Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘تسفايج’

image

ساعات القدر في تاريخ البشرية
ستيفان تسفايج
ترجمة: محمد جديد
عدد الصفحات: 367 صفحة
اصدار: دار المدى/ الطبعة الأولى 2005.

هذا الكتاب هو تجربة القراءة الثانية لي مع ستيفان تسفايج، حيث قرأت كتابه الآخر وهو سيرته الذاتية التي لم يكملها، وكان عنوانها “عالم الأمس”، والحقيقة أن ما وجدته في “عالم الأمس” حفزني لأن أقتني كتابًا آخر للمؤلف ذاته، وإن كان موضوع الكتاب ليس متعلقًا بسيرته الذاتية مباشرة، إلا أنه على صلة وثيقة بالسير الذاتية والأحداث التاريخية التي شغف بها تسفايج.

 

يختار ستيفان تسفايج 14 ساعة من عمر البشرية، كل منها تنتمي لعالم وعصر مختلف، ولكل منها ظروفها الخاصة وأسبابها المتنوعة، إلا أن الرابط بينها كلها هو تأثيرها في عمر ومسار البشرية، لا يعني هذا أنها كلها كانت ساعات انتهت بالنجاح، وتكللت بالتوفيق، لا يبدو أن تسفايج أراد رسم صورة جميلة زاهية مؤطرة بالانتصارات فقط، قد يكون هذا ما يتمناه، لكنه لا ينتمي لواقع الحياة، يقول تسفايج في مقدمة كتابه:

“وأحاول أن أذكِّر هنا ببعض من أمثال هذه الساعات الحاسمة، وقد أطلقت عليها هذا الاسم لأنها تشع بنورها كالنجوم، مضيئة، لا تتبدل، في ليل الفناء والزوال، من عصور وأصقاع شتى”.

أربعة عشر ساعة اختزل فيها تسفايج شغف الإنسان للتحدي، تحدي الطبيعة، وتحدي الناس، وقبلها تحدي الذات، أربعة عشر ساعة غير ذات صلة ببعضها أراد تسفايج التأكيد على أن ما يربطها هو مزيج من معاني ثلاثة هي: الإنسان-الإرادة-القدر.
فلئن كان الإنسان هو البطل، وهو الضحية، فذلك يتطلب منه عزيمة وإرادة لتحقيق المستحيل وإنجاز الصعب، وهذا ما يتطلب تدخل القدر -عنصر الحسم الثالث- الذي يحدد الساعة التي يقبل فيها الإنسان نحو تحديه أو يتردد فيها، وحينها فقط تتبلور في التاريخ ساعة من ساعات القدر في تاريخ البشرية.
أحداث تاريخية مختلفة، وأسماء وأعلام تنتمي لعوالم متناقضة، وجغرافيا مترامية الأطراف، توفر مسرحًا لساعات القدر المفصلية، ولئن كان تحديد الساعة أمرًا عسيرًا، فالمؤلف يكتفي بتحديد اليوم ذي العلاقة بالحدث، اليوم الذي صادف أن تكون إحدى ساعاته فارقة في عمر البشرية، ويورد تسفايج الأحداث بصورة أدبية، بعيدًا عن رسميات التأريخ ولغته الاحصائية، التي لا تتنازل عن ذكر الأسباب والنتائج والحيثيات و..و..وألخ، بل يركز تسفايج الحديث حول محور الحدث التاريخي، مع بعض التهكم أو السخرية، أو الرثاء والأسى، أو الإعجاب والثناء.

