Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘رواية’

image

بقايا اليوم

تأليف: كازو إيشيجورو

ترجمة: طلعت الشايب

عدد الصفحات: 357 صفحة

اصدار: المركز القومي للترجمة/ الطبعة الثانية/ 2009.

 

فيما تبقى من اليوم، تركن النفس إلى الهدوء، بعد عمل مجهد خلال ساعات النهار الطويلة، لا يريد الإنسان في تلك اللحظات، لحظات الغروب وتباطؤ إيقاع الحياة، سوى أخذ هنيئة من الراحة، واسترجاع شريط ذلك اليوم، لحساب ماله وما عليه، لينظر بنفسه ولنفسه، أيظفر بالراحة، أم يظل قلقًا مكتئبًا على يومه، متوجسًا من بقايا اليوم؟!

****

مستر ستيفنس، كان في مقتطفاته التي رواها لنا عن رحلة عمله، وعن رحلته “العملية” كما يدعي التي يقوم بها، كان هذا الرجل بمثابة ذلك الإنسان، الذي أجهد نفسه طيلة ساعات اليوم، من الفجر وحتى المساء، مجتهدًا في أداء واجبه العملي، يريد لنا أن نقتنع أنه يشعر بالطمأنينة والرضا لما قدمه من خدمة للبشرية، عبر عمله الدؤوب في خدمة “اللورد دارلنجتون”، هكذا يريد للقارئ أن يرى ويصدق بأنه قد سعى سعيًا حقيقيًا لتحقيق معنى “الكرامة”، والمصداقية والنزاهة في العمل، وهو إذ يقوم برحلته هذه للقاء “مس كيتون”، إنما يواصل ما دأب عليه من دقة في العمل، وسعي لتلافي أدنى مستوى من مستويات الأخطاء في خدمته لمخدوميه!

**

لكنني غير مقتنع، نعم مستر ستيفنس، لم تقنعني يا مستر ستيفنس بأنك تشعر بالرضا كل الرضا لما آلت إليه حياتك بعد ما يقرب من ثلاثين عامًا في خدمة القصر، وحتى قدرتك الرائعة على استدعاء تفاصيل لأحداث مضت من عقود وليس مجرد سنين، إنما أرجعها لرتابة حياتك، والروتين الذي كنت تعيش به، وما ذكرك لمؤتمرات “اللورد دارلنجتون” التي لم تتعدى اثنين خلال عقدين من الزمان، إلا محاولة أخرى لتضخيم دورك في خدمة الإنسانية كما تزعم.
لكنها مزاعم بريئة وصافية، فالرجل لم يتجنَ على أحد، وكما كان وفيًا لمخدومه “اللورد”، ها هو يبدو مخلصًا ومتفانيًا في خدمة مخدومه الأمريكي الجديد.

**

إذًا ماذا كان يرمي إليه في بقايا اليوم؟! أظن أن ستيفنس ما زال يأمل بمسيرة جديدة في عمله مع السيد الأمريكي، ولكنها مسيرة ذات بعد شخصي إضافي إذا ما وضعنا رسالة مس كيتون في الاعتبار.
هذا الحذر الشديد في اختيار الكلمات، هذا الاقتصاد المثير في إبداء المشاعر، وهذا الحرص الكبير على قطع رحلة عبر البلاد الإنجليزية للمرة الأولى في حياته لمقابلة مس كيتون، لوجود احتمال بعودتها إلى العمل، كل هذه الأمور مجتمعة تجعلني لا أقتنع برواية مستر ستيفنس، وأنه يشعر بالرضا عن حياته، ثمة استحقاقات ما يزال يعتقد أنه لم يتصدى لها بالشكل الصحيح والمناسب، لذلك يأمل بأن يتدارك في “بقايا اليوم” ما فاته في فجره ونهاره وظهيرته، لعله يدرك المقصود في العشية، حينما تركن النفس إلى الهدوء والسكينة.
**
لدينا مثَلٌ شعبي يقول “مَنْ حَبّك لَاشاك”، أي أن الذي يحبك، ستصدر منه بعض الأفعال والأقوال، التي ستضايقك نوعًا ما، لا لشيء إلا لإظهار محبتك، وربما هذا ما كانت تفعله “كيتون” مع “ستيفنس”، لكنه أهمل وتجاهل كل الإشارات والمشاكل التي تصطنعها مس “كيتون”، كان غارقًا في العمل حتى قمة رأسه، والمؤلف رسم صورًا متعددة لطبيعة العلاقة الشائكة بين الثنائي “كيتون” و”ستيفنس”، ورغم أنها ترتكز على أساس عملي، إلا أن جانبًا من الود كان على وشك النمو، لولا أن مستر “ستيفنس” كان يجهضه باستمرار.

