Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘قراءة’

atta'aweelAboOmar

التأويل الحداثي للتراث – التقنيات والاستمدادات

ابراهيم بن عمر السكران

عدد الصفحات: 444 صفحة.

اصدار: دار الحضارة للنشر والتوزيع/ ط1/ 1435هـ-2014م.

 

يتتبع ابراهيم السكران في بحثه هذا “دلائل الاستمداد” الثقافي غير المعلنة بين تأويلات الحداثيين العرب للتراث الإسلامي، وما أنتجه المستشرقون الفيلولوجيون من قبل في المضمار نفسه، مؤكدًا على أن ما قام به الحداثيون العرب ليس سوى رجع الصدى لكتابات المستشرقين في علوم التراث الإسلامي، وإن اختلفت الدرجة من حَداثي لآخر. والاستمداد هنا لا يقتصر على استنساخ نتائج أبحاث المستشرقين وإنما يتعداه لاستيراد “تقنيات” البحث ذاتها التي ما فتئ المستشرقون يعالجون بها علوم التراث الإسلامي، وهما تقنيتان/آليتان اثنتان، الأولى “تقنية التوفيد”، والأخرى “تقنية التسييس”.

ويعتقد السكران أن الحداثيين العرب على اختلاف منطلقاتهم الايديولوجية، وحقباتهم الزمنية، كانوا في مشاريعهم الحداثية، وخصوصًا المتعلقة بعلوم التراث الإسلامي، مجرد تكرار لما طرحه المستشرقون من قبل، ويتخذ السكران من قضية “محنة الإمام أحمد ابن حنبل” نموذجًا تطبيقيًا لدراسة الاستمداد الحداثي العربي من الإنتاج الاستشراقي الفيلولوجي فيما يتعلق بالتراث الإسلامي، ويُفصل الكلام في هذه القضية ويشبعها تفصيلات مفيدة ومثيرة بحق، لا يشعر القارئ بأي ملل أو ضجر في قراءتها.

البحث يمكن لي أن أصفه بأنه أفضل ما كتبه الإسلاميون في نقد الاستشراق، ورغم أن بعض المؤرخين والمفكرين الذين يرتكزون على خلفية إسلامية شرعية وأكاديمية، قد تعرضوا في كتاباتهم لبعض مظاهر “التوفيد” أو “التسييس” التي ينتهجها/يستخدمها المستشرقون في كتاباتهم عن التراث الإسلامي، إلا أن هذه المقاربات لم تكن “تشخيصية” بقدر ما كانت استعراضية سريعة وموجزَة، وكانت تستهدف بالأساس “فضح”، أو لنَقُل “كشف” مظاهر العوار العلمي والموضوعي في كتابات المستشرقين، بينما السكران في عمله، يستقصي الملامح والآثار، ويُثْبِت الفكرة، ويحددها باستخدام مصطلحي “التوفيد” و”التسييس”، والضربة هنا مزدوجة، إذا مزج السكران في نقده بين المستشرقين والحداثيين العرب، فكان موفقًا -برأيي المتواضع- في الكشف عن حالة الاستلاب المعرفي والثقافي بل والأخلاقي التي تجتاح نفسية الحداثي العربي، وتجعله مجرد آلة تسجيل، تعيد بصياغات عربية، وبحروف عربية ما قاله المستشرقون، ولا يمكن لي أن أصف عمل السكران هذا بأنه حلقة جديدة من حلقات الجدال والصراع الإسلامي العلماني على طاولة التراث الإسلامي، فالسكران يبتعد كثيرًا عن “قالوا وقلنا”، وإنما يرتكز في نقده على قضية جوهرية واحدة، ثم يتناولها من عدة زوايا، والقضية هي كما ذكرت أعلاه، استمدادُ الحداثيين العرب اطروحات المستشرقين في تعاملهم مع التراث الإسلامي، ولذلك، فالباحث السكران يعتمد على منتجات هذين الفريقين في تأكيد هذا الاستمداد والتلقي الذي يصل إلى مستوى الاستنساخ، ويتعداه أحيانًا إلى مستوى المزايدة الرخيصة، لتأكيد “التجديد” و”الإضافة” في القضية محل النقاش.

والبحث غني بالمراجع والمصادر التراثية والحديثة، العربية والأجنبية، المترجمة وغير المترجمة، وقد كان جهد السكران واضحًا للقارئ الذي يتتبع الهوامش المليئة بالمصادر الأجنبية، وذلك حين يتعرض لنقد الاستشراق بشكل مباشر، وكذلك الهوامش غنية بذكر عناوين مؤلفات الحداثيين العرب حينما يوجه الباحث النقد المباشر لها، وهذا برأيي يضفي قيمة علمية مضاعفة على عمل ابراهيم السكران هذا.

