Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘اللغة’

image

 

رحلة من مصر إلى مصر
الأستاذ المحامي محمد فريد وجدي بيك

مراجعة وتصحيح وتعليق: د.عبدالمجيد خيّالي
عدد الصفحات: 146 صفحة (شاملة الفهارس والصور).
الناشر: مركز التراث الثقافي المغربي ودار ابن حزم/ الطبعة الأولى/ 2011م.

 

المحامي والسياسي والمؤرخ محمد فريد بيك، يقوم برحلة سياحية قصيرة في صيف عام 1901م، ليستطلعَ بها ما أصاب المسلمين جرّاء التخلف والانقسام والتنازع بينهم، ولذلك فهو يقصد اسبانيا، ليطلعَ على شواهد باقية من الحضارة الإسلامية، بقيت برغم محاولات المحو والتشويه، ثم يتوجه لشمال أفريقيا، ليكون شاهدًا شهادة العين والأذن والمعايشة، على ما يتعرض له العرب والمسلمون في ديارهم من ظلم المحتل.

مسار الرحلة:
بدأ المحامي وجدي بيك رحلته يوم الجمعة 5 يوليو 1901م، منطلقًا من القاهرة، وبحرًا توجه نحو مرسيليا، المدينة الفرنسية الساحلية العتيقة، وبعد قضاء بضعة أيام فيها، توجه بحرًا نحو اسبانيا التي طاف في أرجائها، فشملت رحلته بالترتيب المدن التالية: برشلونه – سرقسطة – مدريد – طليطلة – قرطبة – غرناطة – اشبيلية – وأخيرًا قادس.
ويبدو من خلال سير رحلته في ربوع اسبانيا، أن السائح كان يقصد التعرف على ما تبقى من آثار المسلمين في الأندلس، لذلك، فهو لم يتجشم عناء التوجه لمدن غرب وشمال اسبانيا، وذلك لعدم اشتمالها على ما تبقى ويُظَن أن له علاقة بتاريخ الأندلسيين وحضارتهم، واكتفى بأن يقضي يومين أو ثلاثة في كل حاضرة من حواضر الأندلس العريقة، وهو في رحلته هذه، يقدم دروسًا وعِبَر يطلب من المسلمين التنبه لها، كما أنه لا يُخفي حزنه على بدائع إسلامية تعرضت للتشويه والتبديل، وطمس آيات القرآن، ليوضع عليها وبشكل مُنفر علامات وأيقونات المسيحية.

كما أن الأستاذ المحامي، كان حريصًا على انتقاد بعض المظاهر غير الحضارية في الحياة الاسبانية اليومية، وأهمها كانت مصارعة الثيران، هذه الرياضة التي لا بد فيها من نزف الدماء وقتل الحيوانات، لا لشيء سوى المتعة، كانت هذه الرياضة محل انتقاد شديد من المحامي صاحب الرحلة، وسابقًا، انتقد الأستاذ الفرنسيين وعموم الأوروبيين على ممارساتهم واعتقاداتهم الدينية المتخلفة، المتمثلة في إلقاء النذور في الكنائس، وغيرها من السلوكيات فكتب يقول:

“ومن الغريب أن الإفرنج يرموننا بالجهل، لتمسك بعض جهلائنا بالأوهام الباطلة، واعتقادهم بتأثير الأحجية والتمائم مع شيوع هذه الاعتقادات بين أكثر طبقاتهم تنوراً، فهم يغمضون الجفن عن عيوبهم، وينظرون إلى أقل عيب في غيرهم بالنظارة المكبرة، لكن لا غرابة في ذلك، فهو أمر طبيعي في الأفراد والأمم”.

لكنه كذلك أثنى على دور الحكومة الاسبانية في الاهتمام والعناية بالآثار الأندلسية القديمة المتبقية، وهذا الأمر له علاقة مباشرة بما يسمى “الحنين إلى الأندلس” هذه الموجة الأدبية التي اجتاحت مثقفي وشعراء وأدباء الغرب في القرن التاسع عشر، فكان ذلك سببًا في إقبال السائحين والباحثين على اسبانيا، ومن هنا تنبهت الحكومة الاسبانية لما يمكن أن يعود عليها من منافع بسبب هذه الآثار فأولتها اهتمامها، وشخصيًا، أعتقد أن اهتمام العرب والمسلمين في أوليات القرن العشرين وحتى منتصفه، كان رجع الصدى لتلك الموجة الرومانسية الغربية تجاه الأندلس، فأحيت ما كان ضامرًا في النفوس العربية.
ولأنه عروبي ويعتز بالإسلام وحضارته، فلم يفوت فرصة المرور على “مكتبة الاسكوريال”، والتعرف على الكتب والمخطوطات العربية التي بحوزة هذه المكتبة، وهي تشكل ذخيرة غنية ومتنوعة، كثير منها لم يُكتشَف بعد.
***
وفي يوم الاثنين الموافق 29 يوليو، يتوجه المحامي بحرًا من قادس إلى طنجة، ومنها إلى عدة مدن عربية، وذلك على الترتيب التالي:
طنجة – مليلة – وهران – تلمسان – مدينة الجزائر.

