Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘فرنسا’

image

 

رحلة من مصر إلى مصر
الأستاذ المحامي محمد فريد وجدي بيك

مراجعة وتصحيح وتعليق: د.عبدالمجيد خيّالي
عدد الصفحات: 146 صفحة (شاملة الفهارس والصور).
الناشر: مركز التراث الثقافي المغربي ودار ابن حزم/ الطبعة الأولى/ 2011م.

 

المحامي والسياسي والمؤرخ محمد فريد بيك، يقوم برحلة سياحية قصيرة في صيف عام 1901م، ليستطلعَ بها ما أصاب المسلمين جرّاء التخلف والانقسام والتنازع بينهم، ولذلك فهو يقصد اسبانيا، ليطلعَ على شواهد باقية من الحضارة الإسلامية، بقيت برغم محاولات المحو والتشويه، ثم يتوجه لشمال أفريقيا، ليكون شاهدًا شهادة العين والأذن والمعايشة، على ما يتعرض له العرب والمسلمون في ديارهم من ظلم المحتل.

مسار الرحلة:
بدأ المحامي وجدي بيك رحلته يوم الجمعة 5 يوليو 1901م، منطلقًا من القاهرة، وبحرًا توجه نحو مرسيليا، المدينة الفرنسية الساحلية العتيقة، وبعد قضاء بضعة أيام فيها، توجه بحرًا نحو اسبانيا التي طاف في أرجائها، فشملت رحلته بالترتيب المدن التالية: برشلونه – سرقسطة – مدريد – طليطلة – قرطبة – غرناطة – اشبيلية – وأخيرًا قادس.
ويبدو من خلال سير رحلته في ربوع اسبانيا، أن السائح كان يقصد التعرف على ما تبقى من آثار المسلمين في الأندلس، لذلك، فهو لم يتجشم عناء التوجه لمدن غرب وشمال اسبانيا، وذلك لعدم اشتمالها على ما تبقى ويُظَن أن له علاقة بتاريخ الأندلسيين وحضارتهم، واكتفى بأن يقضي يومين أو ثلاثة في كل حاضرة من حواضر الأندلس العريقة، وهو في رحلته هذه، يقدم دروسًا وعِبَر يطلب من المسلمين التنبه لها، كما أنه لا يُخفي حزنه على بدائع إسلامية تعرضت للتشويه والتبديل، وطمس آيات القرآن، ليوضع عليها وبشكل مُنفر علامات وأيقونات المسيحية.

كما أن الأستاذ المحامي، كان حريصًا على انتقاد بعض المظاهر غير الحضارية في الحياة الاسبانية اليومية، وأهمها كانت مصارعة الثيران، هذه الرياضة التي لا بد فيها من نزف الدماء وقتل الحيوانات، لا لشيء سوى المتعة، كانت هذه الرياضة محل انتقاد شديد من المحامي صاحب الرحلة، وسابقًا، انتقد الأستاذ الفرنسيين وعموم الأوروبيين على ممارساتهم واعتقاداتهم الدينية المتخلفة، المتمثلة في إلقاء النذور في الكنائس، وغيرها من السلوكيات فكتب يقول:

“ومن الغريب أن الإفرنج يرموننا بالجهل، لتمسك بعض جهلائنا بالأوهام الباطلة، واعتقادهم بتأثير الأحجية والتمائم مع شيوع هذه الاعتقادات بين أكثر طبقاتهم تنوراً، فهم يغمضون الجفن عن عيوبهم، وينظرون إلى أقل عيب في غيرهم بالنظارة المكبرة، لكن لا غرابة في ذلك، فهو أمر طبيعي في الأفراد والأمم”.

لكنه كذلك أثنى على دور الحكومة الاسبانية في الاهتمام والعناية بالآثار الأندلسية القديمة المتبقية، وهذا الأمر له علاقة مباشرة بما يسمى “الحنين إلى الأندلس” هذه الموجة الأدبية التي اجتاحت مثقفي وشعراء وأدباء الغرب في القرن التاسع عشر، فكان ذلك سببًا في إقبال السائحين والباحثين على اسبانيا، ومن هنا تنبهت الحكومة الاسبانية لما يمكن أن يعود عليها من منافع بسبب هذه الآثار فأولتها اهتمامها، وشخصيًا، أعتقد أن اهتمام العرب والمسلمين في أوليات القرن العشرين وحتى منتصفه، كان رجع الصدى لتلك الموجة الرومانسية الغربية تجاه الأندلس، فأحيت ما كان ضامرًا في النفوس العربية.
ولأنه عروبي ويعتز بالإسلام وحضارته، فلم يفوت فرصة المرور على “مكتبة الاسكوريال”، والتعرف على الكتب والمخطوطات العربية التي بحوزة هذه المكتبة، وهي تشكل ذخيرة غنية ومتنوعة، كثير منها لم يُكتشَف بعد.
***
وفي يوم الاثنين الموافق 29 يوليو، يتوجه المحامي بحرًا من قادس إلى طنجة، ومنها إلى عدة مدن عربية، وذلك على الترتيب التالي:
طنجة – مليلة – وهران – تلمسان – مدينة الجزائر.

