Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘تاريخ’

bosniaالبوسنة والهرسك

المؤلف: الدكتور جمال الدين سيد محمد

عدد الصفحات: 291 صفحة

دار النشر: دار سعاد الصباح/ الطبعة الأولى/ 1992م

 

في أوائل تسعينات القرن الماضي، وبعد انهيار ما يسمى بالمعسكر الشرقي، عبر انحلال الاتحاد السوفييتي، وقبله سقوط جدار برلين، في تلك الحقبة التاريخية المفصلية، كانت أمم صغيرة في شرق ووسط أوروبا تشق طريقها نحو الحرية والانفتاح، والديمقراطية والاستقلال، لكن بقايا النظام المتهالك لم يكن ليسمح لها جميعًا بالوجود على مسرح البلدان، وكانت البوسنة والهرسك هي إحدى هذه الدول التي حاولت أن تبصر النور بعد استفتاء شعبي شاركت فيه أغلبية السكان في البوسنة، وأيدوا الانفصال والاستقلال عن يوغسلافيا، كما فعلت سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا من قبل، لكن البوسنة والهرسك ذات الأغلبية المسلمة، كان ينتظرها مصيرٌ آخر.
لقد رفضت قوات الجيش اليوغسلافي الاتحادي مغادرة البوسنة والهرسك، وتشكلت مليشيات صربية أخرى في البوسنة، ترفض الانفصال، وتدعم السلطة المركزية في بلجراد، لتجعل من البوسنة والهرسك مسرحًا لجرائم مروعة نفذها الصرب ومرتزقة وفدوا من عدة دول أوروبية، لإجهاض ولادة دولة مستقلة، ذات أغلبية مسلمة في أوروبا.
وانبرى المسلمون محاولين الدفاع عن حق الشعب البوسني بالحياة وإدارة دولته بشكل مستقل، حاله كحال بقية الشعوب الأوروبية التي استقلت بنفسها، وأقامت دولاً حديثة، ومن هذه الجهود في الدفاع عن البوسنة وأهلها، كتاب الدكتور جمال الدين سيد محمد، وهو استجابة عاجلة وموجزة، يستهدف من خلالها المؤلف تسجيل “بعض ملامح تلك السمات الإسلامية التي أراد البعض عن عمدٍ محوها” وكما يقول صراحة المؤلف، فقد أراد أن “ينقذ ملف مسلمي البوسنة والهرسك من الضياع في خضم الأحداث السياسية المتلاحقة”.
 ***
ومن الملاحظ في مقدمة الكتاب، أن المؤلف انتهى منه في ديسمبر عام 1992م، وهو العام الذي اندلعت فيه الحرب الشعواء التي شنها الجيش الصربي وصرب البوسنة ضد المسلمين، كما يُلفت النظر ذلك العنوانُ الخالي من أية سمة سوى “البوسنة والهرسك”، ويبدو أن الكاتب ونظرًا للظرف الطارئ الذي يكتب فيه، اكتفى بأن وضع اسم البلد التي يدور حولها محتوى الكتاب، دون التكلف في إضافة أي عبارات جذابة أو دعائية أو تفسيرية، هكذا بكلمة واحدة “البوسنة والهرسك”، ربما يُعد ذلك قصورًا في إخراج الكتاب، لكن لا تثريب عليه بما احتوى من مضمون. والكتاب عبارة عن دراسة قصيرة، تتضمن مجموعة من المقالات، بلغ عددها 28 مقالة متنوعة، متفاوتة بين قصيرة ومتوسطة، جمعها الكاتب بأسلوبٍ غير متكلف ولا مطنب، وعززها بمعلومات تاريخية وجغرافية وأدبية، وثقافية عامة عن البوسنة والهرسك وأهلها.
كانت أول 3 مقالات تتناول الأحداث الجارية في البوسنة سنة 1992م، وهي السنة التي بدأت فيها أعظم حرب تطهير عرقي في أوروبا عند نهاية القرن العشرين، على يد الصرب ومن عاونهم ضد مسلمي البلقان، وتحديدًا البوسنة، ويبدو أن الكاتب أراد أن يضع القارئ في صلب الأحداث المتسارعة، وذلك لتسهيل تشكيل صورة اولية عن البوسنة والهرسك.
ثم 11 مقالة ثقافية-تاريخية-جغرافية، وهي بالأحرى تعريفية، يفتح بها المؤلف النوافذ على تاريخ البوسنة والهرسك، وعلى أعلامها، ومعالمها الشهيرة من مساجد ومكتبات ومدارس، وسيندهش القارئ حين يتعرف على حجم الأعمال الوقفية التي رصدها مسلمو البوسنة قديمًا، دعمًا لأعمال الخير في مجتمعهم، وتشجيعًا على التكافل الاجتماعي فيما بينهم، واهتمامًا بالعلم والعمل، وأخص بالذكر هنا أوقاف الغازي خسرو بيك، التي تنوعت ما بين مسجد ومكتبة ومدرسة، وغيرها من أعمال البر. وسيجد القارئ مقالات أخرى منوعة، تتناول مدنًا بوسنية مثل “ترافنيك”، وأخرى عنوانها “جسر على نهر درينا”، في اقتباس مباشر لعنوان رواية شهيرة لإيفو اندريتش، ومقالة تتناول سمات شهر رمضان في المجتمع البوسني الحديث، وفي الاتجاه نفسه، مقالة تعريفية بداعية إسلامي بوسني اسمه د.أحمد سماسلوفيتش.
أما المقالات الـ14 الأخرى، فكانت تدور عن موضوعات ذات صلة مباشرة بتخصص المؤلف في اللغة والآداب لشعوب الاتحاد اليوغسلافي، وتتعلق هذه المقالات باللغة والأدب والاستشراق البوسني*، والكلمات العربية في اللغة الصربو-كرواتية، ومقالات تعريفية بالأدباء البوسنيين، وأعمال أدبية بوسنية، مثل رواية “رحلة إلهامي إلى الموت”**، ومن الأدباء الذين كتب عنهم مقالات ضمن الكتاب: إيفو اندريتش صاحب رواية “جسر على نهر درينا”، وقد ذكر بعضًا من الانتقادات الموضوعية التي وجهت لهذه الرواية، ومن الأعلام الأدباء الذين تمَّ ذكرُهم محمد بك قبطانوفيتش لوبوشاك، الذي كان من أبرز الكتاب الذين يستخدمون “الهاميادو”، وهو الأدب الأعجمي، وهو أدب مؤلف باللغة المحلية للبلد، أي اللغة الصربو-كرواتية، ومكتوب بالحروف العربية.
وفي النهاية، يضع المؤلف ببلوغرافيا قصيرة، يسرد فيها عناوين كتب تتناول التاريخ البوسني من عدة جهات، وبلغ عددها 19 عنوانًا.
 ***
والحق، أن المقالات كانت ثرية بمحتواها، سلسة في أسلوبها وكتابتها، لم يعمد فيها المؤلف إلى الإغراق في التفاصيل، وكذلك كان من المُلاحظ أن هذا الكتاب الذي يتزامن مع نشوب الحرب الضروس، لم يجعله المؤلف مجرد بكائيات على حال البوسنيين، وشحن عاطفي للقراء، واستجداء لدموعهم، رغم تعاطفه الواضح مع مسلمي البوسنة، وانتصاره لهم، ولحقهم في الحياة، ورفضه للحرب التي يشنها الصرب عليهم، واستنكاره للصمت العالمي، لكنه -مع ذلك- حافظ على الخط الموضوعي، وتعرض بالنقد والمعالجة الموضوعية لكافة أوجه الحياة لدى مسلمي الوسنة.
ومن بين أهم الملاحظات، تكرار الكاتب لطرح فكرة تجاهل الاتحاد اليوغسلافي للتركة الثقافية والأدبية لمسلمي البوسنة، بل ومحاولة التعتيم عليها وإخفائها عن الأعين، وهذا السلوك ليس منحصرًا في قادة الاتحاد اليوغسلافي الاشتراكي، بل مسبوق بعدة سوابق مثل إغفال اسم البوسنيين عند تشكيل مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين عام 1918م، والتي كانت البوسنة جزءًا في هذه المملكة، ومن هذه المحاولات مصادرة أوقاف المسلمين وأملاكهم في البوسنة، وتوطين قوميات أخرى فيها لتفتيت الهوية البوسنية، ومنع وحظر كثير من الأنشطة والشعائر الدينية للمسلمين، كما تعرض مفكرو البوسنة وعلمائها للسجن كثيرًا، وهنا نتذكر قضية محاكمة وسجن مثقفي البوسنة مطلع الثمانينات، والتي كان الرئيس علي عزت بيجوفيتش أبرز ضحاياها.
لكن هذه الممارسات الاقصائية والتهميشية لم تكن مقتصرة على جهود الحكومة والنظام اليوغسلافي، بل لقد تبنى بعض المثقفين اليوغسلاف هذه الأساليب ودعموها بكتاباتهم وأعمالهم العلمية والأدبية، ومن هؤلاء الأديب البوسني إيفو اندريتش صاحب جائزة نوبل، والذي يذكر الكاتب أن رسالته في الدكتوراه التي نالها من جامعة جراتس في النمسا عام 1923م، كان عنوانها ومضمونها “الحياة الفكرية في البوسنة والهرسك في عهد الأتراك”، ويضيف المؤلف د.جمال الدين أن الأديب إيفو اندريتش حاول في رسالته البرهنة على التخلف الأدبي والثقافي للبوسنيين، واعتبر ذلك كشفًا علميًا، وقد عالج نفس هذه الفكرة في عدد كبير من رواياته وقصصه التاريخية عن البوسنة وأهلها.
ولعل البعض قد يستغرب أن يجد كاتبًا يتناول البوسنة بهذا الحجم الكبير من المعرفة الواسعة، وقدرته على كتابة 28 مقالة تتناول التاريخ والجغرافيا واللغة والأدب وغيرها من جوانب الحياة في مدة قصيرة، لكن الاستغراب سيزول حتمًا حينما نعلم أن المؤلف ليس غريبًا على الاتحاد اليوغسلافي، إذ عاش في بلغراد فترة من الزمن لا تقل عن 4 سنوات، وزار سراييفو وبعض المدن البوسنية الأخرى عدة مرات، وحصل على درجتي الماجستير(سنة 1976) والدكتوراه(سنة 1979) من كلية اللغات بجامعة بلغراد، وقبلها كان قد تخرج من كلية الألسن بجامعة عين شمس قسم اللغة الصربو-كرواتية سنة 1963م، وقد تعمق أكثر في الدراسات والأعمال الأدبية واللغوية الصربو-كرواتية، فأنتج عددًا من الترجمات لأعمال أدبية يوغسلافية، وله أيضًا ترجمات من اللغة العربية إلى لغات شعوب يوغسلافيا سابقًا، كما أنه نشر كتابًا عنوانه “الأدب اليوغسلافي المعاصر” ضمن سلسلة عالم المعرفة، التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت عام 1984م.
———-
* في سياق الاستشراق اليوغسلافي، أنصح بقراءة كتاب “مراجعة الاستشراق – ثنائية الذات/الآخر – نموذج يوغسلافيا” للدكتور محمد الأرناؤوط، اصدار دار المدار الإسلامي 2002م، وفيه نظرة تأريخية ونقدية لأعلام المستشرقين اليوغسلاف وإنتاجهم، كما أنه يتركز على موضوع طريف في الاستشراق وهو دراسة الذات/الآخر.
** رواية “رحلة إلهامي إلى الموت” للأديب البوسني رشاد قاضيتش وبترجمة الدكتور جمال الدين سيد محمد، قرأتها في ديسمبر 2013م، وسأكتب عنها مراجعة قريبًا بإذن الله.
Advertisements