ومن أعجب ما قرأته في الكتاب، تلك العبارات الابراهيمية التهكمية الطريفة على بعض السقطات الحداثية والاستشراقية عند تعاطيهم مع التراث الإسلامي، على أن هذه العِبارات لم تتضمن إساءة شخصية أو بذاءة لفظية، وإنما كانت موجهة ومركزة على كلمة أو عبارة تفسيرية أو تقريرية متكلفة أو شاذة أو خاطئة خطأ بيّنًا، وما دمنا نتكلم عن العبارة الابراهيمية، فلا بد أن أشير للحرارة التي شعرت بها في كلمات ومفردات السكران، فبحثه هذا ليس بحثًا في الفيزياء أو الكيمياء، وإنما عن التَركة العظيمة التي ورثناها عن أسلافنا المسلمين، وهي علوم التراث الإسلامي، ابتداءًا من القرآن الكريم، ومرورًا بالسنة النبوية المطهرة، والتاريخ الإسلامي، وهو يحاول أن يذب عنها متوخيًا في ذلك أعلى درجات الموضوعية والعلمية، لكنه لا يتردد أبدًا في أن يُفصح عن ذاتية مسلمة حزينة لما آلت إليه طريقة التعاطي مع علوم التراث الإسلامي، وتجرؤ الكثيرين عليها بحجة المناقشة والدراسة العلمية، وهم أبعد ما يمكن عنها، إن محاولة تشويه/تحريف أو كما يُسمى إعلاميًا “برامج إعادة قراءة التراث الإسلامي” لا يقتصر ضررها على أوراق كتبت منذ مئات السنين، وإنما يتعدى ضررها سطور الكتب، وجدران الفصول الدراسية، لتنال من قيم إسلامية عظيمة، قرَّرها القرآن الكريم، وأكدتها السنة النبوية المطهرة، وبذل لأجلها المسلمون دماءهم وأرواحهم.

وتأليف الكتاب هذا يعكس حالة ثقافية طارئة على الوسط السعودي تحديدًا، لاحظ المؤلفُ تزايدها ونموها في العقدَين الأخيرَين، تمثّلت عبر انتشار كتابات ومؤلفات الحداثيين العرب بين أيدي الشباب السعودي، وخصوصًا في أعقاب حرب الخليج الثانية، وقد أدى ذلك إلى انتشار المفاهيم والتفسيرات المنطلقة من رؤى وتفسيرات غربية في التعامل مع التراث، وهذا ما ينبري السكران للتصدي له، وقد أشار بالفعل إلى أن من دوافع تأليف هذا الكتاب، تلك الموجة الغريبة التي تمثلت عبر انتشار كتب الحداثيين العرب في مجالس الشباب، وعلى صفحات الصحف والمنتديات.

وبالحقيقة، يمكن لي أن أعتبر هذا الكتاب هو عمدة ما كتبه ابراهيم السكران، وهو يمثل حالة من النضج المعرفي والفكري والنقدي، أفضل بكثير مما قرأته له في كتابه الأول”مآلات الخطاب المدني” والذي تعرض فيه بشيء من الإيجاز لتقنيتي التوفيد والتسييس، وقدّم الأولى تحت عنوان “أداة المديونية”، وللسكران كتاب آخر وهو “سلطة الثقافة الغالبة”، إلا أنه بكتابه موضوع المناقشة، قد كشف عن ثراء معرفي وجهد علمي وأصالة نقدية، قلما وجدتها في كاتب.
لكن وللأسف، يعيب الكتاب عدم وجود فهرس تفصيلي بالمواضيع، ففي الفهرس نجد الفصل الثالث يبدأ مع الصفحة ٢٧٤، ثم “تذييلات ختامية” في صفحة ٤٠٢، وأخيرًا المراجع في صفحة ٤١٣، وهذا يعني أن نحو ١٣٠ صفحة غير مفهرسة تمتد ما بين بداية الفصل الثالث من الباب الرابع إلى بداية تذييلات ختامية، رغم ما تحتويه من عناوين فرعية مفيدة، وهذا هو الخطأ الفني في إخراج الكتاب الذي أراه، بالإضافة لعدم وجود كشاف باسم الأعلام مما قد يساعد القارئ الباحث عند بحثه عن مواضع ذكر الأعلام.

***

فيما سبق كان رأيي بالكتاب، وأما ما يلي، فهو استعراض فصول ومحتويات الكتاب بشيء من الإيجاز، لا يغني عن قراءة الكتاب:
قدّم السكران لكتابه هذا بأربعة فصول ضمن الباب الأول، كانت من أهم الفصول برأيي، لأنه عرّج على مفهوم “الفيلولوجيا” وعرض مدى صلته بالاستشراق، ثم بيّن كيف أن الاستشراق يعتبر متخلفًا لأنه مازال قائمًا على آلية بالية وضعيفة في قراءة واستكشاف وتفسير التراث الإسلامي، وهنا موضع القصيد، فالسكران وفي إطار إشارته لتخلف وأزمة “معدات الاستشراق” عن المفاهيم النظرية في العلوم الإنسانية، يؤكد على أن هذا التخلف ظاهرة عامة تسود العلوم الأوروبية الاجتماعية والإنسانية مثل القانون والتذوق الأدبي واللاهوت، وينقل عن علماء غربيين أن هذه “النظريات في التأويل والقراءة مجرد صيحات مؤقتة وموجات عارضة، وليست مناهج علمية مبرهنة ومحكمة جاهزة للتطبيق”، وهنا يؤكد النتيجة الأخرى الملازمة للأولى، وهي أن دعوات الحداثيين العرب لتطبيق نظريات الهرمنيوطيقيا والنقد الأدبي الغربي ونحوها في تفسير الشريعة الإسلامية، أنها “دعوات فيها سذاجة دعائية مفلطحة، فهذه النظريات الهرمنيوطيقية والنقدية والمابعد حداثية لم يطبقها الغربيون أنفسهم في تفسير تشريعاتهم، فكيف نطبقها نحن في تفسير شريعة الله؟!”.

