Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘ذكريات’

haqeeيحيى حقي.. ذكريات مطوية

 

إعداد: نهى يحيى حقي وابراهيم عبدالعزيز

عدد الصفحات: 224 صفحة + ملحق صور.

دار النشر: دار سعاد الصباح/ الطبعة الاولى/ 1993م.

 

هذه الذكريات الخاصة بتجربة العمل الدبلوماسي للأديب يحيى حقي، يرويها على لسانه كل من ابنته الوحيدة “نهى”، وتلميذه “ابراهيم عبدالعزيز”، وبذلك يكون هذا الكتاب، هو الجزء المُكمل لكتاب “خليها على الله”، الذي اشتمل على ذكرياته عن عمله الإداري في صعيد مصر في عشرينات القرن العشرين.
***
جاءت الذكريات على طريقة حوار، وإجابات لأسئلة توجه بها مُعدّا الكتاب للأستاذ يحيى حقي، ومن ثم -على ما يبدو- تم تنسيق الكتاب في الحدود الدنيا، لدرجة أن الكتاب لم يشتمل على هامشٍ واحدٍ في حال احتيج إليه، وهذا من القصور في هذه الذكريات، فعلى سبيل المثال؛ حين كان يتحدث حقي عن تجربته الدبلوماسية في جدة، تطرق بالحديث عن الملك عبدالعزيز، ولكنه كان يُسميه “الملك سعود”، وفي موضع آخر، بعد صفحات قليلة، كان يتحدث عن الملك نفسه ولكن باستخدام اسمه الصحيح هذه المرة، ولا أعلم إن كان هذا الخلط من يحيى حقي نفسه، أم من المعدين، ولكنه على الأقل احتاج ولو لهامش توضيحي واحد.
كما أن هناك اختلاف وعدم توافق تاريخي في أول الكتاب، لا أعلم كيف لم يتنبهّ له مُعدا الكتاب، ويتعلق بالخصوص في تاريخ انضمام يحيى حقي للعمل في وزارة الخارجية، فتارة يقول أنه التحق بها عام 1921م، ثم أتنبه إلى أنه قد ذكر سابقًا أن وزارة الخارجية أنشئت بعد تصريح فبراير 1922م، ثم في صفحة أخرى يذكر أنه التحق بالوزارة أوائل عام 1923م، وبعدها مباشرة يذكر أن أول عمل دبلوماسي له كان في مدينة جدة، كأمين محفوظات القنصلية، وذلك بعد شهرين من التعيين والتمرين، وعند إكمال القراءة نجد أنه يقول أن فترة عمله في السعودية كانت لعامين فقط انتهت في عام 1930م، فهل يعقل أن يكون عام انضمامه لوزارة الخارجية أحد عامَين هما 1923 أو 1921م؟!
***
عمومًا، إخراج الكتاب بهذه الطريقة المتواضعة، حيث تعددت الأخطاء المطبعية، وتكرر وضعُ علامات التنصيص والأقواس في غير محلها الملائم، ودخول بعض العبارات والمفردات العامية وسط الحديث باللغة العربية، دون تنسيق، كل هذه الأمور لم تذهب بالفائدة التاريخية والتوثيقية التي سجلها يحيى حقي عبر تجربة العمل في السلك الدبلوماسي المصري.
***
أولى المحطات الدبلوماسية ليحيى حقي كانت في القنصلية المصرية في مدينة جدة، واستمرت لعامين كما ذكرتُ سابقًا، وقد احتفظ بذكريات عديدة عن هذه المدينة، وخصوصًا ما يتعلق بقناصل الدول الأوروبية وغيرها، وطبيعة الحياة البدائية والفقيرة. ولأنه في جدة، فقد كان تأمين وتنظيم وصول الحجاج المصريين إلى مكة لأداء شعائر الحج من مسئوليات القنصلية في جدة، وكان هذا الأمر بمثابة تحدي للعاملين في القنصلية، وفرصة لتأدية فريضة الحج، وهو ما يطلعنا عليه حقي في تجربته الأولى هذه، كما شهد حقي فترة جمود العلاقات الدبلوماسية بين السعودية ومصر على خلفية “قضية محمل الحج المصري”، وبعد عودته لأول مرة إلى مصر عام 1930م، صدر قرار بنقله إلى القنصلية الملكية المصرية في اسطنبول.
