينات القرن العشرين، والعالم يصطلي بنيران حرب العنصرية والاستعمار والايديولوجيات المتنازعة، ومع ذلك، فذاتية الكاتب والفنان “ستيفان تسفايج” لم تكن لتغيب عن المشهد، أو جزء من المشهد، فهو لا يريد لسيرته أن تصبح كتابًا مدرسيًا جامدًا في التاريخ، وكذلك، لم يكن يريد لسيرته أن تغرق في الذاتية والتمحور حول شخصيته ومسيرته، لذلك سلكت هذه الصفحات طريقًا وعرة، وهو استكشاف التحولات الثقافية والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية التي طرأت على أوروبا، عبر عين أدبية وثقافية، لا تنتمي -كما يدعي- لأية ايديولوجيا أو تيار سياسي. لقد كنت قريبًا جدًا من التاريخ الأوروبي عبر سيرة “تسفايج”، كما كنت قريبًا جدًا من معاناته التي استطاع أن يعبر عنها بلغة هادئة غير متشنجة. أنصحكم بقراءة هذه السيرة الذاتية ذات العنوان “النستولوجي” الجذاب… عالم الأمس.

**

  • بعيدًا في الاتجاه والتوجه، كان العام 2014م، هو العام الذي تعرفت فيه على كتب رحلات الشيخ محمد بن ناصر العبودي حفظه الله، ولئن كنتُ قد تعرفتُ عليه عبر حلقات برنامج يُبَثُ من إذاعة القرآن الكريم السعودية، وشاهدت له لقاءًا على قناة “دليل” منذ بضع سنوات خلت، إلا أنني لم أكن أعرف، أو لم أتنبّه إلى أنه قد طبع مذكراته عن رحلاته حول أصقاع العالم، مستكشفًا أحوال الأقليات المسلمة، وموصلاً الدعم لها من قبل رابطة العالم الإسلامي والمملكة العربية السعودية. فبتوفيق من الله، استطاع هذا الشيخ أن يجوب أنحاء العالم، في كل قاراته، في وفود صغيرة الحجم، لكنها عظيمة النشاط، وقد صوّر رحلاته أجمل تصوير، بلغة جميلة موجزة وغير متكلفة، وغنية بالمعلومات التاريخية والسياسية والثقافية عن البلدان التي زارها، والمسلمين الذين تعامل معهم، والمعلومات التي تخص المسلمين مهمة جدًا ويمكن اعتبارها قاعدة معلومات وبيانات للباحثين في شؤون المسلمين. بدأت قراءة كتابه “ذكريات من يوغسلافيا” وفيه يتحدث عن رحلته في منتصف عقد الثمانينات إلى يوغسلافيا، وزيارته لمناطق المسلمين في البوسنة وكرواتيا، حيث كانتا تتبعان يوغسلافيا آنذاك، ثم توالت قراءة كتب رحلات العبودي، في الشرق والغرب، في الجنوب والشمال، وكم كنت أشعر بمشاعر مختلطة من الفرح لهمّة هؤلاء المسلمين رغم ظروفهم الصعبة، وبالحزن لما وصل إليه حالهم… وحالنا نحن، ويمكن تعرف مثل هذه المشاعر المضطربة عند قراءة كتاب رحلته إلى بولندا “مع المسلمين البولنديين”، حينما ارتخت قبضة الشيوعيين عليها، وظهرت بوادر من الحرية التي يمكن لأتباع الأديان أن يستغلوها ببعض النشاط، وقد كان المسلمون من أول المبادرين بذلك. الشيخ العبودي لم يكن يقتصر في رحلاته على الجدول والبرنامج الموضوع مسبقًا، وإنما كان يخرج لاستكشاف المدن التي يزورها وحيدًا أحيانًا وبرفقة محدودة أحيانًا أخرى، ثم يورد بطريقته الجذابة والمختصرة مجمل ما رآه وسمعه هناك، كم كنت أغبطه على سفراته، ولقاءاته بالمسلمين واستطلاعه أخبارهم، ومعاونتهم ومدهم بما يحتاجونه من مساعدات. والحمدلله، جميع كتب رحلات الشيخ العبودي موجودة على الانترنت، ويستطيع أي شخص تنزيلها وقراءتها، وخصوصًا أولئك الذين يرومون استكشاف أحوال المسلمين اليوم ومقارنتها بما كانت عليه قبل 40 أو 30 أو 20 عامًا وذلك في مختلف أرجاء العالم.

