Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘رحلة’

image

بقايا اليوم

تأليف: كازو إيشيجورو

ترجمة: طلعت الشايب

عدد الصفحات: 357 صفحة

اصدار: المركز القومي للترجمة/ الطبعة الثانية/ 2009.

 

فيما تبقى من اليوم، تركن النفس إلى الهدوء، بعد عمل مجهد خلال ساعات النهار الطويلة، لا يريد الإنسان في تلك اللحظات، لحظات الغروب وتباطؤ إيقاع الحياة، سوى أخذ هنيئة من الراحة، واسترجاع شريط ذلك اليوم، لحساب ماله وما عليه، لينظر بنفسه ولنفسه، أيظفر بالراحة، أم يظل قلقًا مكتئبًا على يومه، متوجسًا من بقايا اليوم؟!

****

مستر ستيفنس، كان في مقتطفاته التي رواها لنا عن رحلة عمله، وعن رحلته “العملية” كما يدعي التي يقوم بها، كان هذا الرجل بمثابة ذلك الإنسان، الذي أجهد نفسه طيلة ساعات اليوم، من الفجر وحتى المساء، مجتهدًا في أداء واجبه العملي، يريد لنا أن نقتنع أنه يشعر بالطمأنينة والرضا لما قدمه من خدمة للبشرية، عبر عمله الدؤوب في خدمة “اللورد دارلنجتون”، هكذا يريد للقارئ أن يرى ويصدق بأنه قد سعى سعيًا حقيقيًا لتحقيق معنى “الكرامة”، والمصداقية والنزاهة في العمل، وهو إذ يقوم برحلته هذه للقاء “مس كيتون”، إنما يواصل ما دأب عليه من دقة في العمل، وسعي لتلافي أدنى مستوى من مستويات الأخطاء في خدمته لمخدوميه!

**

لكنني غير مقتنع، نعم مستر ستيفنس، لم تقنعني يا مستر ستيفنس بأنك تشعر بالرضا كل الرضا لما آلت إليه حياتك بعد ما يقرب من ثلاثين عامًا في خدمة القصر، وحتى قدرتك الرائعة على استدعاء تفاصيل لأحداث مضت من عقود وليس مجرد سنين، إنما أرجعها لرتابة حياتك، والروتين الذي كنت تعيش به، وما ذكرك لمؤتمرات “اللورد دارلنجتون” التي لم تتعدى اثنين خلال عقدين من الزمان، إلا محاولة أخرى لتضخيم دورك في خدمة الإنسانية كما تزعم.
لكنها مزاعم بريئة وصافية، فالرجل لم يتجنَ على أحد، وكما كان وفيًا لمخدومه “اللورد”، ها هو يبدو مخلصًا ومتفانيًا في خدمة مخدومه الأمريكي الجديد.

**

إذًا ماذا كان يرمي إليه في بقايا اليوم؟! أظن أن ستيفنس ما زال يأمل بمسيرة جديدة في عمله مع السيد الأمريكي، ولكنها مسيرة ذات بعد شخصي إضافي إذا ما وضعنا رسالة مس كيتون في الاعتبار.
هذا الحذر الشديد في اختيار الكلمات، هذا الاقتصاد المثير في إبداء المشاعر، وهذا الحرص الكبير على قطع رحلة عبر البلاد الإنجليزية للمرة الأولى في حياته لمقابلة مس كيتون، لوجود احتمال بعودتها إلى العمل، كل هذه الأمور مجتمعة تجعلني لا أقتنع برواية مستر ستيفنس، وأنه يشعر بالرضا عن حياته، ثمة استحقاقات ما يزال يعتقد أنه لم يتصدى لها بالشكل الصحيح والمناسب، لذلك يأمل بأن يتدارك في “بقايا اليوم” ما فاته في فجره ونهاره وظهيرته، لعله يدرك المقصود في العشية، حينما تركن النفس إلى الهدوء والسكينة.
**
لدينا مثَلٌ شعبي يقول “مَنْ حَبّك لَاشاك”، أي أن الذي يحبك، ستصدر منه بعض الأفعال والأقوال، التي ستضايقك نوعًا ما، لا لشيء إلا لإظهار محبتك، وربما هذا ما كانت تفعله “كيتون” مع “ستيفنس”، لكنه أهمل وتجاهل كل الإشارات والمشاكل التي تصطنعها مس “كيتون”، كان غارقًا في العمل حتى قمة رأسه، والمؤلف رسم صورًا متعددة لطبيعة العلاقة الشائكة بين الثنائي “كيتون” و”ستيفنس”، ورغم أنها ترتكز على أساس عملي، إلا أن جانبًا من الود كان على وشك النمو، لولا أن مستر “ستيفنس” كان يجهضه باستمرار.