حافَظَ يحيى حقي على نفس المركز الوظيفي في اسطنبول، حيث عمل هناك كأمين محفوظات القنصلية، ووصل إلى اسطنبول عن طريق البحر في أوائل سنة 1931م، وبقي فيها إلى سنة 1934م، وكما يقول حقي، فقد شهد بنفسه عملية تَحوّل تركيا إلى النظام العلماني، تحت حكم القوة والقهر من مصطفى كمال أتاتورك، وتبدّى هذا التغيير في عدة مجالات، ومن أبرزها استخدام الحروف اللاتينية بدلاً عن العربية في كتابة اللغة التركية، وتطبيق القانون السويسري بدلاً عن الشريعة الإسلامية، ومنع ارتداء الطربوش، وغيرها، وللأستاذ حقي عدة مواقف خرج بها بانطباعات أن كل ما حدث كان رغمًا عن إرادة الشعب التركي المتدين بأكثريته، كما أن لديه رأيٌ في مصطفى كمال، وهو أنه يكن “كراهية للدين الإسلامي”، وفي موضع آخر يصفه بأنه “من أكبر المدمنين لشرب الخمر”.
وفي أثناء وجوده هناك، شهد حقي “حادثة الطربوش” الشهيرة بين مصطفى كمال ووزير مصر المفوض في تركيا آنذاك عبدالملك حمزة، وقد تولى حقي مهمة إيصال رسالة من السفارة المصرية إلى وزارة خارجيتها، تتضمن تفاصيل ما حدث، ولأجل أن تكون الرسالة بمأمن من إطلاع الأتراك عليها، سافر حقي إلى اليونان خصيصًا ليودعها في البريد الذاهب إلى مصر، وذلك قبل ظهور ما يُسمى بـ”الحقيبة الدبلوماسية”، كما يقول الأستاذ حقي.
ثالث المحطات كانت روما، حيث صدر قرار بنقل حقي للعمل في المفوضية المصرية هناك، واستمر إلى عام 1939م، وقد شهد نذر الحرب العالمية الثانية، وتصاعد القوى الداعمة للحرب، وفي مقدمتها صعود نجم الزعيم الطلياني “موسوليني”، وفي تلك المرحلة العملية، ارتقى حقي في منصبه إلى “مأمور القنصلية” أولاً، ثم إلى “نائب قنصل”.
ثم تم تعيين يحيى حقي سكرتيرًا ثالثًا في إدارة اقتصادية تتبع وزارة الخارجية، ومكث بها زهاء عشر سنوات، إلى عام 1949م، وخلال هذه الفترة، تزوج حقي ورزق بوحيدته “نهى” التي فقدت أمها بعد فترة قصيرة من ولادتها، وخلال تلك الحقبة، عاد حقي للمرة الأولى ليستقر مؤقتًا في مصر بعد عقد كامل تقلب فيه بين عدة دول وثقافات وتجارب.
عين حقي في عام ١٩٤٩م، سكرتيرًا أولاً لسفارة مصر في باريس،  وبقي هناك مدة عامين، كان من أهم ما قام به هناك، هو تعرفه على زوجته الثانية الفرنسية “جان”، وبالإضافة لماسبق أن قرره، يتحدث حقي عن ضعف التمثيل الدبلوماسي العربي عمومًا، حيث لا يتعدى دور السفارة عن القيام بواجب تنسيق رحلات وصول ومغادرة الملك وحاشيته، ووضع ختم السفارة على الحقائب وغيرها من الأمور الهامشية التي لا تسند سياسة بلد، ولا تحفظ حقوقه، ولا تبين مواقفه الاقتصادية والسياسية.
