Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘الحرب’

bosniaالبوسنة والهرسك

المؤلف: الدكتور جمال الدين سيد محمد

عدد الصفحات: 291 صفحة

دار النشر: دار سعاد الصباح/ الطبعة الأولى/ 1992م

 

في أوائل تسعينات القرن الماضي، وبعد انهيار ما يسمى بالمعسكر الشرقي، عبر انحلال الاتحاد السوفييتي، وقبله سقوط جدار برلين، في تلك الحقبة التاريخية المفصلية، كانت أمم صغيرة في شرق ووسط أوروبا تشق طريقها نحو الحرية والانفتاح، والديمقراطية والاستقلال، لكن بقايا النظام المتهالك لم يكن ليسمح لها جميعًا بالوجود على مسرح البلدان، وكانت البوسنة والهرسك هي إحدى هذه الدول التي حاولت أن تبصر النور بعد استفتاء شعبي شاركت فيه أغلبية السكان في البوسنة، وأيدوا الانفصال والاستقلال عن يوغسلافيا، كما فعلت سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا من قبل، لكن البوسنة والهرسك ذات الأغلبية المسلمة، كان ينتظرها مصيرٌ آخر.
لقد رفضت قوات الجيش اليوغسلافي الاتحادي مغادرة البوسنة والهرسك، وتشكلت مليشيات صربية أخرى في البوسنة، ترفض الانفصال، وتدعم السلطة المركزية في بلجراد، لتجعل من البوسنة والهرسك مسرحًا لجرائم مروعة نفذها الصرب ومرتزقة وفدوا من عدة دول أوروبية، لإجهاض ولادة دولة مستقلة، ذات أغلبية مسلمة في أوروبا.
وانبرى المسلمون محاولين الدفاع عن حق الشعب البوسني بالحياة وإدارة دولته بشكل مستقل، حاله كحال بقية الشعوب الأوروبية التي استقلت بنفسها، وأقامت دولاً حديثة، ومن هذه الجهود في الدفاع عن البوسنة وأهلها، كتاب الدكتور جمال الدين سيد محمد، وهو استجابة عاجلة وموجزة، يستهدف من خلالها المؤلف تسجيل “بعض ملامح تلك السمات الإسلامية التي أراد البعض عن عمدٍ محوها” وكما يقول صراحة المؤلف، فقد أراد أن “ينقذ ملف مسلمي البوسنة والهرسك من الضياع في خضم الأحداث السياسية المتلاحقة”.
 ***
ومن الملاحظ في مقدمة الكتاب، أن المؤلف انتهى منه في ديسمبر عام 1992م، وهو العام الذي اندلعت فيه الحرب الشعواء التي شنها الجيش الصربي وصرب البوسنة ضد المسلمين، كما يُلفت النظر ذلك العنوانُ الخالي من أية سمة سوى “البوسنة والهرسك”، ويبدو أن الكاتب ونظرًا للظرف الطارئ الذي يكتب فيه، اكتفى بأن وضع اسم البلد التي يدور حولها محتوى الكتاب، دون التكلف في إضافة أي عبارات جذابة أو دعائية أو تفسيرية، هكذا بكلمة واحدة “البوسنة والهرسك”، ربما يُعد ذلك قصورًا في إخراج الكتاب، لكن لا تثريب عليه بما احتوى من مضمون. والكتاب عبارة عن دراسة قصيرة، تتضمن مجموعة من المقالات، بلغ عددها 28 مقالة متنوعة، متفاوتة بين قصيرة ومتوسطة، جمعها الكاتب بأسلوبٍ غير متكلف ولا مطنب، وعززها بمعلومات تاريخية وجغرافية وأدبية، وثقافية عامة عن البوسنة والهرسك وأهلها.
كانت أول 3 مقالات تتناول الأحداث الجارية في البوسنة سنة 1992م، وهي السنة التي بدأت فيها أعظم حرب تطهير عرقي في أوروبا عند نهاية القرن العشرين، على يد الصرب ومن عاونهم ضد مسلمي البلقان، وتحديدًا البوسنة، ويبدو أن الكاتب أراد أن يضع القارئ في صلب الأحداث المتسارعة، وذلك لتسهيل تشكيل صورة اولية عن البوسنة والهرسك.
ثم 11 مقالة ثقافية-تاريخية-جغرافية، وهي بالأحرى تعريفية، يفتح بها المؤلف النوافذ على تاريخ البوسنة والهرسك، وعلى أعلامها، ومعالمها الشهيرة من مساجد ومكتبات ومدارس، وسيندهش القارئ حين يتعرف على حجم الأعمال الوقفية التي رصدها مسلمو البوسنة قديمًا، دعمًا لأعمال الخير في مجتمعهم، وتشجيعًا على التكافل الاجتماعي فيما بينهم، واهتمامًا بالعلم والعمل، وأخص بالذكر هنا أوقاف الغازي خسرو بيك، التي تنوعت ما بين مسجد ومكتبة ومدرسة، وغيرها من أعمال البر. وسيجد القارئ مقالات أخرى منوعة، تتناول مدنًا بوسنية مثل “ترافنيك”، وأخرى عنوانها “جسر على نهر درينا”، في اقتباس مباشر لعنوان رواية شهيرة لإيفو اندريتش، ومقالة تتناول سمات شهر رمضان في المجتمع البوسني الحديث، وفي الاتجاه نفسه، مقالة تعريفية بداعية إسلامي بوسني اسمه د.أحمد سماسلوفيتش.
أما المقالات الـ14 الأخرى، فكانت تدور عن موضوعات ذات صلة مباشرة بتخصص المؤلف في اللغة والآداب لشعوب الاتحاد اليوغسلافي، وتتعلق هذه المقالات باللغة والأدب والاستشراق البوسني*، والكلمات العربية في اللغة الصربو-كرواتية، ومقالات تعريفية بالأدباء البوسنيين، وأعمال أدبية بوسنية، مثل رواية “رحلة إلهامي إلى الموت”**، ومن الأدباء الذين كتب عنهم مقالات ضمن الكتاب: إيفو اندريتش صاحب رواية “جسر على نهر درينا”، وقد ذكر بعضًا من الانتقادات الموضوعية التي وجهت لهذه الرواية، ومن الأعلام الأدباء الذين تمَّ ذكرُهم محمد بك قبطانوفيتش لوبوشاك، الذي كان من أبرز الكتاب الذين يستخدمون “الهاميادو”، وهو الأدب الأعجمي، وهو أدب مؤلف باللغة المحلية للبلد، أي اللغة الصربو-كرواتية، ومكتوب بالحروف العربية.