Read Full Post »

atta'aweelAboOmar

التأويل الحداثي للتراث – التقنيات والاستمدادات

ابراهيم بن عمر السكران

عدد الصفحات: 444 صفحة.

اصدار: دار الحضارة للنشر والتوزيع/ ط1/ 1435هـ-2014م.

 

يتتبع ابراهيم السكران في بحثه هذا “دلائل الاستمداد” الثقافي غير المعلنة بين تأويلات الحداثيين العرب للتراث الإسلامي، وما أنتجه المستشرقون الفيلولوجيون من قبل في المضمار نفسه، مؤكدًا على أن ما قام به الحداثيون العرب ليس سوى رجع الصدى لكتابات المستشرقين في علوم التراث الإسلامي، وإن اختلفت الدرجة من حَداثي لآخر. والاستمداد هنا لا يقتصر على استنساخ نتائج أبحاث المستشرقين وإنما يتعداه لاستيراد “تقنيات” البحث ذاتها التي ما فتئ المستشرقون يعالجون بها علوم التراث الإسلامي، وهما تقنيتان/آليتان اثنتان، الأولى “تقنية التوفيد”، والأخرى “تقنية التسييس”.

ويعتقد السكران أن الحداثيين العرب على اختلاف منطلقاتهم الايديولوجية، وحقباتهم الزمنية، كانوا في مشاريعهم الحداثية، وخصوصًا المتعلقة بعلوم التراث الإسلامي، مجرد تكرار لما طرحه المستشرقون من قبل، ويتخذ السكران من قضية “محنة الإمام أحمد ابن حنبل” نموذجًا تطبيقيًا لدراسة الاستمداد الحداثي العربي من الإنتاج الاستشراقي الفيلولوجي فيما يتعلق بالتراث الإسلامي، ويُفصل الكلام في هذه القضية ويشبعها تفصيلات مفيدة ومثيرة بحق، لا يشعر القارئ بأي ملل أو ضجر في قراءتها.

البحث يمكن لي أن أصفه بأنه أفضل ما كتبه الإسلاميون في نقد الاستشراق، ورغم أن بعض المؤرخين والمفكرين الذين يرتكزون على خلفية إسلامية شرعية وأكاديمية، قد تعرضوا في كتاباتهم لبعض مظاهر “التوفيد” أو “التسييس” التي ينتهجها/يستخدمها المستشرقون في كتاباتهم عن التراث الإسلامي، إلا أن هذه المقاربات لم تكن “تشخيصية” بقدر ما كانت استعراضية سريعة وموجزَة، وكانت تستهدف بالأساس “فضح”، أو لنَقُل “كشف” مظاهر العوار العلمي والموضوعي في كتابات المستشرقين، بينما السكران في عمله، يستقصي الملامح والآثار، ويُثْبِت الفكرة، ويحددها باستخدام مصطلحي “التوفيد” و”التسييس”، والضربة هنا مزدوجة، إذا مزج السكران في نقده بين المستشرقين والحداثيين العرب، فكان موفقًا -برأيي المتواضع- في الكشف عن حالة الاستلاب المعرفي والثقافي بل والأخلاقي التي تجتاح نفسية الحداثي العربي، وتجعله مجرد آلة تسجيل، تعيد بصياغات عربية، وبحروف عربية ما قاله المستشرقون، ولا يمكن لي أن أصف عمل السكران هذا بأنه حلقة جديدة من حلقات الجدال والصراع الإسلامي العلماني على طاولة التراث الإسلامي، فالسكران يبتعد كثيرًا عن “قالوا وقلنا”، وإنما يرتكز في نقده على قضية جوهرية واحدة، ثم يتناولها من عدة زوايا، والقضية هي كما ذكرت أعلاه، استمدادُ الحداثيين العرب اطروحات المستشرقين في تعاملهم مع التراث الإسلامي، ولذلك، فالباحث السكران يعتمد على منتجات هذين الفريقين في تأكيد هذا الاستمداد والتلقي الذي يصل إلى مستوى الاستنساخ، ويتعداه أحيانًا إلى مستوى المزايدة الرخيصة، لتأكيد “التجديد” و”الإضافة” في القضية محل النقاش.

والبحث غني بالمراجع والمصادر التراثية والحديثة، العربية والأجنبية، المترجمة وغير المترجمة، وقد كان جهد السكران واضحًا للقارئ الذي يتتبع الهوامش المليئة بالمصادر الأجنبية، وذلك حين يتعرض لنقد الاستشراق بشكل مباشر، وكذلك الهوامش غنية بذكر عناوين مؤلفات الحداثيين العرب حينما يوجه الباحث النقد المباشر لها، وهذا برأيي يضفي قيمة علمية مضاعفة على عمل ابراهيم السكران هذا.

ومن أعجب ما قرأته في الكتاب، تلك العبارات الابراهيمية التهكمية الطريفة على بعض السقطات الحداثية والاستشراقية عند تعاطيهم مع التراث الإسلامي، على أن هذه العِبارات لم تتضمن إساءة شخصية أو بذاءة لفظية، وإنما كانت موجهة ومركزة على كلمة أو عبارة تفسيرية أو تقريرية متكلفة أو شاذة أو خاطئة خطأ بيّنًا، وما دمنا نتكلم عن العبارة الابراهيمية، فلا بد أن أشير للحرارة التي شعرت بها في كلمات ومفردات السكران، فبحثه هذا ليس بحثًا في الفيزياء أو الكيمياء، وإنما عن التَركة العظيمة التي ورثناها عن أسلافنا المسلمين، وهي علوم التراث الإسلامي، ابتداءًا من القرآن الكريم، ومرورًا بالسنة النبوية المطهرة، والتاريخ الإسلامي، وهو يحاول أن يذب عنها متوخيًا في ذلك أعلى درجات الموضوعية والعلمية، لكنه لا يتردد أبدًا في أن يُفصح عن ذاتية مسلمة حزينة لما آلت إليه طريقة التعاطي مع علوم التراث الإسلامي، وتجرؤ الكثيرين عليها بحجة المناقشة والدراسة العلمية، وهم أبعد ما يمكن عنها، إن محاولة تشويه/تحريف أو كما يُسمى إعلاميًا “برامج إعادة قراءة التراث الإسلامي” لا يقتصر ضررها على أوراق كتبت منذ مئات السنين، وإنما يتعدى ضررها سطور الكتب، وجدران الفصول الدراسية، لتنال من قيم إسلامية عظيمة، قرَّرها القرآن الكريم، وأكدتها السنة النبوية المطهرة، وبذل لأجلها المسلمون دماءهم وأرواحهم.

