Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘برامج’

atta'aweelAboOmar

التأويل الحداثي للتراث – التقنيات والاستمدادات

ابراهيم بن عمر السكران

عدد الصفحات: 444 صفحة.

اصدار: دار الحضارة للنشر والتوزيع/ ط1/ 1435هـ-2014م.

 

يتتبع ابراهيم السكران في بحثه هذا “دلائل الاستمداد” الثقافي غير المعلنة بين تأويلات الحداثيين العرب للتراث الإسلامي، وما أنتجه المستشرقون الفيلولوجيون من قبل في المضمار نفسه، مؤكدًا على أن ما قام به الحداثيون العرب ليس سوى رجع الصدى لكتابات المستشرقين في علوم التراث الإسلامي، وإن اختلفت الدرجة من حَداثي لآخر. والاستمداد هنا لا يقتصر على استنساخ نتائج أبحاث المستشرقين وإنما يتعداه لاستيراد “تقنيات” البحث ذاتها التي ما فتئ المستشرقون يعالجون بها علوم التراث الإسلامي، وهما تقنيتان/آليتان اثنتان، الأولى “تقنية التوفيد”، والأخرى “تقنية التسييس”.

ويعتقد السكران أن الحداثيين العرب على اختلاف منطلقاتهم الايديولوجية، وحقباتهم الزمنية، كانوا في مشاريعهم الحداثية، وخصوصًا المتعلقة بعلوم التراث الإسلامي، مجرد تكرار لما طرحه المستشرقون من قبل، ويتخذ السكران من قضية “محنة الإمام أحمد ابن حنبل” نموذجًا تطبيقيًا لدراسة الاستمداد الحداثي العربي من الإنتاج الاستشراقي الفيلولوجي فيما يتعلق بالتراث الإسلامي، ويُفصل الكلام في هذه القضية ويشبعها تفصيلات مفيدة ومثيرة بحق، لا يشعر القارئ بأي ملل أو ضجر في قراءتها.

البحث يمكن لي أن أصفه بأنه أفضل ما كتبه الإسلاميون في نقد الاستشراق، ورغم أن بعض المؤرخين والمفكرين الذين يرتكزون على خلفية إسلامية شرعية وأكاديمية، قد تعرضوا في كتاباتهم لبعض مظاهر “التوفيد” أو “التسييس” التي ينتهجها/يستخدمها المستشرقون في كتاباتهم عن التراث الإسلامي، إلا أن هذه المقاربات لم تكن “تشخيصية” بقدر ما كانت استعراضية سريعة وموجزَة، وكانت تستهدف بالأساس “فضح”، أو لنَقُل “كشف” مظاهر العوار العلمي والموضوعي في كتابات المستشرقين، بينما السكران في عمله، يستقصي الملامح والآثار، ويُثْبِت الفكرة، ويحددها باستخدام مصطلحي “التوفيد” و”التسييس”، والضربة هنا مزدوجة، إذا مزج السكران في نقده بين المستشرقين والحداثيين العرب، فكان موفقًا -برأيي المتواضع- في الكشف عن حالة الاستلاب المعرفي والثقافي بل والأخلاقي التي تجتاح نفسية الحداثي العربي، وتجعله مجرد آلة تسجيل، تعيد بصياغات عربية، وبحروف عربية ما قاله المستشرقون، ولا يمكن لي أن أصف عمل السكران هذا بأنه حلقة جديدة من حلقات الجدال والصراع الإسلامي العلماني على طاولة التراث الإسلامي، فالسكران يبتعد كثيرًا عن “قالوا وقلنا”، وإنما يرتكز في نقده على قضية جوهرية واحدة، ثم يتناولها من عدة زوايا، والقضية هي كما ذكرت أعلاه، استمدادُ الحداثيين العرب اطروحات المستشرقين في تعاملهم مع التراث الإسلامي، ولذلك، فالباحث السكران يعتمد على منتجات هذين الفريقين في تأكيد هذا الاستمداد والتلقي الذي يصل إلى مستوى الاستنساخ، ويتعداه أحيانًا إلى مستوى المزايدة الرخيصة، لتأكيد “التجديد” و”الإضافة” في القضية محل النقاش.

والبحث غني بالمراجع والمصادر التراثية والحديثة، العربية والأجنبية، المترجمة وغير المترجمة، وقد كان جهد السكران واضحًا للقارئ الذي يتتبع الهوامش المليئة بالمصادر الأجنبية، وذلك حين يتعرض لنقد الاستشراق بشكل مباشر، وكذلك الهوامش غنية بذكر عناوين مؤلفات الحداثيين العرب حينما يوجه الباحث النقد المباشر لها، وهذا برأيي يضفي قيمة علمية مضاعفة على عمل ابراهيم السكران هذا.