وفي سنة ١٩٥١م، صدر قرار بنقل حقي للعمل مستشارًا في المفوضية الملكية في أنقرة، وهناك، شهد عودة الإسلام للواجهة عبر الرئيس عدنان مندريس، الذي تنازل عن راتبه “ليخدم أمته مجانًا” على حد تعبير حقي، وقد شهد حقي مقدار محبة واحترام الأتراك لجهود وأعمال مندريس على مختلف الصعد، رغم التضييق الذي مارسه الجيش، والذي وصل ذروته عند محاكمة مندريس، والإقدام على إعدامه، ويؤكد حقي نقلاً عن مصادر متعددة، أن عدنان مندريس طلب السجادة وصلّى أمام المشنقة قبل أن يصعد، وقال لإبنه “إياك والسياسة”، ويرصد حقي أهم حدث مصري أثناء وجوده في تركيا حينذاك، حيث يذكر قيام الثورة في يوليو ١٩٥٢م، وتولي الضباط زمام الأمور.
ثم نُقل يحيى حقي للعمل في ليبيا كوزير مفوض بعد ترقيته من مستشار، وهذه من المفارقات التي يتوقف عندها حقي، حيث يقول أنه بدأ عمله الدبلوماسي في بلد فقير جدًا، ثم تحول لأغنى بلدان العالم، وأنهى عمله الدبلوماسي أيضًا في أحد أكثر بلدان العالم فقرًا، ثم تحول بعد اكتشاف النفط إلى صفوة البلدان الغنية، وهو يقصد هنا “السعودية” و”ليبيا”. ومن أهم ذكرياته عن ليبيا، هو تواضع النظام الإداري، وبدائية البنية التحتية في ليبيا حينها، وقد قابل قبل سفره إلى ليبيا محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة، ثم قابل جمال عبدالناصر، ويقول الأستاذ يحيى، بعد هذين اللقاءَين، أنه اسشتعر أن عبدالناصر هو “رأس الثورة المدبر وروحها”، ثم توجه برًا إلى ليبيا.
ولم يكمل الأديب يحيى حقي مسيرته في السلك الدبلوماسي، حيث أنه قرر الزواج من السيدة “جان” الفرنسية، لذلك طلب من وزارة الخارجية نقله إلى إدارة أخرى، منعًا للاحراج، وتعارض النظم والأعراف الدبلوماسية، التي تقضي بعدم زواج العاملين في السفارات من الأجنبيات، وقد انتهت بذلك مسيرته الدبلوماسية الخارجية عام 1954م، بعد نحو عام من زواجه الثاني.
***
وبالإضافة لما يسجله حقي من ذكريات عن الأجواء السياسية، يسرد لنا جانبًا آخر شغف به، وهو حضور الحفلات الموسيقية والمسرحيات، وقراءة الأعمال الأدبية بلغاتها الأم قدر ما أمكنه ذلك، وذلك بعد تعلم لغاتها، كما فعل ذلك في فرنسا وإيطاليا، وتركيا، ورغم أن أصول عائلته تعود إلى تركيا، إلا أنه لم يكن يتحدثها ولا يعلم عنها شيئًا قبل وصوله لاسطنبول في المرة الأولى.
***
  • ومن أهم الانطباعات التي ركّز حقي في حديثه عليها، العلاقات بين المصريين في الخارج، وما تشوبها من حقد وكراهية وسوء معاشرة، قال ذلك في مكة وفي غيرها، عندما لاحظ النفور بين المصريين، وانتشار الدسائس  فيما بينهم في غربتهم عن بلدهم، في وقت يحتاجون في إلى التعاضد والتعاون، وهذا للأسف أنا شخصيًا شهدتُ بعضًا منه بين بعض الزملاء المصريين في الأماكن المختلفة التي عملتُ بها، ولا يمكن تعميم هذا الأمر، لكنه موجود وملاحظ بين الأخوة المصريين، أقول ذلك وأنا أتعامل مع جاليات أخرى آسيوية هندية وفلبيبنة وعربية أخرى، لكنني لم أشهد بينهم ما شهدته بين الأخوة المصريين للأسف.