وتأليف الكتاب هذا يعكس حالة ثقافية طارئة على الوسط السعودي تحديدًا، لاحظ المؤلفُ تزايدها ونموها في العقدَين الأخيرَين، تمثّلت عبر انتشار كتابات ومؤلفات الحداثيين العرب بين أيدي الشباب السعودي، وخصوصًا في أعقاب حرب الخليج الثانية، وقد أدى ذلك إلى انتشار المفاهيم والتفسيرات المنطلقة من رؤى وتفسيرات غربية في التعامل مع التراث، وهذا ما ينبري السكران للتصدي له، وقد أشار بالفعل إلى أن من دوافع تأليف هذا الكتاب، تلك الموجة الغريبة التي تمثلت عبر انتشار كتب الحداثيين العرب في مجالس الشباب، وعلى صفحات الصحف والمنتديات.

وبالحقيقة، يمكن لي أن أعتبر هذا الكتاب هو عمدة ما كتبه ابراهيم السكران، وهو يمثل حالة من النضج المعرفي والفكري والنقدي، أفضل بكثير مما قرأته له في كتابه الأول”مآلات الخطاب المدني” والذي تعرض فيه بشيء من الإيجاز لتقنيتي التوفيد والتسييس، وقدّم الأولى تحت عنوان “أداة المديونية”، وللسكران كتاب آخر وهو “سلطة الثقافة الغالبة”، إلا أنه بكتابه موضوع المناقشة، قد كشف عن ثراء معرفي وجهد علمي وأصالة نقدية، قلما وجدتها في كاتب.
لكن وللأسف، يعيب الكتاب عدم وجود فهرس تفصيلي بالمواضيع، ففي الفهرس نجد الفصل الثالث يبدأ مع الصفحة ٢٧٤، ثم “تذييلات ختامية” في صفحة ٤٠٢، وأخيرًا المراجع في صفحة ٤١٣، وهذا يعني أن نحو ١٣٠ صفحة غير مفهرسة تمتد ما بين بداية الفصل الثالث من الباب الرابع إلى بداية تذييلات ختامية، رغم ما تحتويه من عناوين فرعية مفيدة، وهذا هو الخطأ الفني في إخراج الكتاب الذي أراه، بالإضافة لعدم وجود كشاف باسم الأعلام مما قد يساعد القارئ الباحث عند بحثه عن مواضع ذكر الأعلام.

***

فيما سبق كان رأيي بالكتاب، وأما ما يلي، فهو استعراض فصول ومحتويات الكتاب بشيء من الإيجاز، لا يغني عن قراءة الكتاب:
قدّم السكران لكتابه هذا بأربعة فصول ضمن الباب الأول، كانت من أهم الفصول برأيي، لأنه عرّج على مفهوم “الفيلولوجيا” وعرض مدى صلته بالاستشراق، ثم بيّن كيف أن الاستشراق يعتبر متخلفًا لأنه مازال قائمًا على آلية بالية وضعيفة في قراءة واستكشاف وتفسير التراث الإسلامي، وهنا موضع القصيد، فالسكران وفي إطار إشارته لتخلف وأزمة “معدات الاستشراق” عن المفاهيم النظرية في العلوم الإنسانية، يؤكد على أن هذا التخلف ظاهرة عامة تسود العلوم الأوروبية الاجتماعية والإنسانية مثل القانون والتذوق الأدبي واللاهوت، وينقل عن علماء غربيين أن هذه “النظريات في التأويل والقراءة مجرد صيحات مؤقتة وموجات عارضة، وليست مناهج علمية مبرهنة ومحكمة جاهزة للتطبيق”، وهنا يؤكد النتيجة الأخرى الملازمة للأولى، وهي أن دعوات الحداثيين العرب لتطبيق نظريات الهرمنيوطيقيا والنقد الأدبي الغربي ونحوها في تفسير الشريعة الإسلامية، أنها “دعوات فيها سذاجة دعائية مفلطحة، فهذه النظريات الهرمنيوطيقية والنقدية والمابعد حداثية لم يطبقها الغربيون أنفسهم في تفسير تشريعاتهم، فكيف نطبقها نحن في تفسير شريعة الله؟!”.

وفي الفصل الثالث، عرض السكران لما يسمى المحور التاريخي في تاريخ التراث، وهو يرقب سير وتطورات علم من العلوم، وينأى عن المشاركة المباشرة في تحليل مسائل العلم موضوعيًا، والباحث في المحور التاريخي لعلوم التراث “يبذل جهدًا في التفتيش خصوصًا في مرحلة البدايات، ونقاط التلاقي والتأثير والتأثر، والرموز الذين قدموا إضافات أو ألهموا التحولات”، وهذا على خلاف المحور الموضوعي في علوم التراث، والذي ينخرط به طلاب العلم الشرعي، والذي يتم عبره دراسة آحاد وأفراد المسائل وتحليلها، ويستعرض مفهومها والخلاف فيها وأدلة كل قول والترجيح في ذلك.
ويلاحظ السكران أن المحور التاريخي يستحوذ على اهتمام المثقف العام، بينما المحور الموضوعي هو ما يشتغل به ويعمل عليه طالب العلم الشرعي.

ومن التقديم هذا، ينطلق السكران ليعرض علينا أعلام “المثقفين” العرب والمسلمين الذين اهتموا بالمحور التاريخي لعلوم التراث، وكانوا في اهتمامهم مجرد تكرار لما ألفه وأنتجه المستشرقون، ومن أوائل هذه الأسماء نجد جرجي زيدان(١٨٦١-١٩١٤م)، وأحمد أمين(١٨٨٦-١٩٥٤م)، اللذين تأثرا جدًا بما كتبه المستشرقون عن التراث الإسلامي، ورغم غزارة إنتاجهما إلا أنهما لم يقدما جديدًا يخالف “تاريخ التراث” كما تصوره وكتب عنه المستشرقون من قبل.
وفي الربع الأخير من القرن العشرين نجد مشاريع/برامج “قراءة التراث الإسلامي” الحداثية تتزاحم أمام القارئ العربي، ويطرح السكران أسماء أصحابها وأهم سماتها واتجاهاتها العامة، فمن ذلك برنامج طيب تيزيني(و١٩٣٤م)، وحسين مروة(١٩٠٨-١٩٨٧م)، وأدونيس(و١٩٣٠م)، وحسن حنفي(و١٩٤٥م)، ومحمد عابد الجابري(١٩٣٦-٢٠١٠م)، ويلخص السكران القولَ بأنه لم يجد تأثيرًا لجميع هذه البرامج في الداخل الإسلامي فيما عدا سلسلة أحمد أمين، ومجموعة الجابري، أما أصحاب البرامج العربية الحقلية لتاريخ التراث، فمن أهم الاسماء التي يذكرها محمد أركون(١٩٢٨-٢٠١٠م)، وفهمي جدعان(و١٩٤٠م) وغيرهم.

وفي الفصل الأخير من الباب الأول، يتطرق السكران لمدرستَين استشراقيتَين برزتا في النصف الأخير من القرن العشرين، وهما “مدرسة انثربولوجيا الإسلام” والأخرى “مدرسة المراجعين”، فأما الأولى فهي تهتم بدراسة المجتمعات المسلمة المعاصرة بتوظيف بعض النماذج التفسيرية في العلوم الاجتماعية، وبحسب السكران، فإنه لا يُلْحَظ لها أي تأثير على الحداثيين العرب، وأما المدرسة الأخرى وهي مدرسة المراجعين، ويمكن أن تسمى مدرسة الشكوكيين، فهي تنزع إلى الشك في كل المصادر الإسلامية والبحث عن مصادر تاريخية أخرى لدى الأمم الأخرى لتقويض الإسلام، ومن نماذج اطروحات مدرسة المراجعين الاستشراقية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير موجود تاريخيًا أصلاً، وأن مكة ليست في الحجاز أساسًا بل هي في الأردن، وغيرها من الأفكار الغريبة التي يرددها رواد هذه المدرسة، والتي يصف السكران حقيقة عملها بأنها مستوى من المزايدة في الشكية على دراسات المستشرقين الفيلولوجيين، فـ“إذا كان الأخيرون يَشكون في صفحات داخل بعض الكتب الإسلامية، فإن مدرسة المراجعين قد أغلقت المكتبة الإسلامية بكاملها”.