طنجة.. المدينة الساحلية المغربية، كانت تخضع لنظام غريب، فهي أفريقية، ويتغلب عليها الأوروبيون، ويتحكمون بأمرها فعليًا، رغم أنها اسميًا تنتمي لسلطان “مراكش” أو ما يُعرف حاليًا بالمملكة المغربية.
وهناك، شاهد وجدي بيك -برأي العين وسمع الأذن وتقطع القلب- ما أحزنه وحذَّرَ منه، فالغلبة هناك للأوروبيين، مدنيًا مناطق الأوروبيين أنظف وأجمل، وعسكريًا، تولى الأوروبيون المناصب القيادية في الجيش والشرطة والبحرية، فقائد الجيش العام فرنسي، وقائد المشاة انجليزي، وقائد القطعة العسكرية البحرية الوحيدة ألماني، وثقافيًا، تتنوع لغات الصحف المطبوعة والمنشورة، ولا توجد بينها صحيفة واحدة تطبع باللغة العربية!
وفي ميدان الاتصالات والبريد، فلكل قنصلية أوروبية مصلحة بريد وتلغراف خاص بها.
وكل ذلك يورده المحامي وجدي بيك، ليحذر من مغبات التفرق، وهو ينتقد سلطان مراكش -ملك المغرب- لعدم استخدامه لضباط من الدولة العثمانية في “ترتيب جيوشه”، ويعزو ذلك لـ:

“التفرق والتخاذل الذي سبَّبَ ضياع بلاد الأندلس، والذي سيكون سببًا في ضياع مراكش وغيرها من بلاد الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله”.

وبعد قضاء يومين في طنجة، توجه بحرًا نحو وهران، ثم بالقطار إلى مدينة تلمسان، ومنها إلى مدينة الجزائر.
وعمومًا، كانت المشاهدات في الجزائر أكثر إيلامًا من تلك التي في لمغرب، ولم يُسمح له بالنزول من الباخرة إلا في اليوم التالي، وبعد بعض الاتصالات، لكنه في البداية وضح سبب زيارته وتجشمه عناء السفر للجزائر:

“أردتُ زيارة الجزائر لأتحقق مما يدَّعي الفرنساويون أنهم أتَوه من الإصلاح، وما قاموا به من الأعمال الجِسام لتحسين حالة الأهالي المعاشية، وتقدمهم في مراقب التمدن والسعادة، فما رأى كمن سمع”.

وبالفعل، لم تكن هذه سوى دعاية ترويجية للمحتل الفرنسي، فأهل البلاد في فقر وتخلف وجهل، وأما التمدن والبحبوحة العيش فكانت حصرًا للمستوطنين الفرنسيين، فأهل البلاد “شيّالون في الميناء أو خادمين عند الإفرنج.. ولا يوجد بينهم تاجر عظيم أو متوسط، ولا صاحب معمل”،ومما وقف عليه السائح العربي، تحويل عدة مساجد إلى كنائس أو مخازن في هذا البلد المسلم!
وكذلك لاحظ الغزو الثقافي الفرنسي، الذي أجبر الناس على هجرة تعلم العلوم العربية والشرعية، والتوجه لدراسة العلوم باللغة الفرنسية، طمعًا في تحصيل وظيفة أو منفعة دنيوية.
وفي وهران، ألتقى محمد فريد بأستاذ اللغة العربية المسيو “موليراس”، الذي كتب له خِطابَين أحدهما إلى قاضي تلمسان، والآخر إلى سكرتير حاكم الجزائر العام، حيث “أوصاهما فيهما بمساعدتي على جميع ما أريده من الاستعلامات عن حالة البلاد وأهليها”، ويؤكد وجدي بيك أن الخطاب الثاني الذي وجه به إلى سكرتير حاكم الجزائر كان مفيدًا له، حيث “أن المسلمين يحذرون من مقابلة من يأتي بلادهم من إخوانهم من البلاد الأخرى، إلا إذا علموا أن الحكومة ورجالها غير ناقمين من وجود هذا المسلم الأجنبي وبالأخص إذا كان تركيًا أو مصريًا”.
وبعد تلمسان توجه إلى مدينة الجزائر، ومما ذكره عنها، أنه كان يوجد فيها 14 مسجدًا جامعًا، لم يبق منها إلا أربعة!
وفي وسط المشاهد التي تجلب الضيق على النفس، والحزن في القلب، تبدى له مشهدًا جميلاً حينما شاهد وجود “عشرة من البحارة الروسيين يؤدون صلاة الجمعة بكل خشوع”، وحينما سألهم عن موطنهم، أجابه البعض بأنه من بلاد قفقاسيا، والبعض من أوفه، وقَزان، وكانت له لقاءات ببعض أعلام الجزائر في حينها ومنهم قاضي تلمسان شعيب بن عبدالله، الذي أكرم وفادة الأستاذ المحامي.
وفي الجزائر البلد الكبير المترامي الأطراف، لا توجد به سوى جريدة واحدة وهي “المبشر”، ولم يذكر عما إذا كانت عربية أم لا،وهي جريدة رسمية تنشر الأوامر وبعض الفصول في فضل فرنسا على العرب، والحض على التعلق بالولاء لها!
وفي آخر رحلته، قدّمَ المسافرُ العربي مقالتين قصيرتين جدًا عن مشاهداته في الجزائر، الأولى عنوانها “الحرية الشخصية في الجزائر”، وفيها يؤكد على ازدواجية معايير هذه الحرية، فكل شيء مباح للفرنسيين والغربيين، وكل شيء ممنوع على الجزائريين. والمقالة الثانية عنوانها “التعليم والمدارس في الجزائر”، وفيها يتناول أوجه الغزو الثقافي الفرنسي، الذي يعمل على تهميش وإقصاء علوم الشريعة واللغة العربية، ويركز عبر آليات عدة، في مقدمتها التوظيف في الإدارات الحكومية، على التعليم باللغة الفرنسية.