  • ومن الانطباعات الدبلوماسية التي ذكرتها آنفًا، تواضع المستوى التمثيلي للسفارات العربية في الخارج، وعدم وضوح الرسالة التي يحملها أفراد السفارة، فالعاملون في السفارة لا يؤدون سوى أعمال إدارية روتينية كما هو الحال في إحدى إدارات الدولة المحلية، دون بذل جهود في الدفاع عن مصالح الدولة والتعبير عن رؤاها في القضايا المختلفة، ودون بذل جهود في الاطلاع والتنقيب عن مواقف الدول الأجنبية وسياساتها الداخلية والخارجية ذات الصلة بالبلدان العربية، وهذا الأمر وجده وتحقق منه الأستاذ يحيى عبر ما شاهده وعاينه من تصرفات وسلوكيات العاملين في السلك الدبلوماسي المصري، حيث يقضي الموظف جلَّ وقته في أعمال إدارية بلا طائل، ثم يقضي ما تبقى من وقت فراغه في اللعب والانشغال بالتافه من الأمور، بخلاف الموظفين الأوروبيين في قنصليات بلدانهم، فتجدهم لا يملون من دراسة الدول والمجتمعات المبتعثين للعمل فيها، خدمة لبلدانهم، وانشغالاً بالنافع لهم، ونقل حقي ما شاهده في مدينة جدة، حيث تكلم عن قنصل هولندا “فان ديربيرن” الذي “كان يعمل ويتعمق في دراسة طبيعة الجزيرة العربية، وقرر أن يرسم بعض الخرائط العلمية، نتيجة لبعض الرحلات التي يقوم بها في الداخل”، والأمر نفسه تقريبًا لاحظه حقي لدى الدبلوماسي والسياسي الإنجليزي الشهير “سان جون فيلبي” الذي عمل لاحقًا مستشارًا لدى ابن سعود، فقد كان يمضي الليالي في كتابة التقارير، وكان “يربي في حديقة بيته نماذج عديدة من حيوانات ونباتات الصحراء”.
  • ومن الفوائد التي قد لا تجدها في كتب التاريخ والسياسة، الانطباعات عن الشعوب المختلفة التي عاش في وسطها يحيى حقي، فنقل تجربته بعيدًا عن المجاملات الدبلوماسية، وعن التحيزات السياسية، وعلى هذا الأساس، وصف مظاهر الحياة البدائية في جدة وليبيا، ووصف مظاهر تدين الشعب التركي وتمسكه بالإسلام، رغم ما عاناه من تغريب قسري على يد مصطفى كمال. ورغم أن حقي لم يتكلف الكلام طويلاً في هذا المجال، إلا أن ما كتبه، يعتبر مصدرًا ذا فائدة في رؤية الشعوب أو شريحة منها، في حقبة من الحقب التاريخية، لأنها بُنيت على تجربة شخصية، غير محكومة بأحكام مسبقة، ولا مشوبة بمنافع ومصالح آنية.
  • ومن الانطباعات التي خرج بها ذات أهمية بالنسبة إلي، وهو وضع الفنون الشعبية في الدول الاشتراكية، حيث يرى حقي أن “الفنون الشعبية تزدحم في النظم الاشتراكية لأن فيها ممالأة للشعب، وتقربًا إليه”، وهو يقرر أن الفن إنما هو إنتاج فردي، أما الإنتاج الجماعي فرغم جمالياته، إلا أنه لا يرقى إلى “إنتاج العبقرية الفردية”، وأذكر أنني قرأت في كتاب “الإسلام بين الشرق والغرب” قراءة مماثلة عن دور الفن في النظم الاشتراكية، قررها الرئيس علي عزت بيجوفيتش، وإن كان بيجوفيتش تناولها بشكل أكثر دقة، حيث يُفرق بين “الثقافة الشعبية” و“الثقافة الجماهيرية”، فالأولى وما تشتمل عليه من غناء ورقص وفلكلور، تنطوي على معانٍ اجتماعية وإنسانية إيجابية، أفراد المجتمع (في القرية أو المدينة) فيها ينتجون ويستهلكون بذات الوقت، على خلاف “الثقافة الجماهيرية” حيث تُختزل الآراء، وتنعدم المشاركة، ويحدث الانفصال، فهناك جمهور المنتجين، وهناك أيضًا جمهور المستهلكين، وهذا ما تروج له الأنظمة الاشتراكية خصوصًا، والأنظمة السياسية عمومًا، تملقًا للجماهير، وترويجًا لايديولجتها، لكن بيجوفيتش وحقي يتفقان أن الفن الحقيقي إنما هو إبداع فردي.
Advertisements