طنجة.. المدينة الساحلية المغربية، كانت تخضع لنظام غريب، فهي أفريقية، ويتغلب عليها الأوروبيون، ويتحكمون بأمرها فعليًا، رغم أنها اسميًا تنتمي لسلطان “مراكش” أو ما يُعرف حاليًا بالمملكة المغربية.
وهناك، شاهد وجدي بيك -برأي العين وسمع الأذن وتقطع القلب- ما أحزنه وحذَّرَ منه، فالغلبة هناك للأوروبيين، مدنيًا مناطق الأوروبيين أنظف وأجمل، وعسكريًا، تولى الأوروبيون المناصب القيادية في الجيش والشرطة والبحرية، فقائد الجيش العام فرنسي، وقائد المشاة انجليزي، وقائد القطعة العسكرية البحرية الوحيدة ألماني، وثقافيًا، تتنوع لغات الصحف المطبوعة والمنشورة، ولا توجد بينها صحيفة واحدة تطبع باللغة العربية!
وفي ميدان الاتصالات والبريد، فلكل قنصلية أوروبية مصلحة بريد وتلغراف خاص بها.
وكل ذلك يورده المحامي وجدي بيك، ليحذر من مغبات التفرق، وهو ينتقد سلطان مراكش -ملك المغرب- لعدم استخدامه لضباط من الدولة العثمانية في “ترتيب جيوشه”، ويعزو ذلك لـ:

“التفرق والتخاذل الذي سبَّبَ ضياع بلاد الأندلس، والذي سيكون سببًا في ضياع مراكش وغيرها من بلاد الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله”.

وبعد قضاء يومين في طنجة، توجه بحرًا نحو وهران، ثم بالقطار إلى مدينة تلمسان، ومنها إلى مدينة الجزائر.
وعمومًا، كانت المشاهدات في الجزائر أكثر إيلامًا من تلك التي في لمغرب، ولم يُسمح له بالنزول من الباخرة إلا في اليوم التالي، وبعد بعض الاتصالات، لكنه في البداية وضح سبب زيارته وتجشمه عناء السفر للجزائر:

“أردتُ زيارة الجزائر لأتحقق مما يدَّعي الفرنساويون أنهم أتَوه من الإصلاح، وما قاموا به من الأعمال الجِسام لتحسين حالة الأهالي المعاشية، وتقدمهم في مراقب التمدن والسعادة، فما رأى كمن سمع”.