  • تبدأ أول الساعات عام 1513م، العام الذي اكتشف فيه الإنسان للمرة الأولى المحيط الهادي، بعد رحلة قامت أساسًا على طمع وجشع بشري لاقتناء الذهب والمجوهرات، لتنتهي بهذا الكشف الجغرافي التاريخي.
  • ثم الساعة الثانية يخصصها تسفايج للحديث عن فتح القسطنطينية عام 1453م، وإن كان في سرده ينحاز للمركزية الغربية، بحيث يتبنى الرؤى المسيحية في معالجتها لفتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح، وهو في نهاية مقالته/ساعته هذه، يجعل فتح القسطنطينية كأنه مصيبة حلّت على هذه المدينة، وأن الفتح لم يكن بمهارة المسلمين، وهو لا ينكره بصورة مباشرة، وإنما السبب الرئيس هو “الصدفة”، وقد صوّر المسلمين وكأنهم مجرمون قتلة، هذا بالإضافة لأخطاء تاريخية ودينية أخرى متعلقة بالإسلام.
  • ثم في الساعة الثالثة، يخصصها للموسيقي جورج فريدريش هيندِل، الذي تلقى عام 1741م، طردًا مرسلاً من قبل الشاعر يينين، تضمن قصيدة جديدة للأخير، كانت بمثابة وقود جديد وغير مسبوق للموسيقي الشهير كبير السن، والذي كان بأمس الحاجة لما يجدد قوته، ويبعث نشاطه، ليؤكد للناس أنه ما زال موجودًا، وما زال قادرًا على الابداع.
  • وفي المقالة/الساعة الرابعة، تناول فيها حادثة تأليف نشيد المارسليز في 1792م، وهو النشيد الذي شقَّ طريقه بصورة عجيبة ليصبح النشيد الوطني لفرنسا إلى يومنا هذا.
  • الساعة الخامسة، كانت ذات أثر كبير في توجيه مصير أوروبا والعالم إلى اليوم، هذه الساعة التي حسمت معركة واترلو عام 1815م لصالح الإنجليز، وانهارت على إثرها امبراطورية وطموحات نابليون بونابرت، وهذا الحادث، هو من الحوادث القليلة التي يوردها المؤلف، بحيث كان عنصر الإحجام والتردد هو العنصر الحاسم في الحدث التاريخي، لقد كان عجز الماريشال “غروشي” عن اتخاذ قرار حاسم، هو -بحسب رواية ستيفان تسفايج- القشة التي قصمت ظهر نابليون في جولته الأخيرة أمام الأوروبيين عمومًا، تلكؤ “غروشي” في الارتداد إلى قائده ومساندته، كان من جهة أخرى مؤازرة غير متعمدة للإنجليز عند لقائهم الجيش الفرنسي، والذي تكلل بانتصار الإنجليز.
  • أما الحدث السادس، فهو يمثل عودة للمجال الذي أحبه واهتم به ستيفان تسفايج، بالتحديد الأدب، وهنا ساعة أخرى من ساعات المجد الأدبي الشعري، التي تأتي نتيجة الشعور المفرط بالحزن والأسى، وانعدام الحيلة واقتراب الأجل المحتوم. “مرثية ماريينباد” التي أبدعها شاعر ألمانيا الكبير غوته، هي محور الساعة السادسة من ساعات تسفايج، وهذه الساعة تعود إلى أحد أيام سبتمبر عام 1823م، هذه المرثية التي يهديها غوته لنفسه قبل أن يهديها للعالم، قصيدة تدور حول قصة حبه لفتاة بعمر أحفاده لا تتجاوز سن التاسعة عشر، ماذا يفعل شيخ كبير سبعيني عشق فتاة في التاسعة عشر من عمرها؟! ماذا يجديه غير الشعر الذي يهديه للفتاة أولريكه فون ليفتسوف، ويصرح فيه عن مأساة الرجل الكبير الذي عشق ما لا يمكنه الوصول إليه أبدا:

ألا فغادريني، يا رفيقة الطريق الأمينة
ودعيني وحدي على الصخرة، في المستنقع وسط الطحلب!
ألا فليكن ذلك! فإن العالم قد انفتح لكِ،
والأرض على اتساعها، وفي مثل عُلُوِّ السماء واتساعها؛
فلتنظروا، ولتبحثوا ولتجمعوا تفاصيل الدقائق والتفاصيل، ولتَرْووا عن الطبيعة ما تفضي به من سرّها، متلعثمة
أما أنا فكل هذا يُخَيَّل إلي أنني فقدت نفسي ذاتها.

