Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘التاريخ’

image

ساعات القدر في تاريخ البشرية
ستيفان تسفايج
ترجمة: محمد جديد
عدد الصفحات: 367 صفحة
اصدار: دار المدى/ الطبعة الأولى 2005.

هذا الكتاب هو تجربة القراءة الثانية لي مع ستيفان تسفايج، حيث قرأت كتابه الآخر وهو سيرته الذاتية التي لم يكملها، وكان عنوانها “عالم الأمس”، والحقيقة أن ما وجدته في “عالم الأمس” حفزني لأن أقتني كتابًا آخر للمؤلف ذاته، وإن كان موضوع الكتاب ليس متعلقًا بسيرته الذاتية مباشرة، إلا أنه على صلة وثيقة بالسير الذاتية والأحداث التاريخية التي شغف بها تسفايج.

 

يختار ستيفان تسفايج 14 ساعة من عمر البشرية، كل منها تنتمي لعالم وعصر مختلف، ولكل منها ظروفها الخاصة وأسبابها المتنوعة، إلا أن الرابط بينها كلها هو تأثيرها في عمر ومسار البشرية، لا يعني هذا أنها كلها كانت ساعات انتهت بالنجاح، وتكللت بالتوفيق، لا يبدو أن تسفايج أراد رسم صورة جميلة زاهية مؤطرة بالانتصارات فقط، قد يكون هذا ما يتمناه، لكنه لا ينتمي لواقع الحياة، يقول تسفايج في مقدمة كتابه:

“وأحاول أن أذكِّر هنا ببعض من أمثال هذه الساعات الحاسمة، وقد أطلقت عليها هذا الاسم لأنها تشع بنورها كالنجوم، مضيئة، لا تتبدل، في ليل الفناء والزوال، من عصور وأصقاع شتى”.

أربعة عشر ساعة اختزل فيها تسفايج شغف الإنسان للتحدي، تحدي الطبيعة، وتحدي الناس، وقبلها تحدي الذات، أربعة عشر ساعة غير ذات صلة ببعضها أراد تسفايج التأكيد على أن ما يربطها هو مزيج من معاني ثلاثة هي: الإنسان-الإرادة-القدر.
فلئن كان الإنسان هو البطل، وهو الضحية، فذلك يتطلب منه عزيمة وإرادة لتحقيق المستحيل وإنجاز الصعب، وهذا ما يتطلب تدخل القدر -عنصر الحسم الثالث- الذي يحدد الساعة التي يقبل فيها الإنسان نحو تحديه أو يتردد فيها، وحينها فقط تتبلور في التاريخ ساعة من ساعات القدر في تاريخ البشرية.
أحداث تاريخية مختلفة، وأسماء وأعلام تنتمي لعوالم متناقضة، وجغرافيا مترامية الأطراف، توفر مسرحًا لساعات القدر المفصلية، ولئن كان تحديد الساعة أمرًا عسيرًا، فالمؤلف يكتفي بتحديد اليوم ذي العلاقة بالحدث، اليوم الذي صادف أن تكون إحدى ساعاته فارقة في عمر البشرية، ويورد تسفايج الأحداث بصورة أدبية، بعيدًا عن رسميات التأريخ ولغته الاحصائية، التي لا تتنازل عن ذكر الأسباب والنتائج والحيثيات و..و..وألخ، بل يركز تسفايج الحديث حول محور الحدث التاريخي، مع بعض التهكم أو السخرية، أو الرثاء والأسى، أو الإعجاب والثناء.