وفي يوم الأحد 11 أغسطس، غادر المحامي مدينة الجزائر بحرًا، عائدًا لمدينة مرسيليا، ومنها توجه لقضاء 20 يومًا في كل من مدينتي “باريس” و”فيشي”، ثم قفل عائدًا إلى بلده، فوصل الاسكندرية يوم 10 سبتمبر 1901م.

***
تمتاز هذه الرحلة بعدة خصائص، من أهمها أن صاحبها رجل يحمل هَمَّ الأمة، ويشعر بمغبة التفرقة والتنازع بين أبنائها، فكانت رحلته هذه مطبوعة بطابع النصح والإرشاد، واستلهام الدروس والعبر، فإذا ما عرفنا الوضع الحرج الذي كانت تعيشه الأمة العربية والإسلامية في مطلع القرن العشرين، وإذا ما عرفنا الدور السياسي والحقوقي والثقافي الذي اضطلع به الأستاذ محمد فريد، اكتشفنا أهمية رحلته القصيرة هذي، وأنها تستهدف تنبيه الأمة وإيقاظها من سباتها.
وتمتاز بطابعها الجغرافي الممتد، من مصر إلى مصر، مرورًا بعدة دول وحواضر أوروبية وعربية أفريقية، وهي تقع -كما ذكرتُ أعلاه- في حقبة تاريخية مضطربة ومتأزمة من تاريخ العالم العربي والإسلامي.

ومما تمتاز به هذه الرحلة، أنها من بواكير رحلات العرب إلى الأندلس، فكما أعلم -وعلمي قاصر- أن الأستاذ محمد فريد سبق الأديب الأمير شكيب أرسلان وغيره من العرب في السياحة إلى الأندلس، فكانت تجربة فريدة وسابقة جميلة تسجل لصاحبها.
كما تمتاز هذه الرحلة، باستشراف المستقبل، فكان السائح المثقف يدقق بصره وبصيرته في ممارسات المحتل في كل من المغرب والجزائر، وكان يحذر وينبه لخطورة ما تقوم به حكومات وإدارات المحتل في ثقافة وتاريخ ودين البلدان المحتلة.


كانت لغة صاحب الرحلة واضحة بسيطة، لم يتكلف لا في عبارته ولا في أسلوبه، وكذلك لم يتجنب إظهار عاطفته الحزينة لحال المسلمين، كما أنه كان حريصًا على الموضوعية، فانتقاده لهيمنة الدول الأوروبية واحتلالها بلداننا، لم يمنعه من الثناء على تنظيمها وحسن إدارتها لأمورها في بلدانها.
كان الكتاب قد طبع قديمًا، وهذه الطبعة هي الطبعة الثانية، وكانت بتحقيق الأستاذ عبدالمجيد كيالي، الذي أضاف هوامشًا عديدة، ربما لم يكن من المطلوب وضعها بهذا الشكل، كما أن هذه الطبعة حفلت بصور فوتوغرافية لم تشتمل عليها الطبعة اأصلية، وهذه من النقاط السلبية في هذه الطبعة، فبعض الصور “مسحوب” من منتدى في الانترنت، وتظهر في إحدى زواياها شعار ذلك المنتدى أو الموقع، وبشكل مُنفِّر، كما أن خط الطباعة كان كبيرًا، يماثل حجم خط الطباعة في الكتب المدرسية، وربما أرادت الدار إخراجه بهذا الشكل لزيادة عدد صفحات الكتاب.

وعمومًا، الرحلة مثيرة، وحافلة بالدروس، والتنبيهات والتحذيرات التي تحقق للأسف بعضٌ منها.

Advertisements

Read Full Post »

image

ساعات القدر في تاريخ البشرية
ستيفان تسفايج
ترجمة: محمد جديد
عدد الصفحات: 367 صفحة
اصدار: دار المدى/ الطبعة الأولى 2005.

هذا الكتاب هو تجربة القراءة الثانية لي مع ستيفان تسفايج، حيث قرأت كتابه الآخر وهو سيرته الذاتية التي لم يكملها، وكان عنوانها “عالم الأمس”، والحقيقة أن ما وجدته في “عالم الأمس” حفزني لأن أقتني كتابًا آخر للمؤلف ذاته، وإن كان موضوع الكتاب ليس متعلقًا بسيرته الذاتية مباشرة، إلا أنه على صلة وثيقة بالسير الذاتية والأحداث التاريخية التي شغف بها تسفايج.