وفي الباب الثاني، يناقش السكران عبر فصول ثلاثة “تقنية التوفيد”، ففي الفصل الأول، يذكر نمطًا سار عليه المستشرقون الفيلولوجيون في معالجتهم التراث الإسلامي، وهو رد العلوم الإسلامية والمنجزات الثقافية والحضارية للمسلمين للأديان والحضارات والثقافات السابقة والمجاورة زمانيًا وتاريخيًا، والنتيجة النهائية أن المسلمين عاجزين عن إنتاج أي علم، وبناء على ذلك فكل إبداع علمي، أو تشريعي، أو لغوي، فيجب أن يكون مستوردًا من ثقافات أخرى من خارج الإسلام، ويتكلف المستشرقون في اختراع الاتصال والتشابه لتأكيد ادعاءاتهم هذه.
وفي الفصل الثاني، يناقش السكران “إعادة التصنيع العربي للتوفيد”، وهو جوهر ما يقصده السكران بـ”الاستمداد الثقافي”، ويقدم نماذج على إعادة إنتاج الحداثيين العرب لآلية التوفيد غير المُبرهَن لدى المستشرقين، ثم وفي الفصل الثالث، يتطرق لمناقشات فكرة/تقنية التوفيد، ومفهومها، ورده على استعمال المستشرقين الفيلولوجيين ثم الحداثيين العرب لهذه التقنية، وهو يدحض الطريقة الفجة وغير العلمية والمغالاة التي انتهجها الفريقان في تعاملهم مع التراث الإسلامي، وتطبيق تقنية التوفيد على أصول وفروع العلوم الإسلامية.

وفي الباب الثالث، يناقش السكران “تقنية التسييس” وكما فعل في الباب الثاني، يفعل في الباب الثالث، ففي الفصل الأول، يتطرق السكران لمناقشة “التسييس في الاستشراق الفيلولوجي”، وبداية يعرف التقنية هذه بأنها: أداة تسييس الموضوعي، بما يعني افتعال خلفيات وأغراض سياسية خلف العلوم الإسلامية التي فرضتها المعطيات الموضوعية في التراث الإسلامي. ثم يذكر الباحث شواهد من تسييس التراث من كتابات المستشرقين، وفي نهاية الفصل، يؤكد السكران أن الغرض النهائي من استخدام تقنية التسييس وتطبيقها على التراث الإسلامي، هو إظهار الإمام من أئمة من السلف على أن علومه ومواقفه لم تكن تحركه اعتبارات أخلاقية أو موضوعية أو إيمانية، وإنما مدفوع بدوافع السلطة، إما التزلف لصاحب السلطة، أو الدفاع عن سلطته الشخصية وجاهه ونفوذه.
ثم يبدأ السكران بذكر نماذج استمداد الحداثيين العرب لتقنية التسييس، وفي نهاية ذكره لهذه الشواهد والأمثال، يعلق تعليقًا ملفتًا للنظر، حيث يقول، “أن الأبحاث الحداثية الأخيرة التي لم تستطع أن تجترح أفقًا بحثيًا جديدًا في دراسة تاريخ التراث لم يكن أمامها إلا المزايدة على التسييس السابق والإمعان في نسج التخيلات السياسية لاستجداء قناعة القارئ بأن ثمة جديدًا”.
وفي الفصل الثالث، يقوم أبو عمر بمناقشة النماذج الاستمدادية للحداثيين العرب التي ذكرها في الفصل الثاني، وذلك تحت عناوين عديدة، من أهمها ” تسيس حديث شد الرحال”، و”تسييس [مذهب] الظاهرية”، والأكثر إثارة “مثقفو البلاط”.

أما الباب الرابع، فقد ناقش السكران فيه نموذجًا تطبيقيًا لظاهرة الاستمداد الحداثي العربي من المستشرقين، وهو قضية تسييس “محنة ابن حنبل” وهذا من أعظم ما قرأته في نقد وتحليل الخطاب الاستشراقي منذ أن عرفت كلمة “الاستشراق”، وهو تتبع علمي وموضوعي وتاريخي دقيق لكيفية تناول المستشرقين لمحنة الإمام أحمد بن حنبل، وتقلب مواقفهم منها، ثم كيفية تم تهريب هذه النظرة الاستشراقية بصورتها الفان-إسية (نسبة إلى المستشرق الألماني يوسف فان إس)، وتلقفها الحداثي العربي فهمي جدعان، وفي المناقشة المستفيضة التي يكتبها السكران في الباب الثالث، وهو أكثر الأبواب صفحات، يتباين لنا مدى العوار الموضوعي والأخلاقي للحداثيين العرب في تناولهم للتراث الإسلامي، كيف أنهم أضافوا لقصورهم المعرفي، قصورًا أخلاقيًا غير مبرر.

وفي نهاية بحثه الكبير، يقدم السكران عددًا من النتائج التي توصل إليها من خلال بحثه في الاستشراق وكتابات المستورد الحداثي العربي، ومن أهمها، أن القول بأن الاستشراق قد مات، ما هي إلا مقولة مضللة، فللاستشراق تأثير عنقودي استطاع اكتساح عقول الحداثيين العرب، ومن يقرأ لهم في الداخل العربي، حتى بات واضحًا تكرار أفكار الاستشراق في المحافل واللقاءات الثقافية، ومن النتائج التي يخلص إليها الباحث، أن المستشرق الفيلولوجي، ينزع الى استخدام تقنية التوفيد أكثر من استخدامه تقنية التسييس، في حين أن الحداثي العربي يميل إلى استخدام تقنية التسييس أكثر من تقنية التوفيد، والسبب واضح، فالأوروبي من خارج الدائرة الإسلامية، فهو يريد إعادة العلوم والمنجزات الإسلامية إلى مؤثرات خارجية، وبالطبع، في مقدمتها المؤثرات الكتابية والهللينية، وهما أسلافه، بينما الحداثي العربي هو كاتب من الداخل، وهو مشغول أيضًا بالصراع ضد ما يسميها حركات الإسلام السياسي، فلذلك فهو في معاركه مع هذا التيار يريد أن ينقض ويطعن الكيانين (حركات الإسلام السياسي، وخلفيتها التراث الإسلامي) بأنهما يوظفان الدين في صراع السلطة. وهناك نتيجة أخرى يصل إليها وهو “ظلم النقد الإسلامي للاستشراق”، أي تجاهل الدور الإسلامي الذي أدّاه بعض علماء المسلمين في نقد الاستشراق وكشف مضامينه، ولا يفوت السكران أن يذكر خلاصة مهمة، وهي “النقد الخاطئ للاستشراق” فعلى الرغم من نقده للاستشراق، إلا أنه في الوقت ذاته ينتقد الدفاع الخاطئ عن الإسلام برفض النتائج الصحيحة للاستشراق، فقد تنبه بعض المستشرقين في بعض أبحاثهم إلى مظاهر غير صحيحة يمارسها المسلمون بدعوى أنها من الدين، كذم المستشرقين لمظاهر الوثنية، فلا ينبغي بالمسلم أن يهاجم المستشرق في موقفه هذا، وأما الخلاصة النهائية فهي بعنوان “الابتلاء بالاحتمالات الدلالية” وهي خلاصة تستحق التأمل كثيرًا. وهي ما يمكن أن نعتبره آخر ما يهيله السكران من التراب على قبر البرامج الحداثية العربية في قراءة التراث الإسلامي.

Read Full Post »

arabfrance

تاريخ الدراسات العربية في فرنسا

تأليف الدكتور محمود المقداد

عدد الصفحات: 285 مع صفحات المراجع والمصادر.

اصدار: سلسلة عالم المعرفة/ رقم 167/ نوفمبر 1992م/ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب/ الكويت.

يتتبع الدكتور محمود المقداد في هذا البحث، تاريخَ الدراسات العربية في فرنسا، منذ بواكيرها في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وحتى ما قبل عشر سنوات من تأليف البحث، أي سبعينات وثمانينات القرن العشرين، ويهتم البحث برصد أعلام “الاستعراب” في فرنسا وجهودهم المتنوعة، ومراحل تطور الدراسات العربية ومجالاتها في المؤسسات الاكاديمية والعلمية والسياسية الفرنسية.

يبدأ أولاً المقداد بحثَه بإلقاء ضوء على مفهوم “الاستشراق”، وهو مفهوم عام يتناول “دراسة الشرق من جميع النواحي”، ولمَّا كان مفهومًا عامًا يشمل العرب وغيرهم، يشمل الإسلام وغيره من الأديان، فقد نشأ مفهومٌ آخر أكثر دقة وتخصصًا، يشير إلى الدراسات العربية والإسلامية، وهو “الاستعراب”، والمشتغِل في هذا الحقل يُطلَق عليه “المستعرب” Arabisant.