وفي النهاية، يضع المؤلف ببلوغرافيا قصيرة، يسرد فيها عناوين كتب تتناول التاريخ البوسني من عدة جهات، وبلغ عددها 19 عنوانًا.
 ***
والحق، أن المقالات كانت ثرية بمحتواها، سلسة في أسلوبها وكتابتها، لم يعمد فيها المؤلف إلى الإغراق في التفاصيل، وكذلك كان من المُلاحظ أن هذا الكتاب الذي يتزامن مع نشوب الحرب الضروس، لم يجعله المؤلف مجرد بكائيات على حال البوسنيين، وشحن عاطفي للقراء، واستجداء لدموعهم، رغم تعاطفه الواضح مع مسلمي البوسنة، وانتصاره لهم، ولحقهم في الحياة، ورفضه للحرب التي يشنها الصرب عليهم، واستنكاره للصمت العالمي، لكنه -مع ذلك- حافظ على الخط الموضوعي، وتعرض بالنقد والمعالجة الموضوعية لكافة أوجه الحياة لدى مسلمي الوسنة.
ومن بين أهم الملاحظات، تكرار الكاتب لطرح فكرة تجاهل الاتحاد اليوغسلافي للتركة الثقافية والأدبية لمسلمي البوسنة، بل ومحاولة التعتيم عليها وإخفائها عن الأعين، وهذا السلوك ليس منحصرًا في قادة الاتحاد اليوغسلافي الاشتراكي، بل مسبوق بعدة سوابق مثل إغفال اسم البوسنيين عند تشكيل مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين عام 1918م، والتي كانت البوسنة جزءًا في هذه المملكة، ومن هذه المحاولات مصادرة أوقاف المسلمين وأملاكهم في البوسنة، وتوطين قوميات أخرى فيها لتفتيت الهوية البوسنية، ومنع وحظر كثير من الأنشطة والشعائر الدينية للمسلمين، كما تعرض مفكرو البوسنة وعلمائها للسجن كثيرًا، وهنا نتذكر قضية محاكمة وسجن مثقفي البوسنة مطلع الثمانينات، والتي كان الرئيس علي عزت بيجوفيتش أبرز ضحاياها.
لكن هذه الممارسات الاقصائية والتهميشية لم تكن مقتصرة على جهود الحكومة والنظام اليوغسلافي، بل لقد تبنى بعض المثقفين اليوغسلاف هذه الأساليب ودعموها بكتاباتهم وأعمالهم العلمية والأدبية، ومن هؤلاء الأديب البوسني إيفو اندريتش صاحب جائزة نوبل، والذي يذكر الكاتب أن رسالته في الدكتوراه التي نالها من جامعة جراتس في النمسا عام 1923م، كان عنوانها ومضمونها “الحياة الفكرية في البوسنة والهرسك في عهد الأتراك”، ويضيف المؤلف د.جمال الدين أن الأديب إيفو اندريتش حاول في رسالته البرهنة على التخلف الأدبي والثقافي للبوسنيين، واعتبر ذلك كشفًا علميًا، وقد عالج نفس هذه الفكرة في عدد كبير من رواياته وقصصه التاريخية عن البوسنة وأهلها.
ولعل البعض قد يستغرب أن يجد كاتبًا يتناول البوسنة بهذا الحجم الكبير من المعرفة الواسعة، وقدرته على كتابة 28 مقالة تتناول التاريخ والجغرافيا واللغة والأدب وغيرها من جوانب الحياة في مدة قصيرة، لكن الاستغراب سيزول حتمًا حينما نعلم أن المؤلف ليس غريبًا على الاتحاد اليوغسلافي، إذ عاش في بلغراد فترة من الزمن لا تقل عن 4 سنوات، وزار سراييفو وبعض المدن البوسنية الأخرى عدة مرات، وحصل على درجتي الماجستير(سنة 1976) والدكتوراه(سنة 1979) من كلية اللغات بجامعة بلغراد، وقبلها كان قد تخرج من كلية الألسن بجامعة عين شمس قسم اللغة الصربو-كرواتية سنة 1963م، وقد تعمق أكثر في الدراسات والأعمال الأدبية واللغوية الصربو-كرواتية، فأنتج عددًا من الترجمات لأعمال أدبية يوغسلافية، وله أيضًا ترجمات من اللغة العربية إلى لغات شعوب يوغسلافيا سابقًا، كما أنه نشر كتابًا عنوانه “الأدب اليوغسلافي المعاصر” ضمن سلسلة عالم المعرفة، التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت عام 1984م.
———-
* في سياق الاستشراق اليوغسلافي، أنصح بقراءة كتاب “مراجعة الاستشراق – ثنائية الذات/الآخر – نموذج يوغسلافيا” للدكتور محمد الأرناؤوط، اصدار دار المدار الإسلامي 2002م، وفيه نظرة تأريخية ونقدية لأعلام المستشرقين اليوغسلاف وإنتاجهم، كما أنه يتركز على موضوع طريف في الاستشراق وهو دراسة الذات/الآخر.
** رواية “رحلة إلهامي إلى الموت” للأديب البوسني رشاد قاضيتش وبترجمة الدكتور جمال الدين سيد محمد، قرأتها في ديسمبر 2013م، وسأكتب عنها مراجعة قريبًا بإذن الله.
Advertisements

Read Full Post »

haqeeيحيى حقي.. ذكريات مطوية

 

إعداد: نهى يحيى حقي وابراهيم عبدالعزيز

عدد الصفحات: 224 صفحة + ملحق صور.