وبالفعل، لم تكن هذه سوى دعاية ترويجية للمحتل الفرنسي، فأهل البلاد في فقر وتخلف وجهل، وأما التمدن والبحبوحة العيش فكانت حصرًا للمستوطنين الفرنسيين، فأهل البلاد “شيّالون في الميناء أو خادمين عند الإفرنج.. ولا يوجد بينهم تاجر عظيم أو متوسط، ولا صاحب معمل”،ومما وقف عليه السائح العربي، تحويل عدة مساجد إلى كنائس أو مخازن في هذا البلد المسلم!
وكذلك لاحظ الغزو الثقافي الفرنسي، الذي أجبر الناس على هجرة تعلم العلوم العربية والشرعية، والتوجه لدراسة العلوم باللغة الفرنسية، طمعًا في تحصيل وظيفة أو منفعة دنيوية.
وفي وهران، ألتقى محمد فريد بأستاذ اللغة العربية المسيو “موليراس”، الذي كتب له خِطابَين أحدهما إلى قاضي تلمسان، والآخر إلى سكرتير حاكم الجزائر العام، حيث “أوصاهما فيهما بمساعدتي على جميع ما أريده من الاستعلامات عن حالة البلاد وأهليها”، ويؤكد وجدي بيك أن الخطاب الثاني الذي وجه به إلى سكرتير حاكم الجزائر كان مفيدًا له، حيث “أن المسلمين يحذرون من مقابلة من يأتي بلادهم من إخوانهم من البلاد الأخرى، إلا إذا علموا أن الحكومة ورجالها غير ناقمين من وجود هذا المسلم الأجنبي وبالأخص إذا كان تركيًا أو مصريًا”.
وبعد تلمسان توجه إلى مدينة الجزائر، ومما ذكره عنها، أنه كان يوجد فيها 14 مسجدًا جامعًا، لم يبق منها إلا أربعة!
وفي وسط المشاهد التي تجلب الضيق على النفس، والحزن في القلب، تبدى له مشهدًا جميلاً حينما شاهد وجود “عشرة من البحارة الروسيين يؤدون صلاة الجمعة بكل خشوع”، وحينما سألهم عن موطنهم، أجابه البعض بأنه من بلاد قفقاسيا، والبعض من أوفه، وقَزان، وكانت له لقاءات ببعض أعلام الجزائر في حينها ومنهم قاضي تلمسان شعيب بن عبدالله، الذي أكرم وفادة الأستاذ المحامي.
وفي الجزائر البلد الكبير المترامي الأطراف، لا توجد به سوى جريدة واحدة وهي “المبشر”، ولم يذكر عما إذا كانت عربية أم لا،وهي جريدة رسمية تنشر الأوامر وبعض الفصول في فضل فرنسا على العرب، والحض على التعلق بالولاء لها!
وفي آخر رحلته، قدّمَ المسافرُ العربي مقالتين قصيرتين جدًا عن مشاهداته في الجزائر، الأولى عنوانها “الحرية الشخصية في الجزائر”، وفيها يؤكد على ازدواجية معايير هذه الحرية، فكل شيء مباح للفرنسيين والغربيين، وكل شيء ممنوع على الجزائريين. والمقالة الثانية عنوانها “التعليم والمدارس في الجزائر”، وفيها يتناول أوجه الغزو الثقافي الفرنسي، الذي يعمل على تهميش وإقصاء علوم الشريعة واللغة العربية، ويركز عبر آليات عدة، في مقدمتها التوظيف في الإدارات الحكومية، على التعليم باللغة الفرنسية.

وفي يوم الأحد 11 أغسطس، غادر المحامي مدينة الجزائر بحرًا، عائدًا لمدينة مرسيليا، ومنها توجه لقضاء 20 يومًا في كل من مدينتي “باريس” و”فيشي”، ثم قفل عائدًا إلى بلده، فوصل الاسكندرية يوم 10 سبتمبر 1901م.

***
تمتاز هذه الرحلة بعدة خصائص، من أهمها أن صاحبها رجل يحمل هَمَّ الأمة، ويشعر بمغبة التفرقة والتنازع بين أبنائها، فكانت رحلته هذه مطبوعة بطابع النصح والإرشاد، واستلهام الدروس والعبر، فإذا ما عرفنا الوضع الحرج الذي كانت تعيشه الأمة العربية والإسلامية في مطلع القرن العشرين، وإذا ما عرفنا الدور السياسي والحقوقي والثقافي الذي اضطلع به الأستاذ محمد فريد، اكتشفنا أهمية رحلته القصيرة هذي، وأنها تستهدف تنبيه الأمة وإيقاظها من سباتها.
وتمتاز بطابعها الجغرافي الممتد، من مصر إلى مصر، مرورًا بعدة دول وحواضر أوروبية وعربية أفريقية، وهي تقع -كما ذكرتُ أعلاه- في حقبة تاريخية مضطربة ومتأزمة من تاريخ العالم العربي والإسلامي.

ومما تمتاز به هذه الرحلة، أنها من بواكير رحلات العرب إلى الأندلس، فكما أعلم -وعلمي قاصر- أن الأستاذ محمد فريد سبق الأديب الأمير شكيب أرسلان وغيره من العرب في السياحة إلى الأندلس، فكانت تجربة فريدة وسابقة جميلة تسجل لصاحبها.
كما تمتاز هذه الرحلة، باستشراف المستقبل، فكان السائح المثقف يدقق بصره وبصيرته في ممارسات المحتل في كل من المغرب والجزائر، وكان يحذر وينبه لخطورة ما تقوم به حكومات وإدارات المحتل في ثقافة وتاريخ ودين البلدان المحتلة.