**

  • وقريبًا من الشيخ العبودي في رحلاته وجولاته، كان هذا العام هو العام الذي اقتربت فيه كثيرًا من كتب الرحلات، وقد رأيت في أحد الأيام كتابًا مطبوعًا طباعة بسيطة عنوانه “رحلة ابن جبير”، وهو من سلسلة القراءة لجميع التي تصدر عن جريدة “القبس” وكان ذلك من بضعة أعوام، ولم يمضِ وقت طويل، حتى وجدت الكتاب في أحد أقسام الكتب المستعملة، فابتعته بثمن زهيد، وكان يستحق ما بُذلَ لأجله من انتظار ومال ووقت، فرحلة ابن جبير من أمتع الرحلات التراثية، فابن جبير رحمه الله، أرّخ لرحلته من الأندلس إلى مكة المكرمة للحج، ثم إيابه إلى موطنه بدقة وموضوعية سابقة لزمنها، فكتب الرحلات القديمة، كانت تعج بذكر الأعاجيب والأساطير وغيرها من الثرثرة لخلق الإثارة وجذب القرّاء، أما ابن جبير، فقد جعل كتاب رحلة حجه وثيقة تاريخية موضوعية، يعكس عبرها تاريخ المدن والموانئ التي مرَّ بها ونزل عليها، وهذا قيمة إضافية لم أجدها في كتب الرحلات التراثية الأخرى القليلة التي قرأتها خلال عام 2014، ولا أعلم إن كنت سأجد ما يغير هذا الرأي خلال قراءات عام 2015م.

**

  • وفي هذا العام، تعرفت على كتابات الباحث الشرعي ابراهيم السكران، ورغم معرفتي به عبر تويتر سابقًا، إلا أنني تعرفت عليه أكثر عبر كتبه ومؤلفاته، فقرأت له كتابه الأول مصورًا بصيغة بي. دي. إف، وعنوانه “مآلات الخطاب المدني”، وقد جذبني العنوان لأن موضوع المآلات موضوع يشغل بالي دائمًا، وأتحدث هنا عن مآلات الأفكار والايديولوجيات، مبدأها ودعواتها وتطبيقاتها ثم مآلاتها، ليس مجرد عمل تاريخي سردي، بل قراءة نقدية واستكشاف للمضامين، وهذا بالفعل ما وجدت قدرًا منه في كتاب السكران المشار إليه، ثم قرأت له كتابًا هو أضخم عمل نقدي إسلامي كما أراه يتناول الاستشراق والحداثيين العرب، وكان عنوانه “التأوبل الحداثي للتراث” وقد تحدثت عنه في تدوينة سابقة، وفي الاتجاه نفس، ولكن بمستوى متواضع، قرأت كتابًا ثالثًا عنوانه “سلطة الثقافة الغالبة” وهو عبارة عن مقالات قديمة في نقد الثقافة الغربية ودعاتها في الاوساط المحلية العربية، لكن إخراجه كان بسيطًا جدًا ولا يقترب من عمدة مؤلفات السكران “التأول الحداثي للتراث”، ثم قرأت كتابًا رابعًا، وهو في اتجاه آخر، يُسطر فيه السكران تأملاته بالقرآن وبالحياة تحت عنوان “رقائق القرآن”، وذلك عبر مقالات قصيرة رشيقة، لا يتخلى فيها السكران عن سمات كتاباته، ومنها استخدام لغة وعظية قريبة من النفس وغير مسرفة، وإيراد مواقف شخصية أو منقولة من تجارب الآخرين، وعدم الإغراق بالتفاصيل، وقد عرفت مؤخرًا أن له كتابًا خامسًا بعنوان “مسلكيات”  في الاتجاه ذاته، فلعلي أقرأه قريبًا بإذن الباري عزَّ وجل.