  • تبدأ أول الساعات عام 1513م، العام الذي اكتشف فيه الإنسان للمرة الأولى المحيط الهادي، بعد رحلة قامت أساسًا على طمع وجشع بشري لاقتناء الذهب والمجوهرات، لتنتهي بهذا الكشف الجغرافي التاريخي.
  • ثم الساعة الثانية يخصصها تسفايج للحديث عن فتح القسطنطينية عام 1453م، وإن كان في سرده ينحاز للمركزية الغربية، بحيث يتبنى الرؤى المسيحية في معالجتها لفتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح، وهو في نهاية مقالته/ساعته هذه، يجعل فتح القسطنطينية كأنه مصيبة حلّت على هذه المدينة، وأن الفتح لم يكن بمهارة المسلمين، وهو لا ينكره بصورة مباشرة، وإنما السبب الرئيس هو “الصدفة”، وقد صوّر المسلمين وكأنهم مجرمون قتلة، هذا بالإضافة لأخطاء تاريخية ودينية أخرى متعلقة بالإسلام.
  • ثم في الساعة الثالثة، يخصصها للموسيقي جورج فريدريش هيندِل، الذي تلقى عام 1741م، طردًا مرسلاً من قبل الشاعر يينين، تضمن قصيدة جديدة للأخير، كانت بمثابة وقود جديد وغير مسبوق للموسيقي الشهير كبير السن، والذي كان بأمس الحاجة لما يجدد قوته، ويبعث نشاطه، ليؤكد للناس أنه ما زال موجودًا، وما زال قادرًا على الابداع.
  • وفي المقالة/الساعة الرابعة، تناول فيها حادثة تأليف نشيد المارسليز في 1792م، وهو النشيد الذي شقَّ طريقه بصورة عجيبة ليصبح النشيد الوطني لفرنسا إلى يومنا هذا.
  • الساعة الخامسة، كانت ذات أثر كبير في توجيه مصير أوروبا والعالم إلى اليوم، هذه الساعة التي حسمت معركة واترلو عام 1815م لصالح الإنجليز، وانهارت على إثرها امبراطورية وطموحات نابليون بونابرت، وهذا الحادث، هو من الحوادث القليلة التي يوردها المؤلف، بحيث كان عنصر الإحجام والتردد هو العنصر الحاسم في الحدث التاريخي، لقد كان عجز الماريشال “غروشي” عن اتخاذ قرار حاسم، هو -بحسب رواية ستيفان تسفايج- القشة التي قصمت ظهر نابليون في جولته الأخيرة أمام الأوروبيين عمومًا، تلكؤ “غروشي” في الارتداد إلى قائده ومساندته، كان من جهة أخرى مؤازرة غير متعمدة للإنجليز عند لقائهم الجيش الفرنسي، والذي تكلل بانتصار الإنجليز.
  • أما الحدث السادس، فهو يمثل عودة للمجال الذي أحبه واهتم به ستيفان تسفايج، بالتحديد الأدب، وهنا ساعة أخرى من ساعات المجد الأدبي الشعري، التي تأتي نتيجة الشعور المفرط بالحزن والأسى، وانعدام الحيلة واقتراب الأجل المحتوم. “مرثية ماريينباد” التي أبدعها شاعر ألمانيا الكبير غوته، هي محور الساعة السادسة من ساعات تسفايج، وهذه الساعة تعود إلى أحد أيام سبتمبر عام 1823م، هذه المرثية التي يهديها غوته لنفسه قبل أن يهديها للعالم، قصيدة تدور حول قصة حبه لفتاة بعمر أحفاده لا تتجاوز سن التاسعة عشر، ماذا يفعل شيخ كبير سبعيني عشق فتاة في التاسعة عشر من عمرها؟! ماذا يجديه غير الشعر الذي يهديه للفتاة أولريكه فون ليفتسوف، ويصرح فيه عن مأساة الرجل الكبير الذي عشق ما لا يمكنه الوصول إليه أبدا:

ألا فغادريني، يا رفيقة الطريق الأمينة
ودعيني وحدي على الصخرة، في المستنقع وسط الطحلب!
ألا فليكن ذلك! فإن العالم قد انفتح لكِ،
والأرض على اتساعها، وفي مثل عُلُوِّ السماء واتساعها؛
فلتنظروا، ولتبحثوا ولتجمعوا تفاصيل الدقائق والتفاصيل، ولتَرْووا عن الطبيعة ما تفضي به من سرّها، متلعثمة
أما أنا فكل هذا يُخَيَّل إلي أنني فقدت نفسي ذاتها.