ومن أعجب ما قرأته في الكتاب، تلك العبارات الابراهيمية التهكمية الطريفة على بعض السقطات الحداثية والاستشراقية عند تعاطيهم مع التراث الإسلامي، على أن هذه العِبارات لم تتضمن إساءة شخصية أو بذاءة لفظية، وإنما كانت موجهة ومركزة على كلمة أو عبارة تفسيرية أو تقريرية متكلفة أو شاذة أو خاطئة خطأ بيّنًا، وما دمنا نتكلم عن العبارة الابراهيمية، فلا بد أن أشير للحرارة التي شعرت بها في كلمات ومفردات السكران، فبحثه هذا ليس بحثًا في الفيزياء أو الكيمياء، وإنما عن التَركة العظيمة التي ورثناها عن أسلافنا المسلمين، وهي علوم التراث الإسلامي، ابتداءًا من القرآن الكريم، ومرورًا بالسنة النبوية المطهرة، والتاريخ الإسلامي، وهو يحاول أن يذب عنها متوخيًا في ذلك أعلى درجات الموضوعية والعلمية، لكنه لا يتردد أبدًا في أن يُفصح عن ذاتية مسلمة حزينة لما آلت إليه طريقة التعاطي مع علوم التراث الإسلامي، وتجرؤ الكثيرين عليها بحجة المناقشة والدراسة العلمية، وهم أبعد ما يمكن عنها، إن محاولة تشويه/تحريف أو كما يُسمى إعلاميًا “برامج إعادة قراءة التراث الإسلامي” لا يقتصر ضررها على أوراق كتبت منذ مئات السنين، وإنما يتعدى ضررها سطور الكتب، وجدران الفصول الدراسية، لتنال من قيم إسلامية عظيمة، قرَّرها القرآن الكريم، وأكدتها السنة النبوية المطهرة، وبذل لأجلها المسلمون دماءهم وأرواحهم.

وتأليف الكتاب هذا يعكس حالة ثقافية طارئة على الوسط السعودي تحديدًا، لاحظ المؤلفُ تزايدها ونموها في العقدَين الأخيرَين، تمثّلت عبر انتشار كتابات ومؤلفات الحداثيين العرب بين أيدي الشباب السعودي، وخصوصًا في أعقاب حرب الخليج الثانية، وقد أدى ذلك إلى انتشار المفاهيم والتفسيرات المنطلقة من رؤى وتفسيرات غربية في التعامل مع التراث، وهذا ما ينبري السكران للتصدي له، وقد أشار بالفعل إلى أن من دوافع تأليف هذا الكتاب، تلك الموجة الغريبة التي تمثلت عبر انتشار كتب الحداثيين العرب في مجالس الشباب، وعلى صفحات الصحف والمنتديات.

وبالحقيقة، يمكن لي أن أعتبر هذا الكتاب هو عمدة ما كتبه ابراهيم السكران، وهو يمثل حالة من النضج المعرفي والفكري والنقدي، أفضل بكثير مما قرأته له في كتابه الأول”مآلات الخطاب المدني” والذي تعرض فيه بشيء من الإيجاز لتقنيتي التوفيد والتسييس، وقدّم الأولى تحت عنوان “أداة المديونية”، وللسكران كتاب آخر وهو “سلطة الثقافة الغالبة”، إلا أنه بكتابه موضوع المناقشة، قد كشف عن ثراء معرفي وجهد علمي وأصالة نقدية، قلما وجدتها في كاتب.
لكن وللأسف، يعيب الكتاب عدم وجود فهرس تفصيلي بالمواضيع، ففي الفهرس نجد الفصل الثالث يبدأ مع الصفحة ٢٧٤، ثم “تذييلات ختامية” في صفحة ٤٠٢، وأخيرًا المراجع في صفحة ٤١٣، وهذا يعني أن نحو ١٣٠ صفحة غير مفهرسة تمتد ما بين بداية الفصل الثالث من الباب الرابع إلى بداية تذييلات ختامية، رغم ما تحتويه من عناوين فرعية مفيدة، وهذا هو الخطأ الفني في إخراج الكتاب الذي أراه، بالإضافة لعدم وجود كشاف باسم الأعلام مما قد يساعد القارئ الباحث عند بحثه عن مواضع ذكر الأعلام.