دار النشر: دار سعاد الصباح/ الطبعة الاولى/ 1993م.

 

هذه الذكريات الخاصة بتجربة العمل الدبلوماسي للأديب يحيى حقي، يرويها على لسانه كل من ابنته الوحيدة “نهى”، وتلميذه “ابراهيم عبدالعزيز”، وبذلك يكون هذا الكتاب، هو الجزء المُكمل لكتاب “خليها على الله”، الذي اشتمل على ذكرياته عن عمله الإداري في صعيد مصر في عشرينات القرن العشرين.
***
جاءت الذكريات على طريقة حوار، وإجابات لأسئلة توجه بها مُعدّا الكتاب للأستاذ يحيى حقي، ومن ثم -على ما يبدو- تم تنسيق الكتاب في الحدود الدنيا، لدرجة أن الكتاب لم يشتمل على هامشٍ واحدٍ في حال احتيج إليه، وهذا من القصور في هذه الذكريات، فعلى سبيل المثال؛ حين كان يتحدث حقي عن تجربته الدبلوماسية في جدة، تطرق بالحديث عن الملك عبدالعزيز، ولكنه كان يُسميه “الملك سعود”، وفي موضع آخر، بعد صفحات قليلة، كان يتحدث عن الملك نفسه ولكن باستخدام اسمه الصحيح هذه المرة، ولا أعلم إن كان هذا الخلط من يحيى حقي نفسه، أم من المعدين، ولكنه على الأقل احتاج ولو لهامش توضيحي واحد.
كما أن هناك اختلاف وعدم توافق تاريخي في أول الكتاب، لا أعلم كيف لم يتنبهّ له مُعدا الكتاب، ويتعلق بالخصوص في تاريخ انضمام يحيى حقي للعمل في وزارة الخارجية، فتارة يقول أنه التحق بها عام 1921م، ثم أتنبه إلى أنه قد ذكر سابقًا أن وزارة الخارجية أنشئت بعد تصريح فبراير 1922م، ثم في صفحة أخرى يذكر أنه التحق بالوزارة أوائل عام 1923م، وبعدها مباشرة يذكر أن أول عمل دبلوماسي له كان في مدينة جدة، كأمين محفوظات القنصلية، وذلك بعد شهرين من التعيين والتمرين، وعند إكمال القراءة نجد أنه يقول أن فترة عمله في السعودية كانت لعامين فقط انتهت في عام 1930م، فهل يعقل أن يكون عام انضمامه لوزارة الخارجية أحد عامَين هما 1923 أو 1921م؟!
***
عمومًا، إخراج الكتاب بهذه الطريقة المتواضعة، حيث تعددت الأخطاء المطبعية، وتكرر وضعُ علامات التنصيص والأقواس في غير محلها الملائم، ودخول بعض العبارات والمفردات العامية وسط الحديث باللغة العربية، دون تنسيق، كل هذه الأمور لم تذهب بالفائدة التاريخية والتوثيقية التي سجلها يحيى حقي عبر تجربة العمل في السلك الدبلوماسي المصري.
***
أولى المحطات الدبلوماسية ليحيى حقي كانت في القنصلية المصرية في مدينة جدة، واستمرت لعامين كما ذكرتُ سابقًا، وقد احتفظ بذكريات عديدة عن هذه المدينة، وخصوصًا ما يتعلق بقناصل الدول الأوروبية وغيرها، وطبيعة الحياة البدائية والفقيرة. ولأنه في جدة، فقد كان تأمين وتنظيم وصول الحجاج المصريين إلى مكة لأداء شعائر الحج من مسئوليات القنصلية في جدة، وكان هذا الأمر بمثابة تحدي للعاملين في القنصلية، وفرصة لتأدية فريضة الحج، وهو ما يطلعنا عليه حقي في تجربته الأولى هذه، كما شهد حقي فترة جمود العلاقات الدبلوماسية بين السعودية ومصر على خلفية “قضية محمل الحج المصري”، وبعد عودته لأول مرة إلى مصر عام 1930م، صدر قرار بنقله إلى القنصلية الملكية المصرية في اسطنبول.
حافَظَ يحيى حقي على نفس المركز الوظيفي في اسطنبول، حيث عمل هناك كأمين محفوظات القنصلية، ووصل إلى اسطنبول عن طريق البحر في أوائل سنة 1931م، وبقي فيها إلى سنة 1934م، وكما يقول حقي، فقد شهد بنفسه عملية تَحوّل تركيا إلى النظام العلماني، تحت حكم القوة والقهر من مصطفى كمال أتاتورك، وتبدّى هذا التغيير في عدة مجالات، ومن أبرزها استخدام الحروف اللاتينية بدلاً عن العربية في كتابة اللغة التركية، وتطبيق القانون السويسري بدلاً عن الشريعة الإسلامية، ومنع ارتداء الطربوش، وغيرها، وللأستاذ حقي عدة مواقف خرج بها بانطباعات أن كل ما حدث كان رغمًا عن إرادة الشعب التركي المتدين بأكثريته، كما أن لديه رأيٌ في مصطفى كمال، وهو أنه يكن “كراهية للدين الإسلامي”، وفي موضع آخر يصفه بأنه “من أكبر المدمنين لشرب الخمر”.