وفي الفصل الثالث، عرض السكران لما يسمى المحور التاريخي في تاريخ التراث، وهو يرقب سير وتطورات علم من العلوم، وينأى عن المشاركة المباشرة في تحليل مسائل العلم موضوعيًا، والباحث في المحور التاريخي لعلوم التراث “يبذل جهدًا في التفتيش خصوصًا في مرحلة البدايات، ونقاط التلاقي والتأثير والتأثر، والرموز الذين قدموا إضافات أو ألهموا التحولات”، وهذا على خلاف المحور الموضوعي في علوم التراث، والذي ينخرط به طلاب العلم الشرعي، والذي يتم عبره دراسة آحاد وأفراد المسائل وتحليلها، ويستعرض مفهومها والخلاف فيها وأدلة كل قول والترجيح في ذلك.
ويلاحظ السكران أن المحور التاريخي يستحوذ على اهتمام المثقف العام، بينما المحور الموضوعي هو ما يشتغل به ويعمل عليه طالب العلم الشرعي.

ومن التقديم هذا، ينطلق السكران ليعرض علينا أعلام “المثقفين” العرب والمسلمين الذين اهتموا بالمحور التاريخي لعلوم التراث، وكانوا في اهتمامهم مجرد تكرار لما ألفه وأنتجه المستشرقون، ومن أوائل هذه الأسماء نجد جرجي زيدان(١٨٦١-١٩١٤م)، وأحمد أمين(١٨٨٦-١٩٥٤م)، اللذين تأثرا جدًا بما كتبه المستشرقون عن التراث الإسلامي، ورغم غزارة إنتاجهما إلا أنهما لم يقدما جديدًا يخالف “تاريخ التراث” كما تصوره وكتب عنه المستشرقون من قبل.
وفي الربع الأخير من القرن العشرين نجد مشاريع/برامج “قراءة التراث الإسلامي” الحداثية تتزاحم أمام القارئ العربي، ويطرح السكران أسماء أصحابها وأهم سماتها واتجاهاتها العامة، فمن ذلك برنامج طيب تيزيني(و١٩٣٤م)، وحسين مروة(١٩٠٨-١٩٨٧م)، وأدونيس(و١٩٣٠م)، وحسن حنفي(و١٩٤٥م)، ومحمد عابد الجابري(١٩٣٦-٢٠١٠م)، ويلخص السكران القولَ بأنه لم يجد تأثيرًا لجميع هذه البرامج في الداخل الإسلامي فيما عدا سلسلة أحمد أمين، ومجموعة الجابري، أما أصحاب البرامج العربية الحقلية لتاريخ التراث، فمن أهم الاسماء التي يذكرها محمد أركون(١٩٢٨-٢٠١٠م)، وفهمي جدعان(و١٩٤٠م) وغيرهم.

وفي الفصل الأخير من الباب الأول، يتطرق السكران لمدرستَين استشراقيتَين برزتا في النصف الأخير من القرن العشرين، وهما “مدرسة انثربولوجيا الإسلام” والأخرى “مدرسة المراجعين”، فأما الأولى فهي تهتم بدراسة المجتمعات المسلمة المعاصرة بتوظيف بعض النماذج التفسيرية في العلوم الاجتماعية، وبحسب السكران، فإنه لا يُلْحَظ لها أي تأثير على الحداثيين العرب، وأما المدرسة الأخرى وهي مدرسة المراجعين، ويمكن أن تسمى مدرسة الشكوكيين، فهي تنزع إلى الشك في كل المصادر الإسلامية والبحث عن مصادر تاريخية أخرى لدى الأمم الأخرى لتقويض الإسلام، ومن نماذج اطروحات مدرسة المراجعين الاستشراقية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير موجود تاريخيًا أصلاً، وأن مكة ليست في الحجاز أساسًا بل هي في الأردن، وغيرها من الأفكار الغريبة التي يرددها رواد هذه المدرسة، والتي يصف السكران حقيقة عملها بأنها مستوى من المزايدة في الشكية على دراسات المستشرقين الفيلولوجيين، فـ“إذا كان الأخيرون يَشكون في صفحات داخل بعض الكتب الإسلامية، فإن مدرسة المراجعين قد أغلقت المكتبة الإسلامية بكاملها”.

وفي الباب الثاني، يناقش السكران عبر فصول ثلاثة “تقنية التوفيد”، ففي الفصل الأول، يذكر نمطًا سار عليه المستشرقون الفيلولوجيون في معالجتهم التراث الإسلامي، وهو رد العلوم الإسلامية والمنجزات الثقافية والحضارية للمسلمين للأديان والحضارات والثقافات السابقة والمجاورة زمانيًا وتاريخيًا، والنتيجة النهائية أن المسلمين عاجزين عن إنتاج أي علم، وبناء على ذلك فكل إبداع علمي، أو تشريعي، أو لغوي، فيجب أن يكون مستوردًا من ثقافات أخرى من خارج الإسلام، ويتكلف المستشرقون في اختراع الاتصال والتشابه لتأكيد ادعاءاتهم هذه.
وفي الفصل الثاني، يناقش السكران “إعادة التصنيع العربي للتوفيد”، وهو جوهر ما يقصده السكران بـ”الاستمداد الثقافي”، ويقدم نماذج على إعادة إنتاج الحداثيين العرب لآلية التوفيد غير المُبرهَن لدى المستشرقين، ثم وفي الفصل الثالث، يتطرق لمناقشات فكرة/تقنية التوفيد، ومفهومها، ورده على استعمال المستشرقين الفيلولوجيين ثم الحداثيين العرب لهذه التقنية، وهو يدحض الطريقة الفجة وغير العلمية والمغالاة التي انتهجها الفريقان في تعاملهم مع التراث الإسلامي، وتطبيق تقنية التوفيد على أصول وفروع العلوم الإسلامية.