 

يختار ستيفان تسفايج 14 ساعة من عمر البشرية، كل منها تنتمي لعالم وعصر مختلف، ولكل منها ظروفها الخاصة وأسبابها المتنوعة، إلا أن الرابط بينها كلها هو تأثيرها في عمر ومسار البشرية، لا يعني هذا أنها كلها كانت ساعات انتهت بالنجاح، وتكللت بالتوفيق، لا يبدو أن تسفايج أراد رسم صورة جميلة زاهية مؤطرة بالانتصارات فقط، قد يكون هذا ما يتمناه، لكنه لا ينتمي لواقع الحياة، يقول تسفايج في مقدمة كتابه:

“وأحاول أن أذكِّر هنا ببعض من أمثال هذه الساعات الحاسمة، وقد أطلقت عليها هذا الاسم لأنها تشع بنورها كالنجوم، مضيئة، لا تتبدل، في ليل الفناء والزوال، من عصور وأصقاع شتى”.

أربعة عشر ساعة اختزل فيها تسفايج شغف الإنسان للتحدي، تحدي الطبيعة، وتحدي الناس، وقبلها تحدي الذات، أربعة عشر ساعة غير ذات صلة ببعضها أراد تسفايج التأكيد على أن ما يربطها هو مزيج من معاني ثلاثة هي: الإنسان-الإرادة-القدر.
فلئن كان الإنسان هو البطل، وهو الضحية، فذلك يتطلب منه عزيمة وإرادة لتحقيق المستحيل وإنجاز الصعب، وهذا ما يتطلب تدخل القدر -عنصر الحسم الثالث- الذي يحدد الساعة التي يقبل فيها الإنسان نحو تحديه أو يتردد فيها، وحينها فقط تتبلور في التاريخ ساعة من ساعات القدر في تاريخ البشرية.
أحداث تاريخية مختلفة، وأسماء وأعلام تنتمي لعوالم متناقضة، وجغرافيا مترامية الأطراف، توفر مسرحًا لساعات القدر المفصلية، ولئن كان تحديد الساعة أمرًا عسيرًا، فالمؤلف يكتفي بتحديد اليوم ذي العلاقة بالحدث، اليوم الذي صادف أن تكون إحدى ساعاته فارقة في عمر البشرية، ويورد تسفايج الأحداث بصورة أدبية، بعيدًا عن رسميات التأريخ ولغته الاحصائية، التي لا تتنازل عن ذكر الأسباب والنتائج والحيثيات و..و..وألخ، بل يركز تسفايج الحديث حول محور الحدث التاريخي، مع بعض التهكم أو السخرية، أو الرثاء والأسى، أو الإعجاب والثناء.

  • تبدأ أول الساعات عام 1513م، العام الذي اكتشف فيه الإنسان للمرة الأولى المحيط الهادي، بعد رحلة قامت أساسًا على طمع وجشع بشري لاقتناء الذهب والمجوهرات، لتنتهي بهذا الكشف الجغرافي التاريخي.
  • ثم الساعة الثانية يخصصها تسفايج للحديث عن فتح القسطنطينية عام 1453م، وإن كان في سرده ينحاز للمركزية الغربية، بحيث يتبنى الرؤى المسيحية في معالجتها لفتح القسطنطينية على يد محمد الفاتح، وهو في نهاية مقالته/ساعته هذه، يجعل فتح القسطنطينية كأنه مصيبة حلّت على هذه المدينة، وأن الفتح لم يكن بمهارة المسلمين، وهو لا ينكره بصورة مباشرة، وإنما السبب الرئيس هو “الصدفة”، وقد صوّر المسلمين وكأنهم مجرمون قتلة، هذا بالإضافة لأخطاء تاريخية ودينية أخرى متعلقة بالإسلام.
  • ثم في الساعة الثالثة، يخصصها للموسيقي جورج فريدريش هيندِل، الذي تلقى عام 1741م، طردًا مرسلاً من قبل الشاعر يينين، تضمن قصيدة جديدة للأخير، كانت بمثابة وقود جديد وغير مسبوق للموسيقي الشهير كبير السن، والذي كان بأمس الحاجة لما يجدد قوته، ويبعث نشاطه، ليؤكد للناس أنه ما زال موجودًا، وما زال قادرًا على الابداع.
  • وفي المقالة/الساعة الرابعة، تناول فيها حادثة تأليف نشيد المارسليز في 1792م، وهو النشيد الذي شقَّ طريقه بصورة عجيبة ليصبح النشيد الوطني لفرنسا إلى يومنا هذا.
  • الساعة الخامسة، كانت ذات أثر كبير في توجيه مصير أوروبا والعالم إلى اليوم، هذه الساعة التي حسمت معركة واترلو عام 1815م لصالح الإنجليز، وانهارت على إثرها امبراطورية وطموحات نابليون بونابرت، وهذا الحادث، هو من الحوادث القليلة التي يوردها المؤلف، بحيث كان عنصر الإحجام والتردد هو العنصر الحاسم في الحدث التاريخي، لقد كان عجز الماريشال “غروشي” عن اتخاذ قرار حاسم، هو -بحسب رواية ستيفان تسفايج- القشة التي قصمت ظهر نابليون في جولته الأخيرة أمام الأوروبيين عمومًا، تلكؤ “غروشي” في الارتداد إلى قائده ومساندته، كان من جهة أخرى مؤازرة غير متعمدة للإنجليز عند لقائهم الجيش الفرنسي، والذي تكلل بانتصار الإنجليز.
  • أما الحدث السادس، فهو يمثل عودة للمجال الذي أحبه واهتم به ستيفان تسفايج، بالتحديد الأدب، وهنا ساعة أخرى من ساعات المجد الأدبي الشعري، التي تأتي نتيجة الشعور المفرط بالحزن والأسى، وانعدام الحيلة واقتراب الأجل المحتوم. “مرثية ماريينباد” التي أبدعها شاعر ألمانيا الكبير غوته، هي محور الساعة السادسة من ساعات تسفايج، وهذه الساعة تعود إلى أحد أيام سبتمبر عام 1823م، هذه المرثية التي يهديها غوته لنفسه قبل أن يهديها للعالم، قصيدة تدور حول قصة حبه لفتاة بعمر أحفاده لا تتجاوز سن التاسعة عشر، ماذا يفعل شيخ كبير سبعيني عشق فتاة في التاسعة عشر من عمرها؟! ماذا يجديه غير الشعر الذي يهديه للفتاة أولريكه فون ليفتسوف، ويصرح فيه عن مأساة الرجل الكبير الذي عشق ما لا يمكنه الوصول إليه أبدا:

ألا فغادريني، يا رفيقة الطريق الأمينة
ودعيني وحدي على الصخرة، في المستنقع وسط الطحلب!
ألا فليكن ذلك! فإن العالم قد انفتح لكِ،
والأرض على اتساعها، وفي مثل عُلُوِّ السماء واتساعها؛
فلتنظروا، ولتبحثوا ولتجمعوا تفاصيل الدقائق والتفاصيل، ولتَرْووا عن الطبيعة ما تفضي به من سرّها، متلعثمة
أما أنا فكل هذا يُخَيَّل إلي أنني فقدت نفسي ذاتها.

  • العالم الجديد مرة أخرى، وهنا نتوجه للحظات اكتشاف الغرب الأمريكي مع أحد المغامرين الأوروبيين، “يوهان أوغست سوتر” الذي أراد أن يبدأ حياة أخرى جديدة، نظيفة وقانونية في أمريكا، وهذا ما كانت تُنْبئ به الأيام الأولى، التي وصلت ذروتها عند وصوله للغرب الأمريكي الواعد بالثروات والكنوز، لكن في أحد أيام عام 1848م، يكتشف أحد عماله شيئًا ثمينًا سيقلب حياة “سوتر” رأسًا على عقب، حزنًا بعد فرح، خسارة بعد ربح.
  • وغير بعيد في التاريخ، وبالتحديد عام 1849م، وفي لحظة تاريخية ندر أن تتكرر، يهدي تسفايج المقالة الثامنة للأديب الروسي دويستوفيسكي، الرجل الذي أحبه كثيرًا، وقرأ أعماله بنهم شديد، وهذه اللحظة يقدمها تسفايج كقصيدة مهداة للأديب الروسي الذي كان من المفترض أن يتم إعدامه في ليلة من ليالي ذلك العام، ولكن عفوًا يصدر من القيصر بالاكتفاء بنفيه إلى سيبيريا، ينقذ دويستوفسكي في اللحظات الأخيرة، ويتمثل عبر القصيدة مشاعر الثقة بالنفس، والجسارة والإرادة لدى دويستوفسكي، كما يصور تسفايج، وهي قصيدة جميلة بمعانيها رغم ترجمتها للغة أخرى.
  • وفي المقالة التاسعة، ينتقل تسفايج إلى عالم التكنولوجيا، وأولى بوادر ما يسمى اليوم بـ”العولمة”، وخصوصًا قطاع الاتصالات، عبر تطور كبير تمثل في ربط العالم الجديد بأوروبا حينما بدأ مشروع مد خطوط التلغراف في المحيط الأطلسي.
  • وفي المقالة العاشرة، عودة أخرى للأدب، وروسيا مرة أخرى، حيث يكمل ستيفان تسفايج في هذه المقالة مسرحية لتولستوي، كانت بمثابة مرآة يعكس من خلالها الأيام الأخيرة لعمر الأديب الكبير، ونهايته التي سعى إليها، وكنت قد قرأتُ سابقًا في كتاب تسفايج “عالم الأمس” مدى حبه وشغفه بقراءة أعمال الأدباء الروس، وتأثره به، وفي طليعتهم ليو تولستوي.
  • المقالة الحادية عشر، تتناول قصة الصراع من أجل الوصول واستكشاف القطب الجنوبي، وفيها يتناول قصة الفريق الإنجليزي الذي حاول الوصول للقطب، لكنه كان قد سُبق من قبل الفريق النرويجي، وما تلا ذلك من مأساة أصابت جميع أفراد البعثة الإنجليزية.
  • وفي المقالة الثانية عشر، نبقى مع روسيا، ولكن هذه المرة مع ثورة البروليتاريا، والموضوع الرئيس هو عودة لينين بالقطار إلى روسيا بعد اندلاع الثورة فيها.
  • وأما المقالة قبل الأخيرة، فيوغل فيها تسفايج بالعودة إلى الماضي السحيق، إلى أيام الرومان، ودور شيشرون في محاولة إنقاذ الجمهورية، لكن محاولته باءت بالفشل، وأودت بحياته في نهاية المطاف.
  • وأما المقالة رقم 14 والأخيرة، فهي لا تختلف في فكرتها العامة عن فكرة المقالة السابقة، إلا أن أحداثها تقع جميعها بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وكما كان شيشرون يحاول إنقاذ النظام والحفاظ على مبادئ الجمهورية الرومانية، وقوة المواطنين فيها، فيوجد أيضًا في عصرنا من سعى لإنقاذ العالم من الصراعات وإخراجه من دائرة الحروب المتكررة، وحاول تأسيس نظام عالم جديد، تقرر فيه الشعوب مصيرها وحقوقها، أتحدث بالضبط عن الرئيس الأمريكي “ويلسون” الذي حاول عبر ورقة مبادئه الـ14 الشهيرة، أن ينهي الصراع البشري السياسي والحربي، لكنه ويا للمفارقة لم ينجح بذلك تمامًا كما حدث لشيشرون قبل أكثر من 1000 عام.