**

  • وأخيرًا، كان عام 2014 هو العام الذي دشنت فيه مشروعًا قرائيًا وبحثيًا طالما أجلته، وهو قراءة جميع ما أمكنني الوصول إليه من كتب وأبحاث تتناول تاريخ الكويت، وقد بدأت بداية جيدة في فبراير الماضي، ولكنني توقفت للأسف لظروف عملية، مما عرقل استمرارية المشروع، ودعاني لإعادة التخطيط له، وما زال الأمر كأنه مشروع حكومي مؤجل، بلا بارقة أمل في تنفيذه، ومن الكتب التي قرأتها في فترة وجيزة، كتاب “أبحاث في تاريخ الكويت” للدكتور عبدالمالك خلف التميمي، وكتاب “التطور السياسي والاقتصادي للكويت بين الحربين 1914-1939” للدكتورة نجاة الجاسم، وكتاب “تاريخ الكويت الحديث” للدكتور أحمد مصطفى أبو حاكمة،  وكتاب “مختصر تاريخ الكويت – وعلاقتها بالحكومة البريطانية والدول العربية” لـ/راشد عبدالله الفرحان، وقد قرأت جميع الكتب السابقة مصورة بصيغة بي. دي. إف، بالإضافة لكتاب “نصف عام نيابي-مذكرات خالد العدساني” التي قرأتها أيضًا مُصورة بي. دي. إف قبل نحو ثمانية أعوام، وقرأت كذلك الجزء الأول من مذكرات الدكتور أحمد الخطيب، وقبل ذلك بعام، أي في بداية 2006م، كنت قد قرأت كتاب “تاريخ الكويت السياسي” لخلف الشيخ خزعل، ثم توقف مشروع القراءة في/عن تاريخ الكويت إلى أجل غير مسمى.

والحمد لله على ما قضى وقدّر.

 

Read Full Post »

Kuwbookfباختصار، وبلا أي تعليقات في أي اتجاه، كان حصادي لهذا العام من معرض الكويت للكتاب، أكثر تنوعًا من حصاد العام الماضي، وقد اشتمل على عدة مؤلفات وكتب مترجمة، وللمرة الأولى، تدخل الموسوعات مكتبتي الصغيرة.

وهذا هو الحصاد باختصار:

  •  رسالة في التسامح. جون لوك. ترجمة وتعليق وتقديم د/عبدالرحمن بدوي. دار الغرب الإسلامي/ ط1988/1. 130 صفحة. ترجمة مباشرة عن اللاتينية.
  • النفي والعنف في الغرب الإسلامي. حميد الحداد. أفريقيا الشرق/ط2013/1. 263 صفحة.
  • الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16-17م. د/محمد رزوق. أفريقيا الشرق/ط2014/4. 433 صفحة.
  • مغامرة الفكر الأوروبي-قصة الأفكار الغربية. جاكلين روس. ترجمة أمل ديبو. كلمة-أبو ظبي/2011. 445 صفحة.
  • الأدب الأندلسي في الدراسات الاستشراقية البريطانية. رشا عبدالله الخطيب. دار الكتب الوطنية-أبوظبي. ط2013/1.
  • الموسوعة الفلسفية المختصرة. جوناثان ري و ج. أور. أرمسون. ترجمة/ فؤاد كامل-جلال العشري- عبدالرشيد صادق. مراجعة وإشراف زكي نجيب محمود. المركز القومي للترجمة. 485 صفحة.
  • بقايا اليوم. رواية لـ/ كازو إيشيجورو. ترجمة طلعت الشايب. المركز القومي للترجمة/ط2009/2. 357 صفحة.
  • قصة مدينة الحجر. رواية لـ/ اسماعيل كاداريه. ترجمة د.عفيف دمشقية. دار الآداب/ط1989/1. 298 صفحة.
  • ساعات القدر في تاريخ البشرية. ستيفان تسفايج. ترجمة محمد جديد. المدى/ط2005/1. 367 صفحة.
  • يحيى حقي.. ذكريات مطوية كما رواها لإبنته نهى. نهى يحيى حقي وتلميذه ابراهيم عبدالعزيز. دار سعاد الصباح/ط1993/1. 224 صفحة مع ملحق صور.
  • البوسنة والهرسك. د.جمال الدين سيد محمد. دار سعاد الصباح/ط1992/1. 291 صفحة.
  • المسألة الثقافية في لبنان-الخطاب السياسي والتاريخي. د.وجيه كوثراني. منشورات بحسون/ط1984/1. 200 صفحة.
  • الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي- من المتصرفية العثمانية إلى دولة لبنان الكبرى. د.وجيه كوثراني. منشورات بحسون/طبعة عام 1986. 424 صفحة.
  • تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين. جزآن اثنان. يوسف أشباخ. ترجمة وتعليق د.محمد عبدالله عنان. تقديم. سليمان العطار. المركز القومي للترجمة.