وفي أثناء وجوده هناك، شهد حقي “حادثة الطربوش” الشهيرة بين مصطفى كمال ووزير مصر المفوض في تركيا آنذاك عبدالملك حمزة، وقد تولى حقي مهمة إيصال رسالة من السفارة المصرية إلى وزارة خارجيتها، تتضمن تفاصيل ما حدث، ولأجل أن تكون الرسالة بمأمن من إطلاع الأتراك عليها، سافر حقي إلى اليونان خصيصًا ليودعها في البريد الذاهب إلى مصر، وذلك قبل ظهور ما يُسمى بـ”الحقيبة الدبلوماسية”، كما يقول الأستاذ حقي.
ثالث المحطات كانت روما، حيث صدر قرار بنقل حقي للعمل في المفوضية المصرية هناك، واستمر إلى عام 1939م، وقد شهد نذر الحرب العالمية الثانية، وتصاعد القوى الداعمة للحرب، وفي مقدمتها صعود نجم الزعيم الطلياني “موسوليني”، وفي تلك المرحلة العملية، ارتقى حقي في منصبه إلى “مأمور القنصلية” أولاً، ثم إلى “نائب قنصل”.
ثم تم تعيين يحيى حقي سكرتيرًا ثالثًا في إدارة اقتصادية تتبع وزارة الخارجية، ومكث بها زهاء عشر سنوات، إلى عام 1949م، وخلال هذه الفترة، تزوج حقي ورزق بوحيدته “نهى” التي فقدت أمها بعد فترة قصيرة من ولادتها، وخلال تلك الحقبة، عاد حقي للمرة الأولى ليستقر مؤقتًا في مصر بعد عقد كامل تقلب فيه بين عدة دول وثقافات وتجارب.
عين حقي في عام ١٩٤٩م، سكرتيرًا أولاً لسفارة مصر في باريس،  وبقي هناك مدة عامين، كان من أهم ما قام به هناك، هو تعرفه على زوجته الثانية الفرنسية “جان”، وبالإضافة لماسبق أن قرره، يتحدث حقي عن ضعف التمثيل الدبلوماسي العربي عمومًا، حيث لا يتعدى دور السفارة عن القيام بواجب تنسيق رحلات وصول ومغادرة الملك وحاشيته، ووضع ختم السفارة على الحقائب وغيرها من الأمور الهامشية التي لا تسند سياسة بلد، ولا تحفظ حقوقه، ولا تبين مواقفه الاقتصادية والسياسية.
وفي سنة ١٩٥١م، صدر قرار بنقل حقي للعمل مستشارًا في المفوضية الملكية في أنقرة، وهناك، شهد عودة الإسلام للواجهة عبر الرئيس عدنان مندريس، الذي تنازل عن راتبه “ليخدم أمته مجانًا” على حد تعبير حقي، وقد شهد حقي مقدار محبة واحترام الأتراك لجهود وأعمال مندريس على مختلف الصعد، رغم التضييق الذي مارسه الجيش، والذي وصل ذروته عند محاكمة مندريس، والإقدام على إعدامه، ويؤكد حقي نقلاً عن مصادر متعددة، أن عدنان مندريس طلب السجادة وصلّى أمام المشنقة قبل أن يصعد، وقال لإبنه “إياك والسياسة”، ويرصد حقي أهم حدث مصري أثناء وجوده في تركيا حينذاك، حيث يذكر قيام الثورة في يوليو ١٩٥٢م، وتولي الضباط زمام الأمور.
ثم نُقل يحيى حقي للعمل في ليبيا كوزير مفوض بعد ترقيته من مستشار، وهذه من المفارقات التي يتوقف عندها حقي، حيث يقول أنه بدأ عمله الدبلوماسي في بلد فقير جدًا، ثم تحول لأغنى بلدان العالم، وأنهى عمله الدبلوماسي أيضًا في أحد أكثر بلدان العالم فقرًا، ثم تحول بعد اكتشاف النفط إلى صفوة البلدان الغنية، وهو يقصد هنا “السعودية” و”ليبيا”. ومن أهم ذكرياته عن ليبيا، هو تواضع النظام الإداري، وبدائية البنية التحتية في ليبيا حينها، وقد قابل قبل سفره إلى ليبيا محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة، ثم قابل جمال عبدالناصر، ويقول الأستاذ يحيى، بعد هذين اللقاءَين، أنه اسشتعر أن عبدالناصر هو “رأس الثورة المدبر وروحها”، ثم توجه برًا إلى ليبيا.
ولم يكمل الأديب يحيى حقي مسيرته في السلك الدبلوماسي، حيث أنه قرر الزواج من السيدة “جان” الفرنسية، لذلك طلب من وزارة الخارجية نقله إلى إدارة أخرى، منعًا للاحراج، وتعارض النظم والأعراف الدبلوماسية، التي تقضي بعدم زواج العاملين في السفارات من الأجنبيات، وقد انتهت بذلك مسيرته الدبلوماسية الخارجية عام 1954م، بعد نحو عام من زواجه الثاني.
***
وبالإضافة لما يسجله حقي من ذكريات عن الأجواء السياسية، يسرد لنا جانبًا آخر شغف به، وهو حضور الحفلات الموسيقية والمسرحيات، وقراءة الأعمال الأدبية بلغاتها الأم قدر ما أمكنه ذلك، وذلك بعد تعلم لغاتها، كما فعل ذلك في فرنسا وإيطاليا، وتركيا، ورغم أن أصول عائلته تعود إلى تركيا، إلا أنه لم يكن يتحدثها ولا يعلم عنها شيئًا قبل وصوله لاسطنبول في المرة الأولى.