كانت لغة صاحب الرحلة واضحة بسيطة، لم يتكلف لا في عبارته ولا في أسلوبه، وكذلك لم يتجنب إظهار عاطفته الحزينة لحال المسلمين، كما أنه كان حريصًا على الموضوعية، فانتقاده لهيمنة الدول الأوروبية واحتلالها بلداننا، لم يمنعه من الثناء على تنظيمها وحسن إدارتها لأمورها في بلدانها.
كان الكتاب قد طبع قديمًا، وهذه الطبعة هي الطبعة الثانية، وكانت بتحقيق الأستاذ عبدالمجيد كيالي، الذي أضاف هوامشًا عديدة، ربما لم يكن من المطلوب وضعها بهذا الشكل، كما أن هذه الطبعة حفلت بصور فوتوغرافية لم تشتمل عليها الطبعة اأصلية، وهذه من النقاط السلبية في هذه الطبعة، فبعض الصور “مسحوب” من منتدى في الانترنت، وتظهر في إحدى زواياها شعار ذلك المنتدى أو الموقع، وبشكل مُنفِّر، كما أن خط الطباعة كان كبيرًا، يماثل حجم خط الطباعة في الكتب المدرسية، وربما أرادت الدار إخراجه بهذا الشكل لزيادة عدد صفحات الكتاب.

وعمومًا، الرحلة مثيرة، وحافلة بالدروس، والتنبيهات والتحذيرات التي تحقق للأسف بعضٌ منها.

Advertisements

Read Full Post »

arabfrance

تاريخ الدراسات العربية في فرنسا

تأليف الدكتور محمود المقداد

عدد الصفحات: 285 مع صفحات المراجع والمصادر.

اصدار: سلسلة عالم المعرفة/ رقم 167/ نوفمبر 1992م/ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب/ الكويت.

يتتبع الدكتور محمود المقداد في هذا البحث، تاريخَ الدراسات العربية في فرنسا، منذ بواكيرها في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وحتى ما قبل عشر سنوات من تأليف البحث، أي سبعينات وثمانينات القرن العشرين، ويهتم البحث برصد أعلام “الاستعراب” في فرنسا وجهودهم المتنوعة، ومراحل تطور الدراسات العربية ومجالاتها في المؤسسات الاكاديمية والعلمية والسياسية الفرنسية.

يبدأ أولاً المقداد بحثَه بإلقاء ضوء على مفهوم “الاستشراق”، وهو مفهوم عام يتناول “دراسة الشرق من جميع النواحي”، ولمَّا كان مفهومًا عامًا يشمل العرب وغيرهم، يشمل الإسلام وغيره من الأديان، فقد نشأ مفهومٌ آخر أكثر دقة وتخصصًا، يشير إلى الدراسات العربية والإسلامية، وهو “الاستعراب”، والمشتغِل في هذا الحقل يُطلَق عليه “المستعرب” Arabisant.

لم يكن الاستشراق/الاستعراب خلوًا من الغايات والأهداف، فهذا ما لا يمكن تصوره في أي حركة بشرية، وعلى أي مستوى، ولكن من جهة أخرى، لا يمكن أن توصَف أهداف الاستشراق/الاستعراب بالسيئة والسلبية على طول الخط، فمن هذه الأهداف ما فيه نفع لنا ولهم، وما ليس فيه ضرر علينا، ومنها ما فيه ضرر علينا، لذلك، فالباحث يرفض الأحكام القطعية الجامدة المسبقة التي تُلقى على الاستشراق/الاستعراب أيًّا كانت، فكل مرحلة من مراحل الاستشراق/الاستعراب كانت تمتاز ببعض السمات، التي لا بد من دراستها على حدة وبموضوعية قبل إصدار الأحكام عليها. لكن المؤلف عمومًا يقرر بأن “الهدف العام لحركة الاستعراب أو الدافع الرئيسي لها كان حب الكشف والتعرف والاطلاع للإفادة العلمية والتواصل الفكري بين الفرنسيين والعرب”.

في الفصل الأول، تناول المقداد الصلات بين الشرق العربي والغرب الأوروبي، وأكد بأن هذه العلاقات تعود إلى الماضي الموغل في القدم، فهي لم تنقطع إلا خلال فترات من الزمن قليلة، وأما في الغالب، فالعلاقات كانت متواصلة بين الشطرين سواء سلمًا أو حربًا، وبالتحديد منذ بزوغ فجر الإسلام، وقد وصلت إلى أوجها حربًا في الحروب الصليبية، والتي كانت فرنسا تحتل فيها مركزًا متقدمًا في الحشد والإمداد العسكري، لكن وبحسب المؤرخين، فإن لهذه الحروب التي انتهت باخفاق عسكري أوروبي في الشرق، تأثيرات عميقة في المجتمع الأوروبي، كان من أهمها تسهيل التبادلات التجارية والفكرية والفنية بين طرفي المتوسط. وقد بدأت في حينها ترجمة المؤلفات العربية إلى اللغة اللاتينية، لغة العلم والثقافة في أوروبا حينذاك، وينقل المؤلف أن أحد المؤرخين الغربيين واسمه ليكليرك Leclerc أحصى في كتابه “تاريخ الطب العربي” عدد المؤلفات العربية التي تُرجمَت إلى اللغة اللاتينية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، فوجدها تزيد على 300 ترجمة، من بينها 90 ترجمة تتعلق بالعلوم الفلسفية والفيزيائية والطبيعية، و90 أخرى تتعلق بالعلوم الطبية، وغيرها من المجالات الثقافية والأدبية والعلمية.