  • العالم الجديد مرة أخرى، وهنا نتوجه للحظات اكتشاف الغرب الأمريكي مع أحد المغامرين الأوروبيين، “يوهان أوغست سوتر” الذي أراد أن يبدأ حياة أخرى جديدة، نظيفة وقانونية في أمريكا، وهذا ما كانت تُنْبئ به الأيام الأولى، التي وصلت ذروتها عند وصوله للغرب الأمريكي الواعد بالثروات والكنوز، لكن في أحد أيام عام 1848م، يكتشف أحد عماله شيئًا ثمينًا سيقلب حياة “سوتر” رأسًا على عقب، حزنًا بعد فرح، خسارة بعد ربح.
  • وغير بعيد في التاريخ، وبالتحديد عام 1849م، وفي لحظة تاريخية ندر أن تتكرر، يهدي تسفايج المقالة الثامنة للأديب الروسي دويستوفيسكي، الرجل الذي أحبه كثيرًا، وقرأ أعماله بنهم شديد، وهذه اللحظة يقدمها تسفايج كقصيدة مهداة للأديب الروسي الذي كان من المفترض أن يتم إعدامه في ليلة من ليالي ذلك العام، ولكن عفوًا يصدر من القيصر بالاكتفاء بنفيه إلى سيبيريا، ينقذ دويستوفسكي في اللحظات الأخيرة، ويتمثل عبر القصيدة مشاعر الثقة بالنفس، والجسارة والإرادة لدى دويستوفسكي، كما يصور تسفايج، وهي قصيدة جميلة بمعانيها رغم ترجمتها للغة أخرى.
  • وفي المقالة التاسعة، ينتقل تسفايج إلى عالم التكنولوجيا، وأولى بوادر ما يسمى اليوم بـ”العولمة”، وخصوصًا قطاع الاتصالات، عبر تطور كبير تمثل في ربط العالم الجديد بأوروبا حينما بدأ مشروع مد خطوط التلغراف في المحيط الأطلسي.
  • وفي المقالة العاشرة، عودة أخرى للأدب، وروسيا مرة أخرى، حيث يكمل ستيفان تسفايج في هذه المقالة مسرحية لتولستوي، كانت بمثابة مرآة يعكس من خلالها الأيام الأخيرة لعمر الأديب الكبير، ونهايته التي سعى إليها، وكنت قد قرأتُ سابقًا في كتاب تسفايج “عالم الأمس” مدى حبه وشغفه بقراءة أعمال الأدباء الروس، وتأثره به، وفي طليعتهم ليو تولستوي.
  • المقالة الحادية عشر، تتناول قصة الصراع من أجل الوصول واستكشاف القطب الجنوبي، وفيها يتناول قصة الفريق الإنجليزي الذي حاول الوصول للقطب، لكنه كان قد سُبق من قبل الفريق النرويجي، وما تلا ذلك من مأساة أصابت جميع أفراد البعثة الإنجليزية.
  • وفي المقالة الثانية عشر، نبقى مع روسيا، ولكن هذه المرة مع ثورة البروليتاريا، والموضوع الرئيس هو عودة لينين بالقطار إلى روسيا بعد اندلاع الثورة فيها.
  • وأما المقالة قبل الأخيرة، فيوغل فيها تسفايج بالعودة إلى الماضي السحيق، إلى أيام الرومان، ودور شيشرون في محاولة إنقاذ الجمهورية، لكن محاولته باءت بالفشل، وأودت بحياته في نهاية المطاف.
  • وأما المقالة رقم 14 والأخيرة، فهي لا تختلف في فكرتها العامة عن فكرة المقالة السابقة، إلا أن أحداثها تقع جميعها بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وكما كان شيشرون يحاول إنقاذ النظام والحفاظ على مبادئ الجمهورية الرومانية، وقوة المواطنين فيها، فيوجد أيضًا في عصرنا من سعى لإنقاذ العالم من الصراعات وإخراجه من دائرة الحروب المتكررة، وحاول تأسيس نظام عالم جديد، تقرر فيه الشعوب مصيرها وحقوقها، أتحدث بالضبط عن الرئيس الأمريكي “ويلسون” الذي حاول عبر ورقة مبادئه الـ14 الشهيرة، أن ينهي الصراع البشري السياسي والحربي، لكنه ويا للمفارقة لم ينجح بذلك تمامًا كما حدث لشيشرون قبل أكثر من 1000 عام.

أكثر ثلاث ساعات أعجبتني هي:
دقيقة واترلو في تاريخ البشرية (المقالة السادسة).
لحظة بطولية (المقالة التاسعة، وهي قصيدة).
شيشرون (المقالة الثالثة عشر).

بطريقة أدبية جميلة أورد تسفايج هذه الأحداث التاريخية، واستخدم فيها ألوانًا من الكتابة: الشعر والمسرحية والمقالة، وقد تباينت في الطول والقصر، كما تباينت في المتعة والإثارة، ولا أنسى أنها في النهاية مجرد إضاءات على التاريخ، ولكن كما أشرت فيها مركزية غربية واضحة في التعاطي مع الأحداث والشخوص.

كانت الترجمة جيدة، عابها صياغة العبارة في بعض الأحيان، رغم جهد المترجم في وضع الهوامش التوضيحية حيثما لزم.

 

 

 

 

Read Full Post »

shaykh

صورة للشيخ ابن جبرين رحمه الله وهو يقرأ كتابًا في جولة برية

 

مضت علي عدة أعوام وأنا أقرأ الكتب المتنوعة، كان في كل عام ثمة عناوين مثيرة وجديدة، فكرية منها وتاريخية، روائية ونقدية، عربية ومترجمة، إلا أن عام 2014، ولله الحمد، كان يحمل في عناوينه القرائية إضافات عديدة على المستوى النوعي، وهذه التدوينة، هي لتسليط الضوء على بعض أبرز العناوين، أو الكتّاب الذين تعرفت عليهم العام الماضي عبر ما سطرته أقلامهم.