***
  • ومن أهم الانطباعات التي ركّز حقي في حديثه عليها، العلاقات بين المصريين في الخارج، وما تشوبها من حقد وكراهية وسوء معاشرة، قال ذلك في مكة وفي غيرها، عندما لاحظ النفور بين المصريين، وانتشار الدسائس  فيما بينهم في غربتهم عن بلدهم، في وقت يحتاجون في إلى التعاضد والتعاون، وهذا للأسف أنا شخصيًا شهدتُ بعضًا منه بين بعض الزملاء المصريين في الأماكن المختلفة التي عملتُ بها، ولا يمكن تعميم هذا الأمر، لكنه موجود وملاحظ بين الأخوة المصريين، أقول ذلك وأنا أتعامل مع جاليات أخرى آسيوية هندية وفلبيبنة وعربية أخرى، لكنني لم أشهد بينهم ما شهدته بين الأخوة المصريين للأسف.
  • ومن الانطباعات الدبلوماسية التي ذكرتها آنفًا، تواضع المستوى التمثيلي للسفارات العربية في الخارج، وعدم وضوح الرسالة التي يحملها أفراد السفارة، فالعاملون في السفارة لا يؤدون سوى أعمال إدارية روتينية كما هو الحال في إحدى إدارات الدولة المحلية، دون بذل جهود في الدفاع عن مصالح الدولة والتعبير عن رؤاها في القضايا المختلفة، ودون بذل جهود في الاطلاع والتنقيب عن مواقف الدول الأجنبية وسياساتها الداخلية والخارجية ذات الصلة بالبلدان العربية، وهذا الأمر وجده وتحقق منه الأستاذ يحيى عبر ما شاهده وعاينه من تصرفات وسلوكيات العاملين في السلك الدبلوماسي المصري، حيث يقضي الموظف جلَّ وقته في أعمال إدارية بلا طائل، ثم يقضي ما تبقى من وقت فراغه في اللعب والانشغال بالتافه من الأمور، بخلاف الموظفين الأوروبيين في قنصليات بلدانهم، فتجدهم لا يملون من دراسة الدول والمجتمعات المبتعثين للعمل فيها، خدمة لبلدانهم، وانشغالاً بالنافع لهم، ونقل حقي ما شاهده في مدينة جدة، حيث تكلم عن قنصل هولندا “فان ديربيرن” الذي “كان يعمل ويتعمق في دراسة طبيعة الجزيرة العربية، وقرر أن يرسم بعض الخرائط العلمية، نتيجة لبعض الرحلات التي يقوم بها في الداخل”، والأمر نفسه تقريبًا لاحظه حقي لدى الدبلوماسي والسياسي الإنجليزي الشهير “سان جون فيلبي” الذي عمل لاحقًا مستشارًا لدى ابن سعود، فقد كان يمضي الليالي في كتابة التقارير، وكان “يربي في حديقة بيته نماذج عديدة من حيوانات ونباتات الصحراء”.
  • ومن الفوائد التي قد لا تجدها في كتب التاريخ والسياسة، الانطباعات عن الشعوب المختلفة التي عاش في وسطها يحيى حقي، فنقل تجربته بعيدًا عن المجاملات الدبلوماسية، وعن التحيزات السياسية، وعلى هذا الأساس، وصف مظاهر الحياة البدائية في جدة وليبيا، ووصف مظاهر تدين الشعب التركي وتمسكه بالإسلام، رغم ما عاناه من تغريب قسري على يد مصطفى كمال. ورغم أن حقي لم يتكلف الكلام طويلاً في هذا المجال، إلا أن ما كتبه، يعتبر مصدرًا ذا فائدة في رؤية الشعوب أو شريحة منها، في حقبة من الحقب التاريخية، لأنها بُنيت على تجربة شخصية، غير محكومة بأحكام مسبقة، ولا مشوبة بمنافع ومصالح آنية.
  • ومن الانطباعات التي خرج بها ذات أهمية بالنسبة إلي، وهو وضع الفنون الشعبية في الدول الاشتراكية، حيث يرى حقي أن “الفنون الشعبية تزدحم في النظم الاشتراكية لأن فيها ممالأة للشعب، وتقربًا إليه”، وهو يقرر أن الفن إنما هو إنتاج فردي، أما الإنتاج الجماعي فرغم جمالياته، إلا أنه لا يرقى إلى “إنتاج العبقرية الفردية”، وأذكر أنني قرأت في كتاب “الإسلام بين الشرق والغرب” قراءة مماثلة عن دور الفن في النظم الاشتراكية، قررها الرئيس علي عزت بيجوفيتش، وإن كان بيجوفيتش تناولها بشكل أكثر دقة، حيث يُفرق بين “الثقافة الشعبية” و“الثقافة الجماهيرية”، فالأولى وما تشتمل عليه من غناء ورقص وفلكلور، تنطوي على معانٍ اجتماعية وإنسانية إيجابية، أفراد المجتمع (في القرية أو المدينة) فيها ينتجون ويستهلكون بذات الوقت، على خلاف “الثقافة الجماهيرية” حيث تُختزل الآراء، وتنعدم المشاركة، ويحدث الانفصال، فهناك جمهور المنتجين، وهناك أيضًا جمهور المستهلكين، وهذا ما تروج له الأنظمة الاشتراكية خصوصًا، والأنظمة السياسية عمومًا، تملقًا للجماهير، وترويجًا لايديولجتها، لكن بيجوفيتش وحقي يتفقان أن الفن الحقيقي إنما هو إبداع فردي.

