Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘الثقافة’

image

 

رحلة من مصر إلى مصر
الأستاذ المحامي محمد فريد وجدي بيك

مراجعة وتصحيح وتعليق: د.عبدالمجيد خيّالي
عدد الصفحات: 146 صفحة (شاملة الفهارس والصور).
الناشر: مركز التراث الثقافي المغربي ودار ابن حزم/ الطبعة الأولى/ 2011م.

 

المحامي والسياسي والمؤرخ محمد فريد بيك، يقوم برحلة سياحية قصيرة في صيف عام 1901م، ليستطلعَ بها ما أصاب المسلمين جرّاء التخلف والانقسام والتنازع بينهم، ولذلك فهو يقصد اسبانيا، ليطلعَ على شواهد باقية من الحضارة الإسلامية، بقيت برغم محاولات المحو والتشويه، ثم يتوجه لشمال أفريقيا، ليكون شاهدًا شهادة العين والأذن والمعايشة، على ما يتعرض له العرب والمسلمون في ديارهم من ظلم المحتل.

مسار الرحلة:
بدأ المحامي وجدي بيك رحلته يوم الجمعة 5 يوليو 1901م، منطلقًا من القاهرة، وبحرًا توجه نحو مرسيليا، المدينة الفرنسية الساحلية العتيقة، وبعد قضاء بضعة أيام فيها، توجه بحرًا نحو اسبانيا التي طاف في أرجائها، فشملت رحلته بالترتيب المدن التالية: برشلونه – سرقسطة – مدريد – طليطلة – قرطبة – غرناطة – اشبيلية – وأخيرًا قادس.
ويبدو من خلال سير رحلته في ربوع اسبانيا، أن السائح كان يقصد التعرف على ما تبقى من آثار المسلمين في الأندلس، لذلك، فهو لم يتجشم عناء التوجه لمدن غرب وشمال اسبانيا، وذلك لعدم اشتمالها على ما تبقى ويُظَن أن له علاقة بتاريخ الأندلسيين وحضارتهم، واكتفى بأن يقضي يومين أو ثلاثة في كل حاضرة من حواضر الأندلس العريقة، وهو في رحلته هذه، يقدم دروسًا وعِبَر يطلب من المسلمين التنبه لها، كما أنه لا يُخفي حزنه على بدائع إسلامية تعرضت للتشويه والتبديل، وطمس آيات القرآن، ليوضع عليها وبشكل مُنفر علامات وأيقونات المسيحية.

كما أن الأستاذ المحامي، كان حريصًا على انتقاد بعض المظاهر غير الحضارية في الحياة الاسبانية اليومية، وأهمها كانت مصارعة الثيران، هذه الرياضة التي لا بد فيها من نزف الدماء وقتل الحيوانات، لا لشيء سوى المتعة، كانت هذه الرياضة محل انتقاد شديد من المحامي صاحب الرحلة، وسابقًا، انتقد الأستاذ الفرنسيين وعموم الأوروبيين على ممارساتهم واعتقاداتهم الدينية المتخلفة، المتمثلة في إلقاء النذور في الكنائس، وغيرها من السلوكيات فكتب يقول:

“ومن الغريب أن الإفرنج يرموننا بالجهل، لتمسك بعض جهلائنا بالأوهام الباطلة، واعتقادهم بتأثير الأحجية والتمائم مع شيوع هذه الاعتقادات بين أكثر طبقاتهم تنوراً، فهم يغمضون الجفن عن عيوبهم، وينظرون إلى أقل عيب في غيرهم بالنظارة المكبرة، لكن لا غرابة في ذلك، فهو أمر طبيعي في الأفراد والأمم”.

لكنه كذلك أثنى على دور الحكومة الاسبانية في الاهتمام والعناية بالآثار الأندلسية القديمة المتبقية، وهذا الأمر له علاقة مباشرة بما يسمى “الحنين إلى الأندلس” هذه الموجة الأدبية التي اجتاحت مثقفي وشعراء وأدباء الغرب في القرن التاسع عشر، فكان ذلك سببًا في إقبال السائحين والباحثين على اسبانيا، ومن هنا تنبهت الحكومة الاسبانية لما يمكن أن يعود عليها من منافع بسبب هذه الآثار فأولتها اهتمامها، وشخصيًا، أعتقد أن اهتمام العرب والمسلمين في أوليات القرن العشرين وحتى منتصفه، كان رجع الصدى لتلك الموجة الرومانسية الغربية تجاه الأندلس، فأحيت ما كان ضامرًا في النفوس العربية.
ولأنه عروبي ويعتز بالإسلام وحضارته، فلم يفوت فرصة المرور على “مكتبة الاسكوريال”، والتعرف على الكتب والمخطوطات العربية التي بحوزة هذه المكتبة، وهي تشكل ذخيرة غنية ومتنوعة، كثير منها لم يُكتشَف بعد.
***
وفي يوم الاثنين الموافق 29 يوليو، يتوجه المحامي بحرًا من قادس إلى طنجة، ومنها إلى عدة مدن عربية، وذلك على الترتيب التالي:
طنجة – مليلة – وهران – تلمسان – مدينة الجزائر.

طنجة.. المدينة الساحلية المغربية، كانت تخضع لنظام غريب، فهي أفريقية، ويتغلب عليها الأوروبيون، ويتحكمون بأمرها فعليًا، رغم أنها اسميًا تنتمي لسلطان “مراكش” أو ما يُعرف حاليًا بالمملكة المغربية.
وهناك، شاهد وجدي بيك -برأي العين وسمع الأذن وتقطع القلب- ما أحزنه وحذَّرَ منه، فالغلبة هناك للأوروبيين، مدنيًا مناطق الأوروبيين أنظف وأجمل، وعسكريًا، تولى الأوروبيون المناصب القيادية في الجيش والشرطة والبحرية، فقائد الجيش العام فرنسي، وقائد المشاة انجليزي، وقائد القطعة العسكرية البحرية الوحيدة ألماني، وثقافيًا، تتنوع لغات الصحف المطبوعة والمنشورة، ولا توجد بينها صحيفة واحدة تطبع باللغة العربية!
وفي ميدان الاتصالات والبريد، فلكل قنصلية أوروبية مصلحة بريد وتلغراف خاص بها.
وكل ذلك يورده المحامي وجدي بيك، ليحذر من مغبات التفرق، وهو ينتقد سلطان مراكش -ملك المغرب- لعدم استخدامه لضباط من الدولة العثمانية في “ترتيب جيوشه”، ويعزو ذلك لـ:

“التفرق والتخاذل الذي سبَّبَ ضياع بلاد الأندلس، والذي سيكون سببًا في ضياع مراكش وغيرها من بلاد الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله”.

وبعد قضاء يومين في طنجة، توجه بحرًا نحو وهران، ثم بالقطار إلى مدينة تلمسان، ومنها إلى مدينة الجزائر.
وعمومًا، كانت المشاهدات في الجزائر أكثر إيلامًا من تلك التي في لمغرب، ولم يُسمح له بالنزول من الباخرة إلا في اليوم التالي، وبعد بعض الاتصالات، لكنه في البداية وضح سبب زيارته وتجشمه عناء السفر للجزائر:

“أردتُ زيارة الجزائر لأتحقق مما يدَّعي الفرنساويون أنهم أتَوه من الإصلاح، وما قاموا به من الأعمال الجِسام لتحسين حالة الأهالي المعاشية، وتقدمهم في مراقب التمدن والسعادة، فما رأى كمن سمع”.