***

  • البداية كانت مع النمساوي ستيفان تسفايج، عبر سيرته الذاتية الرائعة “عالم الأمس”، والتي لم يستطع إنهاءها، بل قام الناشر بوضع النهاية لها، لسبب بسيط ومؤلم في الآن ذاته سيعرفه القارئ. لكن ما هي الإضافة التي قد يحملها كتاب سيرة ذاتية مضى على كتابتها أكثر من نصف قرن؟! باختصار، لم تكن سيرة ذاتية بقدر ما كانت كتابًا مزدوجًا، فهو عرض للتاريخ الأوروبي ممتدًا منذ نهايات القرن التاسع عشر، وحتى بداية أربعينات القرن العشرين، والعالم يصطلي بنيران حرب العنصرية والاستعمار والايديولوجيات المتنازعة، ومع ذلك، فذاتية الكاتب والفنان “ستيفان تسفايج” لم تكن لتغيب عن المشهد، أو جزء من المشهد، فهو لا يريد لسيرته أن تصبح كتابًا مدرسيًا جامدًا في التاريخ، وكذلك، لم يكن يريد لسيرته أن تغرق في الذاتية والتمحور حول شخصيته ومسيرته، لذلك سلكت هذه الصفحات طريقًا وعرة، وهو استكشاف التحولات الثقافية والاجتماعية، والاقتصادية والسياسية التي طرأت على أوروبا، عبر عين أدبية وثقافية، لا تنتمي -كما يدعي- لأية ايديولوجيا أو تيار سياسي. لقد كنت قريبًا جدًا من التاريخ الأوروبي عبر سيرة “تسفايج”، كما كنت قريبًا جدًا من معاناته التي استطاع أن يعبر عنها بلغة هادئة غير متشنجة. أنصحكم بقراءة هذه السيرة الذاتية ذات العنوان “النستولوجي” الجذاب… عالم الأمس.

**

  • بعيدًا في الاتجاه والتوجه، كان العام 2014م، هو العام الذي تعرفت فيه على كتب رحلات الشيخ محمد بن ناصر العبودي حفظه الله، ولئن كنتُ قد تعرفتُ عليه عبر حلقات برنامج يُبَثُ من إذاعة القرآن الكريم السعودية، وشاهدت له لقاءًا على قناة “دليل” منذ بضع سنوات خلت، إلا أنني لم أكن أعرف، أو لم أتنبّه إلى أنه قد طبع مذكراته عن رحلاته حول أصقاع العالم، مستكشفًا أحوال الأقليات المسلمة، وموصلاً الدعم لها من قبل رابطة العالم الإسلامي والمملكة العربية السعودية. فبتوفيق من الله، استطاع هذا الشيخ أن يجوب أنحاء العالم، في كل قاراته، في وفود صغيرة الحجم، لكنها عظيمة النشاط، وقد صوّر رحلاته أجمل تصوير، بلغة جميلة موجزة وغير متكلفة، وغنية بالمعلومات التاريخية والسياسية والثقافية عن البلدان التي زارها، والمسلمين الذين تعامل معهم، والمعلومات التي تخص المسلمين مهمة جدًا ويمكن اعتبارها قاعدة معلومات وبيانات للباحثين في شؤون المسلمين. بدأت قراءة كتابه “ذكريات من يوغسلافيا” وفيه يتحدث عن رحلته في منتصف عقد الثمانينات إلى يوغسلافيا، وزيارته لمناطق المسلمين في البوسنة وكرواتيا، حيث كانتا تتبعان يوغسلافيا آنذاك، ثم توالت قراءة كتب رحلات العبودي، في الشرق والغرب، في الجنوب والشمال، وكم كنت أشعر بمشاعر مختلطة من الفرح لهمّة هؤلاء المسلمين رغم ظروفهم الصعبة، وبالحزن لما وصل إليه حالهم… وحالنا نحن، ويمكن تعرف مثل هذه المشاعر المضطربة عند قراءة كتاب رحلته إلى بولندا “مع المسلمين البولنديين”، حينما ارتخت قبضة الشيوعيين عليها، وظهرت بوادر من الحرية التي يمكن لأتباع الأديان أن يستغلوها ببعض النشاط، وقد كان المسلمون من أول المبادرين بذلك. الشيخ العبودي لم يكن يقتصر في رحلاته على الجدول والبرنامج الموضوع مسبقًا، وإنما كان يخرج لاستكشاف المدن التي يزورها وحيدًا أحيانًا وبرفقة محدودة أحيانًا أخرى، ثم يورد بطريقته الجذابة والمختصرة مجمل ما رآه وسمعه هناك، كم كنت أغبطه على سفراته، ولقاءاته بالمسلمين واستطلاعه أخبارهم، ومعاونتهم ومدهم بما يحتاجونه من مساعدات. والحمدلله، جميع كتب رحلات الشيخ العبودي موجودة على الانترنت، ويستطيع أي شخص تنزيلها وقراءتها، وخصوصًا أولئك الذين يرومون استكشاف أحوال المسلمين اليوم ومقارنتها بما كانت عليه قبل 40 أو 30 أو 20 عامًا وذلك في مختلف أرجاء العالم.