**
أعجبني في الرواية، التوظيف الدرامي لأحداث تاريخية وقعت، وأثرت على العالم، ونذكر بالتحديد هنا، فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وطبيعة العلاقة بين الإنجليز والألمان، وفترة ما قبل وما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي جانب آخر، نرى قدرة الكاتب على سبر أغوار النفس الإنسانية، عبر شخصية انجليزية، حاول باقتدار أن تكون بالفعل تتصف بالصفات الإنجليزية الشائعة، كبرودة الأعصاب، والدقة في العمل، وحسن التنظيم، والحساسية الشديدة في استخدام الكلمات والمفردات، وهذه تحسب للكاتب البريطاني صاحب الأصول اليابانية!
**
أعجبتني شخصية مستر ستيفنس، كان يفرض احترامه باستمرار عبر صفحات الرواية!

Advertisements

Read Full Post »

image

 

رحلة من مصر إلى مصر
الأستاذ المحامي محمد فريد وجدي بيك

مراجعة وتصحيح وتعليق: د.عبدالمجيد خيّالي
عدد الصفحات: 146 صفحة (شاملة الفهارس والصور).
الناشر: مركز التراث الثقافي المغربي ودار ابن حزم/ الطبعة الأولى/ 2011م.

 

المحامي والسياسي والمؤرخ محمد فريد بيك، يقوم برحلة سياحية قصيرة في صيف عام 1901م، ليستطلعَ بها ما أصاب المسلمين جرّاء التخلف والانقسام والتنازع بينهم، ولذلك فهو يقصد اسبانيا، ليطلعَ على شواهد باقية من الحضارة الإسلامية، بقيت برغم محاولات المحو والتشويه، ثم يتوجه لشمال أفريقيا، ليكون شاهدًا شهادة العين والأذن والمعايشة، على ما يتعرض له العرب والمسلمون في ديارهم من ظلم المحتل.

مسار الرحلة:
بدأ المحامي وجدي بيك رحلته يوم الجمعة 5 يوليو 1901م، منطلقًا من القاهرة، وبحرًا توجه نحو مرسيليا، المدينة الفرنسية الساحلية العتيقة، وبعد قضاء بضعة أيام فيها، توجه بحرًا نحو اسبانيا التي طاف في أرجائها، فشملت رحلته بالترتيب المدن التالية: برشلونه – سرقسطة – مدريد – طليطلة – قرطبة – غرناطة – اشبيلية – وأخيرًا قادس.
ويبدو من خلال سير رحلته في ربوع اسبانيا، أن السائح كان يقصد التعرف على ما تبقى من آثار المسلمين في الأندلس، لذلك، فهو لم يتجشم عناء التوجه لمدن غرب وشمال اسبانيا، وذلك لعدم اشتمالها على ما تبقى ويُظَن أن له علاقة بتاريخ الأندلسيين وحضارتهم، واكتفى بأن يقضي يومين أو ثلاثة في كل حاضرة من حواضر الأندلس العريقة، وهو في رحلته هذه، يقدم دروسًا وعِبَر يطلب من المسلمين التنبه لها، كما أنه لا يُخفي حزنه على بدائع إسلامية تعرضت للتشويه والتبديل، وطمس آيات القرآن، ليوضع عليها وبشكل مُنفر علامات وأيقونات المسيحية.

كما أن الأستاذ المحامي، كان حريصًا على انتقاد بعض المظاهر غير الحضارية في الحياة الاسبانية اليومية، وأهمها كانت مصارعة الثيران، هذه الرياضة التي لا بد فيها من نزف الدماء وقتل الحيوانات، لا لشيء سوى المتعة، كانت هذه الرياضة محل انتقاد شديد من المحامي صاحب الرحلة، وسابقًا، انتقد الأستاذ الفرنسيين وعموم الأوروبيين على ممارساتهم واعتقاداتهم الدينية المتخلفة، المتمثلة في إلقاء النذور في الكنائس، وغيرها من السلوكيات فكتب يقول:

“ومن الغريب أن الإفرنج يرموننا بالجهل، لتمسك بعض جهلائنا بالأوهام الباطلة، واعتقادهم بتأثير الأحجية والتمائم مع شيوع هذه الاعتقادات بين أكثر طبقاتهم تنوراً، فهم يغمضون الجفن عن عيوبهم، وينظرون إلى أقل عيب في غيرهم بالنظارة المكبرة، لكن لا غرابة في ذلك، فهو أمر طبيعي في الأفراد والأمم”.