وبالفعل، لم تكن هذه سوى دعاية ترويجية للمحتل الفرنسي، فأهل البلاد في فقر وتخلف وجهل، وأما التمدن والبحبوحة العيش فكانت حصرًا للمستوطنين الفرنسيين، فأهل البلاد “شيّالون في الميناء أو خادمين عند الإفرنج.. ولا يوجد بينهم تاجر عظيم أو متوسط، ولا صاحب معمل”،ومما وقف عليه السائح العربي، تحويل عدة مساجد إلى كنائس أو مخازن في هذا البلد المسلم!
وكذلك لاحظ الغزو الثقافي الفرنسي، الذي أجبر الناس على هجرة تعلم العلوم العربية والشرعية، والتوجه لدراسة العلوم باللغة الفرنسية، طمعًا في تحصيل وظيفة أو منفعة دنيوية.
وفي وهران، ألتقى محمد فريد بأستاذ اللغة العربية المسيو “موليراس”، الذي كتب له خِطابَين أحدهما إلى قاضي تلمسان، والآخر إلى سكرتير حاكم الجزائر العام، حيث “أوصاهما فيهما بمساعدتي على جميع ما أريده من الاستعلامات عن حالة البلاد وأهليها”، ويؤكد وجدي بيك أن الخطاب الثاني الذي وجه به إلى سكرتير حاكم الجزائر كان مفيدًا له، حيث “أن المسلمين يحذرون من مقابلة من يأتي بلادهم من إخوانهم من البلاد الأخرى، إلا إذا علموا أن الحكومة ورجالها غير ناقمين من وجود هذا المسلم الأجنبي وبالأخص إذا كان تركيًا أو مصريًا”.
وبعد تلمسان توجه إلى مدينة الجزائر، ومما ذكره عنها، أنه كان يوجد فيها 14 مسجدًا جامعًا، لم يبق منها إلا أربعة!
وفي وسط المشاهد التي تجلب الضيق على النفس، والحزن في القلب، تبدى له مشهدًا جميلاً حينما شاهد وجود “عشرة من البحارة الروسيين يؤدون صلاة الجمعة بكل خشوع”، وحينما سألهم عن موطنهم، أجابه البعض بأنه من بلاد قفقاسيا، والبعض من أوفه، وقَزان، وكانت له لقاءات ببعض أعلام الجزائر في حينها ومنهم قاضي تلمسان شعيب بن عبدالله، الذي أكرم وفادة الأستاذ المحامي.
وفي الجزائر البلد الكبير المترامي الأطراف، لا توجد به سوى جريدة واحدة وهي “المبشر”، ولم يذكر عما إذا كانت عربية أم لا،وهي جريدة رسمية تنشر الأوامر وبعض الفصول في فضل فرنسا على العرب، والحض على التعلق بالولاء لها!
وفي آخر رحلته، قدّمَ المسافرُ العربي مقالتين قصيرتين جدًا عن مشاهداته في الجزائر، الأولى عنوانها “الحرية الشخصية في الجزائر”، وفيها يؤكد على ازدواجية معايير هذه الحرية، فكل شيء مباح للفرنسيين والغربيين، وكل شيء ممنوع على الجزائريين. والمقالة الثانية عنوانها “التعليم والمدارس في الجزائر”، وفيها يتناول أوجه الغزو الثقافي الفرنسي، الذي يعمل على تهميش وإقصاء علوم الشريعة واللغة العربية، ويركز عبر آليات عدة، في مقدمتها التوظيف في الإدارات الحكومية، على التعليم باللغة الفرنسية.

وفي يوم الأحد 11 أغسطس، غادر المحامي مدينة الجزائر بحرًا، عائدًا لمدينة مرسيليا، ومنها توجه لقضاء 20 يومًا في كل من مدينتي “باريس” و”فيشي”، ثم قفل عائدًا إلى بلده، فوصل الاسكندرية يوم 10 سبتمبر 1901م.

***
تمتاز هذه الرحلة بعدة خصائص، من أهمها أن صاحبها رجل يحمل هَمَّ الأمة، ويشعر بمغبة التفرقة والتنازع بين أبنائها، فكانت رحلته هذه مطبوعة بطابع النصح والإرشاد، واستلهام الدروس والعبر، فإذا ما عرفنا الوضع الحرج الذي كانت تعيشه الأمة العربية والإسلامية في مطلع القرن العشرين، وإذا ما عرفنا الدور السياسي والحقوقي والثقافي الذي اضطلع به الأستاذ محمد فريد، اكتشفنا أهمية رحلته القصيرة هذي، وأنها تستهدف تنبيه الأمة وإيقاظها من سباتها.
وتمتاز بطابعها الجغرافي الممتد، من مصر إلى مصر، مرورًا بعدة دول وحواضر أوروبية وعربية أفريقية، وهي تقع -كما ذكرتُ أعلاه- في حقبة تاريخية مضطربة ومتأزمة من تاريخ العالم العربي والإسلامي.

ومما تمتاز به هذه الرحلة، أنها من بواكير رحلات العرب إلى الأندلس، فكما أعلم -وعلمي قاصر- أن الأستاذ محمد فريد سبق الأديب الأمير شكيب أرسلان وغيره من العرب في السياحة إلى الأندلس، فكانت تجربة فريدة وسابقة جميلة تسجل لصاحبها.
كما تمتاز هذه الرحلة، باستشراف المستقبل، فكان السائح المثقف يدقق بصره وبصيرته في ممارسات المحتل في كل من المغرب والجزائر، وكان يحذر وينبه لخطورة ما تقوم به حكومات وإدارات المحتل في ثقافة وتاريخ ودين البلدان المحتلة.


كانت لغة صاحب الرحلة واضحة بسيطة، لم يتكلف لا في عبارته ولا في أسلوبه، وكذلك لم يتجنب إظهار عاطفته الحزينة لحال المسلمين، كما أنه كان حريصًا على الموضوعية، فانتقاده لهيمنة الدول الأوروبية واحتلالها بلداننا، لم يمنعه من الثناء على تنظيمها وحسن إدارتها لأمورها في بلدانها.
كان الكتاب قد طبع قديمًا، وهذه الطبعة هي الطبعة الثانية، وكانت بتحقيق الأستاذ عبدالمجيد كيالي، الذي أضاف هوامشًا عديدة، ربما لم يكن من المطلوب وضعها بهذا الشكل، كما أن هذه الطبعة حفلت بصور فوتوغرافية لم تشتمل عليها الطبعة اأصلية، وهذه من النقاط السلبية في هذه الطبعة، فبعض الصور “مسحوب” من منتدى في الانترنت، وتظهر في إحدى زواياها شعار ذلك المنتدى أو الموقع، وبشكل مُنفِّر، كما أن خط الطباعة كان كبيرًا، يماثل حجم خط الطباعة في الكتب المدرسية، وربما أرادت الدار إخراجه بهذا الشكل لزيادة عدد صفحات الكتاب.

وعمومًا، الرحلة مثيرة، وحافلة بالدروس، والتنبيهات والتحذيرات التي تحقق للأسف بعضٌ منها.