 

Read Full Post »

aliezzat
كانت حياة المفكر والمجاهد والرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش، سلسلة متواصلة من التجارب الشخصية القاسية، التي عانى منها على مدى سنين طويلة، منذ ولادته وحتى وفاته.
إحدى هذه التجارب العصيبة والقاسية كانت في ثمانينات القرن العشرين، فيما عُرِفَ بقضية “المثقفين المسلمين”، والتي روّج لها الصرب، وكانت تستهدف القضاء على المثقفين المسلمين في يوغسلافيا عمومًا، والبوسنة خصوصًا، خاصة أولئك الذين لا ينظرون للإسلام كونه مجرد تراث فقط، بل يتخذونه أساسًا ومنطلقًا للفكر والعمل.
وقد كان المفكر علي عزت بيجوفيتش أحد هؤلاء المثقفين، بل كان على رأس القائمة التي ضمَّت ثلاثة عشر مثقفًا مسلمًا، خصوصًا في أعقاب نشره كتاب “الإعلان الإسلامي”.
تمَّ اتهام هؤلاء المثقفين بعدة تهم تمس الأمن الوطني ليوغسلافيا الإتحادية، وهي تهم مُختلقة لا أساس لها من الصحة، وقد حُكم على علي عزت بيجوفيتش ورفاقه بالسجن لفترات تتراوح بين 5 و14 سنة.

وقد كانت تجربة السجن هذه هي الثانية بالنسبة لبيجوفيتش، بعد أن قضى ثلاث سنوات في السجن بين عامَي 1946 و1949م.
هذه التدوينة، مجرد إطلالة سريعة على رسائل أبناء علي عزت بيجوفيتش لأبيهم أثناء سجنه، وقد أورد بيجوفيتش بعضًا منها في ملحق كتابه “هروبي إلى الحرية”، ورغم أن علي عزت صاحب تجربة قديمة في السجن، والعمل السياسي والسجال الفكري، إلا أن ظروف هذه التجربة كانت مختلفة، في ظل تصاعد التطرف القومي الصربي، والذي كان قابضًا زمام الحياة في يوغسلافيا كلها، على حساب بقية القوميات.
بلغ عدد هذه الرسائل ٩٨ رسالة، ما بين العام ١٩٨٣م، والعام ١٩٨٨م، الذي نال فيه بيجوفيتش حريته بعد عدة محاكمات، انتهت بنيله عفوًا من بقية العقوبة، بعد أن قضى في السجن ٢٠٧٥ يومًا، بحسابه هو.
قام أبناء بيجوفيتش الثلاثة، الابن “بكر”، والبنتان “سابينا” و”ليلى” بالتناوب على الكتابة لوالدهم من غير اتفاق، وبشكل متواصل، بحيث يجد القارئ أن أحدهم يرسل رسالتَيْن أو ثلاثة في غضون عشرة أيام.
وقد تجلت في الرسائل مشاعر الشوق اللاهب نحو والدهم، فبلا استثناء، لا تقرأ رسالة لأحدهم، إلا وتجده يبث أشواقه الحارة لرؤية الوالد العزيز في البيت مرة أخرى، وقد كان هذا جليًا في رسائل الأولاد الثلاثة بوضوح.
سمة أخرى تُميزُ الرسائل وهي استرجاع بعض الذكريات القديمة مع الوالد، وخصوصًا في رسائل “بكر”، الذي كان من جانبٍ آخر كثيرًا ما يتناقش مع والده عن القراءة والكتب، ويبدو أنه كان يقوم بمهمة البحث عن الكتب التي يريدها والده، فيمضي ليبتاع بعضها، أو يستعير بعضها الآخر.
بعض الرسائل كان يطغى عليها جانِبٌ خبري، مع بعض المشاعر المبثوثة ما بين السطور، حيث يقوم الأولاد بإخبار أبيهم عن مستجدات قضيته، أو بعض الأحداث العائلية كوصول مولود جديد، أو وفاة شيخٍ كبير من أعضاء الأسرة، وفي ثنايا الخبر، لا ينسى كاتبها أن يخبر والده عن مشاعر الحب والشوق، والأمل باللقاء تحت سماء الحرية.
رسائل أخرى طغى عليها جانِبٌ عاطفيٌ ووجداني بشكل كامل، وخصوصًا من جانب الابنة “سابينا” التي ولدت ابنتان خلال فترة سجن والدها، كما ولد لبكر وليلى ابنة واحدة لكل منهما، فكانت الرسائل محملة بمشاعر مضطربة بين الفرح والحزن، بين الرجاء والخوف.