لكنه كذلك أثنى على دور الحكومة الاسبانية في الاهتمام والعناية بالآثار الأندلسية القديمة المتبقية، وهذا الأمر له علاقة مباشرة بما يسمى “الحنين إلى الأندلس” هذه الموجة الأدبية التي اجتاحت مثقفي وشعراء وأدباء الغرب في القرن التاسع عشر، فكان ذلك سببًا في إقبال السائحين والباحثين على اسبانيا، ومن هنا تنبهت الحكومة الاسبانية لما يمكن أن يعود عليها من منافع بسبب هذه الآثار فأولتها اهتمامها، وشخصيًا، أعتقد أن اهتمام العرب والمسلمين في أوليات القرن العشرين وحتى منتصفه، كان رجع الصدى لتلك الموجة الرومانسية الغربية تجاه الأندلس، فأحيت ما كان ضامرًا في النفوس العربية.
ولأنه عروبي ويعتز بالإسلام وحضارته، فلم يفوت فرصة المرور على “مكتبة الاسكوريال”، والتعرف على الكتب والمخطوطات العربية التي بحوزة هذه المكتبة، وهي تشكل ذخيرة غنية ومتنوعة، كثير منها لم يُكتشَف بعد.
***
وفي يوم الاثنين الموافق 29 يوليو، يتوجه المحامي بحرًا من قادس إلى طنجة، ومنها إلى عدة مدن عربية، وذلك على الترتيب التالي:
طنجة – مليلة – وهران – تلمسان – مدينة الجزائر.

طنجة.. المدينة الساحلية المغربية، كانت تخضع لنظام غريب، فهي أفريقية، ويتغلب عليها الأوروبيون، ويتحكمون بأمرها فعليًا، رغم أنها اسميًا تنتمي لسلطان “مراكش” أو ما يُعرف حاليًا بالمملكة المغربية.
وهناك، شاهد وجدي بيك -برأي العين وسمع الأذن وتقطع القلب- ما أحزنه وحذَّرَ منه، فالغلبة هناك للأوروبيين، مدنيًا مناطق الأوروبيين أنظف وأجمل، وعسكريًا، تولى الأوروبيون المناصب القيادية في الجيش والشرطة والبحرية، فقائد الجيش العام فرنسي، وقائد المشاة انجليزي، وقائد القطعة العسكرية البحرية الوحيدة ألماني، وثقافيًا، تتنوع لغات الصحف المطبوعة والمنشورة، ولا توجد بينها صحيفة واحدة تطبع باللغة العربية!
وفي ميدان الاتصالات والبريد، فلكل قنصلية أوروبية مصلحة بريد وتلغراف خاص بها.
وكل ذلك يورده المحامي وجدي بيك، ليحذر من مغبات التفرق، وهو ينتقد سلطان مراكش -ملك المغرب- لعدم استخدامه لضباط من الدولة العثمانية في “ترتيب جيوشه”، ويعزو ذلك لـ:

“التفرق والتخاذل الذي سبَّبَ ضياع بلاد الأندلس، والذي سيكون سببًا في ضياع مراكش وغيرها من بلاد الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله”.

وبعد قضاء يومين في طنجة، توجه بحرًا نحو وهران، ثم بالقطار إلى مدينة تلمسان، ومنها إلى مدينة الجزائر.
وعمومًا، كانت المشاهدات في الجزائر أكثر إيلامًا من تلك التي في لمغرب، ولم يُسمح له بالنزول من الباخرة إلا في اليوم التالي، وبعد بعض الاتصالات، لكنه في البداية وضح سبب زيارته وتجشمه عناء السفر للجزائر:

“أردتُ زيارة الجزائر لأتحقق مما يدَّعي الفرنساويون أنهم أتَوه من الإصلاح، وما قاموا به من الأعمال الجِسام لتحسين حالة الأهالي المعاشية، وتقدمهم في مراقب التمدن والسعادة، فما رأى كمن سمع”.