  • العالم الجديد مرة أخرى، وهنا نتوجه للحظات اكتشاف الغرب الأمريكي مع أحد المغامرين الأوروبيين، “يوهان أوغست سوتر” الذي أراد أن يبدأ حياة أخرى جديدة، نظيفة وقانونية في أمريكا، وهذا ما كانت تُنْبئ به الأيام الأولى، التي وصلت ذروتها عند وصوله للغرب الأمريكي الواعد بالثروات والكنوز، لكن في أحد أيام عام 1848م، يكتشف أحد عماله شيئًا ثمينًا سيقلب حياة “سوتر” رأسًا على عقب، حزنًا بعد فرح، خسارة بعد ربح.
  • وغير بعيد في التاريخ، وبالتحديد عام 1849م، وفي لحظة تاريخية ندر أن تتكرر، يهدي تسفايج المقالة الثامنة للأديب الروسي دويستوفيسكي، الرجل الذي أحبه كثيرًا، وقرأ أعماله بنهم شديد، وهذه اللحظة يقدمها تسفايج كقصيدة مهداة للأديب الروسي الذي كان من المفترض أن يتم إعدامه في ليلة من ليالي ذلك العام، ولكن عفوًا يصدر من القيصر بالاكتفاء بنفيه إلى سيبيريا، ينقذ دويستوفسكي في اللحظات الأخيرة، ويتمثل عبر القصيدة مشاعر الثقة بالنفس، والجسارة والإرادة لدى دويستوفسكي، كما يصور تسفايج، وهي قصيدة جميلة بمعانيها رغم ترجمتها للغة أخرى.
  • وفي المقالة التاسعة، ينتقل تسفايج إلى عالم التكنولوجيا، وأولى بوادر ما يسمى اليوم بـ”العولمة”، وخصوصًا قطاع الاتصالات، عبر تطور كبير تمثل في ربط العالم الجديد بأوروبا حينما بدأ مشروع مد خطوط التلغراف في المحيط الأطلسي.
  • وفي المقالة العاشرة، عودة أخرى للأدب، وروسيا مرة أخرى، حيث يكمل ستيفان تسفايج في هذه المقالة مسرحية لتولستوي، كانت بمثابة مرآة يعكس من خلالها الأيام الأخيرة لعمر الأديب الكبير، ونهايته التي سعى إليها، وكنت قد قرأتُ سابقًا في كتاب تسفايج “عالم الأمس” مدى حبه وشغفه بقراءة أعمال الأدباء الروس، وتأثره به، وفي طليعتهم ليو تولستوي.
  • المقالة الحادية عشر، تتناول قصة الصراع من أجل الوصول واستكشاف القطب الجنوبي، وفيها يتناول قصة الفريق الإنجليزي الذي حاول الوصول للقطب، لكنه كان قد سُبق من قبل الفريق النرويجي، وما تلا ذلك من مأساة أصابت جميع أفراد البعثة الإنجليزية.
  • وفي المقالة الثانية عشر، نبقى مع روسيا، ولكن هذه المرة مع ثورة البروليتاريا، والموضوع الرئيس هو عودة لينين بالقطار إلى روسيا بعد اندلاع الثورة فيها.
  • وأما المقالة قبل الأخيرة، فيوغل فيها تسفايج بالعودة إلى الماضي السحيق، إلى أيام الرومان، ودور شيشرون في محاولة إنقاذ الجمهورية، لكن محاولته باءت بالفشل، وأودت بحياته في نهاية المطاف.
  • وأما المقالة رقم 14 والأخيرة، فهي لا تختلف في فكرتها العامة عن فكرة المقالة السابقة، إلا أن أحداثها تقع جميعها بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وكما كان شيشرون يحاول إنقاذ النظام والحفاظ على مبادئ الجمهورية الرومانية، وقوة المواطنين فيها، فيوجد أيضًا في عصرنا من سعى لإنقاذ العالم من الصراعات وإخراجه من دائرة الحروب المتكررة، وحاول تأسيس نظام عالم جديد، تقرر فيه الشعوب مصيرها وحقوقها، أتحدث بالضبط عن الرئيس الأمريكي “ويلسون” الذي حاول عبر ورقة مبادئه الـ14 الشهيرة، أن ينهي الصراع البشري السياسي والحربي، لكنه ويا للمفارقة لم ينجح بذلك تمامًا كما حدث لشيشرون قبل أكثر من 1000 عام.

أكثر ثلاث ساعات أعجبتني هي:
دقيقة واترلو في تاريخ البشرية (المقالة السادسة).
لحظة بطولية (المقالة التاسعة، وهي قصيدة).
شيشرون (المقالة الثالثة عشر).

بطريقة أدبية جميلة أورد تسفايج هذه الأحداث التاريخية، واستخدم فيها ألوانًا من الكتابة: الشعر والمسرحية والمقالة، وقد تباينت في الطول والقصر، كما تباينت في المتعة والإثارة، ولا أنسى أنها في النهاية مجرد إضاءات على التاريخ، ولكن كما أشرت فيها مركزية غربية واضحة في التعاطي مع الأحداث والشخوص.

كانت الترجمة جيدة، عابها صياغة العبارة في بعض الأحيان، رغم جهد المترجم في وضع الهوامش التوضيحية حيثما لزم.