Advertisements

Read Full Post »

arsenal

 

يُعدُ نادي الأرسنال أحد أشهر أندية كرة القدم العالمية، وهو النادي الذي أشجعه على مستوى الدوري الإنجليزي منذ أكثر من عقدٍ من الزمان، بالإضافة لبرشلونه الإسباني، لا أريد الاسترسال في ذكر تاريخ ومنجزات ولاعبي النادي، لأن هذه التدوينة لا صلة لها بمنافسات كرة القدم من بعيد أو قريب سوى اسم النادي “الأرسنال”.

كلمة “أرسنال” الإنجليزية Arsenal، تُترجم بمعنى مستودع أو مخزون الأسلحة والذخيرة بحوزة فرد أو مجموعة أو دولة، باختصار؛ يعني “الترسانة”، وقد لفتَ نظري إلى هذا المعنى ما قرأته في كتاب “تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط” حيث كتب المؤلف والمترجم الأمير شكيب أرسلان في أحد هوامش هذا الكتاب مُعلقًا على عبارة “دار الصناعة” ما يلي:

سمَّى العربُ المعامل التي كانت تُبنى فيها المراكب البحرية بـ”دور الصناعة” وربما قالوا الصنعة، ومشى كُتّابهم على هذا الاصطلاح، فترى مؤرخينا يقولون: كانت الصنعة في صور، أو أسس الأميرُ فلان دار الصنعة في تونس، أو كانت صنعة الأندلس بألمرية وما أشبه ذلك. وأخذ الإفرنج جملة “دار صنعة” فلفظوها “دارسنا” بحسب صعوبة إخراجهم لحرف العين كما لا يخفى، ثم قلبوها إلى “آرسنا”، وأضافوا إليها حرف اللام المستعمل عندهم في النسبة والمقامات الظرفية فصارت “آرسنال”، ثم جاء الترك فحرفوا “دار صناعة” أو “دار صنعة” إلى “ترسانة” فقالوا عن دار الصناعة التي في خليج استانبول “ترسانة عامرة”.

 

إذا فالأصل هي اللفظة العربية “دار الصنعة”، وبفعل التبادل التجاري والاحتكاك الثقافي على جانبي البحر المتوسط، وبمرور سنوات طويلة، ثم بفضل الثقل الثقافي للغة العربية وهيمنتها على غيرها من اللغات، واستخدامها في المجالات العلمية والسياسية والتجارية وغيرها، وعلى أجزاء مختلفة وممتدة على ضفاف المتوسط، أخذ الغربيون هذه اللفظة العربية، وأدخلوها في لغتهم مع قليل من التحريف بسبب طبيعة كلامهم، وبمرور زمنٍ آخر، نُقِل اللفظ إلى الإنجليز عبر الفرنسيين أو الإيطاليين، حتى استقرَّ الأمر على كلمة “أرسنال”، كما في الأعلى.

مصدر آخر يؤيد هذه المعلومة، وهو موقع بي بي سي الإنجليزية، حيث يُتيح لك التعرف على معنى الكلمة الإنجليزية بالإنجليزية، وبيان مصدرها التاريخي، وقد كتبوا بخصوص كلمة arsenal ما يلي (بتصرف يسير):

Arsenal (noun); a collection of weapons and military equipment stored by a country, person, or group: e.g; Britain’s nuclear arsenal.

Origin: early 16th century. (denoting a dock for the construction and repair of ships): from French, or from obsolete Italian arzanale, based on Arabic dār-as-sinā’a, from dār ‘house’ + al- ‘(of) the’ + sinā’a ‘art, industry’ (from sana’a ‘make, fabricate’).

وعلى هذا فإن النظير اللغوي والرياضي لنادي “الأرسنال” الإنجليزي، هو نادي “الترسانة” المصري، الذي يلعب في الدرجة الثانية، ويبدو أن ناديًا آخر في ليبيا يحمل الاسم نفسه، مع الفارق الكبير في الإمكانات والمنجزات بين الناديين العربيين والنادي الإنجليزي الذي يحمل اسمًا ذا جذورٍ عربية! ورغم أن كلمة “ترسانة” هي الأخرى تحريفٌ تركي لعبارة “دار الصناعة” العربية، إلا أنها دخلت حيز الاستخدام العربي، وانتشر استخدامها على حساب الأصل العربي “دار الصناعة”، وكما يُقال “هذه بضاعتنا رُدَّت إلينا”.

Read Full Post »

Mufeedtayyarat

 

 

التيارات الفكرية في الخليج العربي  1938-1971م

د/ مفيد الزيدي

عدد الصفحات: 400 صفحة (شاملة الفهارس والملحق).

إصدار مركز دراسات الوحدة العربية/الطبعة الأولى/مايو 2000م.

 

هذا الكتاب في الأصل هو أطروحة دكتوراه للباحث العراقي مفيد الزيدي، والتي انتهى منها –ربما- عام 1997م في جامعة بغداد، وتدور حول واقع وتاريخ التيارات الفكرية السياسية في منطقة الخليج العربي منذ حقبة الثلاثينات وحتى أوائل السبعينات من القرن العشرين، ومن الملاحظ أن الحقبة الزمنية للدراسة هذه تبدأ في الفترة ما بين الحربَين العالميتَين، وتنتهي مع مستهل السبعينات حيث نالت الدول الخليجية استقلالها عن بريطانيا، وهي حقبة حافلة بالأحداث التاريخية في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مما كان له عميق الأثر في مستقبل الخليج العربي.

وفي الفصل الأول، تناول الباحث/الدكتور مفيد الزيدي البُنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الخليج العربي حتى مطلع السبعينات حيث تطرق للنشاطات الاقتصادية التقليدية، والتحول الذي أحدثه اكتشافُ النفط بكميات تجارية، وتأثيره على الفئات الاجتماعية، ودوره في استقطاب الهجرات الأجنبية المختلفة، وبالتالي النمو السكاني الذي تميزت به المنطقة في ستينات وسبعينات القرن العشرين، وهو أمر ما زال مستمرًا إلى الآن.

ومما تناوله في هذا الفصل أيضًا، البُنية الثقافية للخليج العربي، والظروف والعوامل التي أدت إلى تكوين الوعي الثقافي لدى أبناء الخليج، فقد شكل اكتشاف النفط ووفود الأجانب للمنطقة بأعداد كبيرة ظرفًا تاريخيًا بارزًا في تشكّل الوعي الثقافي لدى الخليجيين، وقد أدت المدارس والأندية الثقافية دورًا حيويًا في استقطاب العلماء والأدباء والسياسيين العرب الذين التقوا بشباب الخليج، وقدموا لهم الأفكار المختلفة والتي كانت بمجملها إصلاحية وتحررية، وأيضًا فقد تناول البنية السياسية، والنظم الحاكمة في الخليج، والتي تتشابه إلى حد التطابق في كثير من تكويناتها وسياساتها ونخبها.

أما في بقية الفصول، الثاني، والثالث، والرابع، والخامس، فقد تناول أبرز التيارات الفكرية التي تعاطت في الشأن السياسي بشكل مباشر، فقد ناقش بروز التيار الليبرالي أولاً، ثم القومي، ثم الإسلامي وأخيرًا الماركسي، وفي كل فصل من الفصول، يسرد الباحث تاريخ كل تيار وظروف تطوره وبروزه، وأبرز قياداته وجمعياته/حركاته، ومساهماته في الحياة السياسية والاجتماعية، وفي نهاية كل فصل يكتب أهم القضايا التي اهتم بها كل تيار، ثم ينهي الفصل بخلاصة يجمل فيها رأيه بهذا التيار أو ذاك.