لم يكن الاستشراق/الاستعراب خلوًا من الغايات والأهداف، فهذا ما لا يمكن تصوره في أي حركة بشرية، وعلى أي مستوى، ولكن من جهة أخرى، لا يمكن أن توصَف أهداف الاستشراق/الاستعراب بالسيئة والسلبية على طول الخط، فمن هذه الأهداف ما فيه نفع لنا ولهم، وما ليس فيه ضرر علينا، ومنها ما فيه ضرر علينا، لذلك، فالباحث يرفض الأحكام القطعية الجامدة المسبقة التي تُلقى على الاستشراق/الاستعراب أيًّا كانت، فكل مرحلة من مراحل الاستشراق/الاستعراب كانت تمتاز ببعض السمات، التي لا بد من دراستها على حدة وبموضوعية قبل إصدار الأحكام عليها. لكن المؤلف عمومًا يقرر بأن “الهدف العام لحركة الاستعراب أو الدافع الرئيسي لها كان حب الكشف والتعرف والاطلاع للإفادة العلمية والتواصل الفكري بين الفرنسيين والعرب”.

في الفصل الأول، تناول المقداد الصلات بين الشرق العربي والغرب الأوروبي، وأكد بأن هذه العلاقات تعود إلى الماضي الموغل في القدم، فهي لم تنقطع إلا خلال فترات من الزمن قليلة، وأما في الغالب، فالعلاقات كانت متواصلة بين الشطرين سواء سلمًا أو حربًا، وبالتحديد منذ بزوغ فجر الإسلام، وقد وصلت إلى أوجها حربًا في الحروب الصليبية، والتي كانت فرنسا تحتل فيها مركزًا متقدمًا في الحشد والإمداد العسكري، لكن وبحسب المؤرخين، فإن لهذه الحروب التي انتهت باخفاق عسكري أوروبي في الشرق، تأثيرات عميقة في المجتمع الأوروبي، كان من أهمها تسهيل التبادلات التجارية والفكرية والفنية بين طرفي المتوسط. وقد بدأت في حينها ترجمة المؤلفات العربية إلى اللغة اللاتينية، لغة العلم والثقافة في أوروبا حينذاك، وينقل المؤلف أن أحد المؤرخين الغربيين واسمه ليكليرك Leclerc أحصى في كتابه “تاريخ الطب العربي” عدد المؤلفات العربية التي تُرجمَت إلى اللغة اللاتينية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، فوجدها تزيد على 300 ترجمة، من بينها 90 ترجمة تتعلق بالعلوم الفلسفية والفيزيائية والطبيعية، و90 أخرى تتعلق بالعلوم الطبية، وغيرها من المجالات الثقافية والأدبية والعلمية.

في وقت لاحق، نشأت ظروف سياسية وعسكرية وثقافية جديدة في أوروبا، نتيجة لفتح العثمانيين القسطنطينية عام 1453م، هذا العام الذي يعتبر الأوروبيون فاصلاً بين حقبة انتهت، وهي العصور الوسطى، وحقبة جديدة ابتدأت، وهي عصر النهضة الأوروبية، والذي ستتخذ فيه الدراسات العربية في فرنسا بُعدًا آخر.

فقد تطورت اللغات القومية الأوروبية، وظهرت إلى مسرح الوجود المعاهد والجامعات التي لا تعترف بسلطة الكنيسة، ووصايتها عليها، فبدأ الأوروبيون محاولة الرد على الأخطار العثمانية عبر قراءة واستكشاف المنتج الثقافي للحضارة التي تحمل الدولة العثمانية لوائها، ومن هنا كان اهتمام الفرنسيين بتجميع المخطوطات العربية، والاحتفاظ بها في فرنسا، وترجمتها، واهتم الفرنسيون كذلك بإيجاد جيل من الفرنسيين يتقنون العربية والتركية والفارسية، وبذلك بدأ اتجاه جديد برعاية الدولة، يهتم بالدراسات العربية في فرنسا، وإن كان سينتابه بعض الفتور في لحظات تاريخية معينة، إلا أنه ومنذ الثورة الفرنسية 1789م، سيزداد الاهتمام الفرنسي بالدراسات العربية، والتي توجها نابليون بونابرت بحملته على مصر عام 1798م.

وقد ظهر في القرون الثلاثة الماضية عددٌ من الباحثين والمستعربين الكبار، الذين بذلوا جُلَّ أوقات أعمارهم في دراسة وتدريس اللغة العربية، والثقافة العربية للفرنسيين، وترجمة وتحقيق التراث العربي، بما يحقق مصالح بلادهم، ومن أهم هؤلاء المستعربين سلفستر دو ساسي (1758-1838م) الذي أسهم باقتراحاته ودراساته في تبوء الدراسات العربية مكانة هامة في الأوساط الأكاديمية الفرنسية.

وقد اهتم الفرنسيون منذ القدم في جمع المخطوطات العربية، ونقلها إلى فرنسا، وترجمتها، وذلك من أجل التعرف على الثقافة العربية، وكشف أسرارها، وقد جُنِّدَ لذلك رهبان مبشرون وتجار، وجواسيس، ودبلوماسيون، وسفراء في العالم العربي والإسلامي، وسوّاح ومستعربون، كُلفوا خصيصًا بهذا العمل، وقد مرت على عملية جمع المخطوطات العربية في فرنسا 6 مراحل بحسب المؤلف، تمتد الأولى منذ بداية القرن الثامن وحتى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، ولا يلحظ فيه أي اهتمام جدي من الغرب الأوروبي عمومًا بالشرق أو باللغة العربية، وأما آخر هذه المراحل، وهي السادسة، فتمتد من عام 1883 إلى عام 1975م، وفيها أضافت فرنسا عددًا كبيرًا من المخطوطات العربية في مكتباتها، نتيجة استعمارها عددًا كبيرًا من البلدان العربية والإسلامية في غضون هذه الحقبة، إلى حد أنها تجاوزت عدد سبعة آلاف مخطوطة.

ويلخص المقداد جهودَ المستعربين الفرنسيين في التعامل مع المخطوطات العربية في 7 نقاط، وهي:

  • البحث عن هذه المخطوطات وجمعها ونقلها إلى فرنسا.
  • حفظ هذه المخطوطات.
  • وضع فهارس تنظم الإفادة منها.
  • تحقيق بعضها ونشره.
  • نشر اقتباسات من هذه المخطوطات، أو خلاصات لها بغية تعريفها.
  • ترجمة بعض هذه المخطوطات إلى الفرنسية.
  • نسخ بعض هذه المخطوطات أو تصويرها.

وفي فصل آخر (الفصل3)، تناول المقداد تدريس اللغة العربية في فرنسا، وهي عملية مرت بعدة أطوار، أولها في معهد فرنسا (كوليج دو فرانس)، وقد أدخلت العربية كأحدى المواد عام 1587م، على يد أرنولد دو ليسل، واستمرت كذلك إلى عام 1613م. ثم ظهرت جهة أخرى تولي العربية واللغات الشرقية الأخرى اهتمامها، وهي مدرسة فتيان اللغة التي تأسست عام 1669م، والتي كانت تأمل فرنسا من ورائها تأسيس جيل من الفرنسيين يتقنون العربية بالتحديد، وذلك لتولي مصالح بلادهم السياسية والتجارية مع الشرق، ثم تمَّ تأسيس المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحية عام 1795م، والتي نافست وتفوقت على مدرسة الفتيان، وأصبحت هي المصدر الأساسي لتخريج المستعربين في فرنسا إلى يومنا هذا، وكان سلفستر دو ساسي أحد أعمدة هذه المدرسة، وواضع أهم لوائحها ونظمها.

وفي فصل آخر، وهو الرابع، تطرق المؤلف لأنواع الدراسات العربية في فرنسا، وهو يعني بالتحديد الفنون من الثقافة العربية التي اهتم المستعربون بها، فعملوا على نشر مخطوطاتها، أو قاموا بنشر مؤلفاتها أو أسهموا في إلقاء المحاضرات عنها، ومن هذه الدراسات: الدراسات اللغوية، الدراسات الأدبية، الدراسات التاريخية، الدراسات الإسلامية، الدراسات الجغرافية، وغيرها، وسنأخذ مثالاً هنا الدراسات اللغوية.

قام المستعربون الفرنسيون في إطار اهتمامهم بالدراسات اللغوية العربية بتأليف كتب في النحو العربي، كما قام بذلك بوستل عام 1538م، ودو سافاري عام 1748م، ونشر دو ساسي كتابًا في قواعد اللغة العربية أسماه “التُحفة السَنية في علم العربية” عام 1810م، وقام المستعربون كذلك بوضع المعاجم اللغوية العربية، حيث صنّف مارسيل سنة 1837م، معجمَه “كنز المصاحبة” وهو معجم فرنسي-عربي عامي، وكذلك قام المستعربون بنشر الكتب النحوية العربية وترجمتها، وتأليف الدراسات اللغوية حول اللغة العربية الفصحى واللهجات العامية، وقاموا بوضع الكتب التعليمية، ونشر المختارات النحوية العربية.