Read Full Post »

“نحن العرب المقيمين في زنجبار وشرق أفريقيا، لم نحتط للغد على الإطلاق، فلم يكن أحدنا يتخيل أننا سنضطر يومًا إلى هجرة أراضينا والتربة التي تربى عليها أجدادنا على مدى مئات السنين، كان خطؤنا الفادح بأننا شعرنا باطمئنان مبالَغ فيه ولم نتقن قراءة المستقبل”

12 يناير 1964م

12 يناير 2014م

نصفُ قرن من الزمان مضى وانقضى منذ أن استيقظ أهالي جزيرة زنجبار على وقع أصوات الرصاص، وهجوم العصابات والمرتزقة على بيوتهم ومزارعهم، معلنين بذلك قيام انقلاب دموي على الحكم العربي لزنجبار، أودى بحسب التقديرات بحياة آلاف العرب والمسلمين، وضاعت الجزيرة التي كانت تسمى الفردوس الإفريقي من يد العرب، مع بقاع عربية أخرى خلال القرن العشرين، ومنها الأحواز العربية، وأشرفها القدس الشريف.

العائدون حيث الحلم

العائدون حيث الحلم/ مشاهد وذكريات عودة من زنجبار والجزيرة الخضراء إلى عمان

حبيبة علي الهنائي

عدد الصفحات: 108 صفحة

مؤسسة الانتشار العربي/الطبعة الأولى 2013م

حبيبة الهنائي، العُمانية الزنجبارية تروي لنا ذكريات عودتها وأسرتها من زنجبار هروبًا إلى الوطن الأم عمان، كانت رحلة قاسية تعرضوا فيها لأهوال ومصاعب شتى، كغيرهم من العرب الذين استطاعوا الهروب من جحيم مآلات الانقلاب في زنجبار، وبالطبع كان حالهم أفضل من أولئك الذين انقطعت بهم السبل، في بحر أو يابسة أو مطار جوي، فكانوا لقمة سائغة للموت.

لكن حبيبة الهنائي، تُعرِض عن أن تورد لنا تأريخًا سياسيًا بحتًا، وتركز على جانبٍ آخر، قلّما التفت إليه الباحثون:

“هذا الكتاب، معنيٌ بالتحديد برواية الجانب الإنساني لذلك الحدث الفاصل للإنسان العماني، في تلك البقعة من الارض، وفي تلك الفترة من التاريخ، رواية تحاول الاقتراب من روح ذاك الزمان بكل آلامه وآماله”.

بلغة غير متكلفة، سردت لنا حبيبة الهنائي طبيعة الحياة والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في زنجبار، وبعضًا من مشاهد الحداثة التي كانت تنتشر في العاصمة “أونجونجا”، كوجود صالات السينما، وانتشار المدارس، والتيار الكهربائي الذي دخل الخدمة منذ عام 1905م، وملابس الشباب والشابات، وخصوصًا العرب، ثم عرجت على الفسيفساء الاجتماعي الذي تميزت به زنجبار، العرب والأفارقة والآسيويون وغيرهم، ومهاراتهم وحرفهم في كسب الرزق، وبعضًا من عاداتهم وتقاليدهم.