**
أعجبني في الرواية، التوظيف الدرامي لأحداث تاريخية وقعت، وأثرت على العالم، ونذكر بالتحديد هنا، فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وطبيعة العلاقة بين الإنجليز والألمان، وفترة ما قبل وما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي جانب آخر، نرى قدرة الكاتب على سبر أغوار النفس الإنسانية، عبر شخصية انجليزية، حاول باقتدار أن تكون بالفعل تتصف بالصفات الإنجليزية الشائعة، كبرودة الأعصاب، والدقة في العمل، وحسن التنظيم، والحساسية الشديدة في استخدام الكلمات والمفردات، وهذه تحسب للكاتب البريطاني صاحب الأصول اليابانية!
**
أعجبتني شخصية مستر ستيفنس، كان يفرض احترامه باستمرار عبر صفحات الرواية!

Advertisements

Read Full Post »

 

20150301-222908-80948048.jpg

رحلة إلهامي إلى الموت
تأليف رشاد قاضيتش
ترجمة د.جمال الدين سيد محمد
عدد الصفحات: 146 صفحة
اصدار: دار سعاد الصباح/الطبعة الأولى 1993م.

هذه تجربة أخرى لي مع روايات من بلاد البلقان، وهذه المرة لمؤلف مسلم اسمه “رشاد قاضيتش” وهو مؤلف فيما يبدو معاصر، حسبما قدم المترجم، والرواية تتناول قصة “إلهامي”، إمام أحد المساجد في البوسنة إبّان حقبة الوجود العثماني، ويبدو أن الوالي العثماني كان يتسم بالظلم والفساد، الأمر الذي امتعض منه الشعب، فعبّر “إلهامي” عن هذا الامتعاض بقصيدة، يُستدعى على إثرها للقصر، ليواجه مصيره المحتوم.
وخلال رحلة “إلهامي” وحيدًا نحو القصر، أتيحت له عدة مرات فرص الهرب والنجاة بحياته، لكنه يرفض ويصر على التوجه للقصر، ليثبت موقفًا مبدأيًا، وليؤكد أن صاحب الحق لا يتزعزع ولا يتراجع مهما بلغت قسوة الظالم، ومهما اشتدت النتئج.

الرواية فنيًا متواضعة، غَلبَ عليها السرد بلغة مباشرة صريحة، وندُرَت فيها الصور الفنية على نحوٍ كبير.
الكاتب رشاد قاضيتش ينحو منحى العصر الذي يعيش فيه، تاريخيًا وسياسيًا وثقافيًا، فيكيل التهم للدولة العثمانية، أو لنقل البوسنة والهرسك في عهد سيطرة الدولة العثمانية عليها، ويركز على الظلم والاضطهاد الذي مارسته بحق البوسنيين، وهو -أي المؤلف- بذلك يكرر ما كتبه ويكتبه العرب وغير العرب ضد حقبة الوجود العثماني في المنطقة العربية وبقية المناطق حيث وجدت، ولم يذكر المترجم في مقدمته سنة تأليف ونشر هذه الرواية، لكنها على الأرجح تنتمي للحقبة التي أصبحت فيها البوسنة جزءًا من يوغسلافيا، وكانت الروايات تكتب عن الدولة العثمانية، أو الثقافة الإسلامية بشكل سلبي، ومن هذه النماذج على سبيل المثال إيڤو اندريتش صاحب رواية “جسر على نهر درينا”.
نهاية الرواية حملت بُعدًا وعظيًا قصصيًا مُستقى من التاريخ، ويتمثل في قصة قتل الحجاج الثقفي للتابعي سعيد بن جُبير، ثم وفاة الحجّاج بعده بقليل”.

Read Full Post »

20140413-225232.jpg

قناديل ملك الجليل

إبراهيم نصرالله

عدد الصفحات: 559 صفحة.

دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون/ الطبعة الخامسة-فبراير 2014م.