Read Full Post »

aliezzat
كانت حياة المفكر والمجاهد والرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش، سلسلة متواصلة من التجارب الشخصية القاسية، التي عانى منها على مدى سنين طويلة، منذ ولادته وحتى وفاته.
إحدى هذه التجارب العصيبة والقاسية كانت في ثمانينات القرن العشرين، فيما عُرِفَ بقضية “المثقفين المسلمين”، والتي روّج لها الصرب، وكانت تستهدف القضاء على المثقفين المسلمين في يوغسلافيا عمومًا، والبوسنة خصوصًا، خاصة أولئك الذين لا ينظرون للإسلام كونه مجرد تراث فقط، بل يتخذونه أساسًا ومنطلقًا للفكر والعمل.
وقد كان المفكر علي عزت بيجوفيتش أحد هؤلاء المثقفين، بل كان على رأس القائمة التي ضمَّت ثلاثة عشر مثقفًا مسلمًا، خصوصًا في أعقاب نشره كتاب “الإعلان الإسلامي”.
تمَّ اتهام هؤلاء المثقفين بعدة تهم تمس الأمن الوطني ليوغسلافيا الإتحادية، وهي تهم مُختلقة لا أساس لها من الصحة، وقد حُكم على علي عزت بيجوفيتش ورفاقه بالسجن لفترات تتراوح بين 5 و14 سنة.

وقد كانت تجربة السجن هذه هي الثانية بالنسبة لبيجوفيتش، بعد أن قضى ثلاث سنوات في السجن بين عامَي 1946 و1949م.
هذه التدوينة، مجرد إطلالة سريعة على رسائل أبناء علي عزت بيجوفيتش لأبيهم أثناء سجنه، وقد أورد بيجوفيتش بعضًا منها في ملحق كتابه “هروبي إلى الحرية”، ورغم أن علي عزت صاحب تجربة قديمة في السجن، والعمل السياسي والسجال الفكري، إلا أن ظروف هذه التجربة كانت مختلفة، في ظل تصاعد التطرف القومي الصربي، والذي كان قابضًا زمام الحياة في يوغسلافيا كلها، على حساب بقية القوميات.
بلغ عدد هذه الرسائل ٩٨ رسالة، ما بين العام ١٩٨٣م، والعام ١٩٨٨م، الذي نال فيه بيجوفيتش حريته بعد عدة محاكمات، انتهت بنيله عفوًا من بقية العقوبة، بعد أن قضى في السجن ٢٠٧٥ يومًا، بحسابه هو.
قام أبناء بيجوفيتش الثلاثة، الابن “بكر”، والبنتان “سابينا” و”ليلى” بالتناوب على الكتابة لوالدهم من غير اتفاق، وبشكل متواصل، بحيث يجد القارئ أن أحدهم يرسل رسالتَيْن أو ثلاثة في غضون عشرة أيام.
وقد تجلت في الرسائل مشاعر الشوق اللاهب نحو والدهم، فبلا استثناء، لا تقرأ رسالة لأحدهم، إلا وتجده يبث أشواقه الحارة لرؤية الوالد العزيز في البيت مرة أخرى، وقد كان هذا جليًا في رسائل الأولاد الثلاثة بوضوح.
سمة أخرى تُميزُ الرسائل وهي استرجاع بعض الذكريات القديمة مع الوالد، وخصوصًا في رسائل “بكر”، الذي كان من جانبٍ آخر كثيرًا ما يتناقش مع والده عن القراءة والكتب، ويبدو أنه كان يقوم بمهمة البحث عن الكتب التي يريدها والده، فيمضي ليبتاع بعضها، أو يستعير بعضها الآخر.
بعض الرسائل كان يطغى عليها جانِبٌ خبري، مع بعض المشاعر المبثوثة ما بين السطور، حيث يقوم الأولاد بإخبار أبيهم عن مستجدات قضيته، أو بعض الأحداث العائلية كوصول مولود جديد، أو وفاة شيخٍ كبير من أعضاء الأسرة، وفي ثنايا الخبر، لا ينسى كاتبها أن يخبر والده عن مشاعر الحب والشوق، والأمل باللقاء تحت سماء الحرية.
رسائل أخرى طغى عليها جانِبٌ عاطفيٌ ووجداني بشكل كامل، وخصوصًا من جانب الابنة “سابينا” التي ولدت ابنتان خلال فترة سجن والدها، كما ولد لبكر وليلى ابنة واحدة لكل منهما، فكانت الرسائل محملة بمشاعر مضطربة بين الفرح والحزن، بين الرجاء والخوف.

من الأمور التي لاحظتها في الرسائل، خوف الأبناء على أبيهم، وقلقهم الشديد عليه وعلى صحته بالتحديد، وكانت رسائل البنتان تفيض بالقلق من المستقبل المظلم، وإن حاولتا في رسائلهما أن تُظهرا بعض التفاؤل “المصطنع”، تشجيعًا للوالد في محنته، إلا أن مشاعر القلق والاضطراب، وعدم الثقة في النظام واجراءات المحاكمة كانت مكشوفة وواضحة للقارئ.

أمر آخر يلحظه القارئ في رسائل الأبناء، وهو التأييد الواضح، والدعم القوي، والمساندة المستميتة من الأبناء لأبيهم في نضاله الفكري والسياسي، ولا يمكن للقارئ أن يقع على ما يوحي بشيء من الامتعاض أو الانتقاد، وإن كان غير مباشر من أحد الأبناء تجاه أبيهم، وهذا يعكس قوة الرابطة التي جمعت علي بأولاده، كما يعكس ثقة الأولاد بصحة موقف والدهم، وتهافت مبررات اعتقاله.

كان من الأفضل لبيجوفيتش أن يورد بعضًا من رسائله لأبنائه، وذلك لتكتمل الصورة في ذهن القارئ، إلا أنه لم يفعل للأسف، لكن ذلك لا ينفي مدى أهمية هذه الرسائل في حقبة قاسية من حياة عائلة بيجوفيتش.
سأختار ثلاثة مقاطع من ثلاث رسائل أعجبتني، ولمن أراد المزيد، فسيجد ذلك في كتاب “هروبي إلى الحرية” لـ/علي عزت بيجوفيتش، وإن كانت ترجمة إسماعيل أبو البندورة متواضعة جدًا جدًا، بل كانت منفرة بترجمته للأعلام والمواقع، وعبارته غير مستساغة، لكن هذا ما تيسر لنا.

