Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘الجزائر’

image

 

رحلة من مصر إلى مصر
الأستاذ المحامي محمد فريد وجدي بيك

مراجعة وتصحيح وتعليق: د.عبدالمجيد خيّالي
عدد الصفحات: 146 صفحة (شاملة الفهارس والصور).
الناشر: مركز التراث الثقافي المغربي ودار ابن حزم/ الطبعة الأولى/ 2011م.

 

المحامي والسياسي والمؤرخ محمد فريد بيك، يقوم برحلة سياحية قصيرة في صيف عام 1901م، ليستطلعَ بها ما أصاب المسلمين جرّاء التخلف والانقسام والتنازع بينهم، ولذلك فهو يقصد اسبانيا، ليطلعَ على شواهد باقية من الحضارة الإسلامية، بقيت برغم محاولات المحو والتشويه، ثم يتوجه لشمال أفريقيا، ليكون شاهدًا شهادة العين والأذن والمعايشة، على ما يتعرض له العرب والمسلمون في ديارهم من ظلم المحتل.

مسار الرحلة:
بدأ المحامي وجدي بيك رحلته يوم الجمعة 5 يوليو 1901م، منطلقًا من القاهرة، وبحرًا توجه نحو مرسيليا، المدينة الفرنسية الساحلية العتيقة، وبعد قضاء بضعة أيام فيها، توجه بحرًا نحو اسبانيا التي طاف في أرجائها، فشملت رحلته بالترتيب المدن التالية: برشلونه – سرقسطة – مدريد – طليطلة – قرطبة – غرناطة – اشبيلية – وأخيرًا قادس.
ويبدو من خلال سير رحلته في ربوع اسبانيا، أن السائح كان يقصد التعرف على ما تبقى من آثار المسلمين في الأندلس، لذلك، فهو لم يتجشم عناء التوجه لمدن غرب وشمال اسبانيا، وذلك لعدم اشتمالها على ما تبقى ويُظَن أن له علاقة بتاريخ الأندلسيين وحضارتهم، واكتفى بأن يقضي يومين أو ثلاثة في كل حاضرة من حواضر الأندلس العريقة، وهو في رحلته هذه، يقدم دروسًا وعِبَر يطلب من المسلمين التنبه لها، كما أنه لا يُخفي حزنه على بدائع إسلامية تعرضت للتشويه والتبديل، وطمس آيات القرآن، ليوضع عليها وبشكل مُنفر علامات وأيقونات المسيحية.

كما أن الأستاذ المحامي، كان حريصًا على انتقاد بعض المظاهر غير الحضارية في الحياة الاسبانية اليومية، وأهمها كانت مصارعة الثيران، هذه الرياضة التي لا بد فيها من نزف الدماء وقتل الحيوانات، لا لشيء سوى المتعة، كانت هذه الرياضة محل انتقاد شديد من المحامي صاحب الرحلة، وسابقًا، انتقد الأستاذ الفرنسيين وعموم الأوروبيين على ممارساتهم واعتقاداتهم الدينية المتخلفة، المتمثلة في إلقاء النذور في الكنائس، وغيرها من السلوكيات فكتب يقول:

“ومن الغريب أن الإفرنج يرموننا بالجهل، لتمسك بعض جهلائنا بالأوهام الباطلة، واعتقادهم بتأثير الأحجية والتمائم مع شيوع هذه الاعتقادات بين أكثر طبقاتهم تنوراً، فهم يغمضون الجفن عن عيوبهم، وينظرون إلى أقل عيب في غيرهم بالنظارة المكبرة، لكن لا غرابة في ذلك، فهو أمر طبيعي في الأفراد والأمم”.

لكنه كذلك أثنى على دور الحكومة الاسبانية في الاهتمام والعناية بالآثار الأندلسية القديمة المتبقية، وهذا الأمر له علاقة مباشرة بما يسمى “الحنين إلى الأندلس” هذه الموجة الأدبية التي اجتاحت مثقفي وشعراء وأدباء الغرب في القرن التاسع عشر، فكان ذلك سببًا في إقبال السائحين والباحثين على اسبانيا، ومن هنا تنبهت الحكومة الاسبانية لما يمكن أن يعود عليها من منافع بسبب هذه الآثار فأولتها اهتمامها، وشخصيًا، أعتقد أن اهتمام العرب والمسلمين في أوليات القرن العشرين وحتى منتصفه، كان رجع الصدى لتلك الموجة الرومانسية الغربية تجاه الأندلس، فأحيت ما كان ضامرًا في النفوس العربية.
ولأنه عروبي ويعتز بالإسلام وحضارته، فلم يفوت فرصة المرور على “مكتبة الاسكوريال”، والتعرف على الكتب والمخطوطات العربية التي بحوزة هذه المكتبة، وهي تشكل ذخيرة غنية ومتنوعة، كثير منها لم يُكتشَف بعد.
***
وفي يوم الاثنين الموافق 29 يوليو، يتوجه المحامي بحرًا من قادس إلى طنجة، ومنها إلى عدة مدن عربية، وذلك على الترتيب التالي:
طنجة – مليلة – وهران – تلمسان – مدينة الجزائر.