ثم انتقلت للحديث -وبشكل غير مغرقٍ في التفاصيل- عن انقلاب يناير 1964م، والذي نتج عنه ليس فقط سقوط الحكم العربي هناك، وإنما محوٌ شبه كامل للعنصر العربي المكوِّن لجزيرة زنجبار، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، كان انقلابًا دمويًا أوقع الآلاف من الأبرياء المسلمين، عانى المسلمون خلال وبعد هذا الانقلاب صنوف التعذيب والمهانة والقتل، وبشكل بشع ومقصود، لم يُستثنى من ذلك كبير السن أو المرأة، أو حتى الطفل. 

“كان يوم السبت الموافق 12 يناير 1964م، هو يوم النكبة الذي صادف سقوط زنجبار، ومنذ ذلك اليوم تغيرت الخارطة السياسية في شرق أفريقيا، ومعها تغيرت حياة سكان زنجبار إلى الأبد”.

وعندما يصل العذاب للذروة، تتخذ الذكريات وضعًا يوصف بـ”المغامرة”، فبعد خمس سنوات من ميلاد “حبيبة”* ، بالتحديد في عام 1970م،  يقرر والدها “علي الهنائي” الهروب من زنجبار، لإنقاذ عائلته من يد المهانة والتعذيب التي بدأت تحاصرهم من كل مكان، فأعد العُدة لهروبه هو و”حبيبة” وأحد أشقائها خلسة، على أن تتبعهم والدتها الحامل مع بقية إخوتها لاحقًا.

وقد كان لهم ما أرادوه، ولكن بعد مصاعب ومشاق، رأوا فيها أهوال الموت مرات عديدة، مختبئين في جوف قارب صغير، تتلاطمه الامواج، أو لاجئين في بيت قريبٍ لهم، أو مترقبين وصول بريد يحمل لهم خبرًا مفرحًا، أو منتظرين قرارًا مصيريًا يسمح لهم بركوب طائرة تقربهم أكثر من حلم العودة إلى الوطن الأم… عُمان.

ولأجل تقديم شهادة أكثر مصداقية، وصورة أكثر شمولية،  قصدت “حبيبة” كثيرًا ممن تعرفهم من العمانيين الذين عايشوا فترة الانقلاب، وذاقوا مراراته وخاضوا -مرغمين- أهواله، فتكونت لها شهادات على قلتها، تفي بالغرض، وذلك لإحجام معظم من قصدتهم عن الإدلاء بشهاداتهم عن تلك التجربة المميتة، إما هروبًا من تذكرها واسترجاع آلامها، وإما خوفًا من تبعات الإفضاء ببعض الأسرار التي كانت بمثابة التُهم في يومٍ من الأيام.

ذكريات “حبيبة” كانت قصيرة، فلم تتجاوز صفحاتها الـ108 صفحة في كتاب من القطع الوسط، لكنها-وبلا أي مجاملة- كانت ثرية بتسليطها الضوء على بقعة جغرافية اعتراها التجاهل العربي الإعلامي والسياسي، كما كانت فريدة من حيث توثيقها للتجارب القاسية التي تعرض لها العرب بعد انقلاب 1964م، وتميزت هذه الذكريات بكونها شخصية، وعلى إثر ذلك، لم توغل “حبيبة” في التاريخ والسياسة كثيرًا، وإنما اكتفت من ذلك ببعض المشاهد والملامح التي تعكس المأساة التي تعرض لها عرب زنجبار بين ليلة وضحاها، كان تطرقها لبعض الأحداث والأسماء السياسية، يتم في شكل متواز مع سردها للذكريات الشخصية الأليمة، التي استقتها بصعوبة من أولئك الذين عاشوا التجربة، فكان في النهاية توثيقًا فريدًا.

ويبدو لي في الأسطر الأخيرة من ذكرياتها أن سيكون ثمة جزء آخر، تستكمل فيه “حبيبة” ذكرياتها العربية الزنجبارية، ولكن في مرحلة وعي أكثر نضجًا وإدراكًا للوسط المحيط، وللمتغيرات الاجتماعية والثقافية، وها نحن بالانتظار.