هذه الرواية هي الثامنة ضمن سلسلة “الملهاة الفلسطينية” التي يبدعها إبراهيم نصرالله، حيث يتناول فيها نصرُالله سيرةَ حياة الشيخ ظاهر العمر وكفاحه لتوسيع رقعة ملكه، والاستقلال عن الحكم العثماني في معظم مدن فلسطين الحالية، أو جنوب الشام جغرافيًا، وذلك في القرن الثامن عشر الميلادي.
الرواية بدايتها، وحتى منتصفها، كانت مزيجًا من أدبٍ وتأريخ، يمازج بينهما نصرالله دون تكلف، أو إغراق في جانب على حساب آخر، إلا أنه في “الأمتار” الأخيرة من روايته، يبدو أنه قد أعياه التعب جرَاء المشي على هذا الخط الرفيع الفاصل بين الأدب والتاريخ، فحسم أمره ومال إلى التاريخ فيما تبقي من صفحات الرواية، لينقل أحداث سياسية وقعت في مصر وبلاد الشام وبينهما فلسطين، ومآل ظاهر العمر، وهنا بالتحديد تبدأ المقارنة بين نصرالله وأمين معلوف في كتابة الروايات التاريخية.
الرواية تحمل مضمونًا فكريًا واضحًا وهو؛ الوحدة الوطنية والسياسية للبلاد التي نهض بها الشيخ ظاهر، لقد وحّدت الإجراءات العثمانية التعسفية والظالمة، مدنَ فلسطين وأهلها، ليكونوا بذرة الدولة الفلسطينية الأولى على يد ظاهر العمر، ولذلك كان واضحًا “تكلف” ابراهيم نصرالله في ذكر أبناء الطوائف والأديان والمناطق الأخرى، وجهودهم المثالية لنصرة الشيخ ظاهر، والوقوف معه في وجه الظلم العثماني، وكذلك تكرار استخدام لفظ “هذه البلد” أو “البلاد” على لسان ظاهر إشارة لمدن فلسطين، مرسخًا في الأذهان وحدتها التي مزقها المتسلمون العثمانيون.

إذًا، كانت رواية ذات مضمون سياسي اجتماعي محمَّل بالأفكار الحديثة، قدمه نصرالله على لسان شخصيات تاريخية، أستبعد أنها كانت على علم أو دراية بهذه المضامين، ففكرة البلاد الواحدة، وتجاوز الانتماءات المذهبية والدينية، والانضواء تحت وحدة وطنية جامعة، والسّفور، إنما هي أفكار تعتبر حديثة في وطننا العربي، بل ما زالت ضعيفة، لم ترسخ بعد، وما يحدث حولنا الآن إلا مصداق هذا الكلام.

مثلاً، في صفحة رقم 118، يتحدث نصرالله عن زيارة ظاهر العمر الشاب لدمشق للمرة الأولى، وهذا ما كتبه نصرالله وصفًا لها:

كانت دمشق عالمًا آخر، عالمًا يضج بالحركة، جنود يقلبون وجوه المارّة بحثًا عن صيد. نساء بألبستهن الملونة. فتيات بوجوههن الجميلة، الفتيات اللواتي سيعرف الكثير عنهنّ، وعن إصرارهن على حقِّهن في السّفور، ورفضهن ارتداء الحجاب كأمهاتهن.

وهنا أستغرب، فعن أي بقعة يتحدث عنها نصرالله؟! وعن أي حقبة زمنية هذه؟! هل كانت بالفعل فتيات دمشق هكذا؟! تضارع فتيات باريس ولندن بالتحرر؟! وركِّز على عبارة نصرالله “حقهن في السّفور”!

عبارة أخرى على نفس الشاكلة على لسان الشيخ ظاهر العمر، حيث يقول:

أنا لا يعنيني ما تؤمن به، يعنيني ما تفعله بهذا الإيمان.