طنجة.. المدينة الساحلية المغربية، كانت تخضع لنظام غريب، فهي أفريقية، ويتغلب عليها الأوروبيون، ويتحكمون بأمرها فعليًا، رغم أنها اسميًا تنتمي لسلطان “مراكش” أو ما يُعرف حاليًا بالمملكة المغربية.
وهناك، شاهد وجدي بيك -برأي العين وسمع الأذن وتقطع القلب- ما أحزنه وحذَّرَ منه، فالغلبة هناك للأوروبيين، مدنيًا مناطق الأوروبيين أنظف وأجمل، وعسكريًا، تولى الأوروبيون المناصب القيادية في الجيش والشرطة والبحرية، فقائد الجيش العام فرنسي، وقائد المشاة انجليزي، وقائد القطعة العسكرية البحرية الوحيدة ألماني، وثقافيًا، تتنوع لغات الصحف المطبوعة والمنشورة، ولا توجد بينها صحيفة واحدة تطبع باللغة العربية!
وفي ميدان الاتصالات والبريد، فلكل قنصلية أوروبية مصلحة بريد وتلغراف خاص بها.
وكل ذلك يورده المحامي وجدي بيك، ليحذر من مغبات التفرق، وهو ينتقد سلطان مراكش -ملك المغرب- لعدم استخدامه لضباط من الدولة العثمانية في “ترتيب جيوشه”، ويعزو ذلك لـ:

“التفرق والتخاذل الذي سبَّبَ ضياع بلاد الأندلس، والذي سيكون سببًا في ضياع مراكش وغيرها من بلاد الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله”.

وبعد قضاء يومين في طنجة، توجه بحرًا نحو وهران، ثم بالقطار إلى مدينة تلمسان، ومنها إلى مدينة الجزائر.
وعمومًا، كانت المشاهدات في الجزائر أكثر إيلامًا من تلك التي في لمغرب، ولم يُسمح له بالنزول من الباخرة إلا في اليوم التالي، وبعد بعض الاتصالات، لكنه في البداية وضح سبب زيارته وتجشمه عناء السفر للجزائر:

“أردتُ زيارة الجزائر لأتحقق مما يدَّعي الفرنساويون أنهم أتَوه من الإصلاح، وما قاموا به من الأعمال الجِسام لتحسين حالة الأهالي المعاشية، وتقدمهم في مراقب التمدن والسعادة، فما رأى كمن سمع”.