في وقت لاحق، نشأت ظروف سياسية وعسكرية وثقافية جديدة في أوروبا، نتيجة لفتح العثمانيين القسطنطينية عام 1453م، هذا العام الذي يعتبر الأوروبيون فاصلاً بين حقبة انتهت، وهي العصور الوسطى، وحقبة جديدة ابتدأت، وهي عصر النهضة الأوروبية، والذي ستتخذ فيه الدراسات العربية في فرنسا بُعدًا آخر.

فقد تطورت اللغات القومية الأوروبية، وظهرت إلى مسرح الوجود المعاهد والجامعات التي لا تعترف بسلطة الكنيسة، ووصايتها عليها، فبدأ الأوروبيون محاولة الرد على الأخطار العثمانية عبر قراءة واستكشاف المنتج الثقافي للحضارة التي تحمل الدولة العثمانية لوائها، ومن هنا كان اهتمام الفرنسيين بتجميع المخطوطات العربية، والاحتفاظ بها في فرنسا، وترجمتها، واهتم الفرنسيون كذلك بإيجاد جيل من الفرنسيين يتقنون العربية والتركية والفارسية، وبذلك بدأ اتجاه جديد برعاية الدولة، يهتم بالدراسات العربية في فرنسا، وإن كان سينتابه بعض الفتور في لحظات تاريخية معينة، إلا أنه ومنذ الثورة الفرنسية 1789م، سيزداد الاهتمام الفرنسي بالدراسات العربية، والتي توجها نابليون بونابرت بحملته على مصر عام 1798م.

وقد ظهر في القرون الثلاثة الماضية عددٌ من الباحثين والمستعربين الكبار، الذين بذلوا جُلَّ أوقات أعمارهم في دراسة وتدريس اللغة العربية، والثقافة العربية للفرنسيين، وترجمة وتحقيق التراث العربي، بما يحقق مصالح بلادهم، ومن أهم هؤلاء المستعربين سلفستر دو ساسي (1758-1838م) الذي أسهم باقتراحاته ودراساته في تبوء الدراسات العربية مكانة هامة في الأوساط الأكاديمية الفرنسية.

وقد اهتم الفرنسيون منذ القدم في جمع المخطوطات العربية، ونقلها إلى فرنسا، وترجمتها، وذلك من أجل التعرف على الثقافة العربية، وكشف أسرارها، وقد جُنِّدَ لذلك رهبان مبشرون وتجار، وجواسيس، ودبلوماسيون، وسفراء في العالم العربي والإسلامي، وسوّاح ومستعربون، كُلفوا خصيصًا بهذا العمل، وقد مرت على عملية جمع المخطوطات العربية في فرنسا 6 مراحل بحسب المؤلف، تمتد الأولى منذ بداية القرن الثامن وحتى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، ولا يلحظ فيه أي اهتمام جدي من الغرب الأوروبي عمومًا بالشرق أو باللغة العربية، وأما آخر هذه المراحل، وهي السادسة، فتمتد من عام 1883 إلى عام 1975م، وفيها أضافت فرنسا عددًا كبيرًا من المخطوطات العربية في مكتباتها، نتيجة استعمارها عددًا كبيرًا من البلدان العربية والإسلامية في غضون هذه الحقبة، إلى حد أنها تجاوزت عدد سبعة آلاف مخطوطة.

ويلخص المقداد جهودَ المستعربين الفرنسيين في التعامل مع المخطوطات العربية في 7 نقاط، وهي:

  • البحث عن هذه المخطوطات وجمعها ونقلها إلى فرنسا.
  • حفظ هذه المخطوطات.
  • وضع فهارس تنظم الإفادة منها.
  • تحقيق بعضها ونشره.
  • نشر اقتباسات من هذه المخطوطات، أو خلاصات لها بغية تعريفها.
  • ترجمة بعض هذه المخطوطات إلى الفرنسية.
  • نسخ بعض هذه المخطوطات أو تصويرها.