وفي الباب الثالث، يناقش السكران “تقنية التسييس” وكما فعل في الباب الثاني، يفعل في الباب الثالث، ففي الفصل الأول، يتطرق السكران لمناقشة “التسييس في الاستشراق الفيلولوجي”، وبداية يعرف التقنية هذه بأنها: أداة تسييس الموضوعي، بما يعني افتعال خلفيات وأغراض سياسية خلف العلوم الإسلامية التي فرضتها المعطيات الموضوعية في التراث الإسلامي. ثم يذكر الباحث شواهد من تسييس التراث من كتابات المستشرقين، وفي نهاية الفصل، يؤكد السكران أن الغرض النهائي من استخدام تقنية التسييس وتطبيقها على التراث الإسلامي، هو إظهار الإمام من أئمة من السلف على أن علومه ومواقفه لم تكن تحركه اعتبارات أخلاقية أو موضوعية أو إيمانية، وإنما مدفوع بدوافع السلطة، إما التزلف لصاحب السلطة، أو الدفاع عن سلطته الشخصية وجاهه ونفوذه.
ثم يبدأ السكران بذكر نماذج استمداد الحداثيين العرب لتقنية التسييس، وفي نهاية ذكره لهذه الشواهد والأمثال، يعلق تعليقًا ملفتًا للنظر، حيث يقول، “أن الأبحاث الحداثية الأخيرة التي لم تستطع أن تجترح أفقًا بحثيًا جديدًا في دراسة تاريخ التراث لم يكن أمامها إلا المزايدة على التسييس السابق والإمعان في نسج التخيلات السياسية لاستجداء قناعة القارئ بأن ثمة جديدًا”.
وفي الفصل الثالث، يقوم أبو عمر بمناقشة النماذج الاستمدادية للحداثيين العرب التي ذكرها في الفصل الثاني، وذلك تحت عناوين عديدة، من أهمها ” تسيس حديث شد الرحال”، و”تسييس [مذهب] الظاهرية”، والأكثر إثارة “مثقفو البلاط”.

أما الباب الرابع، فقد ناقش السكران فيه نموذجًا تطبيقيًا لظاهرة الاستمداد الحداثي العربي من المستشرقين، وهو قضية تسييس “محنة ابن حنبل” وهذا من أعظم ما قرأته في نقد وتحليل الخطاب الاستشراقي منذ أن عرفت كلمة “الاستشراق”، وهو تتبع علمي وموضوعي وتاريخي دقيق لكيفية تناول المستشرقين لمحنة الإمام أحمد بن حنبل، وتقلب مواقفهم منها، ثم كيفية تم تهريب هذه النظرة الاستشراقية بصورتها الفان-إسية (نسبة إلى المستشرق الألماني يوسف فان إس)، وتلقفها الحداثي العربي فهمي جدعان، وفي المناقشة المستفيضة التي يكتبها السكران في الباب الثالث، وهو أكثر الأبواب صفحات، يتباين لنا مدى العوار الموضوعي والأخلاقي للحداثيين العرب في تناولهم للتراث الإسلامي، كيف أنهم أضافوا لقصورهم المعرفي، قصورًا أخلاقيًا غير مبرر.

وفي نهاية بحثه الكبير، يقدم السكران عددًا من النتائج التي توصل إليها من خلال بحثه في الاستشراق وكتابات المستورد الحداثي العربي، ومن أهمها، أن القول بأن الاستشراق قد مات، ما هي إلا مقولة مضللة، فللاستشراق تأثير عنقودي استطاع اكتساح عقول الحداثيين العرب، ومن يقرأ لهم في الداخل العربي، حتى بات واضحًا تكرار أفكار الاستشراق في المحافل واللقاءات الثقافية، ومن النتائج التي يخلص إليها الباحث، أن المستشرق الفيلولوجي، ينزع الى استخدام تقنية التوفيد أكثر من استخدامه تقنية التسييس، في حين أن الحداثي العربي يميل إلى استخدام تقنية التسييس أكثر من تقنية التوفيد، والسبب واضح، فالأوروبي من خارج الدائرة الإسلامية، فهو يريد إعادة العلوم والمنجزات الإسلامية إلى مؤثرات خارجية، وبالطبع، في مقدمتها المؤثرات الكتابية والهللينية، وهما أسلافه، بينما الحداثي العربي هو كاتب من الداخل، وهو مشغول أيضًا بالصراع ضد ما يسميها حركات الإسلام السياسي، فلذلك فهو في معاركه مع هذا التيار يريد أن ينقض ويطعن الكيانين (حركات الإسلام السياسي، وخلفيتها التراث الإسلامي) بأنهما يوظفان الدين في صراع السلطة. وهناك نتيجة أخرى يصل إليها وهو “ظلم النقد الإسلامي للاستشراق”، أي تجاهل الدور الإسلامي الذي أدّاه بعض علماء المسلمين في نقد الاستشراق وكشف مضامينه، ولا يفوت السكران أن يذكر خلاصة مهمة، وهي “النقد الخاطئ للاستشراق” فعلى الرغم من نقده للاستشراق، إلا أنه في الوقت ذاته ينتقد الدفاع الخاطئ عن الإسلام برفض النتائج الصحيحة للاستشراق، فقد تنبه بعض المستشرقين في بعض أبحاثهم إلى مظاهر غير صحيحة يمارسها المسلمون بدعوى أنها من الدين، كذم المستشرقين لمظاهر الوثنية، فلا ينبغي بالمسلم أن يهاجم المستشرق في موقفه هذا، وأما الخلاصة النهائية فهي بعنوان “الابتلاء بالاحتمالات الدلالية” وهي خلاصة تستحق التأمل كثيرًا. وهي ما يمكن أن نعتبره آخر ما يهيله السكران من التراب على قبر البرامج الحداثية العربية في قراءة التراث الإسلامي.