هذان مثالان على الحمولة التي حاول نصرالله تقديمها على ظهور شخصيات تاريخية، ربما عاشت وماتت وهي لم تسمع بهكذا أفكار و”مثاليات”.
الرواية لم تخلُ من عبارات ذات مضمون فلسفي لنصرالله تعكس فكره ورؤيته، تمامًا كما قرأت في “زمن الخيول البيضاء”، عبارات ذات طابع عميق، تأتي كثمرة لتجربة معاصرة، هي تجربة إبراهيم نصرالله المعاصرة، لكن حاول كما قلت أعلاه، تقديمها عبر شخصيات تاريخية.
وكما في “زمن الخيول الييضاء”، يقدم نصرالله المرأة الفلسطينية بأجمل صورة، ويضعها على قدم المساواة مع الرجل في تحريك الأحداث، والإلهام بها، والمشاركة الفعّالة في الحياة اليومية، بحلوها ومُرِّها، هنا إبراهيم نصرالله يخالف ما تعارفنا عليه في معظم كتابات الأدب العربي فيما يتعلق بصورة المرأة، فهي إما مغلوب على أمرها، وعلى هامش الحياة تعيش، وإما أن تكون امرأة لعوب، تحيك الدسائس والخيانات، يكسر نصرالله هذه الثنائية، ليضفي على المرأة أدوارًا تتوازى مع أدوار الرجال، في شخصيات مركبة، تشتمل على خصائص البشر العاديين، فهي تحب، وتكدح، وتغضب، وتبغض، إلى آخر ذلك من خصائص بشرية، ليست مقتصرة على جنس دون آخر.

الهوامش في روايات نصرالله توازي هوامش كتب التاريخ والفكر أهمية، فالرجل يعتني كثيرًا بالمعلومات التاريخية التي يذكرها في ثنايا رواياته، وهذا جهد مشكور، ورغم محاولات نصرالله تقديم صورة مثالية عن الشيخ ظاهر العمر، إلا أنه قد يكون في الحقيقة مجرد “مُتسلِّم” عُين بموافقة ورضا الدولة العثمانية، وصادف أنه كان صاحب طموح كبير، فطمع في توسيع دائرة أملاكه “الإقطاعية” على حساب الدولة التي عينته في منصبه، فاصطدم بها، وكانت نهايته، قد تكون هذه الحقيقة!

آخر تعليق: النهاية كانت صاعقة حزينة على نفسي، والرواية بالفعل جميلة ورائعة، إلا أنها تقصر كثيرًا عن جمال وروعة “زمن الخيول البيضاء”.

Read Full Post »

20130329-222136.jpg

رواية أوليفر تويست

تأليف: الأديب الإنجليزي تشارلز ديكنز

ترجمة: منير البعلبكي

عدد الصفحات: 576 صفحة

اصدار: المركز الثقافي العربي، ودار العلم للملايين/2007م

رواية اجتماعية ناقدة، يكشف فيها الأديب الإنجلزي ديكنز عن مساوئ اجتماعية وقانونية يعيش في ظلها الفقراء في انجلترا، كما أنه يسلط الضوء على الفساد الذي اعترى المؤسسة الدينية، وجعل من رجال الدين تجار، لا تهمهم إلا المكاسب والأرباح.

وعلى طول الرواية، وأحداثها الدرامية، كان ديكنز ينتقد بتهكم وسخرية كلاً من نمط الحياة المدينية-نسبة إلى المدينة، وهنا لندن هي المعنيّة- والقوانين الإنجليزية الجامدة، التي لا يمكن تلمس أي مظهر من مظاهر الرحمة فيها للفقراء، وكذلك ينتقد سذاجة البورجوازيين والقضاة ورجال الدين الإنجليز.

والرواية فيها بُعد شخصي، إذ أن من قرأ سيرة حياة مؤلفها ديكنز-ولو من ويكيبيديا- لوجد أن فيها انعكاسًا لما عاناه ديكنز في أوليات حياته.

يمكن لي القول، أن ما عاب هذه الرواية، هو طولها قياسًا للحدث الرئيسي وهو “قصة أوليفر تويسيت”، كما أن النهاية ذكرتني بالأفلام الهندية، من حيث صياغتها أو سرعة حدوثها.

لا شيء آخر أضيفه، سوى أن هذه الرواية، وكروايات أخرى كـ”البؤساء” لـ/فكتور هوغو، و”المساكين” لـ/ديستوفسكي، تكشف لنا الوجه الحقيقي للمدينة/المدنية الأوروبية في القرن التاسع عشر، إن هذه الروايات العظيمة لم يكتبها أصحابها بسبب براعنهم وقدراتهم الادبية فقط، بل لهول ما رأوه وعايشوه في مجتمعاتهم.

ففي الروايات الثلاث، كان الحديثُ منصبًا على أوضاع غير إنسانية تعرض لها وعانى منها الإنسان في أعظم مدن أوروبا في حينها.. لندن في “أوليفر تويست”، باريس في “البؤساء”، وسانت بطرسبرج في “المساكين”.