على الهامش، لقد تبدت لي بعد قراءة هذا الكتاب، “مركزية غربية” حتى في بكائياتنا على الأطلال، فنحن نشتاق ونتذكر الأندلس، تلك التي سقطت منذ مئات السنين، ونشتاق للحديث عن مسلمي البلقان، وعن تضحياتهم والمجازر التي تعرضوا لها، لكن أحدًا ما لا يلتفت للكنوز العربية المفقودة في أفريقيا أو شرق آسيا، وهي قريبة العهد بنا، فضلاً عن غناها وثرائها، فلماذا البكاء المستمر على فردوس عربي مفقود منذ مئات السنين، ولا نتذكر ولو بشكل عابر فردوسًا عربيًا آخر، لم يمضِ على فقدانه سوى نصف قرن؟! أهي العنصرية أم الجهل؟! أذكر أنني شاهدت ندوة للشيخ محمد بن موسى الشريف منذ فترة طويلة، وهو يسترجع كنوز العرب وذخائرهم في الهند، ويؤكد على أنه لو توفر للحضارة العربية الإسلامية في الهند بعض ما توفر للأندلس من اهتمام وكتابات لبزتها الهند.. ولكنها مرة أخرى، المركزية الغربية، ويا للغرابة!!

ملاحظات مهمة:

  • * ولدت حبيبة بعد عام واحد من الانقلاب، بالتحديد عام 1965م، وكانت والدتها تعمل مدرسة، وكانت تصحبها “حبيبة” للمدرسة في زنجبار عندما كانت صغيرة، وهذا ما سيتسبب لاحقًا بتصميم والدها على قرار الهرب من زنجبار.
  • خرج الإنجليز من زنجبار قبل فترة قصيرة من الإنقلاب الدموي، وكان الإنجليز منذ أن بدأت سيطرتهم على زنجبار عام 1890م، يقومون بصنع الدسائس في الجزيرة.
  • تطرقت “حبيبة” لمظاهر الترف التي كانت منتشرة بين عرب زنجبار، وتقليدهم لنمط الحياة الإنجليزية، لدرجة أنهم كانوا يبتاعون بعض مقتنياتهم من بريطانيا، وكانت تصلهم عبر البريد، كما ذكرت مدى الانفتاح الذي كان سائدًا، وكان من مظهره ملابس وهندام الزنجباريات.
  • قائد الانقلاب العسكري “جون أكيلو” لم يكن من أهل زنجبار، بل كان أوغنديًا، ولم يكن قائدًا عسكريًا، ونقلت الكاتبة عن سيدة عمانية زنجبارية، ان الزعيم السياسي للانقلاب “كرومي” كان مجرد عامل بسيط في المراكب، وكان يتردد كثيرًا على منزل والدها طلبًا للمساعدة.
  • على الرغم من المستوى التعليمي المتقدم للزنجباريين العرب، إلا أنهم لم يوثقوا صلاتهم بالوطن الأم عمان.
  • ذكرت الكاتبة أن السنوات الأولى بعد الانقلاب شهدت ازديادًا ملحوظًا في عدد الأفارقة النازحين من الدول المجاورة من الديانة المسيحية أو غيرها للاستقرار في زنجبار.
  • من خارج الكتاب: بعد الانقلاب، اتحدت كل من “تنجانيقا” و”زنجبار”، ليشكلا دولة واحدة اتخذت اسم “تنزانيا”، والاسم مشتق من الأحرف الثلاثة الاولى للدولتين.
  • من خارج الكتاب: في الأيام الاولى بعد الانقلاب، وخصوصًا في يوم 19 يناير 1964م، صادف وجود فريق تلفزيوني إيطالي في زنجبار، فقام هذا الفريق بتوثيق عمليات الاعدام الجماعية التي تعرض لها العرب ودفنهم في مقابر جماعية، كما صور فريق العمل مشهد العرب وهم يهيمون على وجوههم هربًا من جحيم الانقلابيين، وفي اليوم التالي صور الفريق جثث مئات العرب الهاربين موتى على شاطئ البحر، ولمن يريد مشاهدة الفيلم، فاسمه هو: Africa Addio وهو موجود في “يوتيوب”.

Read Full Post »