ومن الملاحَظ أن أغلب الخُلاصات والنتائج التي توصل إليها الباحث تكاد تكون متشابهة، حيث أن التيارات الفكرية في الخليج العربي لم تتجذر أيديولوجياتها ومبادئها في ذهن وعقل المواطن الخليجي، ولم تُعبر القضايا التي تبنتها عن تطلعات الشعوب، وانحصرت في النخب من المثقفين والتجار المتعلمين، وهذا الأمر تكرر في تجربة التيارات الليبرالية والقومية والماركسية، بل وحتى الإسلامية، التي تبنت-بحسب الباحث- قضايا لم تأخذ بُعدًا فكريًا وسياسيًا مقارنة ببقية التيارات.

والخُلاصة النهائية للبحث، هي أن هذه التيارات برغم التباين في منطلقاتها ودعواتها إلا أنها لم تصل إلى مرحلة الصراع الايديولوجي والفكري، وبناء على الوقائع التاريخية والواردة في البحث، فقد ثبت أن مطلب النخب الاجتماعية والسياسية في الخليج العربي هو الديمقراطية، وهو بحسب الباحث، المخرج الوحيد لأزمة المجتمع، والقاسم المشترك لجميع التيارات على اختلافها.

وقد أضاف الباحث ملحقًا، أورد فيه جداول عديدة تتناول النشاط الثقافي والإعلامي في الخليج العربي.

وقد لاحظت على الكتاب، تعدد المصادر والمراجع، وحداثتها بالنسبة إلى زمن تأليف البحث، فكان هناك العديد من الهوامش التي تشير إلى دوريات وفصليات وأبحاث ماجستير تتناول المنطقة الخليجية سواء باللغة العربية أو الإنجليزية، ويبدو أن الباحث كان نشيطًا  ومثابرًا في متابعة أحدث ما يصدر من الدوريات والمؤتمرات العلمية، رغم قرب فترة القطيعة مع العراق من قبل أغلب دول الخليج، ورغم الحصار الأمريكي الذي فُرض على العراق في أعقاب احتلاله للكويت، الأمر الذي يجعل الحصول على مستجدات البحث العلمي أكثر صعوبة.

البحث/الكتاب أيضًا يقدم إضاءات تاريخية على المنطقة، وعلى أسماء لم نعتد سماعها عبر الإعلام الرسمي، كالمعارض السعودي ناصر السعيد، والشيخ صقر بن سلطان القاسمي أمير الشارقة، والكويتي محمد البراك، والبحريني عبدالرحمن الباكر، وغيرهم من الأعلام والهيئات والحركات السياسية المُغَيبَة عن أسماع وأنظار أبناء الخليج العربي، وكأن لا وجود تاريخي لها، وهناك كم من الأحداث السياسية والتاريخية التي يشير إليها الباحث سواء في متن الكتاب أو في هامشه، مما تتطلب مزيدًا من إلقاء الضوء عليها وعلى تفاصيلها.

ويبدو أن الباحث قد أصدر كتابًا آخرًا متممًا لهذا البحث في موضوعه الأساسي ولكن ضمن حقبة تاريخية أخرى وهي من السبعينات، وحتى مطلع الألفية الجديدة.

 

Read Full Post »

20140513-232729.jpg

الحضارة العربية في إسبانيا
ليڤي بروڤنسال
ترجمة: د.الطاهر أحمد مكي
عدد الصفحات: ٢٢٣ صفحة (شاملة ملحق وكشاف بالتاريخ السياسي الأندلسي ومسرد بالمصادر والمراجع).
اصدار: دار المعارف/ ط٣/ ١٩٩٤م.

ذكر المترجم في مقدمته، أن هذا الكتاب بالأصل، هو ثلاث محاضرات ألقاها المستشرق الفرنسي ليڤي بروڤنسال في القاهرة، بدعوة من كلية الآداب في مارس عام ١٩٣٨م، ثم قام المستشرق بروڤنسال بجمع هذه المحاضرات وأضاف إليها موجزًا بالمصادر الهامة التي عاد إليها، وملحقًا بالتواريخ البارزة في تاريخ الأندلس، وطبعها بالفرنسية في القاهرة بعد ذلك بنحو شهرين.
لكن المترجم، أصدر ترجمته لهذا الكتاب، ملحِقًا بها ترجمته لمقال للمستشرق ذاته عنوانها “المذهب المالكي في الأندلس، وإسهامات المذاهب الشرقية الأخرى”.

وفي هذا الكتاب، يتناول المستشرق الفرنسي اليهودي الحضارةَ العربية في إسبانيا، بطريقة نقدية أكثر منها سردية، وذلك عبر فصول ثلاثة متمايزة، الأول منها تناول فيه مفهوم “الغرب الإسلامي” والحضارة العربية الإسبانية، وفي الفصل الثاني، تناول المشرق الإسلامي وعلاقته مع الأندلس، أما الأخير، فتناول إسبانيا المسيحية والتأثيرات المتبادلة لها مع الحضارة العربية الإسبانية.

وكما قلت، فالكتاب نقدي تاريخيٌ، تحليلي، أكثر منه سردي، إلا أن المؤلف لا يفتأ بين حين وآخر من ذكر بعض الأحداث التاريخية مسلسلة حسب تاريخها، بما يتناسب مع سياق حديثه، ويذكر بعض المعلومات التاريخية، التي لا بد من التأكد منها-بالنسبة لي على الأقل- عبر قراءة مصادر ومراجع أندلسية أخرى.

والمؤلف يبدو في كثير من كلامه، واثقًا في آرائه وأحكامه، ويزول عجبنا من هذا الكلام إذا قرأنا أن المترجم وصف المؤلف في مقدمته بأنه “حجة فيما يكتب أو يقول في هذا المجال” أي تاريخ الأندلس.

وكان المؤلف شديد الانتقاد للدور الذي قام به أئمة المذهب المالكي في الأندلس، إذ يعتبرهم عرقلوا مسيرة الازدهار الفكري والثقافي للأندلس، كما أنه ينقل تاريخ دخول المرابطين لنجدة الأندلس، وكأنه تنازل من الأخيرة عن بعضٍ من كبريائها السياسي والثقافي، لصالح البدو القادمين من المغرب، فقط في سبيل إنقاذ مصيرها من ألفونسو السادس، كما أنه يكرر في أكثر من مناسبة، أن اليهود القاطنين في الأندلس، قد أسهموا في بناء حضارتها الرائعة، إسهامًا فعّالاً، كما انهم أسهموا بنقلها -حين دنا زوالها- إلى إسبانيا المسيحية عبر الترجمة.

 

  • وفي الفصل الأول:
    يتناول بروڤنسال نقطتين هما:
    ١/ مصطلح “الغرب الإسلامي”.
    ٢/ الحضارة العربية الإسلامية.