***

فيما سبق كان رأيي بالكتاب، وأما ما يلي، فهو استعراض فصول ومحتويات الكتاب بشيء من الإيجاز، لا يغني عن قراءة الكتاب:
قدّم السكران لكتابه هذا بأربعة فصول ضمن الباب الأول، كانت من أهم الفصول برأيي، لأنه عرّج على مفهوم “الفيلولوجيا” وعرض مدى صلته بالاستشراق، ثم بيّن كيف أن الاستشراق يعتبر متخلفًا لأنه مازال قائمًا على آلية بالية وضعيفة في قراءة واستكشاف وتفسير التراث الإسلامي، وهنا موضع القصيد، فالسكران وفي إطار إشارته لتخلف وأزمة “معدات الاستشراق” عن المفاهيم النظرية في العلوم الإنسانية، يؤكد على أن هذا التخلف ظاهرة عامة تسود العلوم الأوروبية الاجتماعية والإنسانية مثل القانون والتذوق الأدبي واللاهوت، وينقل عن علماء غربيين أن هذه “النظريات في التأويل والقراءة مجرد صيحات مؤقتة وموجات عارضة، وليست مناهج علمية مبرهنة ومحكمة جاهزة للتطبيق”، وهنا يؤكد النتيجة الأخرى الملازمة للأولى، وهي أن دعوات الحداثيين العرب لتطبيق نظريات الهرمنيوطيقيا والنقد الأدبي الغربي ونحوها في تفسير الشريعة الإسلامية، أنها “دعوات فيها سذاجة دعائية مفلطحة، فهذه النظريات الهرمنيوطيقية والنقدية والمابعد حداثية لم يطبقها الغربيون أنفسهم في تفسير تشريعاتهم، فكيف نطبقها نحن في تفسير شريعة الله؟!”.

وفي الفصل الثالث، عرض السكران لما يسمى المحور التاريخي في تاريخ التراث، وهو يرقب سير وتطورات علم من العلوم، وينأى عن المشاركة المباشرة في تحليل مسائل العلم موضوعيًا، والباحث في المحور التاريخي لعلوم التراث “يبذل جهدًا في التفتيش خصوصًا في مرحلة البدايات، ونقاط التلاقي والتأثير والتأثر، والرموز الذين قدموا إضافات أو ألهموا التحولات”، وهذا على خلاف المحور الموضوعي في علوم التراث، والذي ينخرط به طلاب العلم الشرعي، والذي يتم عبره دراسة آحاد وأفراد المسائل وتحليلها، ويستعرض مفهومها والخلاف فيها وأدلة كل قول والترجيح في ذلك.
ويلاحظ السكران أن المحور التاريخي يستحوذ على اهتمام المثقف العام، بينما المحور الموضوعي هو ما يشتغل به ويعمل عليه طالب العلم الشرعي.

ومن التقديم هذا، ينطلق السكران ليعرض علينا أعلام “المثقفين” العرب والمسلمين الذين اهتموا بالمحور التاريخي لعلوم التراث، وكانوا في اهتمامهم مجرد تكرار لما ألفه وأنتجه المستشرقون، ومن أوائل هذه الأسماء نجد جرجي زيدان(١٨٦١-١٩١٤م)، وأحمد أمين(١٨٨٦-١٩٥٤م)، اللذين تأثرا جدًا بما كتبه المستشرقون عن التراث الإسلامي، ورغم غزارة إنتاجهما إلا أنهما لم يقدما جديدًا يخالف “تاريخ التراث” كما تصوره وكتب عنه المستشرقون من قبل.
وفي الربع الأخير من القرن العشرين نجد مشاريع/برامج “قراءة التراث الإسلامي” الحداثية تتزاحم أمام القارئ العربي، ويطرح السكران أسماء أصحابها وأهم سماتها واتجاهاتها العامة، فمن ذلك برنامج طيب تيزيني(و١٩٣٤م)، وحسين مروة(١٩٠٨-١٩٨٧م)، وأدونيس(و١٩٣٠م)، وحسن حنفي(و١٩٤٥م)، ومحمد عابد الجابري(١٩٣٦-٢٠١٠م)، ويلخص السكران القولَ بأنه لم يجد تأثيرًا لجميع هذه البرامج في الداخل الإسلامي فيما عدا سلسلة أحمد أمين، ومجموعة الجابري، أما أصحاب البرامج العربية الحقلية لتاريخ التراث، فمن أهم الاسماء التي يذكرها محمد أركون(١٩٢٨-٢٠١٠م)، وفهمي جدعان(و١٩٤٠م) وغيرهم.