في الفصل الخامس، تناول الدكتور المقداد، مجالات أخرى لعمل المستعربين غير العمل التدريسي، وهذه المجالات بلا شك تثير جدلاً كبيرًا، خصوصًا إذا ما علمنا بأن بعضها كان يتعلق بأغراض سياسية وعسكرية استعمارية، وأخرى دينية تبشيرية، وقد عمل بعض المستعربين في السلك الديبلوماسي الفرنسي، مثل كليمان هوار الذي تخرج من مدرسة اللغات الشرقية عام 1873م، وعُين مترجمًا في القنصلية الفرنسية في دمشق أولاً ثم الآستانة تاليًا، وفي وقت لاحق عُين قنصلاً عامًا لحكومته في دمشق، وينقل المؤلفُ شهادةَ د.طه حسين في المستعرب لوي ماسينيون الشهير، وأنه كان موظفًا في إدارة المخابرات في وزارة الخارجية الفرنسية. وهذه جهود ومجالات عمل، لا شك بأنها تلقي نوعًا من الشك والريبة في الإنتاج الثقافي والعلمي لهؤلاء المستعربين، ونقص في الثقة التي يوليها المثقف العربي لآراء المستعربين التي توصف بأنها علمية.

لكن هناك مجالات أخرى علمية، عمل بها هؤلاء المستعربين، مثل عقد المؤتمرات الاستشراقية، والتي بدأت أولها عام 1873م في باريس، والاشتراك في تحرير مواد “الموسوعة الإسلامية”، وتأسيس الجمعيات الاستشراقية والاستعرابية، والاشراف على الاطروحات الجامعية.

وفي الفصل السادس والأخير، تناول د.محمود المقداد بعض أعلام الاستعراب الفرنسيين، وسلط الضوء على سيرهم وأعمالهم بإيجاز، وفي مقدمتهم سلفستر دو ساسي، والذي يرد إليه الفضل في تطور الدراسات العربية في فرنسا خصوصًا وأوروبا عمومًا، كما تناول جهود مستعربين آخرين مثل موريس غودفروا-ديمومبين(1862-1957م)، وغاستون فييت(1887-1971م)، وأخيرًا ريجيس بلاشير(1900-1973م).

 

البحث غني بالمعلومات التاريخية والموضوعية عن عالم الدراسات العربية في فرنسا، والمؤلف يقدمها بطريقة موضوعية غير منحازة، وهناك طرائف تاريخية عديدة، تتعلق بالعلاقات الثقافية العربية-الفرنسية، يجدها القارئ منثورة بانتظام فيما بين سطور الكتاب، وقد لاحظتُ نوعًا من التحامل السلبي من المؤلف تجاه الدولة العثمانية، حيث يعتبرها مسؤولة عن التخلف الذي أصاب العرب، ويتهمها بأنها كانت لديها نزعة خفية إلى تتريك العرب خاصة وإلغاء اللغة العربية ثقافيًا. وفي صفحة أخرى، يعتبر المؤلف أن همَّ الدولة العثمانية كان منصبًا نحو جمع الضرائب وبناء الجيش الانكشاري وتدعيم سلطانهم في الآستانة، دون نظر إلى مصالح الرعية الحقيقية وحقها في التقدم والازدهار.

Read Full Post »

Kuwbookfباختصار، وبلا أي تعليقات في أي اتجاه، كان حصادي لهذا العام من معرض الكويت للكتاب، أكثر تنوعًا من حصاد العام الماضي، وقد اشتمل على عدة مؤلفات وكتب مترجمة، وللمرة الأولى، تدخل الموسوعات مكتبتي الصغيرة.

وهذا هو الحصاد باختصار:

  •  رسالة في التسامح. جون لوك. ترجمة وتعليق وتقديم د/عبدالرحمن بدوي. دار الغرب الإسلامي/ ط1988/1. 130 صفحة. ترجمة مباشرة عن اللاتينية.
  • النفي والعنف في الغرب الإسلامي. حميد الحداد. أفريقيا الشرق/ط2013/1. 263 صفحة.
  • الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16-17م. د/محمد رزوق. أفريقيا الشرق/ط2014/4. 433 صفحة.
  • مغامرة الفكر الأوروبي-قصة الأفكار الغربية. جاكلين روس. ترجمة أمل ديبو. كلمة-أبو ظبي/2011. 445 صفحة.
  • الأدب الأندلسي في الدراسات الاستشراقية البريطانية. رشا عبدالله الخطيب. دار الكتب الوطنية-أبوظبي. ط2013/1.
  • الموسوعة الفلسفية المختصرة. جوناثان ري و ج. أور. أرمسون. ترجمة/ فؤاد كامل-جلال العشري- عبدالرشيد صادق. مراجعة وإشراف زكي نجيب محمود. المركز القومي للترجمة. 485 صفحة.
  • بقايا اليوم. رواية لـ/ كازو إيشيجورو. ترجمة طلعت الشايب. المركز القومي للترجمة/ط2009/2. 357 صفحة.
  • قصة مدينة الحجر. رواية لـ/ اسماعيل كاداريه. ترجمة د.عفيف دمشقية. دار الآداب/ط1989/1. 298 صفحة.
  • ساعات القدر في تاريخ البشرية. ستيفان تسفايج. ترجمة محمد جديد. المدى/ط2005/1. 367 صفحة.
  • يحيى حقي.. ذكريات مطوية كما رواها لإبنته نهى. نهى يحيى حقي وتلميذه ابراهيم عبدالعزيز. دار سعاد الصباح/ط1993/1. 224 صفحة مع ملحق صور.
  • البوسنة والهرسك. د.جمال الدين سيد محمد. دار سعاد الصباح/ط1992/1. 291 صفحة.
  • المسألة الثقافية في لبنان-الخطاب السياسي والتاريخي. د.وجيه كوثراني. منشورات بحسون/ط1984/1. 200 صفحة.
  • الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي- من المتصرفية العثمانية إلى دولة لبنان الكبرى. د.وجيه كوثراني. منشورات بحسون/طبعة عام 1986. 424 صفحة.
  • تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين. جزآن اثنان. يوسف أشباخ. ترجمة وتعليق د.محمد عبدالله عنان. تقديم. سليمان العطار. المركز القومي للترجمة.

 

Read Full Post »

Sultan

 

دور السلطان عبدالحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين (١٨٧٦-١٩٠٩)

د.فدوى نصيرات.
عدد الصفحات: ٢٤٨ صفحة.
الدار: مركز دراسات الوحدة العربية/ط١/مارس ٢٠١٤م.

كما يحدثك العنوان الصادم عن نفسه تمامًا، كان محتوى هذا الكتاب، فالباحثة الدكتورة فدوى نصيرات، تحاول من خلال صفحات بحثها هذا، نقض المُسلمَّة التاريخية التي تؤكد وقوف السلطان عبدالحميد الثاني في وجه التطلعات الصهيونية في فلسطين، والقدس تحديدًا، ومن جهة أخرى، يُعتبر هذا الكتاب بقعة من الضوء على الوجود اليهودي في فلسطين في أخريات القرن التاسع عشر، وتوسع نفوذهم عبر هجراتهم المتوالية وتأسيس مستوطناتهم على الأراضي الفلسطينية، حتى وصلت أعدادهم إلى ٤٥ ألف يهودي في القدس وحدها مع نهاية القرن التاسع عشر.

تبدأ د.فدوى كتابها بتقديم صورة عن الأوضاع العامة للدولة العثمانية إبّان حكم السلطان عبدالحميد الثاني، ثم تطرقت لشخصية السلطان في ضوء الكتابات التي تناولته، وأخيرًا ينتهي التمهيد بعرض تاريخي آخر يتناول الحركة الصهيونية، ودور هرتزل فيها.
أما الفصل الأول، فقد تناولت فيه بدايات الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وعرضت مواقف السلطان العثماني تجاهها، ثم تناولت نتائج الهجرات اليهودية إلى فلسطين وانعكاساتها على الوضع عامة.

وفي الفصل الثاني، ناقشت فيه الكاتبة موقف السلطان عبدالحميد الثاني من الاستعمار الصهيوني في فلسطين، وهي بنقضها للمسلمة التاريخية التي تقول برفض السلطان القاطع لهذه الهجرات، تحاول أن تنعى على الخليفة المسلم، عدم تحويله أقواله إلى حقائق على أرض الواقع، وعدم إنفاذه للفرمانات التي أصدرها بخط يده، والتي تستهدف الحيلولة دون استيطان اليهود في فلسطين، وهذا هو أحد المآخذ الرئيسية المستخدمة في حيثيات التهمة التي تقرأها في عنوان الكتاب.
ومن المآخذ الأخرى، رضوخ السلطان لضغوط القناصل الأوروبيين والأمريكي، وذلك في أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، وبالتالي، كانت قوانين حظر الهجرة اليهودية والاستيطان اليهودي في فلسطين دون أية قيمة حقيقية، ومن المآخذ أيضًا دور بعض الولاة وأثرياء العرب والموظفين العثمانيين، الذين تراوحت جهودهم في تسهيل مهمة الاستيطان اليهودي في فلسطين، ما بين قبول الرشوة، أو شهادة الزور، أو الالتفاف على القوانين المانعة أو المقيدة لبيع الأراضي لليهود.