  • سابينا ٢٦/ ٨/ ١٩٨٥م:

لو أنك تعرف كم هزَّني في الصباح ساعي البريد عندما أحضر رسالتك. كنا قد شربنا القهوة للتو، عندما قرع أحدهم الجرس، وهذا لا يحدث دائمًا لأننا عادة نكون خارج البيت والباب دومًا مفتوح، أعتقدتُ أنه أحد الضيوف من سكان البناية، وذهب “كوبر” لفتح الباب، [فأصخت سمعي] ثم قال لي [وهو في الممر].. سابينا.. بابا. واعتقدت للحظة أنك أنت [من يقف] بالباب، وتسمَّرتُ على المقعد، ثم أطل والرسالة في يده!
لا أعرف من أين تأتيني هذه الأفكار، لكن [الأمر] في تلك اللحظة بدا وكأنه واقع.

  • بكر ٢٢/ ٩/ ١٩٨٦م:

في مجلة (الكلمة الأدبية) ظهر مقالٌ عن الجريمة الشفوية، حيث يقول: إنه في جمهوريات يوغسلافيا الاتحادية يحكمون بشكل مختلف بموجب هذه الجريمة-أي الجريمة الشفوية-، في سلوفينيا لا شيء، وفي البوسنة والهرسك إجراءات محاكم التفتيش، وإذلال، وحبس وعقوبات جائرة، على غرار محاكمة المثقفين المسلمين في سراييفو ١٩٨٣م، هكذا كُتِب!
المحب لك.. بكر.

  • ليلى ٣١/ ٣/ ١٩٨٧م:

والدي العزيز
….
إنني أخشى -عندما تتلاشى الحياة- أن أندم، وأنني حملتها محمل الجد!!

Read Full Post »

worldofyesterday عالم الأمس

ستيفان تسفايج

ترجمة: عارف حديفة

عدد الصفحات: 343 صفحة

الدار: دار المدى. الطبعة الأولى 2007م.

كُتِبَ على الغلاف أن هذا الكتاب ينتمي لمجال “المذكرات”، مذكرات كتبها الأديب النمساوي ستيفان تسفايج في آخر سني عمره، واصفًا في صفحاتها، مراحل عمره، وأحداث عاشها، وقاسى أهوالها، بكى مرير ذُلِّها، وشرب نخبَ مجدها، لكن في الحقيقة، كان هذا الكتاب كتابُ “تأريخٍ” لأوروبا، تأريخ يتجاوز الأبعاد السياسية والاقتصادية والحربية، ليركز على أبعادٍ أخرى إنسانية واجتماعية وثقافية.

ولد ستيفان في عام 1881م، في “فيينا” عاصمة الامبراطورية النمساوية-الهنغارية، لوالدَين يهوديين، يعيشان في بحبوحة من العيش، وكان ذاك الزمان، زمانٌ يشهد على قوة الامبراطورية، وامتدادها الجغرافي الشاسع، كما يشهد على تقدم الفنون والآداب والعلوم الإنسانية، لقد كان عصرًا رائعًا ولد ستيفان وترعرع في كنفه، وعندما يستعيده -بحنين وشوق- في مذكراته، فإنه لا يجد أفضل من “عالم الأمن” اسمًا له ووصفًا ينطبق عليه. كان “عالم الأمن” يفيض فيه الأمان والسلام بين الجميع، الجميع على إطلاق هذه الكلمة، وكان ذلك العصر يتمتع بوفرة ثقافية وفنية، وتبوأ العقلُ فيه مكانة عليا، لذلك كان الناس يُمنون أنفسَهم في القرن المقبل -أي القرن العشرين- بمزيد من الرخاء، ومزيد من “العقلانية”، كان التفاؤل يملأ الأجواء، وكانت الثقة بالعقل والعلوم المشترك الأساسي بين الأوروبيين جميعًا مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

لكن ما أن حلَّ القرنُ العشرون، حتى أصيبَ الإنسان الأوروبي بأعظم خيبات الأمل، لقد أخفقت “العقلانية” وسقطت “الإنسانية” في أول اختبار، وكان بالفعل اختبارًا قاسيًا، قامت الحرب العالمية الأولى، وتشوهت البشرية بما صاحب الحرب من مجازر وأعمال قتل وتدمير، بعيدًا كل البعد عن العقل، وبعيدًا كل البعد عن الإنسانية!

وفي 29 يونيو 1914م، وفي “سراييفو” أطلِقت الرصاصة التي حطمت في ثانية واحدة عالم الأمان والعقل الخلّاق الذي تعلمنا فيه وترعرعنا، حطمته مثل وعاء أجوف من فخّار.

ولئن كانت الأيام والسنون التي أعقبت الحرب العالمية الأولى صعبة وقاسية، فإنها كانت أيضًا بمثابة اختبار آخر للأوروبيين خصوصًا، سقطت بعض الامبرطوريات، وبقيت أخرى، وقامت الدول القومية الصغرى في أوروبا، وظهرت الفلسفات والأفكار، بل والسلوكيات التي تشوهت بفعل الحرب، وما أن تعافت النفوس قليلاً، حتى اصطليت أوروبا بظهور الفاشيات والتطرف، التي ستدفع العالم بأجمعه نحو حرب عالمية ثانية.