وفي فصل آخر (الفصل3)، تناول المقداد تدريس اللغة العربية في فرنسا، وهي عملية مرت بعدة أطوار، أولها في معهد فرنسا (كوليج دو فرانس)، وقد أدخلت العربية كأحدى المواد عام 1587م، على يد أرنولد دو ليسل، واستمرت كذلك إلى عام 1613م. ثم ظهرت جهة أخرى تولي العربية واللغات الشرقية الأخرى اهتمامها، وهي مدرسة فتيان اللغة التي تأسست عام 1669م، والتي كانت تأمل فرنسا من ورائها تأسيس جيل من الفرنسيين يتقنون العربية بالتحديد، وذلك لتولي مصالح بلادهم السياسية والتجارية مع الشرق، ثم تمَّ تأسيس المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحية عام 1795م، والتي نافست وتفوقت على مدرسة الفتيان، وأصبحت هي المصدر الأساسي لتخريج المستعربين في فرنسا إلى يومنا هذا، وكان سلفستر دو ساسي أحد أعمدة هذه المدرسة، وواضع أهم لوائحها ونظمها.

وفي فصل آخر، وهو الرابع، تطرق المؤلف لأنواع الدراسات العربية في فرنسا، وهو يعني بالتحديد الفنون من الثقافة العربية التي اهتم المستعربون بها، فعملوا على نشر مخطوطاتها، أو قاموا بنشر مؤلفاتها أو أسهموا في إلقاء المحاضرات عنها، ومن هذه الدراسات: الدراسات اللغوية، الدراسات الأدبية، الدراسات التاريخية، الدراسات الإسلامية، الدراسات الجغرافية، وغيرها، وسنأخذ مثالاً هنا الدراسات اللغوية.

قام المستعربون الفرنسيون في إطار اهتمامهم بالدراسات اللغوية العربية بتأليف كتب في النحو العربي، كما قام بذلك بوستل عام 1538م، ودو سافاري عام 1748م، ونشر دو ساسي كتابًا في قواعد اللغة العربية أسماه “التُحفة السَنية في علم العربية” عام 1810م، وقام المستعربون كذلك بوضع المعاجم اللغوية العربية، حيث صنّف مارسيل سنة 1837م، معجمَه “كنز المصاحبة” وهو معجم فرنسي-عربي عامي، وكذلك قام المستعربون بنشر الكتب النحوية العربية وترجمتها، وتأليف الدراسات اللغوية حول اللغة العربية الفصحى واللهجات العامية، وقاموا بوضع الكتب التعليمية، ونشر المختارات النحوية العربية.

في الفصل الخامس، تناول الدكتور المقداد، مجالات أخرى لعمل المستعربين غير العمل التدريسي، وهذه المجالات بلا شك تثير جدلاً كبيرًا، خصوصًا إذا ما علمنا بأن بعضها كان يتعلق بأغراض سياسية وعسكرية استعمارية، وأخرى دينية تبشيرية، وقد عمل بعض المستعربين في السلك الديبلوماسي الفرنسي، مثل كليمان هوار الذي تخرج من مدرسة اللغات الشرقية عام 1873م، وعُين مترجمًا في القنصلية الفرنسية في دمشق أولاً ثم الآستانة تاليًا، وفي وقت لاحق عُين قنصلاً عامًا لحكومته في دمشق، وينقل المؤلفُ شهادةَ د.طه حسين في المستعرب لوي ماسينيون الشهير، وأنه كان موظفًا في إدارة المخابرات في وزارة الخارجية الفرنسية. وهذه جهود ومجالات عمل، لا شك بأنها تلقي نوعًا من الشك والريبة في الإنتاج الثقافي والعلمي لهؤلاء المستعربين، ونقص في الثقة التي يوليها المثقف العربي لآراء المستعربين التي توصف بأنها علمية.

لكن هناك مجالات أخرى علمية، عمل بها هؤلاء المستعربين، مثل عقد المؤتمرات الاستشراقية، والتي بدأت أولها عام 1873م في باريس، والاشتراك في تحرير مواد “الموسوعة الإسلامية”، وتأسيس الجمعيات الاستشراقية والاستعرابية، والاشراف على الاطروحات الجامعية.

وفي الفصل السادس والأخير، تناول د.محمود المقداد بعض أعلام الاستعراب الفرنسيين، وسلط الضوء على سيرهم وأعمالهم بإيجاز، وفي مقدمتهم سلفستر دو ساسي، والذي يرد إليه الفضل في تطور الدراسات العربية في فرنسا خصوصًا وأوروبا عمومًا، كما تناول جهود مستعربين آخرين مثل موريس غودفروا-ديمومبين(1862-1957م)، وغاستون فييت(1887-1971م)، وأخيرًا ريجيس بلاشير(1900-1973م).