وبالفعل، لم تكن هذه سوى دعاية ترويجية للمحتل الفرنسي، فأهل البلاد في فقر وتخلف وجهل، وأما التمدن والبحبوحة العيش فكانت حصرًا للمستوطنين الفرنسيين، فأهل البلاد “شيّالون في الميناء أو خادمين عند الإفرنج.. ولا يوجد بينهم تاجر عظيم أو متوسط، ولا صاحب معمل”،ومما وقف عليه السائح العربي، تحويل عدة مساجد إلى كنائس أو مخازن في هذا البلد المسلم!
وكذلك لاحظ الغزو الثقافي الفرنسي، الذي أجبر الناس على هجرة تعلم العلوم العربية والشرعية، والتوجه لدراسة العلوم باللغة الفرنسية، طمعًا في تحصيل وظيفة أو منفعة دنيوية.
وفي وهران، ألتقى محمد فريد بأستاذ اللغة العربية المسيو “موليراس”، الذي كتب له خِطابَين أحدهما إلى قاضي تلمسان، والآخر إلى سكرتير حاكم الجزائر العام، حيث “أوصاهما فيهما بمساعدتي على جميع ما أريده من الاستعلامات عن حالة البلاد وأهليها”، ويؤكد وجدي بيك أن الخطاب الثاني الذي وجه به إلى سكرتير حاكم الجزائر كان مفيدًا له، حيث “أن المسلمين يحذرون من مقابلة من يأتي بلادهم من إخوانهم من البلاد الأخرى، إلا إذا علموا أن الحكومة ورجالها غير ناقمين من وجود هذا المسلم الأجنبي وبالأخص إذا كان تركيًا أو مصريًا”.
وبعد تلمسان توجه إلى مدينة الجزائر، ومما ذكره عنها، أنه كان يوجد فيها 14 مسجدًا جامعًا، لم يبق منها إلا أربعة!
وفي وسط المشاهد التي تجلب الضيق على النفس، والحزن في القلب، تبدى له مشهدًا جميلاً حينما شاهد وجود “عشرة من البحارة الروسيين يؤدون صلاة الجمعة بكل خشوع”، وحينما سألهم عن موطنهم، أجابه البعض بأنه من بلاد قفقاسيا، والبعض من أوفه، وقَزان، وكانت له لقاءات ببعض أعلام الجزائر في حينها ومنهم قاضي تلمسان شعيب بن عبدالله، الذي أكرم وفادة الأستاذ المحامي.
وفي الجزائر البلد الكبير المترامي الأطراف، لا توجد به سوى جريدة واحدة وهي “المبشر”، ولم يذكر عما إذا كانت عربية أم لا،وهي جريدة رسمية تنشر الأوامر وبعض الفصول في فضل فرنسا على العرب، والحض على التعلق بالولاء لها!
وفي آخر رحلته، قدّمَ المسافرُ العربي مقالتين قصيرتين جدًا عن مشاهداته في الجزائر، الأولى عنوانها “الحرية الشخصية في الجزائر”، وفيها يؤكد على ازدواجية معايير هذه الحرية، فكل شيء مباح للفرنسيين والغربيين، وكل شيء ممنوع على الجزائريين. والمقالة الثانية عنوانها “التعليم والمدارس في الجزائر”، وفيها يتناول أوجه الغزو الثقافي الفرنسي، الذي يعمل على تهميش وإقصاء علوم الشريعة واللغة العربية، ويركز عبر آليات عدة، في مقدمتها التوظيف في الإدارات الحكومية، على التعليم باللغة الفرنسية.

وفي يوم الأحد 11 أغسطس، غادر المحامي مدينة الجزائر بحرًا، عائدًا لمدينة مرسيليا، ومنها توجه لقضاء 20 يومًا في كل من مدينتي “باريس” و”فيشي”، ثم قفل عائدًا إلى بلده، فوصل الاسكندرية يوم 10 سبتمبر 1901م.

***
تمتاز هذه الرحلة بعدة خصائص، من أهمها أن صاحبها رجل يحمل هَمَّ الأمة، ويشعر بمغبة التفرقة والتنازع بين أبنائها، فكانت رحلته هذه مطبوعة بطابع النصح والإرشاد، واستلهام الدروس والعبر، فإذا ما عرفنا الوضع الحرج الذي كانت تعيشه الأمة العربية والإسلامية في مطلع القرن العشرين، وإذا ما عرفنا الدور السياسي والحقوقي والثقافي الذي اضطلع به الأستاذ محمد فريد، اكتشفنا أهمية رحلته القصيرة هذي، وأنها تستهدف تنبيه الأمة وإيقاظها من سباتها.
وتمتاز بطابعها الجغرافي الممتد، من مصر إلى مصر، مرورًا بعدة دول وحواضر أوروبية وعربية أفريقية، وهي تقع -كما ذكرتُ أعلاه- في حقبة تاريخية مضطربة ومتأزمة من تاريخ العالم العربي والإسلامي.