هذا ملخص للعالم الذي عاشه ستيفان تسفايج، منذ آخر عِقْدَين في القرن التاسع عشر، وحتى بداية أربعينات القرن العشرين، وهو لم يكن رجل سياسة، ولم ينتمِ لحزب من الأحزاب السياسية، ولم يتقلد منصبًا حكوميًا، لكنه مع ذلك لم يكن على هامش الوجود، بل لقد عاصر الأحداث عن قرب، رغمًا عنه، فقد كان أديبًا وشاعرًا ومترجمًا، أتقن عدة لغات أوروبية، وكان يجمع المخطوطات والرسومات، وقد تحصل على ذخيرة ثمينة منها، كما أنه -بفضل انتمائه للوسط الأدبي والثقافي- ألتقى وصادق عددًا من أعلام أوروبا الأدبية في مطلع القرن العشرين، منهم الشاعر ريلكه، وفرويد، ومكسيم غوركي، وبرنارد شو وغيرهم.

كان يتنقل بين حواضر أوروبا، من فيينا إلى باريس، مرورًا ببرلين، ووصولاً إلى لندن، ولم تغب موسكو أو نيويورك عن عصا تجواله، بل وصل في بدايات عمره إلى الهند، شرقًا، وإلى الولايات الأمريكية الغربية غربًا، وتجواله هذا أتاح له من الخبرات والتجارب الشيءَ العظيم، الذي انعكس عبر أعماله الأدبية والنقدية، فأصاب النجاحُ أغلبَ ما أنتج، وحظيت بالقبول معظم أعماله من قبل الجمهور والنقاد، سواء باللغة الألمانية، أو بغيرها من اللغات.

لكنه كان يشعر بخيبة أمل كبيرة جرَّاء ما أصاب أوروبا، لقد أقبل على القرن العشرين بروح ملأها التفاؤل، والثقة العمياء بـ”العقل البشري”، لكنه لم يلبث طويلاً حتى تبين له قصر نظره ونظر العديد من الأوروبيين في تلك الأيام، وهذا ما كان واضحًا على طول صفحات الكتاب، حتى النهاية المفجعة، والتي سيرويها لنا الناشر، وليس ستيفان تسفايج.

شهادة تسفايج على التاريخ الأوروبي، شهادة ذاتية موضوعية مُحَقَّبَة…

  • ذاتية، لأنه سردها من تجاربه وحياته، انعكست فيها طموحاته وآماله، نجاحاته وخيبات أمله، كان الحديث عن النفس متواصلاً ومترابطًا عبر صفحات الكتاب، وابتعد عن لغة الكتب العلمية، والوثائق التاريخية، والشعارات الحزبية، التي تذوب فيها ذاتية الكاتب، ويصبح ما يكتبه مجرد انعكاس لحصيلة ما فعله الآخرون.
  • وهي شهادة موضوعية، فهو لم يتبنَّ رأيًا سياسيًا أو حزبيًا يميل لطرف على طرف، ولم يتجنَ على أحد رغم ما وجهه من انتقاد للنازية والفاشية والحركات السياسية المتطرفة.
  • وهي شهادة مُحَقَّبَة، إذ بدأ فيها من أواخر القرن التاسع عشر، وحتى عام 1941م، لكنه لم يتخذ وضعية المؤرخ أو الأستاذ في المدرسة، بل مارس ما أتقنه خلال سني عمره، وهو الرواية، لقد استمر تسفايج “راويًا” حتى في مذكراته، فسرد من الذاكرة – تلك التي اختزنت التجارب والأحداث والآلام والأفراح وخيبات الأمل- تاريخَ حياته، والذي يعكس تاريخ أوروبا اجتماعيًا وثقافيًا، ولم يكن بعيدًا عن المجالَين الاقتصادي والسياسي.

اليوم 22 من فبراير، وهو اليوم الذي يصادف آخر يومٍ في حياة ستيفان عام 1942، كان يومًا مريرًا للرجل الذي انتهى به الوضعُ لاجئًا هاربًا في البرازيل!

ملاحظات:

  • يتحدث ستيفان تسفايج عن مظاهر الثقافة والأدب والعادات والتقاليد في أوروبا نهاية القرن التاسع عشر، ويقارنها مع ما حدث بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وذلك التحول الصارخ فيها.
  • هناك فرق ولا شك بين الحربَيْن العالميتين الأولى والثانية، وفي اكثر من مرة، يتناول ستيفان هذه الفروق، ولكن ليس ببعديها السياسي والاقتصادي، بل ثقافيًا وفلسفيًا واجتماعيًا، مما لا يمكن إيجاده في كتب التاريخ السياسي.
  • الذاتية كانت موجودة بصورة أكثر قربًا حينما تناول سِمات مؤلفاته الأدبية ومميزاتها، وقد ذكرها دونما تحرج، وخصوصًا عندما انتقد تجاربه الأدبية الأولى التي افتقدت صدق التجربة.
  • كان الموضوع الذي يشغل ستيفان كثيرًا هو “الوحدة الاوربية”، ورغم ما حدث ظل مؤمنًا بها.
  • التفاؤل بالعلوم والعقل والقرن الجديد، ثم خيبة الأمل التي أصيب بها الأوروبي نجدها في مكان آخر، بالتحديد رواية “كل شيء هادىء على الجبهة الغربية” للروائي اللألماني إريك ماريا ريمارك، كان شعورًا موحدًا من غير اتفاق.
  • كان نادر الكلام عن حياته الزوجية، وبالمناسبة فقد تزوج مرتين، ولكنه حياته الخاصة هذه لم يذكرها كثيرًا، والقارىء سيتكشف بعضًا من أسباب ذلك في سياق القراءة.
  • سطور مؤلمة للغاية سطرها في حديثه عن ظروف وفاة والدته، وكان حينها بعيدًا لاجئًا في لندن.
  • عالم الأمس…. العنوان يشي بحنين إلى ذلك العالم، العالم الذي استشعر فيه ستيفان الأمن والطمأنينة، فهل استطاع أن يستعيده؟!

Read Full Post »