فالمستشرق الفرنسي بروڤنسال يستهل كتابه بالدفاع عن مفهوم “الغرب الإسلامي”، ويراه أحق بالاستعمال عند الحديث عن الحضارة العربية الإسلامية في شمال إفريقيا وشبه الجزيرة الإيبيرية(إسبانيا والبرتغال).
ويَسوقُ عددًا من الأسباب في دفاعه هذا، “لأن الغرب يؤلف وحدة في نطاق العالم الإسلامي في جانب من أقصى طرفيه، أقرب ما يكون إلى أوروبا المسيحية”، وهو “بعيد ومعزول عن الشرق بالمسافات الشاسعة والعوائق الطبيعية، مما ترك أثرًا بالغًا في أوساطه الاجتماعية وفي ثقافته”، وبروڤنسال ينتقد مفهوم “المغرب الإسلامي”، لأنه معناه انكمش ولم يعد يشمل غير غرب شمال إفريقيا، ولم تعد تونس أو شبه جزيرة إيبيريا تدخل في نطاق مفهومه.
ثم في الصفحات التالية يَروي جانبًا من التاريخ الأندلسي، مستغنيًا عن السرد بالتركيز على أعلام وأحداث معينة تكوَّن جوهر الحضارة العربية الإسبانية، التي يرى بروڤنسال أن بدايتها الحقيقية تعود إلى لحظة إعلان عبدالرحمن الناصر قيام الخلافة في الأندلس.
ويركز بروڤنسال على إثارة الأسباب والخلفيات السياسية والاجتماعية والثقافية في التاريخ الأندلسي، والتي يرى أنها طبعت بمجملها الحضارة العربية الإسلامية في إسبانيا.
وأخيرًا؛ يتناول بروڤنسال في نهاية الفصل هذا بعضًا من أشهر مؤلفات علماء وأدباء الأندلس، وذلك في إطار سعيه الحثيث طوال صفحات الكتاب على التأكيد على تفوق الأندلسيين على جيرانهم المغاربة.

 

  • أما الفصل الثاني فيتناول بروڤنسال فيه تأثيرات المشرق الإسلامي في الحضارة العربية الإسبانية، ويحلل أسبابها ومظاهرها، مع بعض الإضاءات التاريخية على أعلام وأحداث ذات صلة بهذه التأثيرات.

وبحسب بروڤنسال، هناك عوامل وأسباب عديدة أدّت بمجملها لأن تطبع الأندلسَ بطابع ثقافي/اجتماعي مشرقي، وسوري على وجه التحديد، ومن هذه العوامل:
– إقطاع الأراضي للجند الفاتحين، وغالبهم قادمٌ من الشام.
– اهتمام عبدالرحمن الداخل ببناء إمارته الوليدة وإطاراتها الاجتماعية، على نفس الصورة السورية خلال الحكم الأموي هناك في دمشق.
– وفود العرب بجماعات منتظمة إلى الأندلس، تحمل معها ثقافتها المشرقية.

ويعتبر بروڤنسال أن الازدهار الثقافي في الأندلس بدأ يتفتح منذ النصف الأول من القرن التاسع الميلادي، بتأثير مباشر من الحضارة العربية في المشرق على أيام العباسيين، ويعود الفضل في هذا الازدهار الثقافي إلى جهود الأمير عبدالرحمن الثاني، الذي قام بعدة مبادرات ومشاريع تعكس توقًا شديدًا للثقافة والعلوم، ومن جهوده إنشاء دار سك العملة، وتدشين استخدام الخاتم الرسمي، وتأسس دار الطراز، واستقبل عبدالرحمن الأوسط عددًا من علماء وفناني المشرق كزرياب، الذي أحدث بقدومه للأندلس ثورة في نمط الحياة الأندلسية على صعيد الأكل واللبس والفن وغيرها، كما كانت للأمير عبدالرحمن الأوسط مكتبة عظيمة، يرسل رسلاً ومندوبين من أجل تزويدها بالجديد من الكتب والمؤلفات الصادرة في المشرق الإسلامي.

وينقل بروڤنسال عن مستشرق إسباني كبير هو ميجيل أسين بلاثيوس رأيه في أن تاريخ الفكر الفلسفي في إسبانيا الإسلامية هو صورة مطابقة لما كانت عليه الثقافة الإسلامية المشرقية، ويحمل بروڤنسال كثيرًا في كتابه هذا على المذهب المالكي، ويعتبره أساسًا للجمود الفكري في الأندلس، وعائقًا أمام أي تجربة تجديدية فكرية فيها، ويُثني على تأثيرات العلماء اليهود الأندلسيين، والذين طرحوا قبل مواطنيهم المسلمين مشكلة التوافق بين الدين والعقل، للوصول إلى حلول مختلفة لهما، بحسب بروڤنسال.

 

  • في الفصل الثالث، يلقي بروڤنسال الضوء على التداخلات المتبادلة بين الإسلام والمسيحية في شبه جزيرة إيبريا، وهو يستعرض تلك التداخلات عبر شبكة معقدة من العلاقات التي نشأت وتطورت عبر السنين الطويلة، في مجالات ومستويات الحياة المختلفة.
    فبداية، يذكر العلاقات الإنسانية بين مسلمي ومسيحيي الأندلس، فينوِّه بروح التسامح التي سادت سنين طويلة، من المسلمين تجاه المسيحيين، ويذكر احتضان الأمير الأموي وإقراره بما تنتهي إليه الانتخابات التي تجرى لاختيار كبار رجال الدين، وبخاصة مطران طليطلة وأسقف قرطبة، واستخدامه لهؤلاء الأحبار في بعثات وسفارات سياسية سرية.

جانبٌ آخر من التداخل المسيحي الإسلامي في الأندلس تمثل عبر الإضافات المتوالية التي حملها معهم صقالبة أوروبا، وهم الرقيق من الأوروبيين الذين كان يشتريهم المسلمون في الأندلس، وقد انضم بعضهم للجيش، وانضم آخرون للعمل في قصور الأندلس، وشكلوا في وقت لاحق حزبًا يناهض الجماعة العربية الأندلسية، والحزب البربري، بل وكوّن بعضهم إمارات صغيرة مستقلة، وقد اعتنق جميع هؤلاء الصقالبة الإسلام، ورغم ورودهم الأندلس صغارًا، إلا أنهم حملوا بعض التقنيات الجديدة من مواطنهم الأصلية، ومعها مفرداتها وألفاظها الدالة عليها.

اللغة تشكل مجالاً آخر للتداخل بين المسيحية والإسلام، ويزعم المؤلف أن نسبة عالية من المسلمين في الأندلس كانت -خلال كل عصور الإسلام- تتكلم لغتين، وتستخدم العربية والرومانثية في سهولة. ويورِدُ هنا عددًا من الكلمات العربية التي انتقلت بشيء من التحوير إلى الفرنسية عبر اللغة الإسبانية، التي ظلَّت حتى القرن التاسع الميلادي على الأقل تأخذ من اللغة العربية ما كان ينقصها.

التأثير الفني أيضًا بدوره كان وسيطًا للتبادل بين الإسلام والمسيحية، وقد استفادت إسبانيا وفرنسا من الفن المعماري الإسلامي المغربي إلى حدٍّ كبير، وقد قلَّدوا كثيرًا من أشكاله في حرية واسعة.