 

 

 

 

Read Full Post »

قال الشاعر الأندلسي ابن أبي شرف متحسرًا على حال بلاده في عهد ملوك الطوائف:

وممـا يزهدني فـي أرض أندلـس ….أسمـاء معتمـد فيهـا و معتـضد

أسمـاء مملكـه فـي غير موضعـها….كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

قام ملوك الطوائف في الأندلس بتلقيب أنفسهم بشتى الألقاب ذات الصبغتين الدينية والملكية،وذلك ليحيطوا أنفسهم بأسمى درجات الفخر والعظمة والأبهة وجلال القدر والمكانة،ولكي يرسخوا في نفوس العامة مشاعر الهيبة والوجل عند سماع أسماء ملوكهم،ورغم أن بعض من هؤلاء الملوك لم يكونوا يملكون سوى عدد قليل من الحصون والقلاع،إلا أنها من الواضح كانت كافية ليسبغوا على أنفسهم ألقابًا عظيمة مثل المعتضد بالله،والمعتمد على الله،والمستعين ،والمقتدر ، والمتوكل وغيرها من الأسماء والألقاب التي لم تكن في الحقيقة سوى “اسمًا على غير مسمى”.

ولم تكن الألقاب ذات الطابع الملكي موجودة في العهد النبوي الشريف، إذ كان المسلمون يخاطبون الرسول بـ”رسول الله”، ولم تكن للرسول-صلى الله عليه وآله وسلم- ألقاب كألقاب ملوك الفرس والروم، وإن كان ابن خلدون يذكر في مقدمته أن العرب كان يلقبون الرسول –صلى الله عليه وآله وسلم- بـ“أمير مكة” أو”أمير الحجاز”، وعلى كُلٍ فهذا ليس بلقب تشريفي للرسول-فرسول الله في غنى عن هذه الألقاب-ولكنها في حقيقة الأمر “وصفًا لواقع الأمر بعد فتح مكة”.

ولما توفي الرسول-صلى الله عليه وآله وسلم- تولى أمرَ المسلمين أبو بكر الصديق-رضي الله عنه- ولُقِبَ بـ”خليفة رسول الله“، ولكن الأمر احتاج إلى تغيير عندما تولى عمرُ بن الخطاب-رضي الله عنه- أمرَ المسلمين في العام 13 من الهجرة، لذا لُقب بـ“أمير المؤمنين” وذلك لرفع الحرج عن من يتحدث إليه، إذ أنهم استثقلوا هذا اللقب بكثرته وطول إضافته ، وتخيل لو أن رجلاً ما يُريد أن يُخاطب -على سبيل المثال- الإمام علي بن أبي طالب-كرم الله وجهه- حينما تولى الخلافة فهل من اليسر أن يُنادى بـ”خليفة خليفة خليفة خليفة رسول الله”، لذا كان اتخاذ لقب “أمير المؤمنين” وسيلة للتيسير لا للتشريف، أضف إلى ذلك إلى أنه ضرورة سياسية، إذ لا بد أن يكون للحاكم لقب خاص به لا يشاركه أحد فيه من الرعية، وهذا من مقتضيات الدولة، كما رأينا تاريخيًا.

ومع نشأة الدولة العباسية في العام 132هـ ، ظهرت موجة جديدة من الألقاب، فلم يكتفِ الخلفاء بلقب “أمير المؤمنين”، بل اتخذوا لأنفسهم ألقاب أخرى تشريفية ، وكان البادئ في هذا الأمر هو الخليفة العباسي الأول أبو العباس الذي لقب نفسه بـ”السفاح” ،ثم تبعه بقية الخلفاء فظهرت لدينا ألقاب كـ”المنصور”، “الرشيد”، “المهدي” ،المعتصم بالله”، “المتوكل على الله”،”الأمين”….وغيرها الكثير.

أما في بلاد الأندلس فلم تكن هذه العادة معروفة في عصر الولاة، ومع قيام الإمارة الأموية على يد عبدالرحمن بن معاوية في العام 138هـ، وُجدَت هناك بعض الألقاب التي أطلِقَت على أمراء بني أمية، وذلك لارتباطهم بها، فعلى سبيل المثال لُقب عبدالرحمن بن معاوية بـ“الداخل” وذلك لأنه أول من دخل الأندلس من أمراء بني أمية، ولُقِب خليفته هشام بـ“الرضا” وذلك لورعه وتقواه، وحُسن طباعه وشمائله، ولُقب الأمير الحكم بن هشام بـ“الربضي” وذلك لأنه قمع ثورة الأرباض-الأرباض هي الأحياء السكنية في قرطبة-، وعلى ذلك نلاحظ أن الألقاب التي مُنحت لهؤلاء الأمراء لم تكن من أجل التشريف ورفع المكانة والقدر، وإنما للربط بين هؤلاء الأمراء وأحداث أو وقائع وقعت وحدثت في عهدهم.