أكثر ثلاث ساعات أعجبتني هي:
دقيقة واترلو في تاريخ البشرية (المقالة السادسة).
لحظة بطولية (المقالة التاسعة، وهي قصيدة).
شيشرون (المقالة الثالثة عشر).

بطريقة أدبية جميلة أورد تسفايج هذه الأحداث التاريخية، واستخدم فيها ألوانًا من الكتابة: الشعر والمسرحية والمقالة، وقد تباينت في الطول والقصر، كما تباينت في المتعة والإثارة، ولا أنسى أنها في النهاية مجرد إضاءات على التاريخ، ولكن كما أشرت فيها مركزية غربية واضحة في التعاطي مع الأحداث والشخوص.

كانت الترجمة جيدة، عابها صياغة العبارة في بعض الأحيان، رغم جهد المترجم في وضع الهوامش التوضيحية حيثما لزم.

 

 

 

 

Read Full Post »

Persianletters

رسائل فارسية

مونتسكيو

ترجمة: أحمد كمال يونس

مراجعة: عبدالحميد الدواخلي

عدد الصفحات: 367 صفحة

الدار: دار سعاد الصباح/ الطبعة الثانية/ 1992م.

 

المفكر الفرنسي مونتسكيو، صاحب كتاب “روح القوانين”، يطرح في كتاب “رسائل فارسية” نقدًا سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، عبر أسلوب جديد مثير، وهو الرسائل التي يغلب عليها روح السخرية والتهكم، المبطنة بالمعاني شديدة اللهجة لما يجري ويحدث في فرنسا خصوصًا وأوروبا عمومًا.

مونتسكيو يختلق قصة أمير مسلم فارسي، اسمه أوزبك، شغوف بالمعرفة والحكمة، فيغادر بلاده نحو الغرب، باحثًا عن أرضٍ يجد فيها بغيته، ويصل باريس ويراسل أهله الذين تركهم وراءَه، ناقلاً لهم مشاهداته وخبراته في الحاضرة الأوروبية العريقة.

لكن مونتسكيو، لا يُقصر كتابة الرسائل على هذا الأمير الفارسي، فهناك عدة أشخاص أخَر يساهمون في كتابة الرسائل، فمثلاً، كبير خصيي القصر، الذي يُخبر سيده الغائب عن أخبار نسائه اللواتي تركهن خلفه بعهدة كبير خصيي القصر هذا، وهناك رسائل روستان صديق أوزبك، ورسائل بعض زوجات أوزبك، وغيرهم من كتبة الرسائل، تلك الرسائل التي استخدمها مونتسكيو طَبقًا يُقدم من خلاله نقدًا مباشرًا وأحيانًا غير مباشر للمجتمع والدولة والدين والتقاليد.

وقد قرأتُ فيما سبق، أن مونتسكيو استخدم هذه الطريقة المبتكرة ليتخلص بها من مقص الرقابة الفرنسية في عهده، وخصوصًا حينما يتعرض لنقد ظواهر سياسية تتعلق بالملك وإدارته للأمور، لكنني وجدته بالفعل ينتقد الملك نقدًا مباشرًا في إحدى الرسائل، فيقول مونتسكيو على لسان السائح الفارسي أوزبك:

إن ملك فرنسا أعظم ملوك أوروبا…. لأنه يستغل غرور رعيته وحبهم للفخر، وهذا مورد لا ينفد كما تنفد المناجم، فإذا أراد أن يثير حربًا ضروسًا، أو يعين عليها فليس له مورد إلا أن يبيع ألقاب الشرف، فبمعجزة الغرور الإنساني يدفع مرتبات جنده، ويقوي حصونه، ويعد أساطيله.