وفي الفصل الأخير من الباب الأول، يتطرق السكران لمدرستَين استشراقيتَين برزتا في النصف الأخير من القرن العشرين، وهما “مدرسة انثربولوجيا الإسلام” والأخرى “مدرسة المراجعين”، فأما الأولى فهي تهتم بدراسة المجتمعات المسلمة المعاصرة بتوظيف بعض النماذج التفسيرية في العلوم الاجتماعية، وبحسب السكران، فإنه لا يُلْحَظ لها أي تأثير على الحداثيين العرب، وأما المدرسة الأخرى وهي مدرسة المراجعين، ويمكن أن تسمى مدرسة الشكوكيين، فهي تنزع إلى الشك في كل المصادر الإسلامية والبحث عن مصادر تاريخية أخرى لدى الأمم الأخرى لتقويض الإسلام، ومن نماذج اطروحات مدرسة المراجعين الاستشراقية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير موجود تاريخيًا أصلاً، وأن مكة ليست في الحجاز أساسًا بل هي في الأردن، وغيرها من الأفكار الغريبة التي يرددها رواد هذه المدرسة، والتي يصف السكران حقيقة عملها بأنها مستوى من المزايدة في الشكية على دراسات المستشرقين الفيلولوجيين، فـ“إذا كان الأخيرون يَشكون في صفحات داخل بعض الكتب الإسلامية، فإن مدرسة المراجعين قد أغلقت المكتبة الإسلامية بكاملها”.

وفي الباب الثاني، يناقش السكران عبر فصول ثلاثة “تقنية التوفيد”، ففي الفصل الأول، يذكر نمطًا سار عليه المستشرقون الفيلولوجيون في معالجتهم التراث الإسلامي، وهو رد العلوم الإسلامية والمنجزات الثقافية والحضارية للمسلمين للأديان والحضارات والثقافات السابقة والمجاورة زمانيًا وتاريخيًا، والنتيجة النهائية أن المسلمين عاجزين عن إنتاج أي علم، وبناء على ذلك فكل إبداع علمي، أو تشريعي، أو لغوي، فيجب أن يكون مستوردًا من ثقافات أخرى من خارج الإسلام، ويتكلف المستشرقون في اختراع الاتصال والتشابه لتأكيد ادعاءاتهم هذه.
وفي الفصل الثاني، يناقش السكران “إعادة التصنيع العربي للتوفيد”، وهو جوهر ما يقصده السكران بـ”الاستمداد الثقافي”، ويقدم نماذج على إعادة إنتاج الحداثيين العرب لآلية التوفيد غير المُبرهَن لدى المستشرقين، ثم وفي الفصل الثالث، يتطرق لمناقشات فكرة/تقنية التوفيد، ومفهومها، ورده على استعمال المستشرقين الفيلولوجيين ثم الحداثيين العرب لهذه التقنية، وهو يدحض الطريقة الفجة وغير العلمية والمغالاة التي انتهجها الفريقان في تعاملهم مع التراث الإسلامي، وتطبيق تقنية التوفيد على أصول وفروع العلوم الإسلامية.

وفي الباب الثالث، يناقش السكران “تقنية التسييس” وكما فعل في الباب الثاني، يفعل في الباب الثالث، ففي الفصل الأول، يتطرق السكران لمناقشة “التسييس في الاستشراق الفيلولوجي”، وبداية يعرف التقنية هذه بأنها: أداة تسييس الموضوعي، بما يعني افتعال خلفيات وأغراض سياسية خلف العلوم الإسلامية التي فرضتها المعطيات الموضوعية في التراث الإسلامي. ثم يذكر الباحث شواهد من تسييس التراث من كتابات المستشرقين، وفي نهاية الفصل، يؤكد السكران أن الغرض النهائي من استخدام تقنية التسييس وتطبيقها على التراث الإسلامي، هو إظهار الإمام من أئمة من السلف على أن علومه ومواقفه لم تكن تحركه اعتبارات أخلاقية أو موضوعية أو إيمانية، وإنما مدفوع بدوافع السلطة، إما التزلف لصاحب السلطة، أو الدفاع عن سلطته الشخصية وجاهه ونفوذه.
ثم يبدأ السكران بذكر نماذج استمداد الحداثيين العرب لتقنية التسييس، وفي نهاية ذكره لهذه الشواهد والأمثال، يعلق تعليقًا ملفتًا للنظر، حيث يقول، “أن الأبحاث الحداثية الأخيرة التي لم تستطع أن تجترح أفقًا بحثيًا جديدًا في دراسة تاريخ التراث لم يكن أمامها إلا المزايدة على التسييس السابق والإمعان في نسج التخيلات السياسية لاستجداء قناعة القارئ بأن ثمة جديدًا”.
وفي الفصل الثالث، يقوم أبو عمر بمناقشة النماذج الاستمدادية للحداثيين العرب التي ذكرها في الفصل الثاني، وذلك تحت عناوين عديدة، من أهمها ” تسيس حديث شد الرحال”، و”تسييس [مذهب] الظاهرية”، والأكثر إثارة “مثقفو البلاط”.