أمرٌ آخر وجدته في الروايات الثلاث، وهو تكرار العبارات ذات المعاني الدينية، المؤكدة على وجود الرب الرحيم العادل، الذي بمشيئته وبحكمته تحدث الأمور، وكأن المؤلفين أرادوا أن يعاكسوا تيارًا إلحاديًا كان في أوج قوته آنذاك.

وكذلك اشتركت الروايات الثلاث في الثناء على الكتب والقراءة، وخصوصًا ديستوفسكي في مساكينه، حيث كان كثيرًا ما يُثني على مؤلفات الأمير الأديب الروسي ألكسندر بوشكين على لسانَي بطلي الرواية، وفي غير ما موضع من “البؤساء” و”أوليفر تويست” كانت هناك إشارات إيجابية عن القراءة والكتب.

الأمر الأخير، وهو من المفارقات الغريبة، أن فكتور هوغو اعتنى كثيرًا ببطل روايته “جان فاليجان”، وكذلك فعل ديكنز مع “أوليفر تويسيت”، إلا أن ديستوفسكي عرض بطل روايته “ماكار دوفشكين” في شكل جعله ساذجًا في أحيان كثيرة، لم يفرض احترامه بقدر ما أثار رثائي على معتوهٍ ما.

س: أيُّ الروايات أعظم؟

ج: ببساطة… البؤساء، وكفى

20130329-222136.jpg

Read Full Post »

العنوان: تلك العتمة الباهرة

المؤلف: الأديب الطاهر بن جلّون

عدد الصفحات: 223

الدار: دار الساقي الطبعة الرابعة 2008م

لا أعلم إلى أين ومتى سيستمر مسلسل “أدب السجون” العربي هذا؟ بدأته مع “شرق المتوسط” لعبدالرحمن منيف، ومنذ ذلك الوقت، لا يهز وجداني سوى أن أقرأ لهذا الأدب، ثم قرأت “الأوردي- مذكرات سجين” لزهران، فكان تأكيدًا لوصف سابقٍ أطلقته على هذا النوع من الأدب بأنه….”أصدق أنواع الأدب“.

والآن في تجربة ثالثة ومثيرة… إنها “تلك العتمة الباهرة” لـ/الطاهر بن جلّون.

في بداية روايته، يشير بن جلّون بأن أحداث الرواية واقعية، وهي مستوحاة من شهادة أحد معتقلي سجن “تزمامارت”، ذلك السجن الرهيب الذي أنشأ لعدد من الجنود والضباط، ممن قاموا بمحاولة انقلاب فاشلة -انقلاب الصخيرات-في العام 1971على ملك المغرب، وربما يُمكن القول من خلال أحداث الرواية، أن بعض الجُند قد “غُرّرَ” بهم وتم “إقحامهم” بهذه المحاولة الفاشلة من قِبَلِ بعض الضباط الناقمين على الملك ونظامه.

بصراحة، لا أعبأ إن كانوا متورطين عن عمد، أو تم التغرير بهم، ولا يهمني التأكد من رواياتهم ما قبل السجن، كل ما يهمني هو أن أعرف….كيف يمكن للأرض أن تتحمل ظلمة وسجانين يفعلون بالبشر الضعفاء ما يشاءون من صنوف العذاب؟

كيف يُمكن للإنسان أن “يُبدعَ” و”يتفنن” في تعذيب إنسانٍ آخر على النحو الذي قرأته في هذه الرواية، أو في غيرها من روايات السجون العربية؟

“كانت زنزانتي قبرًا، لُجَّة تبتلعُ الجسمَ رويدًا……….ولكن حين عرفتُ تزمامارت بَدا لي سجن القنيطرة، برغم كل ما قيل عنه، سجنًا يشبه أن يكون بشريًا، فهناك نور وبصيص أمل”.

في 39 فصل، يصوّر بن جلّون رواية المجند “عزيز” والذي قضى تقريبًا 18 عامًا في معتقل تزمامارت، رواية مؤلمة وتعكس وضعًا إنسانيًا بل حيوانيًا مُزريًا كان يعيشه المعتقلون.