أما فكريًا، وهو أعظم مجال وميدان للتبادل بين الثقافات والأديان، فيزعم بروڤنسال أنه يمكن لنا أن نتبين ملامح تأثير آداب إسبانيا المسيحية في أكثر الأعمال الفكرية شهرة في العصر الأندلسي الكلاسيكي. وقد اضطلع بهذا الدور-كما يقول بروڤنسال- جماعات يهودية استقرت في الأندلس، كان منهم مترجمون وأطباء ورجال دين، وغيرهم أيضًا سواء مسلمين أو مسيحيين، عملوا على نقل الأفكار والاطروحات الفلسفية والدينية، فكانت تبدو التأثيرات المسيحية في الأعمال الإسلامية في القرون الوسطى، وكانت تبدو-كما توصل إلى ذلك بعض المستشرقين- التأثيرات الإسلامية في بعض الأعمال الفكرية في أسبانيا وأوروبا عمومًا لاحقًا في عصر النهضة وما بعده.
في نهاية هذا الفصل، يطرح بروڤنسال تساؤلاً مهمًا يتعلق بواقع إسبانيا المعاصرة له*(عام ١٩٣٨م)، وهذا التساؤل لا أراه موضوعيًا، ولا منطقيًا، فيقول… هل يمكن أن نرد سبب الاستنزاف لقوة أسبانيا عبر السنوات والعقود الأخيرة إلى الإسلام الإسباني؟ وهو يجيب إجابتين مختلفتين، إحداهما نعم، حيث أن الإسلام فرض على إسبانيا المسيحية لونًا من السلوك لا تستطيع أن تحيد عنه ولا أن تخرج منه حتى القرن الخامس عشر، فأنضب هذا كل فاعليتها. ويجيب إجابة أخرى، وهي؛ لا، في المجالات التي ساعد الإسلام فيها إسبانيا ونفخ في روحها ثقافة تتلاءم مع عبقريتها الخاصة.

ورغم أن المؤلف يجيب إجابتين متناقضتين، كنوعٍ من الموضوعية والحيادية، إلا أنني أرى أن التساؤل من الأساس غير موضوعي، فهل يمكن أن نرد أسباب تخلف بلاد معينة في فترة معينة، لدين تم إخراجه من هذه البلاد بالقوة قبل أكثر من 400 سنة، كما تم مطاردة كل من اعتنقه ولو متخفيًا، كما أن الثقافة التي كانت تمثل هذا الدين، بدأت بالتقهقر والتراجع قبل ذلك بنحو 200 سنة، فسياسيًا وثقافيًا، وطبعًا دينيًا، كانت الأمور في إسبانيا محسومة لحركة الاسترداد، ذات الطابع العسكري الإقصائي الدموي، فلماذا الالتفاف على التاريخ، ومحاولة إقحام الإسلام في شيء ليس له فيه أي علاقة؟!

الهامش:
* كانت أسبانيا حينذاك تمزقها حربٌ أهلية، وتتخلف عن ركب الحضارة والمدنية الأوروبية المجاورة لها بشكل كبير.

Read Full Post »

worldofyesterday عالم الأمس

ستيفان تسفايج

ترجمة: عارف حديفة

عدد الصفحات: 343 صفحة

الدار: دار المدى. الطبعة الأولى 2007م.

كُتِبَ على الغلاف أن هذا الكتاب ينتمي لمجال “المذكرات”، مذكرات كتبها الأديب النمساوي ستيفان تسفايج في آخر سني عمره، واصفًا في صفحاتها، مراحل عمره، وأحداث عاشها، وقاسى أهوالها، بكى مرير ذُلِّها، وشرب نخبَ مجدها، لكن في الحقيقة، كان هذا الكتاب كتابُ “تأريخٍ” لأوروبا، تأريخ يتجاوز الأبعاد السياسية والاقتصادية والحربية، ليركز على أبعادٍ أخرى إنسانية واجتماعية وثقافية.

ولد ستيفان في عام 1881م، في “فيينا” عاصمة الامبراطورية النمساوية-الهنغارية، لوالدَين يهوديين، يعيشان في بحبوحة من العيش، وكان ذاك الزمان، زمانٌ يشهد على قوة الامبراطورية، وامتدادها الجغرافي الشاسع، كما يشهد على تقدم الفنون والآداب والعلوم الإنسانية، لقد كان عصرًا رائعًا ولد ستيفان وترعرع في كنفه، وعندما يستعيده -بحنين وشوق- في مذكراته، فإنه لا يجد أفضل من “عالم الأمن” اسمًا له ووصفًا ينطبق عليه. كان “عالم الأمن” يفيض فيه الأمان والسلام بين الجميع، الجميع على إطلاق هذه الكلمة، وكان ذلك العصر يتمتع بوفرة ثقافية وفنية، وتبوأ العقلُ فيه مكانة عليا، لذلك كان الناس يُمنون أنفسَهم في القرن المقبل -أي القرن العشرين- بمزيد من الرخاء، ومزيد من “العقلانية”، كان التفاؤل يملأ الأجواء، وكانت الثقة بالعقل والعلوم المشترك الأساسي بين الأوروبيين جميعًا مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

لكن ما أن حلَّ القرنُ العشرون، حتى أصيبَ الإنسان الأوروبي بأعظم خيبات الأمل، لقد أخفقت “العقلانية” وسقطت “الإنسانية” في أول اختبار، وكان بالفعل اختبارًا قاسيًا، قامت الحرب العالمية الأولى، وتشوهت البشرية بما صاحب الحرب من مجازر وأعمال قتل وتدمير، بعيدًا كل البعد عن العقل، وبعيدًا كل البعد عن الإنسانية!

وفي 29 يونيو 1914م، وفي “سراييفو” أطلِقت الرصاصة التي حطمت في ثانية واحدة عالم الأمان والعقل الخلّاق الذي تعلمنا فيه وترعرعنا، حطمته مثل وعاء أجوف من فخّار.

ولئن كانت الأيام والسنون التي أعقبت الحرب العالمية الأولى صعبة وقاسية، فإنها كانت أيضًا بمثابة اختبار آخر للأوروبيين خصوصًا، سقطت بعض الامبرطوريات، وبقيت أخرى، وقامت الدول القومية الصغرى في أوروبا، وظهرت الفلسفات والأفكار، بل والسلوكيات التي تشوهت بفعل الحرب، وما أن تعافت النفوس قليلاً، حتى اصطليت أوروبا بظهور الفاشيات والتطرف، التي ستدفع العالم بأجمعه نحو حرب عالمية ثانية.

هذا ملخص للعالم الذي عاشه ستيفان تسفايج، منذ آخر عِقْدَين في القرن التاسع عشر، وحتى بداية أربعينات القرن العشرين، وهو لم يكن رجل سياسة، ولم ينتمِ لحزب من الأحزاب السياسية، ولم يتقلد منصبًا حكوميًا، لكنه مع ذلك لم يكن على هامش الوجود، بل لقد عاصر الأحداث عن قرب، رغمًا عنه، فقد كان أديبًا وشاعرًا ومترجمًا، أتقن عدة لغات أوروبية، وكان يجمع المخطوطات والرسومات، وقد تحصل على ذخيرة ثمينة منها، كما أنه -بفضل انتمائه للوسط الأدبي والثقافي- ألتقى وصادق عددًا من أعلام أوروبا الأدبية في مطلع القرن العشرين، منهم الشاعر ريلكه، وفرويد، ومكسيم غوركي، وبرنارد شو وغيرهم.