وبالفعل، لم تكن هذه سوى دعاية ترويجية للمحتل الفرنسي، فأهل البلاد في فقر وتخلف وجهل، وأما التمدن والبحبوحة العيش فكانت حصرًا للمستوطنين الفرنسيين، فأهل البلاد “شيّالون في الميناء أو خادمين عند الإفرنج.. ولا يوجد بينهم تاجر عظيم أو متوسط، ولا صاحب معمل”،ومما وقف عليه السائح العربي، تحويل عدة مساجد إلى كنائس أو مخازن في هذا البلد المسلم!
وكذلك لاحظ الغزو الثقافي الفرنسي، الذي أجبر الناس على هجرة تعلم العلوم العربية والشرعية، والتوجه لدراسة العلوم باللغة الفرنسية، طمعًا في تحصيل وظيفة أو منفعة دنيوية.
وفي وهران، ألتقى محمد فريد بأستاذ اللغة العربية المسيو “موليراس”، الذي كتب له خِطابَين أحدهما إلى قاضي تلمسان، والآخر إلى سكرتير حاكم الجزائر العام، حيث “أوصاهما فيهما بمساعدتي على جميع ما أريده من الاستعلامات عن حالة البلاد وأهليها”، ويؤكد وجدي بيك أن الخطاب الثاني الذي وجه به إلى سكرتير حاكم الجزائر كان مفيدًا له، حيث “أن المسلمين يحذرون من مقابلة من يأتي بلادهم من إخوانهم من البلاد الأخرى، إلا إذا علموا أن الحكومة ورجالها غير ناقمين من وجود هذا المسلم الأجنبي وبالأخص إذا كان تركيًا أو مصريًا”.
وبعد تلمسان توجه إلى مدينة الجزائر، ومما ذكره عنها، أنه كان يوجد فيها 14 مسجدًا جامعًا، لم يبق منها إلا أربعة!
وفي وسط المشاهد التي تجلب الضيق على النفس، والحزن في القلب، تبدى له مشهدًا جميلاً حينما شاهد وجود “عشرة من البحارة الروسيين يؤدون صلاة الجمعة بكل خشوع”، وحينما سألهم عن موطنهم، أجابه البعض بأنه من بلاد قفقاسيا، والبعض من أوفه، وقَزان، وكانت له لقاءات ببعض أعلام الجزائر في حينها ومنهم قاضي تلمسان شعيب بن عبدالله، الذي أكرم وفادة الأستاذ المحامي.
وفي الجزائر البلد الكبير المترامي الأطراف، لا توجد به سوى جريدة واحدة وهي “المبشر”، ولم يذكر عما إذا كانت عربية أم لا،وهي جريدة رسمية تنشر الأوامر وبعض الفصول في فضل فرنسا على العرب، والحض على التعلق بالولاء لها!
وفي آخر رحلته، قدّمَ المسافرُ العربي مقالتين قصيرتين جدًا عن مشاهداته في الجزائر، الأولى عنوانها “الحرية الشخصية في الجزائر”، وفيها يؤكد على ازدواجية معايير هذه الحرية، فكل شيء مباح للفرنسيين والغربيين، وكل شيء ممنوع على الجزائريين. والمقالة الثانية عنوانها “التعليم والمدارس في الجزائر”، وفيها يتناول أوجه الغزو الثقافي الفرنسي، الذي يعمل على تهميش وإقصاء علوم الشريعة واللغة العربية، ويركز عبر آليات عدة، في مقدمتها التوظيف في الإدارات الحكومية، على التعليم باللغة الفرنسية.

وفي يوم الأحد 11 أغسطس، غادر المحامي مدينة الجزائر بحرًا، عائدًا لمدينة مرسيليا، ومنها توجه لقضاء 20 يومًا في كل من مدينتي “باريس” و”فيشي”، ثم قفل عائدًا إلى بلده، فوصل الاسكندرية يوم 10 سبتمبر 1901م.

***
تمتاز هذه الرحلة بعدة خصائص، من أهمها أن صاحبها رجل يحمل هَمَّ الأمة، ويشعر بمغبة التفرقة والتنازع بين أبنائها، فكانت رحلته هذه مطبوعة بطابع النصح والإرشاد، واستلهام الدروس والعبر، فإذا ما عرفنا الوضع الحرج الذي كانت تعيشه الأمة العربية والإسلامية في مطلع القرن العشرين، وإذا ما عرفنا الدور السياسي والحقوقي والثقافي الذي اضطلع به الأستاذ محمد فريد، اكتشفنا أهمية رحلته القصيرة هذي، وأنها تستهدف تنبيه الأمة وإيقاظها من سباتها.
وتمتاز بطابعها الجغرافي الممتد، من مصر إلى مصر، مرورًا بعدة دول وحواضر أوروبية وعربية أفريقية، وهي تقع -كما ذكرتُ أعلاه- في حقبة تاريخية مضطربة ومتأزمة من تاريخ العالم العربي والإسلامي.

ومما تمتاز به هذه الرحلة، أنها من بواكير رحلات العرب إلى الأندلس، فكما أعلم -وعلمي قاصر- أن الأستاذ محمد فريد سبق الأديب الأمير شكيب أرسلان وغيره من العرب في السياحة إلى الأندلس، فكانت تجربة فريدة وسابقة جميلة تسجل لصاحبها.
كما تمتاز هذه الرحلة، باستشراف المستقبل، فكان السائح المثقف يدقق بصره وبصيرته في ممارسات المحتل في كل من المغرب والجزائر، وكان يحذر وينبه لخطورة ما تقوم به حكومات وإدارات المحتل في ثقافة وتاريخ ودين البلدان المحتلة.