أما الفصل الثالث، فقد كان الأكثر إثارة، وهو فصل تناول قضية مفاوضات هرتزل-عبدالحميد الثاني، والتي استمرت لمدة ٦ سنوات، وقد فصّلت فيه الباحثة الكلام عن موضوع هذه المفاوضات، وزيارة هرتزل اسطنبول خمس مرات خلال سير هذه المحادثات، والتي كانت أولها غير مباشرة. وقضية المفاوضات هي الأخرى تدخل ضمن حيثيات الاتهام الذي تسوقه الباحثة ضد السلطان العثماني، فهي تستنكر قبول الخليفة المسلم إجراء محادثات مع زعيم الحركة الصهيونية، كما لو كان الأمر “قوة أمام قوة”. لقد أعطت المفاوضات قوة وجودية للحركة الصهيونية، رفعتها إلى مستوى الحكومات والهيئات الدولية، باختصار، لقد كانت المفاوضات اعترافًا بالقضية اليهودية، والمساعي الصهيونية، ولعل أحدهم يعترض بأن المفاوضات لم تؤول إلى نتائج حقيقية على أرض الواقع، إلا أن مجرد قبول الاستانة بإقامة مثل هذه المفاوضات، كان بمثابة نجاح كبير للصهيونية.
وأخيرًا، وفي الفصل الرابع والأخير، تم تسليط الضوء على الموقف الشعبي العربي تجاه النشاط الصهيوني في فلسطين، وقد كان فصلاً ثريًا بما احتوى من معلومات تدور حول كفاح الفلسطينيين والعرب المبكر في رفض واستنكار الاستيطان الصهيوني، وهو ما لا يُذكر أو يشار إليه بشكل واضح، وقد تمثلت هذه المواقف في خطين متوازيين، أولها العرائض والشكاوى التي يرفعها أهل القدس تحديدًا إلى السلطان عبدالحميد الثاني مطالبين بوقف تدفق المهاجرين اليهود، “وقد سجل عرب فلسطين أول تذمر رسمي لهم من الهجرة اليهودية في يونيو ١٨٩١م، حينما بعث جمع من زعماء القدس ببرقية موقعة من ٥٠٠ شخص إلى الصدر الأعظم يطالبون بفرمان يمنع الصهيونيين من دخول فلسطين”، كما قام أئمة وخطباء المساجد بمهاجمة الدور الاستعماري النشط في فلسطين. والخط الثاني تمثل في الصحف العربية التي رصدت مبكرًا هذا التجمع البشري الهائل والمتزايد لليهود في فلسطين، وقد حاول المراسلون الصحفيون الوقوف على حقيقة ما يحدث على أرض فلسطين، فكانوا يعودون لصحفهم بعنوان كبيرة صادمة، تحاول عكس حجم الاستيطان الصهيوني في فلسطين والتحذير من تبعاته، وأهم هذه الصحف “الأهرام” و”المقطم”، وقد عنونت “المقطم” أحد تقاريرها بـ”استعمار فلسطين” مطالبة السلطان عبدالحميد بقمع المهاجرين اليهود والمتواطئين معهم، ومحاربة الرشوة.
ولم تكن أخبار المؤتمرات الصهيونية ببعيدة عن اهتمام الصحف العربية، فلقد سلطت “الأهرام” الضوء على مقررات هذه المؤتمرات، وما تهدف إليه من استقطاب اليهود من كل مكان، وتأسيس دولة يهودية على أرض فلسطين.
وفي خاتمة الكتاب، تقرر الكاتبة على ضوء ما تقدم، من أنه:

“لا يمكن تبرئة السلطان عبدالحميد الثاني من المسؤولية تمامًا مما تمكن الصهاينة من تحقيقه على أرض فلسطين”.

برأيي أن الكتاب محاولة موفقة من الباحثة التي سلطت الضوء على قضية تاريخية متصلة بالواقع الذي نعيشه ونعاني منه اليوم، فهي اعتمدت على الأرشيف العثماني والأرشيف الغربي، كما اعتمدت على مصادر أجنبية ومحلية، وضمنته جداول توضح نمو المستعمرات والمستوطنات اليهودية في فلسطين، وقد حاولت من خلال ما قدمت، نقد وتمحيص جميع المرويات التاريخية ذات العلاقة بالموضوع، إلا أن الذي عاب الكتاب بحقيقة، تلك الافتتاحية الهجومية المليئة بالشماتة، والتي كتبها د.خالد الحروب، مما أعاد بالكتاب-أو كاد على الأقل- إلى حقل الكتابات السجالية العلمانية-الإسلامية، إلا أنه وللحق، كان مستوى كتابة وبحث الدكتورة فدوى أعلى بكثير جدًا من مستوى ما كتبه خالد الحروب، وأعتقد أن على من يمتلك وجهة نظر مغايرة، أن يدفع بدراسة من المستوى هذا، إن كان يريد دحض رسالة الكتاب الرئيسة.

نقطة أخيرة:

الكتاب يلقي الضوء على جهود أعلام الصهاينة من تجار ومثقفين وسياسيين في دعم ةمساندة أبناء دينهم، وكذلك يلقي ضوءًا آخر على الوعي العربي الفلسطيني تجاه ما يحدث على أرض فلسطين، وعند المقارنة بينهما لا يمكن إلا أن أردد: اللهم أنني أشتكي إليك عجز المؤمن، وجلد الكافر.

Read Full Post »

20130311-221912.jpg

مساء السبت الموافق ٢٠١٣/٣/٢م، أقام نادي “بوم” الثقافي بالتعاون مع رابطة الأدباء في الكويت ليلة تكريمية للأديب الراحل محمد الفايز، صاحب الملحمة البحرية الكويتية والخليجية “مذكرات بحّار”، عُرض في البداية فيلمٍ توثيقي قصير عن الشاعر، والذي ذُكِر فيه أن الفايز هو كاتب أشعار المسرحية الكويتية المشهورة “حفلة على الخازوق”، ثم تحدث في هذه الليلة كلٌّ من ابنة الشاعر شذى محمد الفايز، والشاعر الكويتي صلاح دبشة.
وقد تطرقت شذى في كلمتها لملامح من حياة الشاعر الخاصة، ومنها؛

  • كان والدي يُتأتِئ أثناء الكلام، وقد ساعدته والدتي في تجاوز هذه المشكلة.
  • كان من هوايات والدي لعبة الشطرنج، التي يلعبها دائمًا مع أختي الكبيرة “عبير”.
  • عند إتمامه طباعة أي ديوان بشكل كامل، كان يأتي للبيت بـ”صينية كُنافة” كاملة، وكنّا نوزع بعض منها على الجيران، الذين يتعرفون من خلالها أن والدي قد انتهى من طباعة ديوان شعري جديد.
  • لوالدي ديوان مخطوط، عنوانه “كتابات فوق الألواح القديمة” وسيتم طباعته قريبًا على نفقة الأسرة، وذلك ضمن المجموعة الشعرية الكاملة، التي سنطبعها بإذن الله خلال هذا العام.

ثم تحدث الناقد والشاعر صلاح دبشة، وكان مما قاله:

  • أجدُ نفسي أقرب للفايز عندما أقرأ له بعيدًا عن أي صفة نقدية.

استوقفتني -صراحة- خلال هذه الليلة التكريمية معلومةٌ جديدة، للمرة الأولى أسمعُ بها، وهي أن وفاة الشاعر محمد الفايز كانت في ١٩٩١/٣/١م وليس ١٩٩١/٢/٢٧م، وهذا على خلاف المعروف، أو على الأقل خلافَ ما وجدته أثناء بحثي عن الفايز- وغيره من الشعراء- وسيرته الذاتية خلال العام ٢٠٠٥م، فقررت العودة إلى المكتبة ذاتها التي استقيت منها المعلومة الخطأ! وهي مكتبة هدية العامة.
وفي مكتبة هدية العامة، عدت لجميع الكتب الأدبية التي تؤرخ لوفاة الفايز، فوجدت تضاربًا في التواريخ على النحو الآتي:

  • كتاب “أدباء وأديبات الكويت” لـ/ ليلى محمد صالح، المنشور في طبعته الأولى عام ١٩٩٦م، عبر رابطة الأدباء، تقرر فيه المؤلفة بالاستناد لرواية ابنة الشاعر أن تاريخ الوفاة هو ١٩٩١/٢/٢٧م.
  • كتاب “شعراء من الجزيرة العربية” ج٢ لـ/عبدالله سالم الحميد(سعودي) والمنشور في طبعته الأولى عام ١٩٩٢م، يذكر أن تاريخ الوفاة هو ١٩٩١/٢/٢٧م، وينسب المعلومة إلى جريدة “صوت الكويت”.
  • كتاب “معجم شعراء الكويت” د/أحمد عبدالله العلي، في الطبعة الأولى ٢٠٠٢م، عبر دار ذات السلاسل، فيذكر أن الفايز قد توفي يوم ١٩٩١/٢/٢٦م في القاهرة.
  • كتاب “الشعر في الكويت” لـ/سليمان الشطي والمنشور في طبعته الأولى عام ٢٠٠٧م، عبر دار العروبة فيذكر التاريخ الجديد وهو ١٩٩١/٣/١م.