عن ماذا نتحدث؟ هل يكفي ضيق المكان، حيث كانت كل زنزانة تُعتبر قبر حقيقي لصاحبها، فطولها يبلغ 3 أمتار، وعرضها متر ونصف المتر، أما سقفها فوطيء جدًا يتراوح ارتفاعه بين 150-160 سم؟

هل نتحدث عن انعدام التهوية بحيث ما يصل لرئتي المعتقل فقط نسمات تُبقيه على قيد التعذيب ولا أقول على قيد الحياة؟!

هل نتحدث عن ظلام دامس مستمر، هل نتحدث عن حفرة قطرها 10سم توجَدُ بزاوية كل زنزانة….هي ما يمكن أن يستخدمه المعتقل ليتبرّز ويتبوّل فيها؟

“الحُفرة مُجددًا، العتمةُ حالِكَة، حتى فتحة السقف جُعلَت بحيث يدخل منها الهواء دون أن نُبصرَ الضوء”.

ما سبق جزء يسير فقط من صنوف المعاناة والبلاء التي تعرّض لها وعايشها المعتقلون، وكانت تُصمم وتُنفذ بحيث:

“يتلقى الجسمُ كُلَّ ضروب العذاب الممكنة، وأن يُكابدها بأبطأ ما في البُطء، وأن يَبقى على قيد الحياة لكي يُسام عذاباتٍ أخرى”.

أمّا السجانون، فهم جحيمٌ آخر، سومُِ المعتقلين بصنوف العذاب اللفظي والجسدي والنفسي كانت مهمتهم، وقد كانت دائمًا مرسومة بإطار مُحدّد:

“وكانت مهمة الحُراس تقضي بأن يُبقوا علينا في حالٍ من الاحتضار أطول مُدة مُمكنة، وكان على أجسادنا أن تُعاني التحلُّل شَيئًا فشيئًا، وأن يطول أمد عذابنا لكي يتسنى أن ينتشرَ ببطء”.

كيف كان الموتُ يحصد واحدًا تلو الآخر، دخل الجناح “ب” 23 نفرًا، لم يتبقى في النهاية سوى 3 سجناء….والله وحده يعلم كم مات في بقية أجنحة سجن “تزمامارت”.

آه… الموت! الموت، أمنية كلِ مُعتقَل، ولكن هل كل سجين مات بسبب التعذيب؟!

“مُعظم الذين قضَوا لم يقضوا جوعًا، بل حقدًا.

الحقدُ يُضعف. أنه يتأكَّل الجسمَ من الداخل، ويُصيب جهاز المناعة، فعندما يُقيم الحقدُ في دواخلنا، ينتهي الأمرُ بأن يسحقنا”.

وكان موت أحدهم…فرصة للآخرين كي يخرجوا من قبورهم، كي يدفنوا صاحبهم كما تأمر الشريعةُ بذلك، طبعًا بعد مفاوضاتٍ مع السجّانة، وكانت هذه الفرصة تعطي بقية السجناء فسحة من هواء نقي يملأ الرئتين، وضوء الشمس الطبيعي الدافئ:

“وبلغَت بي القسوةُ حدًا جعلني أطلبُ النفعَ من وفاة أحدنا؟…….فقد صار الدفنُ، بالنسبة إلينا مُناسبة للخروج ورؤية بصيص من الضوء، كانت تلك مكافأتنا، وأملنا السري، الأمل الذي ماكُنا نجرؤ على التعبير عنه بكلمات، لكنه يراود أفكارنا”.

هذه صفحة أخرى، من صفحات كتاب “السجون” لمؤلفه الماهر “النظام العربي” الذي لا يُبدي تميزًا في مجالٍ آخر، كما يُبديه في السجون والظلم.

Read Full Post »

إدراك الإنسان لجهله، هو شكلٌ من أشكال المعرفة

رواية حول تاريخ الفلسفة لـ”جوستاين غاردر”

دار المنى ـ الطبعة الخامسة

ترجمة/ حياة الحويك عطية

عدد الصفحات 542

هل تعلم أي شيء عن الفلسفة…أو تاريخ الفلسفة…أو علماء الفلسفة؟!

يقدم لنا المؤلف الفلسفة بأسلوب جديد مُبتكر، عبر رواية وشخوص خياليين، وينتقل من حقبة فلسفية إلى أخرى، ومن أفكار علم من أعلام الفلسفة إلى آخر، بلغة روائية بسيطة، وواضحة في مجملها.