ومما تمتاز به هذه الرحلة، أنها من بواكير رحلات العرب إلى الأندلس، فكما أعلم -وعلمي قاصر- أن الأستاذ محمد فريد سبق الأديب الأمير شكيب أرسلان وغيره من العرب في السياحة إلى الأندلس، فكانت تجربة فريدة وسابقة جميلة تسجل لصاحبها.
كما تمتاز هذه الرحلة، باستشراف المستقبل، فكان السائح المثقف يدقق بصره وبصيرته في ممارسات المحتل في كل من المغرب والجزائر، وكان يحذر وينبه لخطورة ما تقوم به حكومات وإدارات المحتل في ثقافة وتاريخ ودين البلدان المحتلة.


كانت لغة صاحب الرحلة واضحة بسيطة، لم يتكلف لا في عبارته ولا في أسلوبه، وكذلك لم يتجنب إظهار عاطفته الحزينة لحال المسلمين، كما أنه كان حريصًا على الموضوعية، فانتقاده لهيمنة الدول الأوروبية واحتلالها بلداننا، لم يمنعه من الثناء على تنظيمها وحسن إدارتها لأمورها في بلدانها.
كان الكتاب قد طبع قديمًا، وهذه الطبعة هي الطبعة الثانية، وكانت بتحقيق الأستاذ عبدالمجيد كيالي، الذي أضاف هوامشًا عديدة، ربما لم يكن من المطلوب وضعها بهذا الشكل، كما أن هذه الطبعة حفلت بصور فوتوغرافية لم تشتمل عليها الطبعة اأصلية، وهذه من النقاط السلبية في هذه الطبعة، فبعض الصور “مسحوب” من منتدى في الانترنت، وتظهر في إحدى زواياها شعار ذلك المنتدى أو الموقع، وبشكل مُنفِّر، كما أن خط الطباعة كان كبيرًا، يماثل حجم خط الطباعة في الكتب المدرسية، وربما أرادت الدار إخراجه بهذا الشكل لزيادة عدد صفحات الكتاب.

وعمومًا، الرحلة مثيرة، وحافلة بالدروس، والتنبيهات والتحذيرات التي تحقق للأسف بعضٌ منها.

Read Full Post »

 

20150301-222908-80948048.jpg

رحلة إلهامي إلى الموت
تأليف رشاد قاضيتش
ترجمة د.جمال الدين سيد محمد
عدد الصفحات: 146 صفحة
اصدار: دار سعاد الصباح/الطبعة الأولى 1993م.

هذه تجربة أخرى لي مع روايات من بلاد البلقان، وهذه المرة لمؤلف مسلم اسمه “رشاد قاضيتش” وهو مؤلف فيما يبدو معاصر، حسبما قدم المترجم، والرواية تتناول قصة “إلهامي”، إمام أحد المساجد في البوسنة إبّان حقبة الوجود العثماني، ويبدو أن الوالي العثماني كان يتسم بالظلم والفساد، الأمر الذي امتعض منه الشعب، فعبّر “إلهامي” عن هذا الامتعاض بقصيدة، يُستدعى على إثرها للقصر، ليواجه مصيره المحتوم.
وخلال رحلة “إلهامي” وحيدًا نحو القصر، أتيحت له عدة مرات فرص الهرب والنجاة بحياته، لكنه يرفض ويصر على التوجه للقصر، ليثبت موقفًا مبدأيًا، وليؤكد أن صاحب الحق لا يتزعزع ولا يتراجع مهما بلغت قسوة الظالم، ومهما اشتدت النتئج.