والكتاب الأخير للشطي، صدر بعد بحثي بعامين فقط، ويبدو أنه أول من ذكر أن تاريخ الوفاة كان في أوّل مارس من عام ١٩٩١م.

قد تبدو مسألة سطحية، قد لا تبدو مهمة إذا ما كنّا بصدد موضوع أهم وهو قراءة الشعر وألوان الأدب، لكن هذا الخلط في تحديد تاريخ وفاة الشاعر كان ملفتًا للانتباه، على الأقل بالنسبة إلي.
هذا التضارب في تحديد تاريخ وفاة علم من أعلام الأدب والشعر في الكويت كالفايز، ليعكس بالفعل إشكالية كبيرة يعيشها الوسط الثقافي الكويتي، باختصار…أنها محض اجتهادات، وليس أعمال مؤسسية متكاملة وموثقة، لذلك ينشأ التضارب هذا، فقد يُنسب بيت شعري إلى غير صاحبه، وقد يسقط لقب على شاعر، بينما هو في الأصل لشاعر آخر، وهذا كله بسبب إهمال المؤسسات الوطنية للتأريخ الأدبي للكويت، فلولا بعض اجتهادات لضاع التاريخ الأدبي الكويتي، وهنا نتذكر اجتهادات الشاعر خالد سعود الزيد في كتابه “أدباء الكويت في قرنين” ومحاولته الناجحة لحد كبير في توثيق الحركة الأدبية ونتاج شعراء الكويت.
تأمل هذا… أنَّ مَنْ وثَّق كفاح الكويتي في معركة الحياة، عبر “مذكرات بحار”، لم يُقَدَّر له أن يتم توثيق وفاته بشكل صحيح، رغم أنه توفى في تاريخ حديث، وليس قبل مئة أو مئتين عام!

Read Full Post »

تأملات في تاريخ الرومان

قراءة في كتاب…

تأملات في تاريخ الرومان

أسباب النهوض والانحطاط

لـ/ المفكر الفرنسي مونتسكيو

ترجمة: عبدالله العروي

عدد الصفحات: 272 صفحة

إصدار: المركز الثقافي العربي- الرباط/ الطبعة الأولى 2011م.

يطرح المفكر الفرنسي “مونتسكيو” انتقاءات لأحداثٍ من تاريخ الرومان، وينتزع الأفكار والتأملات منها، مع بعض الإسقاطات على الواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه آنذاك سواء في فرنسا، أو أوروبا عمومًا.

 هذه التأملات جاءت منثورة، وغير مرتبة على امتداد صفحات الكتاب، وعبر فصوله البالغ عددها 23 فصلاً، وهذا الكتاب صدر للمرة الأولى عام 1734م، وبعده بسنوات (1748م) أصدر مونتسكيو كتاب الأكثر شهرة “روح القوانين”.

 ولأن الكتاب فكري أكثر من كونه تاريخي، فالأحداث التاريخية تكمن أهميتها في تعضيد “تأملات” مونتسكيو وحسب، لذلك يعمد مونتسكيو إلى عدم ذكر تفاصيل الأحداث، وإنما يكتفي بذكر رشقات تاريخية سريعة ومختصرة تخدم فكرته.

وهذا ما يُحسب على مونتسكيو، إذ أنه يفترض-بشكل غير مباشر- أن القارئ مُلمٌ ومطلِعٌ على التاريخ الروماني، وهذه من نقاط الضعف في هذا الكتاب، إذ كان من الأجدر به-أو المترجم على الأقل- أن يُقدم كتابه بمقدمة تاريخية موجزة عن تاريخ الرومان وتحولاتهم التاريخية، وخصوصًا الانتقال من عهد الجمهورية إلى عهد الإمبراطورية، كي لا يضيع القارئ في زحمة الأحداث والأسماء الرومانية.

وبالإضافة إلى حسن اطلاعه على التاريخ وعلى الواقع الذي يعيشه، بالشكل الذي انعكس عبر تأملاته، فإن عمل مونتسكيو هذا كان غنيًّا بالاقتباسات والحكم السياسية والقانونية، التي بلا شك ما تزال صالحة وذات فائدة، ويمكن تفهُم ذلك إذا ما عرفنا أن مونتسكيو يتمتع بخلفية قانونية وقضائية رفيعة، فقد أكمل دراساته القانونية في جامعة بوردو، وبعد تخرجه منها، عمل مستشارًا قضائيًا لدى البرلمان المحلي، لذلك جاءت تأملاته القانونية قوية وعميقة، وهذا اقتباس لأحدها:

“الالتفاف على القانون أخطر على القانون من نزوات الأمير”.

وهذا اقتباسٌ آخر:

“لوحظ مرارًا أن القوانين الجيدة، التي ساعدت دولة صغيرة على أن تنمو، لا تلبث أن تتحول إلى أعباء وقيود عندما تكبر، لأن تلك القوانين كانت تستهدف عظمة الشعب لا حسنَ إدارته”.

تأملات مونتسكيو في تاريخ الرومان، تحيلنا لموضوع مهم، وهو أسباب الصعود والسقوط، أو النهوض والانحطاط في حياة الأمم، هنا مونتسكيو لا يختزل الموضوع بمعركة حربية واحدة، أو سلسلة معارك، ولا يحصره فقط في امتداد متسرع وغير مدروس، ولا في قرارات سياسية خاطِئة، وإنما يخرج من النطاق المادي الملموس، ليضيفَ إلى النقاش نطاقًا آخر، وهو نطاق الأفكار والثقافات، فمونتسكيو يتحدث عن “ذهنية” الروماني، عن “أخلاق” الروماني، عن “طموحات” الروماني، عن “أفكار” الروماني، بل وعن “دين” الروماني، وماذا حدث له عندما اعترى هذه المنظومة بكاملها التغيير والتبديل. يبدو لي أنه بالفعل يُقدم فكرة أو تصوّرًا جديدًا عن أسباب الصعود والسقوط في تاريخ الأمم.

 و بحسب “مونتسكيو” وتأملاته في التاريخ الروماني، فإن أسباب الانحطاط ومن قبلها النهوض، ليست مجرد أسباب آلية “ميكانيكية” عملية، طُبِقت في فترة ما فتحققت النهضة، وتم التخلي عنها لاحقًا، فنتج الانحطاط، لا.. فأسباب النهضة والانحطاط تضرب في عمق الإنسان الروماني – والإنسان عمومًا- وتشمل جميع أوجه حياته، ومرتبطة بقوة بأخلاقياته، بطموحاته، بشعوره الوطني، بشعوره الديني، بطريقة تفكيره، بخلفيته الثقافية والاجتماعية، بنمط حياته، بالتزامه القوانين والتشريعات الرومانية، بل، وترتبط ببنيته الجسمانية أيضًا!

جميع ما سبق، حينما تم التخلي عنها، أو طرأ عليها التغيير عبر الزمان وبالتدريج… وقع الانحطاطُ في دولة الرومان.

وكذلك لا يمكن رفض المقولة التي تذهب إلى أن توسع الرومان بشكل سريع وغير محدود عبر حروبٍ مستمرة، أسهمت هي الأخرى في خلق حالة الانحطاط، هذه الفتوحات التي احتاجت بشكل مستمر لقادة وجند وأموال، أسهمت في استهلاك المخزون الروماني منهم جميعًا، ومن جهة أخرى، انضوت بسبب الغزوات شعوبٌ إلى روما، ونالت حقوق المواطَنَة، فأثر هذا التغيير الديمغرافي حتى في التشكيل السياسي لروما.

إذًا بالمحصلة النهائية، لا يمكن اختزال ما حدث للرومان بسوء التخطيط فقط، وكذلك لا يمكن وصف ما حدث من انحطاط بأنه مفاجِئ وغير متوقع إذا ما قورِن بمسار التاريخ الروماني.

لغة الكتاب بسيطة، وليست معقدة، وترجمة المفكر العربي عبدالله العروي من الواضح أنه اعتنى بها كثيرًا، والهوامش بها فوائد، سواء هوامش المؤلف أو المترجم، من أجمل الفصول، الفصل الرابع، وخصوصًا المقارنة بين روما وقرطاج، والفصل السادس أيضًا، الذي كان مروعًا للغاية.

Read Full Post »

Older Posts »