**

  • وقريبًا من الشيخ العبودي في رحلاته وجولاته، كان هذا العام هو العام الذي اقتربت فيه كثيرًا من كتب الرحلات، وقد رأيت في أحد الأيام كتابًا مطبوعًا طباعة بسيطة عنوانه “رحلة ابن جبير”، وهو من سلسلة القراءة لجميع التي تصدر عن جريدة “القبس” وكان ذلك من بضعة أعوام، ولم يمضِ وقت طويل، حتى وجدت الكتاب في أحد أقسام الكتب المستعملة، فابتعته بثمن زهيد، وكان يستحق ما بُذلَ لأجله من انتظار ومال ووقت، فرحلة ابن جبير من أمتع الرحلات التراثية، فابن جبير رحمه الله، أرّخ لرحلته من الأندلس إلى مكة المكرمة للحج، ثم إيابه إلى موطنه بدقة وموضوعية سابقة لزمنها، فكتب الرحلات القديمة، كانت تعج بذكر الأعاجيب والأساطير وغيرها من الثرثرة لخلق الإثارة وجذب القرّاء، أما ابن جبير، فقد جعل كتاب رحلة حجه وثيقة تاريخية موضوعية، يعكس عبرها تاريخ المدن والموانئ التي مرَّ بها ونزل عليها، وهذا قيمة إضافية لم أجدها في كتب الرحلات التراثية الأخرى القليلة التي قرأتها خلال عام 2014، ولا أعلم إن كنت سأجد ما يغير هذا الرأي خلال قراءات عام 2015م.

**

  • وفي هذا العام، تعرفت على كتابات الباحث الشرعي ابراهيم السكران، ورغم معرفتي به عبر تويتر سابقًا، إلا أنني تعرفت عليه أكثر عبر كتبه ومؤلفاته، فقرأت له كتابه الأول مصورًا بصيغة بي. دي. إف، وعنوانه “مآلات الخطاب المدني”، وقد جذبني العنوان لأن موضوع المآلات موضوع يشغل بالي دائمًا، وأتحدث هنا عن مآلات الأفكار والايديولوجيات، مبدأها ودعواتها وتطبيقاتها ثم مآلاتها، ليس مجرد عمل تاريخي سردي، بل قراءة نقدية واستكشاف للمضامين، وهذا بالفعل ما وجدت قدرًا منه في كتاب السكران المشار إليه، ثم قرأت له كتابًا هو أضخم عمل نقدي إسلامي كما أراه يتناول الاستشراق والحداثيين العرب، وكان عنوانه “التأوبل الحداثي للتراث” وقد تحدثت عنه في تدوينة سابقة، وفي الاتجاه نفس، ولكن بمستوى متواضع، قرأت كتابًا ثالثًا عنوانه “سلطة الثقافة الغالبة” وهو عبارة عن مقالات قديمة في نقد الثقافة الغربية ودعاتها في الاوساط المحلية العربية، لكن إخراجه كان بسيطًا جدًا ولا يقترب من عمدة مؤلفات السكران “التأول الحداثي للتراث”، ثم قرأت كتابًا رابعًا، وهو في اتجاه آخر، يُسطر فيه السكران تأملاته بالقرآن وبالحياة تحت عنوان “رقائق القرآن”، وذلك عبر مقالات قصيرة رشيقة، لا يتخلى فيها السكران عن سمات كتاباته، ومنها استخدام لغة وعظية قريبة من النفس وغير مسرفة، وإيراد مواقف شخصية أو منقولة من تجارب الآخرين، وعدم الإغراق بالتفاصيل، وقد عرفت مؤخرًا أن له كتابًا خامسًا بعنوان “مسلكيات”  في الاتجاه ذاته، فلعلي أقرأه قريبًا بإذن الباري عزَّ وجل.