أما الباب الرابع، فقد ناقش السكران فيه نموذجًا تطبيقيًا لظاهرة الاستمداد الحداثي العربي من المستشرقين، وهو قضية تسييس “محنة ابن حنبل” وهذا من أعظم ما قرأته في نقد وتحليل الخطاب الاستشراقي منذ أن عرفت كلمة “الاستشراق”، وهو تتبع علمي وموضوعي وتاريخي دقيق لكيفية تناول المستشرقين لمحنة الإمام أحمد بن حنبل، وتقلب مواقفهم منها، ثم كيفية تم تهريب هذه النظرة الاستشراقية بصورتها الفان-إسية (نسبة إلى المستشرق الألماني يوسف فان إس)، وتلقفها الحداثي العربي فهمي جدعان، وفي المناقشة المستفيضة التي يكتبها السكران في الباب الثالث، وهو أكثر الأبواب صفحات، يتباين لنا مدى العوار الموضوعي والأخلاقي للحداثيين العرب في تناولهم للتراث الإسلامي، كيف أنهم أضافوا لقصورهم المعرفي، قصورًا أخلاقيًا غير مبرر.

وفي نهاية بحثه الكبير، يقدم السكران عددًا من النتائج التي توصل إليها من خلال بحثه في الاستشراق وكتابات المستورد الحداثي العربي، ومن أهمها، أن القول بأن الاستشراق قد مات، ما هي إلا مقولة مضللة، فللاستشراق تأثير عنقودي استطاع اكتساح عقول الحداثيين العرب، ومن يقرأ لهم في الداخل العربي، حتى بات واضحًا تكرار أفكار الاستشراق في المحافل واللقاءات الثقافية، ومن النتائج التي يخلص إليها الباحث، أن المستشرق الفيلولوجي، ينزع الى استخدام تقنية التوفيد أكثر من استخدامه تقنية التسييس، في حين أن الحداثي العربي يميل إلى استخدام تقنية التسييس أكثر من تقنية التوفيد، والسبب واضح، فالأوروبي من خارج الدائرة الإسلامية، فهو يريد إعادة العلوم والمنجزات الإسلامية إلى مؤثرات خارجية، وبالطبع، في مقدمتها المؤثرات الكتابية والهللينية، وهما أسلافه، بينما الحداثي العربي هو كاتب من الداخل، وهو مشغول أيضًا بالصراع ضد ما يسميها حركات الإسلام السياسي، فلذلك فهو في معاركه مع هذا التيار يريد أن ينقض ويطعن الكيانين (حركات الإسلام السياسي، وخلفيتها التراث الإسلامي) بأنهما يوظفان الدين في صراع السلطة. وهناك نتيجة أخرى يصل إليها وهو “ظلم النقد الإسلامي للاستشراق”، أي تجاهل الدور الإسلامي الذي أدّاه بعض علماء المسلمين في نقد الاستشراق وكشف مضامينه، ولا يفوت السكران أن يذكر خلاصة مهمة، وهي “النقد الخاطئ للاستشراق” فعلى الرغم من نقده للاستشراق، إلا أنه في الوقت ذاته ينتقد الدفاع الخاطئ عن الإسلام برفض النتائج الصحيحة للاستشراق، فقد تنبه بعض المستشرقين في بعض أبحاثهم إلى مظاهر غير صحيحة يمارسها المسلمون بدعوى أنها من الدين، كذم المستشرقين لمظاهر الوثنية، فلا ينبغي بالمسلم أن يهاجم المستشرق في موقفه هذا، وأما الخلاصة النهائية فهي بعنوان “الابتلاء بالاحتمالات الدلالية” وهي خلاصة تستحق التأمل كثيرًا. وهي ما يمكن أن نعتبره آخر ما يهيله السكران من التراب على قبر البرامج الحداثية العربية في قراءة التراث الإسلامي.

Advertisements

Read Full Post »