من الأمور التي لاحظتها في الرسائل، خوف الأبناء على أبيهم، وقلقهم الشديد عليه وعلى صحته بالتحديد، وكانت رسائل البنتان تفيض بالقلق من المستقبل المظلم، وإن حاولتا في رسائلهما أن تُظهرا بعض التفاؤل “المصطنع”، تشجيعًا للوالد في محنته، إلا أن مشاعر القلق والاضطراب، وعدم الثقة في النظام واجراءات المحاكمة كانت مكشوفة وواضحة للقارئ.

أمر آخر يلحظه القارئ في رسائل الأبناء، وهو التأييد الواضح، والدعم القوي، والمساندة المستميتة من الأبناء لأبيهم في نضاله الفكري والسياسي، ولا يمكن للقارئ أن يقع على ما يوحي بشيء من الامتعاض أو الانتقاد، وإن كان غير مباشر من أحد الأبناء تجاه أبيهم، وهذا يعكس قوة الرابطة التي جمعت علي بأولاده، كما يعكس ثقة الأولاد بصحة موقف والدهم، وتهافت مبررات اعتقاله.

كان من الأفضل لبيجوفيتش أن يورد بعضًا من رسائله لأبنائه، وذلك لتكتمل الصورة في ذهن القارئ، إلا أنه لم يفعل للأسف، لكن ذلك لا ينفي مدى أهمية هذه الرسائل في حقبة قاسية من حياة عائلة بيجوفيتش.
سأختار ثلاثة مقاطع من ثلاث رسائل أعجبتني، ولمن أراد المزيد، فسيجد ذلك في كتاب “هروبي إلى الحرية” لـ/علي عزت بيجوفيتش، وإن كانت ترجمة إسماعيل أبو البندورة متواضعة جدًا جدًا، بل كانت منفرة بترجمته للأعلام والمواقع، وعبارته غير مستساغة، لكن هذا ما تيسر لنا.

  • سابينا ٢٦/ ٨/ ١٩٨٥م:

لو أنك تعرف كم هزَّني في الصباح ساعي البريد عندما أحضر رسالتك. كنا قد شربنا القهوة للتو، عندما قرع أحدهم الجرس، وهذا لا يحدث دائمًا لأننا عادة نكون خارج البيت والباب دومًا مفتوح، أعتقدتُ أنه أحد الضيوف من سكان البناية، وذهب “كوبر” لفتح الباب، [فأصخت سمعي] ثم قال لي [وهو في الممر].. سابينا.. بابا. واعتقدت للحظة أنك أنت [من يقف] بالباب، وتسمَّرتُ على المقعد، ثم أطل والرسالة في يده!
لا أعرف من أين تأتيني هذه الأفكار، لكن [الأمر] في تلك اللحظة بدا وكأنه واقع.

  • بكر ٢٢/ ٩/ ١٩٨٦م:

في مجلة (الكلمة الأدبية) ظهر مقالٌ عن الجريمة الشفوية، حيث يقول: إنه في جمهوريات يوغسلافيا الاتحادية يحكمون بشكل مختلف بموجب هذه الجريمة-أي الجريمة الشفوية-، في سلوفينيا لا شيء، وفي البوسنة والهرسك إجراءات محاكم التفتيش، وإذلال، وحبس وعقوبات جائرة، على غرار محاكمة المثقفين المسلمين في سراييفو ١٩٨٣م، هكذا كُتِب!
المحب لك.. بكر.

  • ليلى ٣١/ ٣/ ١٩٨٧م:

والدي العزيز
….
إنني أخشى -عندما تتلاشى الحياة- أن أندم، وأنني حملتها محمل الجد!!