Advertisements

Read Full Post »

aliezzat
كانت حياة المفكر والمجاهد والرئيس البوسني الراحل علي عزت بيجوفيتش، سلسلة متواصلة من التجارب الشخصية القاسية، التي عانى منها على مدى سنين طويلة، منذ ولادته وحتى وفاته.
إحدى هذه التجارب العصيبة والقاسية كانت في ثمانينات القرن العشرين، فيما عُرِفَ بقضية “المثقفين المسلمين”، والتي روّج لها الصرب، وكانت تستهدف القضاء على المثقفين المسلمين في يوغسلافيا عمومًا، والبوسنة خصوصًا، خاصة أولئك الذين لا ينظرون للإسلام كونه مجرد تراث فقط، بل يتخذونه أساسًا ومنطلقًا للفكر والعمل.
وقد كان المفكر علي عزت بيجوفيتش أحد هؤلاء المثقفين، بل كان على رأس القائمة التي ضمَّت ثلاثة عشر مثقفًا مسلمًا، خصوصًا في أعقاب نشره كتاب “الإعلان الإسلامي”.
تمَّ اتهام هؤلاء المثقفين بعدة تهم تمس الأمن الوطني ليوغسلافيا الإتحادية، وهي تهم مُختلقة لا أساس لها من الصحة، وقد حُكم على علي عزت بيجوفيتش ورفاقه بالسجن لفترات تتراوح بين 5 و14 سنة.

وقد كانت تجربة السجن هذه هي الثانية بالنسبة لبيجوفيتش، بعد أن قضى ثلاث سنوات في السجن بين عامَي 1946 و1949م.
هذه التدوينة، مجرد إطلالة سريعة على رسائل أبناء علي عزت بيجوفيتش لأبيهم أثناء سجنه، وقد أورد بيجوفيتش بعضًا منها في ملحق كتابه “هروبي إلى الحرية”، ورغم أن علي عزت صاحب تجربة قديمة في السجن، والعمل السياسي والسجال الفكري، إلا أن ظروف هذه التجربة كانت مختلفة، في ظل تصاعد التطرف القومي الصربي، والذي كان قابضًا زمام الحياة في يوغسلافيا كلها، على حساب بقية القوميات.
بلغ عدد هذه الرسائل ٩٨ رسالة، ما بين العام ١٩٨٣م، والعام ١٩٨٨م، الذي نال فيه بيجوفيتش حريته بعد عدة محاكمات، انتهت بنيله عفوًا من بقية العقوبة، بعد أن قضى في السجن ٢٠٧٥ يومًا، بحسابه هو.
قام أبناء بيجوفيتش الثلاثة، الابن “بكر”، والبنتان “سابينا” و”ليلى” بالتناوب على الكتابة لوالدهم من غير اتفاق، وبشكل متواصل، بحيث يجد القارئ أن أحدهم يرسل رسالتَيْن أو ثلاثة في غضون عشرة أيام.
وقد تجلت في الرسائل مشاعر الشوق اللاهب نحو والدهم، فبلا استثناء، لا تقرأ رسالة لأحدهم، إلا وتجده يبث أشواقه الحارة لرؤية الوالد العزيز في البيت مرة أخرى، وقد كان هذا جليًا في رسائل الأولاد الثلاثة بوضوح.
سمة أخرى تُميزُ الرسائل وهي استرجاع بعض الذكريات القديمة مع الوالد، وخصوصًا في رسائل “بكر”، الذي كان من جانبٍ آخر كثيرًا ما يتناقش مع والده عن القراءة والكتب، ويبدو أنه كان يقوم بمهمة البحث عن الكتب التي يريدها والده، فيمضي ليبتاع بعضها، أو يستعير بعضها الآخر.
بعض الرسائل كان يطغى عليها جانِبٌ خبري، مع بعض المشاعر المبثوثة ما بين السطور، حيث يقوم الأولاد بإخبار أبيهم عن مستجدات قضيته، أو بعض الأحداث العائلية كوصول مولود جديد، أو وفاة شيخٍ كبير من أعضاء الأسرة، وفي ثنايا الخبر، لا ينسى كاتبها أن يخبر والده عن مشاعر الحب والشوق، والأمل باللقاء تحت سماء الحرية.
رسائل أخرى طغى عليها جانِبٌ عاطفيٌ ووجداني بشكل كامل، وخصوصًا من جانب الابنة “سابينا” التي ولدت ابنتان خلال فترة سجن والدها، كما ولد لبكر وليلى ابنة واحدة لكل منهما، فكانت الرسائل محملة بمشاعر مضطربة بين الفرح والحزن، بين الرجاء والخوف.

من الأمور التي لاحظتها في الرسائل، خوف الأبناء على أبيهم، وقلقهم الشديد عليه وعلى صحته بالتحديد، وكانت رسائل البنتان تفيض بالقلق من المستقبل المظلم، وإن حاولتا في رسائلهما أن تُظهرا بعض التفاؤل “المصطنع”، تشجيعًا للوالد في محنته، إلا أن مشاعر القلق والاضطراب، وعدم الثقة في النظام واجراءات المحاكمة كانت مكشوفة وواضحة للقارئ.