كان يتنقل بين حواضر أوروبا، من فيينا إلى باريس، مرورًا ببرلين، ووصولاً إلى لندن، ولم تغب موسكو أو نيويورك عن عصا تجواله، بل وصل في بدايات عمره إلى الهند، شرقًا، وإلى الولايات الأمريكية الغربية غربًا، وتجواله هذا أتاح له من الخبرات والتجارب الشيءَ العظيم، الذي انعكس عبر أعماله الأدبية والنقدية، فأصاب النجاحُ أغلبَ ما أنتج، وحظيت بالقبول معظم أعماله من قبل الجمهور والنقاد، سواء باللغة الألمانية، أو بغيرها من اللغات.

لكنه كان يشعر بخيبة أمل كبيرة جرَّاء ما أصاب أوروبا، لقد أقبل على القرن العشرين بروح ملأها التفاؤل، والثقة العمياء بـ”العقل البشري”، لكنه لم يلبث طويلاً حتى تبين له قصر نظره ونظر العديد من الأوروبيين في تلك الأيام، وهذا ما كان واضحًا على طول صفحات الكتاب، حتى النهاية المفجعة، والتي سيرويها لنا الناشر، وليس ستيفان تسفايج.

شهادة تسفايج على التاريخ الأوروبي، شهادة ذاتية موضوعية مُحَقَّبَة…

  • ذاتية، لأنه سردها من تجاربه وحياته، انعكست فيها طموحاته وآماله، نجاحاته وخيبات أمله، كان الحديث عن النفس متواصلاً ومترابطًا عبر صفحات الكتاب، وابتعد عن لغة الكتب العلمية، والوثائق التاريخية، والشعارات الحزبية، التي تذوب فيها ذاتية الكاتب، ويصبح ما يكتبه مجرد انعكاس لحصيلة ما فعله الآخرون.
  • وهي شهادة موضوعية، فهو لم يتبنَّ رأيًا سياسيًا أو حزبيًا يميل لطرف على طرف، ولم يتجنَ على أحد رغم ما وجهه من انتقاد للنازية والفاشية والحركات السياسية المتطرفة.
  • وهي شهادة مُحَقَّبَة، إذ بدأ فيها من أواخر القرن التاسع عشر، وحتى عام 1941م، لكنه لم يتخذ وضعية المؤرخ أو الأستاذ في المدرسة، بل مارس ما أتقنه خلال سني عمره، وهو الرواية، لقد استمر تسفايج “راويًا” حتى في مذكراته، فسرد من الذاكرة – تلك التي اختزنت التجارب والأحداث والآلام والأفراح وخيبات الأمل- تاريخَ حياته، والذي يعكس تاريخ أوروبا اجتماعيًا وثقافيًا، ولم يكن بعيدًا عن المجالَين الاقتصادي والسياسي.

اليوم 22 من فبراير، وهو اليوم الذي يصادف آخر يومٍ في حياة ستيفان عام 1942، كان يومًا مريرًا للرجل الذي انتهى به الوضعُ لاجئًا هاربًا في البرازيل!

ملاحظات:

  • يتحدث ستيفان تسفايج عن مظاهر الثقافة والأدب والعادات والتقاليد في أوروبا نهاية القرن التاسع عشر، ويقارنها مع ما حدث بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وذلك التحول الصارخ فيها.
  • هناك فرق ولا شك بين الحربَيْن العالميتين الأولى والثانية، وفي اكثر من مرة، يتناول ستيفان هذه الفروق، ولكن ليس ببعديها السياسي والاقتصادي، بل ثقافيًا وفلسفيًا واجتماعيًا، مما لا يمكن إيجاده في كتب التاريخ السياسي.
  • الذاتية كانت موجودة بصورة أكثر قربًا حينما تناول سِمات مؤلفاته الأدبية ومميزاتها، وقد ذكرها دونما تحرج، وخصوصًا عندما انتقد تجاربه الأدبية الأولى التي افتقدت صدق التجربة.
  • كان الموضوع الذي يشغل ستيفان كثيرًا هو “الوحدة الاوربية”، ورغم ما حدث ظل مؤمنًا بها.
  • التفاؤل بالعلوم والعقل والقرن الجديد، ثم خيبة الأمل التي أصيب بها الأوروبي نجدها في مكان آخر، بالتحديد رواية “كل شيء هادىء على الجبهة الغربية” للروائي اللألماني إريك ماريا ريمارك، كان شعورًا موحدًا من غير اتفاق.
  • كان نادر الكلام عن حياته الزوجية، وبالمناسبة فقد تزوج مرتين، ولكنه حياته الخاصة هذه لم يذكرها كثيرًا، والقارىء سيتكشف بعضًا من أسباب ذلك في سياق القراءة.
  • سطور مؤلمة للغاية سطرها في حديثه عن ظروف وفاة والدته، وكان حينها بعيدًا لاجئًا في لندن.
  • عالم الأمس…. العنوان يشي بحنين إلى ذلك العالم، العالم الذي استشعر فيه ستيفان الأمن والطمأنينة، فهل استطاع أن يستعيده؟!

Read Full Post »


العنوان: العرب وجهة نظر يابانية

المؤلف: المستعرب الياباني نوبوأكي نوتوهارا

عدد الصفحات: 141 صفحة من القطع الصغير

الدار: دار الجمل-2003م

“فإذا وجدَ القارئُ الكريم فيما قدمته بعضَ المتعة والفائدة فإن ذلك هو ما قصدته ورجوته، وإذا لم يجد فإنني أعتذرُ عن تقصيري وكما قال شاعرٌ عربي:

صحَّ مني العَزْمُ والدهرُ أبى!”

هكذا يختم المستعرب الياباني “نوبوأكي نوتوهارا” كتابَه القيّم “العرب..وجهة نظر يابانية“، كتاب تلمست فيه الحب الصادق والألم الشديد، والحسرة الكبيرة التي يكنها هذا الياباني المحترَم تجاه العرب، وأمة العرب.

وفي مقدمته، يتبدّى لنا معلمٌ آخر من تلك الرابطة والعلاقة الحميمة التي جمعت هذا المستعرب بالعرب:

أربعون عامًا تدفعني لأقول بعضَ الأفكار والانطباعات عن الشخصية العربية المُعاصرة، تجربتي تقودني إلى هذا الكتاب وعلاقتي الحميمة مع الشخصية العربية تشجعني، وأعترف أيضًا أن بعض أصدقائي العرب ألحَوا علي أن أكتب بالعربية شيئًا مما أعرفه، وها أنا ذا أفتح عيني على مداهما لأرى بعين المراقب المقارن، ولكن المراقب المحب الحريص، المراقب الذي أعطى الشخصية العربية حتى الآن أربعين عامًا من عمره”.

ثم وبعد مقدمته هذه، يشرع في المدخل، ليعرفنا بقصة وصوله إلى الدراسات العربية، والتي بدأت مسيرتها العام 1961م، يؤكد في كثير من أجزاء كتابه أن:

“القمع هو داء عُضال في المجتمع العربي، ولذلك فإن أي كاتب أو باحث يتحدث عن المجتمع العربي دون وعي هذه الحقيقة البسيطة الواضحة فإنني لا أعتبرُ حديثه هذا مفيدًا وجديًا”.

في كتابه يتنقل عبر عدة فصول، تهم المواطن العربي، ففي أولها “ثقافة الأنا وثقافة الآخر” يتحدث عن الخصوصية، والأفكار الجاهزة وغيرها من المفاهيم التي يجب وضعها بالحسبان عند المشاركة نقدًا وتحليلاً للثقافات الأخرى.