الرواية فنيًا متواضعة، غَلبَ عليها السرد بلغة مباشرة صريحة، وندُرَت فيها الصور الفنية على نحوٍ كبير.
الكاتب رشاد قاضيتش ينحو منحى العصر الذي يعيش فيه، تاريخيًا وسياسيًا وثقافيًا، فيكيل التهم للدولة العثمانية، أو لنقل البوسنة والهرسك في عهد سيطرة الدولة العثمانية عليها، ويركز على الظلم والاضطهاد الذي مارسته بحق البوسنيين، وهو -أي المؤلف- بذلك يكرر ما كتبه ويكتبه العرب وغير العرب ضد حقبة الوجود العثماني في المنطقة العربية وبقية المناطق حيث وجدت، ولم يذكر المترجم في مقدمته سنة تأليف ونشر هذه الرواية، لكنها على الأرجح تنتمي للحقبة التي أصبحت فيها البوسنة جزءًا من يوغسلافيا، وكانت الروايات تكتب عن الدولة العثمانية، أو الثقافة الإسلامية بشكل سلبي، ومن هذه النماذج على سبيل المثال إيڤو اندريتش صاحب رواية “جسر على نهر درينا”.
نهاية الرواية حملت بُعدًا وعظيًا قصصيًا مُستقى من التاريخ، ويتمثل في قصة قتل الحجاج الثقفي للتابعي سعيد بن جُبير، ثم وفاة الحجّاج بعده بقليل”.

Read Full Post »

20140313-205545.jpgرحلة ابن جبير

تقديم: د. حسين نصّار

عدد الصفحات: 301 صفحة.

اصدار: جريدة القبس بالتعاون مع دار المدى-سلسلة الكتاب للجميع-الاصدار رقم 16- 2004م.

يقوم محمد بن أحمد بن جبير الأندلسي، البَلنسي المولد، والغرناطي المستَقّر، برحلة إلى الديار المقدسة، لأداء فريضة الحج، وذلك في ظروف تاريخية حَرجة تقع في شرق العالم الإسلامي، إذ تزامنت رحلته مع الحروب الصليبية، واحتلال الصليبيين لبعض المدن والحواضر الإسلامية، وفي مقدمتها القدس الشريف.

وانطلق ابن جبير من غرناطة يوم الخميس الموافق 8 شوال 578هـ، مارًا في طريقه بعدد من المدن الأندلسية، ليركب البحر على متن مركبٍ “جَنَويٍ” يقصد الإسكندرية، وكان يصحبه في رحلة الحج هذه صديقه أحمد بن حسان.

وفي رحلته، يجوز ابن جبير بحارًا وأنهارا، ويعبر قرى ومدنا، وقد تناولها بالترتيب، مرحلة إثر مرحلة، فيذكر تاريخ دخوله للمدينة، وتاريخ خروجه منها، وكم قضى فيها من أيام وأشهر.

فبعد ركوبه للبحر، يصل لبعض جزر البحر المتوسط، كجزيرة “سردينيا” وجزيرة “أقريطش” أو “كريت” كما تُسمى الآن، ثم منها ينطلق جنوبًا ليصل الإسكندرية، ليقصد بعدها القاهرة، ثم طريقًا نهريًا نحو الجنوب مرورًا بصعيد مصر، حتى يصل مدينة “قوص”، وهي “ملتقى الحجاج… ومنها يفوّزون لصحراء عيذاب”، وبالفعل من “قوص” يتخذ ابن جبير مسارًا صحراويًا قاصدًا ميناء “عيذاب” المطل على البحر الأحمر.

ثم يجوز البحر الأحمر، لينزل في ميناء جدة، ومنها برًا نحو مكة المكرمة، وبعد أدائه لفريضة الحج هناك، يقصد ابن جبير المدينة المنورة، ومنها يتجه نحو العراق، فالشام، ثم البحر المتوسط، وجزره مرة أخرى، وأخيرًا يعود إلى غرناطة.

والجميل في رحلته هذه، أنه لم يغرق بالأساليب العربية التقليدية، كالسجع والجناس، وغير ذلك من الأساليب الأدبية المعهودة لذلك العصر، بل كان حديثه موجزًا ومقتصرًا على تقييد الفائدة أو الطرفة هنا وهناك، مع بعض التفصيل في وصف بعض المواقع والمواضع كما حدث هذا في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمسجد الأموي في دمشق.

ومن الملاحظ أنه كان يقيد رحلته أولاً بأول، فهو منذ البداية يستهل تدوين رحلته بالفقرة التالية:

بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على سيدنا محمد،،

أبتدِىءُ بتقييدها يوم الجمعة الموفى ثلاثين لشوال سنة ثمان وسبعين وخمس مئة، ونحن على مَتْن البحر بمقابلة جبل “شُلَير” عرّفنا الله السلامةَ بِمنِّه.