أمر آخر يلحظه القارئ في رسائل الأبناء، وهو التأييد الواضح، والدعم القوي، والمساندة المستميتة من الأبناء لأبيهم في نضاله الفكري والسياسي، ولا يمكن للقارئ أن يقع على ما يوحي بشيء من الامتعاض أو الانتقاد، وإن كان غير مباشر من أحد الأبناء تجاه أبيهم، وهذا يعكس قوة الرابطة التي جمعت علي بأولاده، كما يعكس ثقة الأولاد بصحة موقف والدهم، وتهافت مبررات اعتقاله.

كان من الأفضل لبيجوفيتش أن يورد بعضًا من رسائله لأبنائه، وذلك لتكتمل الصورة في ذهن القارئ، إلا أنه لم يفعل للأسف، لكن ذلك لا ينفي مدى أهمية هذه الرسائل في حقبة قاسية من حياة عائلة بيجوفيتش.
سأختار ثلاثة مقاطع من ثلاث رسائل أعجبتني، ولمن أراد المزيد، فسيجد ذلك في كتاب “هروبي إلى الحرية” لـ/علي عزت بيجوفيتش، وإن كانت ترجمة إسماعيل أبو البندورة متواضعة جدًا جدًا، بل كانت منفرة بترجمته للأعلام والمواقع، وعبارته غير مستساغة، لكن هذا ما تيسر لنا.

  • سابينا ٢٦/ ٨/ ١٩٨٥م:

لو أنك تعرف كم هزَّني في الصباح ساعي البريد عندما أحضر رسالتك. كنا قد شربنا القهوة للتو، عندما قرع أحدهم الجرس، وهذا لا يحدث دائمًا لأننا عادة نكون خارج البيت والباب دومًا مفتوح، أعتقدتُ أنه أحد الضيوف من سكان البناية، وذهب “كوبر” لفتح الباب، [فأصخت سمعي] ثم قال لي [وهو في الممر].. سابينا.. بابا. واعتقدت للحظة أنك أنت [من يقف] بالباب، وتسمَّرتُ على المقعد، ثم أطل والرسالة في يده!
لا أعرف من أين تأتيني هذه الأفكار، لكن [الأمر] في تلك اللحظة بدا وكأنه واقع.

  • بكر ٢٢/ ٩/ ١٩٨٦م:

في مجلة (الكلمة الأدبية) ظهر مقالٌ عن الجريمة الشفوية، حيث يقول: إنه في جمهوريات يوغسلافيا الاتحادية يحكمون بشكل مختلف بموجب هذه الجريمة-أي الجريمة الشفوية-، في سلوفينيا لا شيء، وفي البوسنة والهرسك إجراءات محاكم التفتيش، وإذلال، وحبس وعقوبات جائرة، على غرار محاكمة المثقفين المسلمين في سراييفو ١٩٨٣م، هكذا كُتِب!
المحب لك.. بكر.

  • ليلى ٣١/ ٣/ ١٩٨٧م:

والدي العزيز
….
إنني أخشى -عندما تتلاشى الحياة- أن أندم، وأنني حملتها محمل الجد!!

Read Full Post »

تأملات في تاريخ الرومان

قراءة في كتاب…

تأملات في تاريخ الرومان

أسباب النهوض والانحطاط

لـ/ المفكر الفرنسي مونتسكيو

ترجمة: عبدالله العروي

عدد الصفحات: 272 صفحة

إصدار: المركز الثقافي العربي- الرباط/ الطبعة الأولى 2011م.

يطرح المفكر الفرنسي “مونتسكيو” انتقاءات لأحداثٍ من تاريخ الرومان، وينتزع الأفكار والتأملات منها، مع بعض الإسقاطات على الواقع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه آنذاك سواء في فرنسا، أو أوروبا عمومًا.

 هذه التأملات جاءت منثورة، وغير مرتبة على امتداد صفحات الكتاب، وعبر فصوله البالغ عددها 23 فصلاً، وهذا الكتاب صدر للمرة الأولى عام 1734م، وبعده بسنوات (1748م) أصدر مونتسكيو كتاب الأكثر شهرة “روح القوانين”.

 ولأن الكتاب فكري أكثر من كونه تاريخي، فالأحداث التاريخية تكمن أهميتها في تعضيد “تأملات” مونتسكيو وحسب، لذلك يعمد مونتسكيو إلى عدم ذكر تفاصيل الأحداث، وإنما يكتفي بذكر رشقات تاريخية سريعة ومختصرة تخدم فكرته.

وهذا ما يُحسب على مونتسكيو، إذ أنه يفترض-بشكل غير مباشر- أن القارئ مُلمٌ ومطلِعٌ على التاريخ الروماني، وهذه من نقاط الضعف في هذا الكتاب، إذ كان من الأجدر به-أو المترجم على الأقل- أن يُقدم كتابه بمقدمة تاريخية موجزة عن تاريخ الرومان وتحولاتهم التاريخية، وخصوصًا الانتقال من عهد الجمهورية إلى عهد الإمبراطورية، كي لا يضيع القارئ في زحمة الأحداث والأسماء الرومانية.

وبالإضافة إلى حسن اطلاعه على التاريخ وعلى الواقع الذي يعيشه، بالشكل الذي انعكس عبر تأملاته، فإن عمل مونتسكيو هذا كان غنيًّا بالاقتباسات والحكم السياسية والقانونية، التي بلا شك ما تزال صالحة وذات فائدة، ويمكن تفهُم ذلك إذا ما عرفنا أن مونتسكيو يتمتع بخلفية قانونية وقضائية رفيعة، فقد أكمل دراساته القانونية في جامعة بوردو، وبعد تخرجه منها، عمل مستشارًا قضائيًا لدى البرلمان المحلي، لذلك جاءت تأملاته القانونية قوية وعميقة، وهذا اقتباس لأحدها:

“الالتفاف على القانون أخطر على القانون من نزوات الأمير”.