كانت لغة صاحب الرحلة واضحة بسيطة، لم يتكلف لا في عبارته ولا في أسلوبه، وكذلك لم يتجنب إظهار عاطفته الحزينة لحال المسلمين، كما أنه كان حريصًا على الموضوعية، فانتقاده لهيمنة الدول الأوروبية واحتلالها بلداننا، لم يمنعه من الثناء على تنظيمها وحسن إدارتها لأمورها في بلدانها.
كان الكتاب قد طبع قديمًا، وهذه الطبعة هي الطبعة الثانية، وكانت بتحقيق الأستاذ عبدالمجيد كيالي، الذي أضاف هوامشًا عديدة، ربما لم يكن من المطلوب وضعها بهذا الشكل، كما أن هذه الطبعة حفلت بصور فوتوغرافية لم تشتمل عليها الطبعة اأصلية، وهذه من النقاط السلبية في هذه الطبعة، فبعض الصور “مسحوب” من منتدى في الانترنت، وتظهر في إحدى زواياها شعار ذلك المنتدى أو الموقع، وبشكل مُنفِّر، كما أن خط الطباعة كان كبيرًا، يماثل حجم خط الطباعة في الكتب المدرسية، وربما أرادت الدار إخراجه بهذا الشكل لزيادة عدد صفحات الكتاب.

وعمومًا، الرحلة مثيرة، وحافلة بالدروس، والتنبيهات والتحذيرات التي تحقق للأسف بعضٌ منها.

Advertisements

Read Full Post »

يونس (يمين الصورة) مع أحد أقاربه

يونس (يمين الصورة) مع أحد أقاربه

أقلِبُ صفحات الأدب الكويتي بين الفينة والأخرى، بحسب ما تتيحه لي ظروف العمل، أقرأ بالتحديد قصائد شعراء الكويت، وأحيانًا أقرأ الكتب التي تعنى بنقد وتأريخ الأدب الكويتي، وهذا النشاط كما قلت هو نشاطٌ مُتقَطِع، بحسب ما تُمليه الظروف، فأقع أحيانًا على نوادر من القصائد، وأحيانًا أجدُ أحداثًا ومواقف شخصية للشعراء، تعكس اتجاهات أدبية واجتماعية وسياسية يطرحها الشعراءُ عبر قصائدهم، منها ما وضعته سابقًا هنا، وهي قصيدة محمد الفايز التي أثنى بها على ثورة تموز 1958م في العراق، وهذا بلا شك يقطع بأن المجتمع الكويتي منذ بواكير عهده، لم يكن منقطعًا عن محيطه العربي والإسلامي، ولا أبالغ إذا ما قلت العالمي.

اليوم كما قرأتَ في العنوان، سأتناول شخصية يونس بحري العراقي، الذائع الصيت، الذي جالَ بلدانًا عديدة، وارتبط بعلاقات مع الزعماء والملوك والقادة، وله صولات وجولات خلال الثلث الثاني من القرن العشرين في الوطن العربي والعالم.

بداية، وبينما كنت ذات يومٍ أقرأ ديوان الشاعر الكويتي خالد الفرج، إذا بي أقعُ على قصيدة عنوانها “يونس بحري” تقع في ستة وثلاثين بيتًا من الشعر، ويستهلها الشاعرُ خالد الفرج بهذا البيت:

أنَـسْتَـنَا يا يونــس ولأنـــتَ نِعــمَ المونـــسُ

وقد كُتِبت الملاحظة التالية أعلى القصيدة:

ألقيَت-أي القصيدة- في حفلة أقامتها بلدية الكويت للسائح العراقي في صفر سنة 1349هـ-/يوليو 1930م.

ويبدو أن هذا الشخص كان يتمتع بمكانة عالية كي يحظى باحتفالٍ تقيمه بلدية الكويت، وكي يحظى بقصيدة يسطرُ فيها خالد الفرج كمًا من المديح والثناء على هذا الرجل، ممزوجًا بنقد للحالة العربية اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا، وبالطبع ثقافيًأ، كما سنرى في الأبيات القليلة القادمة:

فخر العروبةِ أنت لا تختصُّ في قُطْرِ العراق

هــو فـي الحقيقةِ قطعة منـا فما ذا الافتـراق؟!

أوَلَسْتَ مـن أبناءِ يعــرب والدمــاء الزاكية

المجـدُ منهــا ضاحِـكٌ والعيــنُ منها باكيـة

هـات الخريطةَ هاتها لا بل دماغُـكَ أطلـس

شبــهُ الجزيرة والعراق وسوريا والمقدسُ

قــد عُــدِّدت ألوانُهـا ولكــل قُـطـرٍ لونــه

شعب تقاسمه المطامِعُ كيف يمكن صونه؟

وتمضي القصيدة، الحافلة بأبياتِ مدحٍ للرحالة يونس، مترادفة بأبيات ينتقد بها الفرج وضع العرب المتشرذم، وينعى عليهم التخلف في كافة المجالات، ولكن يبدو صريحًا جدًا ذلك الكم من الثناء والمديح الذي توجه تلقاء الضيف العزيز.