فهو إذًا يقوم بكتابة أحداث رحلته كمذكرات مباشرة يدونُها في الآن دون تأخير، ومن الغريب أنه يضيف إلى اليوم والتاريخ الهجري، ما يوافقه من التاريخ الأعجمي بذكره لليوم والشهر فقط، دون ذكر السنة الميلادية، كأن يقول:

وفي ليلة الثلاثاء الثامن عشر لذي القعدة المذكور، والخامس عشر من شهر مارس المذكور أيضًا، …. فارقنا بر “سردانية” المذكورة.

وقد تزامن مرور ابن جبير على مصر وهي إحدى محطاته الأساسية في طريقه للحج، مع تولي صلاح الدين الأيوبي لمقاليد الأمور فيها، وقد أثنى ابنُ جبير على جهود صلاح الدين في التيسير على الحجاج، والمارين بمصر في طريقهم إلى مكة، فذكر التسهيلات والخدمات المقدمة لحجاج بيت الله خصوصًا، والمغاربة عمومًا، كما ذكر الإصلاحات التي أجراها صلاح الدين، والمكوس التي ألغاها عن كاهل عامة الناس.

وكان ملفتًا للغاية كيف أن ابن جبير استطاع توثيق مذكراته بعناية ودقة، فهو يذكر -كما قلت أعلاه- كم عدد أيام كل مرحلة من مراحل رحلته، فيذكر مثلاً أنه في طريقه إلى مكة قد قضى في “عيذاب” قبل الركوب لجدة 23 يومًا، وهو يحتسبها عند الله، وكان هذا الاحتساب مخصوصًا في “عيذاب”:

لشظف العيش بها، وسوء الحال، واختلال الصحة، لعدم الأغذية الموافقة، وحسبك من بلد كل شيء فيه مجلوب حتى الماء، والعطش أشهى إلى النفس منه.

وعند مغادرته لمكة المكرمة، بعد أداء فريضة الحج، قاصدًا المدينة المنورة ضمن حملة الحج العراقي، لا ينسى ابن جبير أن يقيد مدة إقامته في مكة المكرمة، ومتى دخلها ومتى غادرها، فيقول:

فكانت مدة إقامتنا بمكة، قدسها الله، من يوم وصولنا إليها، وهو يوم الخميس الثالث عشر لربيع الآخر من سنة تسع وسبعين، إلى يوم إقلاعنا من الزاهر، وهو يوم الخميس أيضًا الثاني والعشرون لذي الحجة من السنة المذكورة، ثمانية أشهر وثلث شهر، التي هي بحساب الزائد والناقص من الأشهر مئتا يوم اثنتان وخمسة وأربعون يومًا سعيدات مباركات، جعلها الله لذاته، وجعل القبول لها موافقًا لمرضاته.

وعند اجتيازه لجزر البحر المتوسط، في طريق عودته لغرناطة، يتطرق لأحوال المسلمين المغلوبين في تلك الجزر، ومنها صقلية، وميسينا، و”باليرمو” كما في التسمية المعاصرة، أو “المدينة” كما في تسمية المسلمين لها، أو “بلارمة” كما كان يسميها النصارى حينذاك.

وفي طريق عودته عند ركوبه البحر، تطرق لما واجهه من أعباء البحر المخيفة، التي كادت أكثر من مرة أن تودي بهم:

فحُطَت الشرعُ عن صواريها، واستسلمت النفوس لباريها، وتُرِكنا بين السفينة ومجريها، وتتابعت علينا عواريض ديم، حصلنا منها ومن الليل والبحر في ثلاث ظُلَم.

وقد عاصر ابن جبير فترة الملك “غليام” ملك صقلية، والذي عرف بحبه للعلوم الإسلامية، واستخدامه للمسلمين وثقته الكبيرة بهم، ومعرفته للكتابة والقراءة بالعربية، وقد نقل أحد خاصة هذا الملك لابن جبير أن عبارة ختم الملك غليام هي “الحمد لله حق حمده“.

وعند وصوله لغرناطة أخيرًا، يثبت ابن جبير مدة رحلته الطويلة هذه -بمقاييس واعتبارات زماننا- فيكتب:

فكانت مدة إقامتنا من لدن خروجنا (من غرناطة) إلى وقت إيابنا هذا، عامَيْن كاملَيْن وثلاثة أشهر، والحمد لله رب العالمين.