 

البحث غني بالمعلومات التاريخية والموضوعية عن عالم الدراسات العربية في فرنسا، والمؤلف يقدمها بطريقة موضوعية غير منحازة، وهناك طرائف تاريخية عديدة، تتعلق بالعلاقات الثقافية العربية-الفرنسية، يجدها القارئ منثورة بانتظام فيما بين سطور الكتاب، وقد لاحظتُ نوعًا من التحامل السلبي من المؤلف تجاه الدولة العثمانية، حيث يعتبرها مسؤولة عن التخلف الذي أصاب العرب، ويتهمها بأنها كانت لديها نزعة خفية إلى تتريك العرب خاصة وإلغاء اللغة العربية ثقافيًا. وفي صفحة أخرى، يعتبر المؤلف أن همَّ الدولة العثمانية كان منصبًا نحو جمع الضرائب وبناء الجيش الانكشاري وتدعيم سلطانهم في الآستانة، دون نظر إلى مصالح الرعية الحقيقية وحقها في التقدم والازدهار.

Read Full Post »

resalah

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

محمود محمد شاكر

عدد الصفحات: 257 صفحة.

الدار: دار الهلال/دون تاريخ للطبعة أو رقم لها، ربما نسخة مصورة.

 

هذا الكتاب بمجمله، إجابة عن السؤال التالي: لمَّ نشأ الخلافُ بين منهج شاكر الأدبي والمناهج الأدبية السائده في عصره، والتي كان يروج لها أعمدة الأدب والثقافة في الوطن العربي، على أنها أفضل الأوعية التي يمكن أن تُدرَس وتُنتقَد بها الآداب العربية، وخصوصًا القديمة، وقد ظهر الخلاف أبرز ما يكون، حينما أقدم أبو فهر -كنية محمود شاكر- على إصدار كتابه “المتنبي” في ثلاثينات القرن العشرين، ما أحدث ضجة أدبية وثقافية كبيرة، استمرت زمنًا طويلا.

 

قضى محمود محمد شاكر 10 سنوات (1926-1936م) من عمره عاكِفًا على قراءة كتب التراث، قراءة حثيثة متأنية، بعيدًا عن تأثيرات المنتديات الثقافية والأدبية، والمجالس العلمية بين جدران الجامعة المصرية، حتى استقام له منهجه الذي نشر عبره كتابه الأول “المتنبي”.

يرفض شاكر ما يُسمَّى بـ”المناهج الأدبية” المستوردة، التي قضت على ثقافتنا العربية، وذلك لعدة أسباب أهمها أنها قد وجدت وتطورت وتبلورت في بيئات وأوساط ثقافية واجتماعية ودينية مغايرة لتلك التي نعيشها ونمارسها، فضلاً عن أن تكون عدوة لنا، ومتربصة بثقافتنا.

وفي بداية رسالته هذه، يعرض المؤلف رأيه في المنهج الصحيح لدراسة العلوم، وهنا نصل إلى أحد أهم إضافات هذا الكتاب، حينما يناقش شاكر ما يسميه بـ”ما قبل المنهج”، وهو يقصد، تلك العناصر التي تتفاعل في نفس كل إنسان حينما يريد دراسة علم من علوم الألسن، ويحدد المؤلف ثلاثة عناصر، تتمازج معًا، وتلعب دورًا موجهًا وقائدًا للباحث أثناء عمله ودراسته، وهذه العناصر الثلاثة هي: أ/ اللغة. ب/ الثقافة. جـ/ الهوى.

ثم يشرع في الإجابة على السؤال المتقدم من الصفحة 52 إلى آخر الكتاب تقريبًا، وفي عرضه، يرى شيخ العربية أن تدمير الثقافة العربية والإسلامية، هو السلاح الذي اهتدى إليه الغربيون بعد أن فشلوا عدة مرات، ولقرون طويلة في الانقضاض على الحضارة الإسلامية، ولم تكن “المناهج الأدبية” التي فُرضت على عقول الشباب في مقتبل حياتهم العلمية في قاعات الجامعات العربية، لم تكن هذه المناهج سوى وسائل لإنجاز التدمير المنشود.