وفي الفصل الثاني “تجارب وأفكار” يسرد لنا كمًا من القصص والوقائع التي حدثت ببلدان عربية، لم يكن شاهدًا عليها، وإنما كان فاعلاً بها.

قصص محزنة ومخزية، تعكس الوضع المزري للإنسان العربي…لسلوكياته، لأفكاره، لقيمه، ولعلاقاته مع الآخرين.

في الفصل الثالث “القضية الفلسطينية” يتحدث فيه عن الأديب الفلسطيني غسان كنفاني، وعن أدبه وإنتاجه الذي صبّه لصالح قضية وطنه، والتي أسهم المستعرب الياباني بترجمتها إلى اللغة اليابانية.

ثم وفي أحد أجمل الفصول يتحدث عن “ما تعلمته من ثقافة البدو” فقد قضى هذا المستعرب الياباني أيامًا عديدة في ضيافة البدو في سوريا وغيرها، وهو ينقل مندهشًا ومستغربًا كيف شكل له عالم البدو عالم جديد جذاب، وفي الوقت نفسه يلقى الإهمال من أبناءه.

ثم في الفصول الثلاثة الأخرى، يتحدث بكل فصل على حدة عن مثقفين عرب شكلوا من خلال إنتاجهم الأدبي والفكري علامة فارقة في الثقافة العربية، وهؤلاء هم: الليبي ابراهيم الكوني، المغربي عبداللطيف اللعبي، والمصري يوسف إدريس.

أعيب على الكتاب ذلك الإهمال الذي أصابه من جهة دار النشر، وهي “دار الجمل”، ولا أعذرها في الأخطاء الكتابية، أو سوء صف السطور والكلمات، وتداخلها أحيانًا.

لقد كان جديرًا بهذه الدار الكبيرة أن تحتفي بكتاب كهذا، كتبه صاحبه حبًا في العرب، وشفقة عليهم، كما أنه شكل سابقة تحدث للمرة الأولى بعصرنا أن يكتب رجل من الشرق انطباعاته عنا، وليس كالعادة من الغرب….أتراه لو كان كاتبًا فرنسيًا أو أمريكيًا سيلقى كتابه هذا النوع الرديء من الإخراج؟!

  • ثقافة الأنا وثقافة الآخر

هذا فصل جميل، وفيه معاني عميقة، وسأقتبس منه اقتباسين:

“هناك خطرٌ دائم عندما نواجه ثقافة مختلفة، أعني ثقافة غير ثقافتنا، ذلك الخطر قائم على الاعتماد على الأفكار الجاهزة، ومن تلك الأفكار الجاهزة يتم القفزُ من فكرة إلى أخرى، ليتم الوصول إلى استنتاج أخير حاسم، في هذه الحالة، ننحرف عن الواقع، الأفكار الجاهزة تخرب البحث، وتخرب فهمنا للواقع”.

وفيما يتعلق بالمساعدات الدولية للدول الفقيرة، كالدول العربية والإفريقية، يتحدث الكاتب عن “خصوصية الفقر”:

“والفقرُ موجود بقوة في قاع المجتمع، ولكن من الضروري أن نفهم أن الفقر في أي منطقة من العالم له ميزات خاصة بتلك المنطقة، وبالتالي تكون معالجته مرتبطة بخصوصية معانيه وارتباطاته”.

  • تجارب وأفكار: كارثة القمع وبلوى عدم الشعور بالمسؤولية

في الفصل هذا، يُحدثنا عن تجاربه الشخصية في الوطن العربي، ويسرد لنا حوادث شخصية وقعت أمام عينيه، وعايشها، وخالط أهلها، وجميعها تؤكد هذا المعنى:

“الوطن العربي ما زال بكامله يدفع ضرائب القمع مع استثناءات ليست كبيرة”

“تلازم القمع وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه الوطن، وبالتالي تجاه الآخرين من العرب والأجانب”.

نقل الكاتب عدة قصص اختلف أصحابُها، واختلفت الأماكن التي وقعت بها، ولكنها في النهاية، تؤكد المعنيين اللذين تقدما.

الرشوة، عدم المحافظة على المرافق العامة، فساد وجلافة رجال الأمن، كبت الحريات، الخوف، غياب العدالة، القمع، انتهاك حقوق الأطفال…وغيرها من المفاهيم التي تجسدت على أرض الواقع بقصص عاشها، ونقلها لنا المستعرب الياباني.

وهناك نقطة عظيمة توقف عندها المستعرب، وهي “فكرة الخلود والحاكم”، ويتحدث هنا عن قضية تمسك القادة العرب بكراسيهم، وتخليدهم حتى الممات:

“الحاكم مشروع للبقاء الدائم المتعالي…أعترف أن المسألة معقدة وأنا لا أدعي الإحاطة بها كما ينبغي، ولكننا ببساطة نعرف أن العرب المعاصرين يُضيفون صفة الخلود حتى لرؤسائهم مثل الزعيم الخالد..زعيمنا إلى الأبد..رئيسنا إلى الأبد”.

وهذا الأمر لا ينحصر فقط في هؤلاء الزعماء الدكتاتوريين، بل وحتى من سموا أنفسهم المعارضة، فقادة المعارضة هم هم، لا يتغيرون، رغم أنهم يُطالبون دائمًا الرؤساء بأن يتغيروا، وبأن يحدث تداول للسلطة كما في الأنظمة الديمقراطية:

“فكرة “التأبيد” لا تقتصر على رجل السلطة الكبير، وإنما تشمل قادة الأحزاب التي يُفترض أنها في المعارضة، والأحزاب المعارضة من المفترض أن تحمل مشروعًا مُناقضًا لمشروع السلطة القائمة، ومختلف عنه، وإلا فإن المعارضة تصبح سلطة تنتظر دورها في السيطرة على الحكم استلامًا يؤبد المشروع السائد”.

وبعد أن يسوق لنا بعض الأمثلة على هذه الخصوصية العربية في تأبيد الزعماء، يؤكد لنا هذه الحقيقة:

“إنني أريد أن أقول بكلمات مباشرة واضحة، أن المعارضة القائمة في البلدان العربية هي في حقيقتها سلطة ضد سلطة، أو سلطة مضادة تطمح للسيطرة على الحكم دون أن تقدم مشروعًا مغايرًا لمشروع الحكم المسيطر”.

وهذه الفكرة لا يختص بها فقط الساسة، وأهل الحكم، بل إن كثيرًا من المثقفين ابتلوا بهذه الفكرة:

“فمثلاً تجلس مع كاتب يتحدث عن الديمقراطية بلا تعب ثلاث ساعات، ولا يعطي مجالاً لأحد من الحاضرين بالكلام، عمليًا هو يمارس الدكتاتورية أو على الأقل سلطة النجم ومع ذلك يشكو من غياب الديمقراطية، أظن أن هذا النوع من الكتاب يشكو من الحاجة لمنصب رفيع في السلطة”.

وفي الاقتباس السابق، نتلمس مدى انفصام الأفكار السامية عن الواقع المُعاش، حتى أن من ينادي بهذه الأفكار، لا يكلف نفسه تطبيقها.

بصراحة شديدة…أنصح الجميع أن يبادروا بقراءة هذا الكتاب، الذي تلمستُ فيه حرارة حب كاتبه لوطن غير وطنه، وأمة ليست أمته.

شكرًا لك أستاذ نوبوأكي نوتوهارا.

Read Full Post »

Read Full Post »