وقد حفلت رحلته بعدد من الأحداث والموضوعات الشيقة والطريفة، علاوة على أهمية رحلته التوثيقية، التي أرخت لطريق الحج الأندلسي، ذهابًا وإيابا، ومن هذه الموضوعات الطريفة، ما يذكره عن أخلاق وسلوكيات أهل بعض المدن كأهل “عيذاب” الميناء الذي يتوجه منه الحاج من مصر إلى جدة عبر البحر الأحمر، وما ذكره عن أهل اليمن، القادمين للحج، ورأيه بأهل بغداد وأهل الموصل، وغيرهما من المدن.

كما انه احتوى على جانبٍ توثيقي حضاري بما ذكره من مرافق عامة في الحواضر الإسلامية التي مر بها، كذكره لانتشار البيمارستانات، والخانات، والقيساريات، والمدارس، والمساجد، والحمامات، والأوقاف التي كانت تنتشر في كل المدن، وتؤدي خدمة اجتماعية متقدمة في عصرها، يستفيد منها المقيم.. صاحب البلد، والغريب.. عابر السبيل، كما أنه تطرق في طريق عودته للعلاقات الصليبية الإسلامية في مدن ومناطق التماس كعكا وصور وغيرها.

وإذا كان ابن جبير قد أثنى على ما شاهده من مظاهر التقدم في الشرق الإسلامي، والتكافل الاجتماعي بين أفراده، فأنه لم يتوانى عن انتقاد بعض المظاهر السلبية التي عاينها بنفسه، ومنها المكوس (أو الجمرك) التي تؤخذ من المسافرين في الإسكندرية، وبيع الرقيق في مكة، والاستغلال المادي البشع لشريف مكة للقادمين على الحرم الشريف، وغير ذلك من إشارات وملاحظات، أكسبت الرحلة طابعًا موضوعيًا عقلانيًا، ابتعد فيها -في كثير من الصفحات- عن التهويل والمبالغات، وذكر الأعاجيب من الأمور، مما هو شائع في بعض كتب الرحلات.

جانب آخر يُضفي على هذه الرحلة قيمة تأريخية وعلمية، هو أن جلَّ ما كتبه وقيده ابنُ جبير في رحلته، إنما كان رأي العين، والمشاهدة عن قرب، والمعاينة المباشرة، وقلما اعتمد في كتابة رحلته على القصص المَرويَّة، التي ينقلها الآخرون إليه، فإذا ما أضفنا إلى ذلك ما ذكرناه سابقًا، من أن ابن جبير كان يُقيد مشاهداته وملاحظاته في الحال ودون تأخير، علمنا أن الدقة في الإخبار والتأريخ قد وصلت أقصى حدودها، كما لا يمكن أن نتجاهل الجانب النقدي الذي مارسه ابن جبير تجاه بعض الممارسات والسلوكيات، التي ينهجها ويكررها بعض المسلمين في المدن التي اجتازها.

وقد قرأتُ الكتاب بطبعة متواضعه، غابت عنها الهوامش من بداية الرحلة إلى نهايتها، كما حفلت بعديد من الأخطاء المطبعية، لكنها مع ذلك لا بأس بها، وقد جبر ذلك النقص مقدمة الدكتور حسين نصار، الذي قدم للرحلة بمقدمة بسيطة ولكنها شاملة، ألقى فيها إضاءات على سيرة ابن جبير، وعائلته، والعصر الذي عاش فيه، وجهوده السياسية والعلمية والأدبية.

فمن ضمن ما ذكره د.نصار أن جدَّ ابن جبير كان من العرب الأوائل الذين انتقلوا للأندلس منذ عام 123 هـ، وقد تبوأ ابن جبير مناصب هامة أثناء عصر الموحدين في المغرب والأندلس، وذكر أن ابن جبير قد قام بثلاث رحلات للحج، وقد دوّن منها الأولى وهي موضوع الكتاب هذا، أما رحلته الثانية للحج، فقد قام بها بعد انتشار أخبار تحرير صلاح الدين الأيوبي للقدس الشريف، واستغرقت رحلتُه الثانية الفترةَ بين 9 ربيع الأول 585 هـ(1189م) و13 شعبان 587 هـ(1191)، أما رحلته الثالثة، فلم يكتب له فيها إياب لغرناطة، إذ وافته المنية في الإسكندرية يوم الأربعاء 27 أو 29 من شعبان 614 هـ(1217) رحمة الله عليه.

Read Full Post »