والمستشرقون -بحسب المؤلف- هم طلائع الاستعمار والتبشير، وهم الذين حملوا عبأ نقل العلوم العربية والإسلامية للغرب، وإنذار الأخير ببواكير النهضة الإسلامية، حتى يتحين للغربيين أمر إجهاضها*، ولا يرى شاكر أن أعمال المستشرقين وإنتاجهم يرقى للنظر إليه على أنه “عمل علمي”، وهو يقدم لذلك عدة أسباب ومبررات، لكنه من الأساس يَنْقُضُ  “علمية المستشرق” نفسه، فهو يرى أن المستشرق لم يتحصل على العلم الكافي، ولم يستوفِ الشروط الأولية لتأسيس منهج علمي يمكنه بالنهاية من الحديث عن آداب العرب، وانتقادهم، والتصحيح لهم، وهنا ينتقد شاكر بشدة تلك الهالة من العظمة التي يُحاط بها قول المستشرق، وذلك الاحترام المبالغ به، حتى وصل لدرجة اختيارهم أعضاء في مجامع اللغة العربية.

ويرفض شاكر كذلك ما يسمى بـ”الثقافة العالمية” ويرى أنها محاولة لفرض سيطرة أمة غالبة على أمم مغلوبة:

“فالثقافات متعددة بتعدد الملل، ومتميزة بتميز الملل، ولكل ثقافة أسلوب في التفكير والنظر والاستدلال منتزع من “الدين” الذي تدين به لا محالة، فالثقافات المتباينة تتحاور وتتناظر وتتناقش، ولكن لا تتداخل تداخلاً يُفضي إلى الامتزاج البتة”.

 

لقد كان الأسلوب الذي اتبعه شاكر في رسالته القصيرة هذي، أسلوب سرد تاريخي، من تجربته الشخصية، ومما اطلع عليه في كتب التاريخ والأدب، وإن لم يوثق في هوامشه شيئًا كثيرًا منها -بحسب نسختي التي قرأتها- لكنه يذكر بين حينٍ وآخر مصادره في ثنايا سطور كتابه، وقد كان أسلوبه من زاوية أخرى، أسلوبًا أدبيًا سلسًا، عكس تمكنه من العربية، وخصوصًا حينما يستخدم بعض المفردات العربية التي نظنها أنها عامية، ثم يشير بالهامش إلى أصلها العربي الفصيح، ومن زاوية أخرى، كانت مشاعر الغضب والحدة تتمايز عبر السطور، على ما أصاب الثقافة العربية، ومآلها الذي وصلت إليه في وقته، وحتى بعد أن ندم بعضُ كبار مروجي المناهج الأدبية المستوردة على دورهم في تدمير الثقافة واللسان العربي، ولكن ندمهم أتى متأخرًا، فضلاً عن أن يتدارك شيئًا من التدمير الذي أحدثوه باحتضانهم لذلك السم الزعاف المسمى بالمناهج الأدبية، هذا السم الذي أودى بحياة وعقيدة كثيرين، كان مقدرًا لهم أن يكونوا أبناء مخلصين للأمة، لكنهم انساقوا وراء هذه المناهج، فزلت أقدامهم، وشاكر هنا يتناول تجربته الشخصية، التي أدت به إلى الانعزال لعشر سنوات عن هذه المنتديات الثقافية، التي اعتنقت “مناهج الادب” المستورد.

 

——

* رجال النهضة الذين حملوا همَّ إيقاظ الأمة،  الذين “أحسوا الخطر فراموا إصلاح الخلل الواقع في حياة دار الإسلام”، هم -بحسب شاكر- خمسة رجال:

1/ البغدادي .. عبدالقادر بن عمر، صاحب “خزانة الأدب” (1030-1093هـ)(1620-1683م) في مصر.

2/ الجبرتي الكبير.. حسن بن ابراهيم الجبرتي العقيلي، (1110-1188هـ)(1698-1774م) في مصر.

3/ ابن عبدالوهاب، محمد بن عبدالوهاب التميمي النجدي، (1115-1206هـ)(1703-1792م) في جزيرة العرب.

4/ المرتضى الزبيدي، محمد بن عبدالرزاق الحسيني، صاحب “تاج العروس”، (1145-1205هـ)(1732-1790م) في الهند ومصر.

5/ الشوكاني، محمد بن علي الخولاني الزيدي، (1173-1250هـ)(1760-1834م) في اليمن.

وبحسب شاكر، فإن الفارق الحضاري بين المسلمين والأوروبيين حين قام هؤلاء الرواد بمشاريعهم النهضوية، لم يكن هذا الفارق سوى خطوة واحدة، لذلك عمل الأوروبيون على وأد هذه النهضة، وكان المستشرقون عيونًا مبثوثة، تحذر منها، وتسرق علوم العربية للغرب.

 

Read Full Post »