Read Full Post »

مقدمة:
إذا كان النقاش مقبول عند الحديث عن نسبة الإبادة وتجارة الرق لأوروبا، فان التمييز العنصري لا يمكن النقاش فيه، فقد نشأت العنصرية في أوروبا ونمت وترعرعت، وأصبحت سمة لأوروبا في تعاملها مع الآخر الديني داخل أوروبا أولاً، ثم خارجها، والآخر العرقي فيما بين أبناء القارة الأوروبية أولاً ثم خارجها، والعنصرية من وجهة نظري المتواضعة تشكل خطرًا أشد من الإبادة وتجارة الرقيق، بل إن العنصرية هي الدافع الذي يُسوّغ لنا أن نبيد الآخر-على أسوء احتمال-أو الاتجار به-على أحسن احتمال-، فالعنصرية تعني بكل بساطة الحط من قدر الآخر على أساس الجنس أو الدين أو اللون، وعدم حفظ حقوقه، بل العنصرية لا ترى للآخرين حقوقًا يجب المحافظة عليها، وجذور العنصرية ضاربة في التشكيل الحضاري الغربي، سواء الكنيسة النصرانية في عصر قبضتها على أوجه الحياة في أوروبا، أو حتى المدارس الفلسفية والفكرية الأوروبية التي ظهرت كردة فعل على تسلط الكنيسة.
والتمييز العنصري في الغرب إنما هو جهد جماعي موجه ومنظم، ولا يمكن حصره بأفراد أو أحداث تاريخية طارئة، أيد ذلك تعاليم دينية مسيحية عنصرية، وجهود فكرية وفلسفية قام بها كبار الفلاسفة الغربيين، وقد اتسمت أوروبا بالتمييز العنصري على مدى القرون الماضية، ومازالت حتى الآن، فقد كان التمييز والاضطهاد العنصري موجهًا قبل وأثناء عصر النهضة تجاه الأقليات الدينية سواء المسيحية أو غيرها، وخصوصًا بقايا المسلمين في الأندلس(أو اسبانيا بعد سقوط آخر المدن الأندلسية غرناطة 1492م)، واستمر الأمر على ذلك قرونًا، وفي القرن التاسع عشر كانت العنصرية القومية هي الطاغية، وقد وصلت ذروتها في القرن العشرين، حين أشعل متطرف صربي نيران الحرب العالمية الأولى باغتياله ولي العهد النمساوي في أثناء جولته بشوارع سراييفو البوسنية.
ولا تكاد نيران العنصرية المقيتة في أوروبا تنطفئ في مكان حتى تشتعل في مكان آخر، والعنصرية هي ذاتها أطلت على العالم بوجهها القبيح عام 1939م، لتُشعِلَ فتيل نار الحرب العالمية الثانية.
ومازالت حتى اليوم العنصرية متواجدة في أوروبا، وهي موجهة في الغالب ضد الوافدين وطالبي اللجوء في الدول الأوروبية، وكانت أوروبا عبر المناطق التي حازتها بالقوة في أفريقيا وآسيا والعالم الجديد، كانت تُمارس هذه العنصرية تجاه شعوب تلك المناطق، ولعل آخر الأمثلة الشاهدة على ذلك نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والذي دعمته واحتضنته الدول الغربية، وكذلك ما زال شاهدًا على العنصرية الغربية ما نراه ونشهده في الأرض المُحتلة من جَوْر وصلف وعدوان الصهاينة في وضح النهار دون أن يسترعي ذلك مشاعر الحكومات الغربية، وهنا لابد من الفصل بين تعاطف الشعوب الأوروبية ومواقف والتزامات الحكومات.
وفي بحثنا هذا سوف نتناول مفهوم العنصرية، وسنُعرّج على بعض النماذج التاريخية والمُعاصرة للعنصرية في الحضارة الغربية(أمريكا+أوروبا)، وسنكشف عن جذور العنصرية في التشكيل الحضاري الغربي، وكل ذلك بإيجاز القارئ وليس الباحث المُتخصص.

مفهوم التمييز العنصري:
لابد في البداية من أن نُعرِفَ مفهوم التمييز العنصري، وهو بشكل عام ” كل تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الجنس، ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها على قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أوفي أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة “(1).

في الجزء القادم سنتعرف على أهم الشواهد والأحداث العنصرية في أوروبا عبر العصور الماضية والأيام الحاضرة التي نعيشها.

Read Full Post »