وهذا اقتباسٌ آخر:

“لوحظ مرارًا أن القوانين الجيدة، التي ساعدت دولة صغيرة على أن تنمو، لا تلبث أن تتحول إلى أعباء وقيود عندما تكبر، لأن تلك القوانين كانت تستهدف عظمة الشعب لا حسنَ إدارته”.

تأملات مونتسكيو في تاريخ الرومان، تحيلنا لموضوع مهم، وهو أسباب الصعود والسقوط، أو النهوض والانحطاط في حياة الأمم، هنا مونتسكيو لا يختزل الموضوع بمعركة حربية واحدة، أو سلسلة معارك، ولا يحصره فقط في امتداد متسرع وغير مدروس، ولا في قرارات سياسية خاطِئة، وإنما يخرج من النطاق المادي الملموس، ليضيفَ إلى النقاش نطاقًا آخر، وهو نطاق الأفكار والثقافات، فمونتسكيو يتحدث عن “ذهنية” الروماني، عن “أخلاق” الروماني، عن “طموحات” الروماني، عن “أفكار” الروماني، بل وعن “دين” الروماني، وماذا حدث له عندما اعترى هذه المنظومة بكاملها التغيير والتبديل. يبدو لي أنه بالفعل يُقدم فكرة أو تصوّرًا جديدًا عن أسباب الصعود والسقوط في تاريخ الأمم.

 و بحسب “مونتسكيو” وتأملاته في التاريخ الروماني، فإن أسباب الانحطاط ومن قبلها النهوض، ليست مجرد أسباب آلية “ميكانيكية” عملية، طُبِقت في فترة ما فتحققت النهضة، وتم التخلي عنها لاحقًا، فنتج الانحطاط، لا.. فأسباب النهضة والانحطاط تضرب في عمق الإنسان الروماني – والإنسان عمومًا- وتشمل جميع أوجه حياته، ومرتبطة بقوة بأخلاقياته، بطموحاته، بشعوره الوطني، بشعوره الديني، بطريقة تفكيره، بخلفيته الثقافية والاجتماعية، بنمط حياته، بالتزامه القوانين والتشريعات الرومانية، بل، وترتبط ببنيته الجسمانية أيضًا!

جميع ما سبق، حينما تم التخلي عنها، أو طرأ عليها التغيير عبر الزمان وبالتدريج… وقع الانحطاطُ في دولة الرومان.

وكذلك لا يمكن رفض المقولة التي تذهب إلى أن توسع الرومان بشكل سريع وغير محدود عبر حروبٍ مستمرة، أسهمت هي الأخرى في خلق حالة الانحطاط، هذه الفتوحات التي احتاجت بشكل مستمر لقادة وجند وأموال، أسهمت في استهلاك المخزون الروماني منهم جميعًا، ومن جهة أخرى، انضوت بسبب الغزوات شعوبٌ إلى روما، ونالت حقوق المواطَنَة، فأثر هذا التغيير الديمغرافي حتى في التشكيل السياسي لروما.

إذًا بالمحصلة النهائية، لا يمكن اختزال ما حدث للرومان بسوء التخطيط فقط، وكذلك لا يمكن وصف ما حدث من انحطاط بأنه مفاجِئ وغير متوقع إذا ما قورِن بمسار التاريخ الروماني.

لغة الكتاب بسيطة، وليست معقدة، وترجمة المفكر العربي عبدالله العروي من الواضح أنه اعتنى بها كثيرًا، والهوامش بها فوائد، سواء هوامش المؤلف أو المترجم، من أجمل الفصول، الفصل الرابع، وخصوصًا المقارنة بين روما وقرطاج، والفصل السادس أيضًا، الذي كان مروعًا للغاية.

Read Full Post »

المؤلف: د.مراد هوفمان

عدد الصفحات: 174 صفحة

الدار: دار الشروق- الطبعة الثانية 2006م

الكتاب ينقسم إلى 12 فصل موضوعي، خمسة منها تناول فيها المؤلف “أركان الإسلام الخمسة”، افتتحها كما هو واضح من العنوان…بركن الحج، وهو يروي في ذلك جانبًا من مشاهداته في رحلته الثانية للحج العام 1992م، ويقوم ببعض المقارنات بينها وبين رحلته الأولى للحج قبل حوالي عشر سنوات.

الفصول السبعة المتبقية، يتناول فيها قضايا أو اتهامات مكررة من المنظور الغربي، ربطها باسم الدين الإسلامي، كالخمر، والمرأة، والنظرة للإسلام، وغيرها من القضايا محل النقاش الدائم بين العالم الغربي والمسلمين.

مراد هوفمان هو مسلم ألماني، لذا فثقافته وقيمه التي نشأ عليها، تؤثرُ حتمًا في قراءته للإسلام ومنظومته العقدية والتشريعية، لذلك بالنسبة لي، لا أجد مبررًا لنفسي في أن أندفع للرد على هوفمان، إذا ما ذكر نقطة لا تمت للإسلام-من وجهة نظري أنا المسلم الشرقي- كونها من قيم وتقاليد الإسلام:

“كان انتقالنا إلى مسكن آخر مجددًا في اسطنبول مناسبة أخرى لأن نقدّم أضحيّة، تعبيرًا عن الشكر لله، وكان أنسب مكان لذلك هو المؤسسات الخيرية بمسجد السلطان أيوب عند القرن الذهبي، فهناك يدفع ثمن الأضحيّة، ويحدد كيفية توزيع لحمها، ويختار الشاة التي يضحِّيها، ويشهد عملية النحر، وتطبع على جبينه، باعتباره المُضحي، قطرة من دم الأضحية”.