وعندما تولى عبدالرحمن الثالث مقاليد الإمارة،اتخذ لنفسه لقب الخلافة وذلك في العام 316هـ،مُضاهيًا في ذلك الخلفاء العباسيين،ولم يكن أحد من أسلافه قد قام بهذا الأمر، كما لقب نفسه بـ”الناصر” وهو بلا شك أهلٌ لذلك، إذ كان حازمًا في ملكه،انصاع لأمره القاصي والداني،كما أنه يُعتبر من أفضل أمراء بني أمية الذين تولوا أمر الأندلس بعد جده عبدالرحمن الداخل،ومن بعده أتى ابنه الحكم الثاني الذي تلقب بـ“المستنصر بالله”، وقد كان على نهج أبيه من حيث قوة وصلابة الحكم، والقرب من العلماء ، ولقد عُرف بشخصيته العلمية وحبه الشديد للقراءة واقتناء الكتب والمراجع النادرة، والبحث عنها في كل مكان.

أتى بعد ذلك خلفاء ضعفاء لا يستحقون حتى مجرد تبؤ منصب الإمارة فضلاً عن اتخاذ جملة من الألقاب التي لم تناسب شخوصهم، إذ لم يكونوا سوى ألعوبة بيد نساء القصر أو الحجّاب أو الوزراء،ناهيك عن انهماكهم في الملذات والشهوات ،وابتعادهم عن شؤون الحكم، وتسيير أمور الرعية،ومن هؤلاء الخلفاء محمد بن هشام لقبه “المهدي”،ثم سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبدالرحمن الناصر ولقبه”المستعين بالله”،وسار بنو أمية على هذا المنوال إلى أن سقطت إمارتهم في عام 422هـ،الموافق1031م، في عهد الخليفة هشام الثالث الذي لقب بـ”المعتد بالله”.

ومع ظهور عهد ملوك الطوائف، سار هؤلاء الملوك على نهج أمرائهم وملوكهم الأمويين من حيث اتخاذ الألقاب والأسماء التشريفية، ولعل ابرز ما يدل على هوس هؤلاء الملوك باتخاذ الألقاب ما قاله الملك الإسباني ألفونسو السادس متحدثًا إلى سفير….المعتمد بن عبّاد ملك اشبيليا ،قال ألفونسو السادس:

“كيف اترك قومًا مجانين، تَسمَّى كل واحدٍ منهم بأسماء خلفائهم وملوكهم وأمرائهم،المعتضد والمعتمد ، والمعتصم والمتوكل، والمستعين والمقتدر، والأمين والمأمون، وكل واحد منهم لا يسل في الذب عن نفسه سيفًا ولا يرفع عن رعيته ضيمًا ولا حيفًا، وقد أظهروا الفسوق والعصيان ،واعتكفوا على المغاني والعيدان،وكيف يُحِل البشر أن يُقروا منهم على رعيته أحدًا وأن يدعها بين أيديهم سُدًا”.

لم يتورع هؤلاء الملوك عن مقاتلة بعضهم بعض، بل إنهم لم يجدوا حرج في أن يعقدوا صفقات واتفاقيات مذلة مع العدو الصليبي الإسباني في سبيل القضاء على ممالك أخوانهم المسلمين وذلك طمعًا في الحصول على أكبر قدر ممكن من المدن والقلاع والحصون كي تنضوي تحت راياتهم،وتناسوا وهم في غمرة صراعاتهم أنه يوجد عدو يتربص بهم، ويسعى للنيل منهم وتدميرهم، لقد فعل هؤلاء الملوك الكثير من الجرائم التي لم تستطع ألقابهم -التي لقبوا بها أنفسهم- أن تزيلها أو على الأقل تزينها في نظر العامة والخاصة من المسلمين.

في النهاية أريد أن أقول….. أن الألقاب هذه لم تكن لتزيد في شرف أحد من الخلفاء أو الأمراء،أو ترفع من شأنهم،أو تُعزز مكانتهم بين الناس، فالتاريخ يشهد على كثير من الأمراء والخلفاء الذين لم يُلقبوا في حياتهم بكثير من الألقاب،ورغم ذلك فإن لهم من الإنجازات ما لا سبيل إلى مقارنته بأفعال هؤلاء الملوك.

المراجع:

مقدمة ابن خلدون – دار العودة بيروت.

ملوك الطوائف لـ/محمد عبدالله عِنان.

التأريخ السياسي للمغرب والأندلس للدكتور/أحمد يوسف الدعيج “مجموعة أشرطة صوتية”.

تاريخ الأندلس من الفتح الإسلامي حتى سقوط الخلافة في قرطبة لـ/وديع أبو زيدون.

Read Full Post »