**

  • وأخيرًا، كان عام 2014 هو العام الذي دشنت فيه مشروعًا قرائيًا وبحثيًا طالما أجلته، وهو قراءة جميع ما أمكنني الوصول إليه من كتب وأبحاث تتناول تاريخ الكويت، وقد بدأت بداية جيدة في فبراير الماضي، ولكنني توقفت للأسف لظروف عملية، مما عرقل استمرارية المشروع، ودعاني لإعادة التخطيط له، وما زال الأمر كأنه مشروع حكومي مؤجل، بلا بارقة أمل في تنفيذه، ومن الكتب التي قرأتها في فترة وجيزة، كتاب “أبحاث في تاريخ الكويت” للدكتور عبدالمالك خلف التميمي، وكتاب “التطور السياسي والاقتصادي للكويت بين الحربين 1914-1939” للدكتورة نجاة الجاسم، وكتاب “تاريخ الكويت الحديث” للدكتور أحمد مصطفى أبو حاكمة،  وكتاب “مختصر تاريخ الكويت – وعلاقتها بالحكومة البريطانية والدول العربية” لـ/راشد عبدالله الفرحان، وقد قرأت جميع الكتب السابقة مصورة بصيغة بي. دي. إف، بالإضافة لكتاب “نصف عام نيابي-مذكرات خالد العدساني” التي قرأتها أيضًا مُصورة بي. دي. إف قبل نحو ثمانية أعوام، وقرأت كذلك الجزء الأول من مذكرات الدكتور أحمد الخطيب، وقبل ذلك بعام، أي في بداية 2006م، كنت قد قرأت كتاب “تاريخ الكويت السياسي” لخلف الشيخ خزعل، ثم توقف مشروع القراءة في/عن تاريخ الكويت إلى أجل غير مسمى.

والحمد لله على ما قضى وقدّر.

 

Read Full Post »

Kuwbookfباختصار، وبلا أي تعليقات في أي اتجاه، كان حصادي لهذا العام من معرض الكويت للكتاب، أكثر تنوعًا من حصاد العام الماضي، وقد اشتمل على عدة مؤلفات وكتب مترجمة، وللمرة الأولى، تدخل الموسوعات مكتبتي الصغيرة.

وهذا هو الحصاد باختصار:

  •  رسالة في التسامح. جون لوك. ترجمة وتعليق وتقديم د/عبدالرحمن بدوي. دار الغرب الإسلامي/ ط1988/1. 130 صفحة. ترجمة مباشرة عن اللاتينية.
  • النفي والعنف في الغرب الإسلامي. حميد الحداد. أفريقيا الشرق/ط2013/1. 263 صفحة.
  • الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرنين 16-17م. د/محمد رزوق. أفريقيا الشرق/ط2014/4. 433 صفحة.
  • مغامرة الفكر الأوروبي-قصة الأفكار الغربية. جاكلين روس. ترجمة أمل ديبو. كلمة-أبو ظبي/2011. 445 صفحة.
  • الأدب الأندلسي في الدراسات الاستشراقية البريطانية. رشا عبدالله الخطيب. دار الكتب الوطنية-أبوظبي. ط2013/1.
  • الموسوعة الفلسفية المختصرة. جوناثان ري و ج. أور. أرمسون. ترجمة/ فؤاد كامل-جلال العشري- عبدالرشيد صادق. مراجعة وإشراف زكي نجيب محمود. المركز القومي للترجمة. 485 صفحة.
  • بقايا اليوم. رواية لـ/ كازو إيشيجورو. ترجمة طلعت الشايب. المركز القومي للترجمة/ط2009/2. 357 صفحة.
  • قصة مدينة الحجر. رواية لـ/ اسماعيل كاداريه. ترجمة د.عفيف دمشقية. دار الآداب/ط1989/1. 298 صفحة.
  • ساعات القدر في تاريخ البشرية. ستيفان تسفايج. ترجمة محمد جديد. المدى/ط2005/1. 367 صفحة.
  • يحيى حقي.. ذكريات مطوية كما رواها لإبنته نهى. نهى يحيى حقي وتلميذه ابراهيم عبدالعزيز. دار سعاد الصباح/ط1993/1. 224 صفحة مع ملحق صور.
  • البوسنة والهرسك. د.جمال الدين سيد محمد. دار سعاد الصباح/ط1992/1. 291 صفحة.
  • المسألة الثقافية في لبنان-الخطاب السياسي والتاريخي. د.وجيه كوثراني. منشورات بحسون/ط1984/1. 200 صفحة.
  • الاتجاهات الاجتماعية والسياسية في جبل لبنان والمشرق العربي- من المتصرفية العثمانية إلى دولة لبنان الكبرى. د.وجيه كوثراني. منشورات بحسون/طبعة عام 1986. 424 صفحة.
  • تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين. جزآن اثنان. يوسف أشباخ. ترجمة وتعليق د.محمد عبدالله عنان. تقديم. سليمان العطار. المركز القومي للترجمة.

 

Read Full Post »

worldofyesterday عالم الأمس

ستيفان تسفايج

ترجمة: عارف حديفة

عدد الصفحات: 343 صفحة

الدار: دار المدى. الطبعة الأولى 2007م.