مونتسكيو لم يترك شيئًا إلا ووجه له سهام نقده، فاجتماعيًا، انتقد كثيرًا من الظواهر الشائعة في المجتمع الفرنسي، كالشغف بالموضة، وتغيير اللباس والأزياء وتصفيف الشعر، وينتقد الشعب الذي بلغت فيه الأنانية أقصى حدودها، وقانونيًا، انتقد الجهاز القضائي والقضاة أنفسهم، وانتقد ذلك الزهو الكبير الذي يحيطه القاضي بنفسه، وينتقد استخدام الملوك القانون لصالحهم على حساب تحقيق العدالة، وسياسيًا، انتقد المجالس البرلمانية وعدم قيامها بدورها المناط بها، وينتقد طريقة اقتباس التشريعات من الأمم الأخرى، التي قد لا تلائم الفرنسيين، ولو خضعت لشيء من التعديل، وثقافيًا، انتقد ظاهرة تأليف الكتب التي لا تحمل جديدًا أو مفيدًا في عالم المعرفة والأدب، وينتقد الصحفيين لتملقهم وكتاباتهم التافهة، ولم يفته توجيه نقده للكنيسة، والمؤسسة الدينية، التي انتشر فيها الفساد واستغلال الضعفاء ونشر الخرافات والتضييق على المؤمنين.

القضاة، النساء، المثقفون، رجال الدولة، رجال الكنيسة، الملوك وغيرهم، شملهم مونتسكيو بنقده الممزوج بالسخرية والتهكم.

والقارئ سيدهش لاتساع أفق معرفة مونتسكيو الذي يستخدم في تأريخ رسائل كتابه شهرًا عربيًا، وعامًا إفرنجيًا، كما أنه يطرح عديد الأفكار محل النقد كما وأن مسلمًا بالفعل هو من يكتب الرسائل، لكن هذا لا يعني صواب جميع الأفكار التي يطرحها مونتسكيو على لسان أوزبك وكأنها مسلمات دينية إسلامية، إلا أن الحق يقتضي بأن نقول أن مونتسكيو كان حسن الاطلاع على ما يجري حوله في العالم، وخصوصًا في الدولة العثمانية، وهنا لا بد أن نتذكر أن الكتاب تم تأليفه في منتصف القرن الثامن عشر، أي قبل أكثر من ٢٥٠ سنة من وجود الانترنت والثورة التكنولوجية.
الكتاب غني بالاقتباسات التي تعكس خبرة وثقافة مونتسكيو، وهو ذات الأمر الذي وجدته في كتابه الآخر “تأملات في تاريخ الرومان”، وكتابات مونتسكيو ليست مجرد كتابات مؤلف أو مفكر، بل هي كما قرأت له وعنه، حصيلة تجربة عملية طويلة في القضاء والتجارة والبرلمان، وقراءات مطولة في التاريخ والفلسفة وغيرها، ونتيجة صولات وجولات في المدن والحواضر الأوروبية، تأمل هذه الاقباسات:

وهل يجدر بنا أن ننظر دائمًا إلى حكم العقل دون أن نحسب حسابًا لسلطان العادة!”.

 

“ويمكن وضع مبدأ ثابت: هو أن الرغبة في المجد في كل دولة تزداد مع حرية الرعية، وتنقص بنقصها، والمجد لا يصاحب العبودية أبدًا”.

 

“النتيجة المألوفة للجاليات، أنها تُضْعِف البلاد التي تُخرَج منها، دون أن تُعمِّرَ البلاد أتي تُرسَل إليها”.

ترجمة الكتاب جيدة، والمترجم اعتنى بترجمته للكتاب، فقدّم له مقدمة بسيطة ولكنها غنية فيما يتعلق بأسلوب مونتسكيو الساخر، كما أنه استخدم الهامش في بعض الصفحات لتبيين وتوضيح تواريخ وأحداث مهمة، أوردها مونتسكيو في المتن.

Read Full Post »

الكتاب: التوسع الأوروبي في العالم -أشكاله وطرقه (1869-1914)
تأليف بيير رونوفن
ترجمة نور الدين حاطوم
دار الفكر المعاصر
عدد الصفحات 304 صفحة
الطبعة الأولى 1997