هنا بدأت بمحاولة استرجاع هذا الاسم.. يونس بحري!! أين قرأت هذا الاسم للمرة الأولى؟

في كتابٍ ما من كتبي وردَ ذكره بلا شك، فأيُّ هذي الكتب كان؟

لم أهتم للأمر، فقد شغلتني المشاغل عن تتبعه، لكن لاحقًا، كنت أقرأ صفحات متفرقة من كتاب “مذكرات شاهد للقرن” للأستاذ مالك بن نبي، وهذا الكتاب كنت قد قرأته أواخر عام 2008م، وبينما كنت أقلب الصفحات، إذا اسم “يونس بحري” يظهر من جديد، إذًا.. ها هنا ورد ذكره للمرة الأولى، في مذكرات مالك بن نبي.

لقد أوردَ مالكٌ اسمَ يونس بحري عدة مرات في مذكراته، وبالتحديد ذكر أنه قد التقى به في الجزائر، ورغم أنه لم يؤرخ هذا اللقاء، إلا أنه يقع -بلا شك- قبل عام 1930م، إذ أورد لقاءه بيونس بحري في القسم الأول من المذكرات، والذي أسماه مالك “الطفل” ويمتد من عام ولادته -أي 1905- وحتى العام 1930م.

عمومًا كيف رأى مالكٌ يونسَ هذا؟ وماذا كان انطباعَه عنه؟

شاهد مالك يونسَ المرة الاولى في مكتبة “النجاح” في قسنطينة، وبما أنه غريب عن البلد، تقدم عمُّ مالك ليكفل هذا الغريب لدى السلطات الاستعمارية، وكان فيما يبدو أن هذا الغريب قد وصل إلى قسنطينة عبر طنجة المغربية.

عبَر مالكٌ في مذكراته عن مشاعر الاعجاب والتقدير لهذه الشخص الغريب، الملفت للنظر، الذي كان خطيبًا مفوهًا، يمتلك ناصية اللغة العربية، وكان متأنقًا ومرتبًا في هندامه، وكان يملك رصيدًا من القصص والمغامرات الشخصية التي يحدثها للآخرين، ولكن لا يبدو أن مالكًا كان يميل إلى تصديقها كلها، وقد أخبر يونسٌ مالكًا عن رحلته إلى أستراليا، وقد علّقَ عليها مالك بقوله:

وحينما حدثني عن رحلته إلى أستراليا، وهي في الغالب خيالية، فتح لنزعتي إلى التنقل والتشرد بُعدًا جديدًا.

وقد وصف مالكٌ يونسَ بأنه أحد الأشخاص الذين “كانوا يعملون على تحديد شخصيته- أي شخصية مالك- في ذلك العصر“.

ويذكر مالك في صفحات أخرى، كيف أن خطابات يونس التي كان يبثها من إذاعة برلين العربية، كيف كانت تستولي على انتباه الجميع في المقهى الذي يتجمع فيه الناس أثناء الحرب العالمية الثانية، وذلك لما كانت تمتاز به خطابات يونس من نزعة “عربية” وتحررية، ومناهضة للاستعمار، وقد كان يونس يستهلها بقوله:

حي العرب، هنا برلين

لاحقًا، قرأت ليونس بحري مذكراته في سجن “أبي غريب” بعد ثورة تموز 1958م، حيث اعتقل مع رجال العهد الملكي، ورغم صعوبة الموقف، إذ لم يكن الإعدام بمنأى عن رقبة أحدهم، إلا أنني وجدته ينقل تجربته بصورة تبعث على الدهشة، فهو يعرف كيف يحول الموقف الصعب لصالحه بطلاقة لسانه، وسرعة بديهته، وروح الدعابة التي لم يكن يتخلى عنها.

تجده أحيانًا واعظًا دينيًا، وفي أحيان أخرى تجده طبّال وزمّار ويبحث عن شرب “العَرَق” أواخر الليل، تجده أحيانًا مثقفًا وسياسيًا ، وأحيانًا تجده طباخا، كان يلبس لكل حال لبوسها، ويعرف كيف يحول المواقف الصعبة لصالحه، حتى داخل السجن ومع سجّانيه.

قد يبدوهذا بالفعل الإنسان الذي يضحك على الدنيا، ولا تضحك الدنيا عليه، إلا أن الشهرة التي حظي بها في أوليات ومنتصف عمره، لم تشفع له في أخريات حياته، حيث خبا ذكره، ومات دون أن يفتقده الكثيرون، ولولا محض الصدفة التي ألقت باسمه أمامي، لم أكن لأتعرف عليه أبدًا.

Read Full Post »