كُتِبَ على الغلاف أن هذا الكتاب ينتمي لمجال “المذكرات”، مذكرات كتبها الأديب النمساوي ستيفان تسفايج في آخر سني عمره، واصفًا في صفحاتها، مراحل عمره، وأحداث عاشها، وقاسى أهوالها، بكى مرير ذُلِّها، وشرب نخبَ مجدها، لكن في الحقيقة، كان هذا الكتاب كتابُ “تأريخٍ” لأوروبا، تأريخ يتجاوز الأبعاد السياسية والاقتصادية والحربية، ليركز على أبعادٍ أخرى إنسانية واجتماعية وثقافية.

ولد ستيفان في عام 1881م، في “فيينا” عاصمة الامبراطورية النمساوية-الهنغارية، لوالدَين يهوديين، يعيشان في بحبوحة من العيش، وكان ذاك الزمان، زمانٌ يشهد على قوة الامبراطورية، وامتدادها الجغرافي الشاسع، كما يشهد على تقدم الفنون والآداب والعلوم الإنسانية، لقد كان عصرًا رائعًا ولد ستيفان وترعرع في كنفه، وعندما يستعيده -بحنين وشوق- في مذكراته، فإنه لا يجد أفضل من “عالم الأمن” اسمًا له ووصفًا ينطبق عليه. كان “عالم الأمن” يفيض فيه الأمان والسلام بين الجميع، الجميع على إطلاق هذه الكلمة، وكان ذلك العصر يتمتع بوفرة ثقافية وفنية، وتبوأ العقلُ فيه مكانة عليا، لذلك كان الناس يُمنون أنفسَهم في القرن المقبل -أي القرن العشرين- بمزيد من الرخاء، ومزيد من “العقلانية”، كان التفاؤل يملأ الأجواء، وكانت الثقة بالعقل والعلوم المشترك الأساسي بين الأوروبيين جميعًا مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

لكن ما أن حلَّ القرنُ العشرون، حتى أصيبَ الإنسان الأوروبي بأعظم خيبات الأمل، لقد أخفقت “العقلانية” وسقطت “الإنسانية” في أول اختبار، وكان بالفعل اختبارًا قاسيًا، قامت الحرب العالمية الأولى، وتشوهت البشرية بما صاحب الحرب من مجازر وأعمال قتل وتدمير، بعيدًا كل البعد عن العقل، وبعيدًا كل البعد عن الإنسانية!

وفي 29 يونيو 1914م، وفي “سراييفو” أطلِقت الرصاصة التي حطمت في ثانية واحدة عالم الأمان والعقل الخلّاق الذي تعلمنا فيه وترعرعنا، حطمته مثل وعاء أجوف من فخّار.

ولئن كانت الأيام والسنون التي أعقبت الحرب العالمية الأولى صعبة وقاسية، فإنها كانت أيضًا بمثابة اختبار آخر للأوروبيين خصوصًا، سقطت بعض الامبرطوريات، وبقيت أخرى، وقامت الدول القومية الصغرى في أوروبا، وظهرت الفلسفات والأفكار، بل والسلوكيات التي تشوهت بفعل الحرب، وما أن تعافت النفوس قليلاً، حتى اصطليت أوروبا بظهور الفاشيات والتطرف، التي ستدفع العالم بأجمعه نحو حرب عالمية ثانية.

هذا ملخص للعالم الذي عاشه ستيفان تسفايج، منذ آخر عِقْدَين في القرن التاسع عشر، وحتى بداية أربعينات القرن العشرين، وهو لم يكن رجل سياسة، ولم ينتمِ لحزب من الأحزاب السياسية، ولم يتقلد منصبًا حكوميًا، لكنه مع ذلك لم يكن على هامش الوجود، بل لقد عاصر الأحداث عن قرب، رغمًا عنه، فقد كان أديبًا وشاعرًا ومترجمًا، أتقن عدة لغات أوروبية، وكان يجمع المخطوطات والرسومات، وقد تحصل على ذخيرة ثمينة منها، كما أنه -بفضل انتمائه للوسط الأدبي والثقافي- ألتقى وصادق عددًا من أعلام أوروبا الأدبية في مطلع القرن العشرين، منهم الشاعر ريلكه، وفرويد، ومكسيم غوركي، وبرنارد شو وغيرهم.

كان يتنقل بين حواضر أوروبا، من فيينا إلى باريس، مرورًا ببرلين، ووصولاً إلى لندن، ولم تغب موسكو أو نيويورك عن عصا تجواله، بل وصل في بدايات عمره إلى الهند، شرقًا، وإلى الولايات الأمريكية الغربية غربًا، وتجواله هذا أتاح له من الخبرات والتجارب الشيءَ العظيم، الذي انعكس عبر أعماله الأدبية والنقدية، فأصاب النجاحُ أغلبَ ما أنتج، وحظيت بالقبول معظم أعماله من قبل الجمهور والنقاد، سواء باللغة الألمانية، أو بغيرها من اللغات.