بداية، أعتقدت أن هذا الكتاب هو من تأليف الأستاذ نورالدين حاطوم، وذلك عندما قرأت البروشور الإعلاني لـ”دار الفكر” السورية، في معرض الكتاب لدينا عام 2008م، ومنذ ذلك الوقت وأنا أبحث عن الكتاب، وعندما ذهبت إلى ركن الدار في معرض الكتاب في العام الذي يليه(2009م) قال لي البائع أن هذا الكتاب نفد منذ زمن بعيد،
ولكن للمصادفة وجدت هذا الكتاب في صيف العام الماضي، في إحدى المكتبات الإسلامية في حوّلي.
على العموم، اكتشفت أن هذا الكتاب مُترجم ليس إلا!، ولم يكن من تأليف نور الدين حاطوم كما بيّن البروشور الإعلاني، لا أريد الإطالة بهذا الموضوع، رغم أني أصبت بنوع من الحيرة…هل كان هذا الشيء مُتعمدًا من دار النشر، أم أنه خطأ مصادفة؟!
نفتح صفحات الكتاب، والذي يبدو جذابًا من عنوانه، فهو يبحث كيفية التوسع الأوروبي حول العالم خلال فترة امتدت 45 عامًا، الطرق والوسائل التي مورست من قبل الأوروبيين لتحقيق هذا التوسع.
في الحقيقة، وجدت أن هذا الكتاب سردي تاريخي، يعتمد على سرد التواريخ والبيانات، وإيراد التفاصيل، وعرض الأرقام والإحصاءات، والأنواع والأصناف، بعيدًا نوعًا ما عن محاولة النقد أو التحليل، أو توضيح الأحداث، ومن بين هذه البيانات والاحصاءات العديدة التي يُقدمُها المؤلف، احصاءات الهجرة الأوروبية إلى أمريكا، أو إلى أصقاع العالم.
ولكن ميزة هذا الكتاب، هو أنه يتيح للباحثين التاريخيين والاجتماعيين فرصة التعرف على الأسباب والخطوات والعوامل والمراحل التاريخية في القرنين الماضيين، والتي مكنت بمجملها الأوروبيين من أن يُحكِموا قبضتهم على العالم.
فعلى سبيل المثال، يذكر المؤلف تأثير تطور عمليات صنع السفن، وتطور النقل البحري في المساهمة باستعمار العالم من قبل الأوروبيين، وكذلك الأمر عندما تطرق لموضوع “نمو النقل الخاص بالسكك الحديدية”.
الكتاب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1- ظروف التوسع الأوروبي.
2- الظروف العامة للتوسع الأوروبي.
3- نتائج التوسع الأوروبي.
و في القسم الأخير، يُركز على نتائج التوسع الأوروبي بالنسبة للأوروبيين، وذكرَ جزء من تأثير النتائج على غير الأوروبيين، ومن ذلك هذا الاقتباس:

إن الشعوب المُستعمَرة أخذت عن الاستعمار فائدتين: لقد أتى بالسلام في وسط كانت الحرب فيه في حالة مستوطنة مستمرة، وأعطى الاستعمار أيضًا الوسيلة لمكافحة المجاعة، ولم يحذفها دومًا(حالة الهند)، ولكنه توصل إلى معالجة هذا الوباء جزئيًا بفضل إنشاء الطرق.

طبعًا الشواهد على ما كتب أعلاه كثيرة….ولا زالت رحمة الأوروبيين في أفريقيا نرى آثارها إلى اليوم؟!

تحدث في الفصل الرابع من القسم الثاني عن “التوسع الديني الأوروبي” -التبشير الديني، وهو يؤكد أن المُبشِّر لا ينشر المذهب المسيحي فحسب، وإنما الحضارة الأوروبية بروح مسيحية.
ويُشير إلى أن الكنائس قد بذلت جهودًا-على اختلاف مذاهبها- في التوسع التبشيري، وكان أهم جهد هو جهد الكنيسة الكاثوليكية.
ويؤكد أن تعاونًا واتفاقًا كان بين الكنيسة وبين الدول الاستعمارية:

“وفي عهد الملك لوي فيليب في فرنسا مُثِّل مبشرو إفريقيا بضباط البحرية، وفي عهد الإمبراطور نابليون الثالث تلقت بعض البعثات مُساعدات مالية”.

طبعًا هنا نتحدث عن فرنسا ما بعد الثورة…عن فرنسا العلمانية!!
والبعثات التبشيرية، لم يكن الدين والتبشير بالمسيحية هو محض دورها، فكما رأينا أن المصالح السياسية والاقتصادية، تقاطعت والمصالح الدينية، أو فلنقل أن السياسية والاقتصاد اتخذا من الدين وسيلة لتحقيق النفوذ:

“وسهلت البعثات التبشيرية التوسع الأوروبي على الصعيد الاقتصادي، كما سهلت التجارة، ونخص بالذكر البعثات البروتستانتية التي كانت في طليعة التجّار”.

لكن المؤلف يعود ليقرر أن الإسلام في المناطق التي انتشر بها، شكّل مقاومة شديدة لحركة التبشير بالمسيحية:

“وبدا الإسلام مُقاومًا جدًا لتغلغل المسيحية، لأن المسلمين يرون أن تغيير الدين هو في الوقت نغسه تغيير علاقاتهم الاجتماعية”.
لقد شكل المسلمون مقاومة قوية  للمبشرين”.

في النهاية، هذا الكتاب لا يركز على النقد التحليلي بقدر ما يسرد التواريخ والإحصاءات…هذا ما أوردته أعلاه، أضف إلى ذلك أن النظرة هنا إلى التوسع الأوروبي هي من جهة غربية، وبعيون أوروبية، وبالتالي ليس من الضروري أن تُرضينا في كثير من نقاطها، ولكنها على الأقل…وجهة نظر تُحترم.

Read Full Post »