لقد حاول المؤلف-وهو أستاذ فلسفة نرويجي- تبسيط المفاهيم والأفكار الفلسفية، وقد نجح في ذلك إلى حدٍ كبير، وبالإضافة إلى كم الأفكار الفلسفية التي أوردها، وأسماء الفلاسفة الذين تطرق إليهم، فقد نجح أيضًا في حشد معلومات تاريخية مهمة، تتعلق بالفلسفة وتاريخ الفكر الأوروبي.

عمومًا، قام المؤلف بالمزج بين الدروس الفلسفية-التي كانت تتلقاها صوفي- وأحداث الرواية بشكل لطيف، حيثُ يُخرج القارئ من رتابة الأفكار الفلسفية إلى دراما وأحداث الرواية، والمطاردة المستمرة بين صوفي وألبرتو من طرف ووالد هيلد من طرفٍ آخر.

أعجبتني طريقة السرد التاريخي للفلسفة، والأفكار الفلسفية، وشدتني أكثر تلك التي تتعلق بتاريخ الفلسفة.

هل صححت الرواية بعضًا مما يسكن مخيلتي تجاه الفلسفة؟

حقيقة، لم تكن مخيلتي تحوي إلا على بعض أسماء الفلاسفة، أما ما هي جهودهم وأفكارهم، فقد أتاحت لي هذه الرواية فرصة التعرف عليها –أو على جزء منها– لأول مرة.

ومن بين الأفكار تلك، فكرة خلق الوجود، حيث وجدتُ أن أغلب الفلاسفة-قديمًا وحديثًا- يقرون بوجود إله خالق للوجود، وهذه هي المرة الأولى التي أعرف أن الفلاسفة يقرون بذلك.

نهاية…أقول بأن الفلسفة بدأت بسيطة، وانتهت إلى جانب كبيرٍ من التعقيد، كحياتنا التي نعيشها، وهو ما يعكس ارتباطًا وثيقًا بين الفلسفة وحياتنا اليومية.

باختصار هي دعوة لقراءة هذه الرواية، التي تجد فيها سقراط وأرسطو، ماركس وهيغل وداروين، بصورة مبسطة تُعينك على فهم أفكارهم فيما بعد، بشكل أكثر عُمقًا.

فيما يلي، اقتباسات أجدها جديرة بأن تُدون هنا، ليهتف بها القرّاء:

  • الميزة الوحيدة اللازمة لتصبحَ فيلسوفًا هي أن تندهش.
  • المُحزن، أننا نتعود، ونحن نكبر، على أشياء كثيرة غير جاذبية الأرض، ونخلص لأن نرى كل شيء طبيعيًا.
  • الفيلسوف هو إنسان لم يستطع يومًا أن يتعوّد على العالم.
  • وحدهم الفلاسفة يمتلكون شجاعة السير في الرحلة الخطيرة التي تقودهم إلى أقصى حدود اللغة والوجود.
  • الأسطورة هي قصة موضوعها الآلهة، تُحاول أن تفسر الظواهر الطبيعية والإنسانية.
  • عندما تنام الأسطورة على ورقة، يمكن أن تصبح موضوعًا للمناقشة.
  • إذن، وبما أن العلم لم يكن موجودًا، فقد اخترعوا الأساطير.
  • الإيمان الوطيد بعقل الإنسان، هو ما نسميه العقلانية، والعقلاني هو الذي يؤمن بأن العقل هو مصدر كل معرفة في العالم.
  • الفلسفة ليست شيئًا يمكن تعلمه، وإنما يُمكن تعلم التفكير، بطريقة فلسفية.
  • تاريخ الفكر هو دراما مسرحية من عدة فصول.
  • غالبًا ما نقول الحقيقة عندما نخاف.
  • البطالة أم الرذائل.
  • إن العقل، كالضمير، يشبهان عضلة، إذا لم نستعملها تضعف شيئًا فشيئا.
  • غالبًا ما يقال، أنه يجب أن لا نصدق شيئًا إلا بعد أن نراه بأم عيننا. لكن هذا خطأ.
  • ما من شيء أفضل للتقدم من وجود معارضين أقوياء.

ملاحظة:

وقع الاختيار على رواية “عالم صوفي” لتكون بداية نادي القراءة مع جمعٍ من الأصحاب، واليوم السبت بإذن الله ستتم مناقشة هذا الكتاب.

Read Full Post »