لكنه كان يشعر بخيبة أمل كبيرة جرَّاء ما أصاب أوروبا، لقد أقبل على القرن العشرين بروح ملأها التفاؤل، والثقة العمياء بـ”العقل البشري”، لكنه لم يلبث طويلاً حتى تبين له قصر نظره ونظر العديد من الأوروبيين في تلك الأيام، وهذا ما كان واضحًا على طول صفحات الكتاب، حتى النهاية المفجعة، والتي سيرويها لنا الناشر، وليس ستيفان تسفايج.

شهادة تسفايج على التاريخ الأوروبي، شهادة ذاتية موضوعية مُحَقَّبَة…

  • ذاتية، لأنه سردها من تجاربه وحياته، انعكست فيها طموحاته وآماله، نجاحاته وخيبات أمله، كان الحديث عن النفس متواصلاً ومترابطًا عبر صفحات الكتاب، وابتعد عن لغة الكتب العلمية، والوثائق التاريخية، والشعارات الحزبية، التي تذوب فيها ذاتية الكاتب، ويصبح ما يكتبه مجرد انعكاس لحصيلة ما فعله الآخرون.
  • وهي شهادة موضوعية، فهو لم يتبنَّ رأيًا سياسيًا أو حزبيًا يميل لطرف على طرف، ولم يتجنَ على أحد رغم ما وجهه من انتقاد للنازية والفاشية والحركات السياسية المتطرفة.
  • وهي شهادة مُحَقَّبَة، إذ بدأ فيها من أواخر القرن التاسع عشر، وحتى عام 1941م، لكنه لم يتخذ وضعية المؤرخ أو الأستاذ في المدرسة، بل مارس ما أتقنه خلال سني عمره، وهو الرواية، لقد استمر تسفايج “راويًا” حتى في مذكراته، فسرد من الذاكرة – تلك التي اختزنت التجارب والأحداث والآلام والأفراح وخيبات الأمل- تاريخَ حياته، والذي يعكس تاريخ أوروبا اجتماعيًا وثقافيًا، ولم يكن بعيدًا عن المجالَين الاقتصادي والسياسي.

اليوم 22 من فبراير، وهو اليوم الذي يصادف آخر يومٍ في حياة ستيفان عام 1942، كان يومًا مريرًا للرجل الذي انتهى به الوضعُ لاجئًا هاربًا في البرازيل!

ملاحظات:

  • يتحدث ستيفان تسفايج عن مظاهر الثقافة والأدب والعادات والتقاليد في أوروبا نهاية القرن التاسع عشر، ويقارنها مع ما حدث بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وذلك التحول الصارخ فيها.
  • هناك فرق ولا شك بين الحربَيْن العالميتين الأولى والثانية، وفي اكثر من مرة، يتناول ستيفان هذه الفروق، ولكن ليس ببعديها السياسي والاقتصادي، بل ثقافيًا وفلسفيًا واجتماعيًا، مما لا يمكن إيجاده في كتب التاريخ السياسي.
  • الذاتية كانت موجودة بصورة أكثر قربًا حينما تناول سِمات مؤلفاته الأدبية ومميزاتها، وقد ذكرها دونما تحرج، وخصوصًا عندما انتقد تجاربه الأدبية الأولى التي افتقدت صدق التجربة.
  • كان الموضوع الذي يشغل ستيفان كثيرًا هو “الوحدة الاوربية”، ورغم ما حدث ظل مؤمنًا بها.
  • التفاؤل بالعلوم والعقل والقرن الجديد، ثم خيبة الأمل التي أصيب بها الأوروبي نجدها في مكان آخر، بالتحديد رواية “كل شيء هادىء على الجبهة الغربية” للروائي اللألماني إريك ماريا ريمارك، كان شعورًا موحدًا من غير اتفاق.
  • كان نادر الكلام عن حياته الزوجية، وبالمناسبة فقد تزوج مرتين، ولكنه حياته الخاصة هذه لم يذكرها كثيرًا، والقارىء سيتكشف بعضًا من أسباب ذلك في سياق القراءة.
  • سطور مؤلمة للغاية سطرها في حديثه عن ظروف وفاة والدته، وكان حينها بعيدًا لاجئًا في لندن.
  • عالم الأمس…. العنوان يشي بحنين إلى ذلك العالم، العالم الذي استشعر فيه ستيفان الأمن والطمأنينة، فهل استطاع أن يستعيده؟!

Read Full Post »