أعتقد أن هوفمان، يتوجه بكتاباته للمجتمع الغربي-والألماني على وجه الخصوص- ليقدم له الإسلام، بمنظوره وبفهمه هو.

بصراحة، لا أستفيدُ كثيرًا من كتابات هوفمان عن الإسلام، سوى ما يذكر من مشاهدات وتجارب شخصية تعرض لها وعايشها داخل وخارج ألمانيا، بالإضافة لنقله أخبار ونشاطات المسلمين في ألمانيا في حقبة من حقب التاريخ، عدا عن ذلك، فهي إما معلومات مكررة عن الإسلام، وأما-وهنا الأهم بنظري- محاولات لتقديم نظرة مختلفة لقيم، لتعاليم، ولشرائع الإسلام.

إذًا في الكتاب شيءٌ من السيرة الذاتية، وبالتوازي معها شيء من الفكر الإسلامي الذي يطرحه مراد هوفمان كمسلم ألماني.

أفضل الفصول بنظري كان الثاني، وعنوانه ” دروب فلسفية إلى الإسلام”، حيث وضّح طبيعة وأسباب انجذابه للإسلام، لم يكن دربه للإسلام قصيرًا أو سهلاً:

“لقد وجهني على هذا الدرب ثلاثة أحداث أساسية، ذات طبيعة إنسانية، وجمالية فنيّة، وفلسفية”.

الطبيعة الإنسانية هنا ترتبط بمعايشته للجزائريين أثناء حرب التحرير الجزائرية، كونه عمل بالسفارة الألمانية هناك، وما شهده من سمو الشخصية الجزائرية المسلمة، وما تعرض له الجزائريون من اضطهاد على يد الغزاة، ورغم ذلك، لم يتخلوا عن أخلاقهم الإسلامية النبيلة.

والطبيعة الفنية الجمالية تجسدت في العمارة الإسلامية، وبقية أجزاء الجمال الإسلامي في الخط والأرابيسك، والنقوش، والحدائق وغيرها.

وأما الطبيعة الفلسفية، فقد جذبته تلك النظرة الإسلامية السامية إلى الإله-سبحانه وتعالى- والتي تميزت بالصفاء، والنقاء، بخلاف النظرة المسيحية المُحرّفة، وأيضًا على النقيض من النظرة الإلحادية.

معلومة تاريخية قيّمة يذكرها هوفمان، حيث يذكر أن أول مسجد أقيم في ألمانيا كان في العام 1732م، في عهد فريدريك فيلهيلم ملك بروسيا، الذي جنّد عشرين من الجنود الأتراك لأجل حراسته الشخصية، وفي عهد خليفته فريدريك الأكبر، ازداد عدد الجنود المسلمين في الجيش البروسي، حتى بلغ حوالي ألف جندي.

نقطة لابد منها: هذا الكتاب ردَّ فيه هوفمان على منتقديه من اللألمان والغربيين، حول الأفكار التي طرحها في كتابه السابق “الإسلام كبديل”.

ملاحظة أخيرة: لم يُطبع اسمُ المترجِم، ولم يطبع أي معلومة أخرى كرقم الكتاب، مجرد “الباركود” في الغلاف!!

Read Full Post »

في الشهر الماضي…قرأت ثلاث روايات عربية، تنتمي كل منها إلى مدارس أدبية مختلفة، وكتبت بلغات وأساليب متنوعة، وبالطبع كان الموضوع والمحتوى مختلف من رواية لأخرى.

ولعل من المفارقات، التي تستدعي قليلاً من التوقف والتأمل، هو أن الروايات الثلاث، رغم اختلاف موضوعاتها، وأساليب كتابتها، إلا أن عناوينها كان فيه نوعٌ من التمازج والتقارب، فجميع عناوين الروايات ذات مدلولات جغرافية، وهذا حدث بالصدفة، من غير ترتيب أو تخطيط.

فالأولى كانت تحت عنوان “شرق المتوسط” لعبدالرحمن منيف، والثانية “الكنز التركي” للدكتور سيف الإسلام بن سعود آل عبدالعزيز، أما الثالثة فهي “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح.

قرأت الروايات على الترتيب السابق صدفة، ولم أكن متعمدًا أن أختار هذه العناوين على الترتيب كي أقرأها، لكن برغم ذلك، فإنه بالفعل….كانت رحلة “جغرافية-أدبية” بمعية أدب الرواية العربية، استمتعت بها، ومررت من خلالها بلحظات الخيبة والتشاؤم…ولحظات أخرى فيها من روح الأمل والتفاؤل، لحظات فيها حزن، وأخرى-على قلتها- سعادة، لكن بالفعل، شعرت بأن هذه الروايات تعكس واقعًا حقيقيًا يعيشه الكثيرُ من العرب.

 

في الرواية الأولى.”شرق المتوسط” لـ/عبدالرحمن منيف، وفي طبعتها الخامسة عشر الصادرة عن المركز الثقافي العربي، وبـ”243″ صفحة، نقرأ قطعة أدبية عربية عن أدب، يعكس واقعًا عربيًا في شتى الأمصار العربية، وهو أدب السجون، وهو أكثر أنواع الأدب مقاربة للواقع العربي.

عبدالرحمن منيف، لا أعلم إن كان ينقل تجربة شخصية له، أو لغيره، قد برع-ولايحتاج لشهادة مني في ذلك- في نقل وتصوير معاناة الإنسان العربي البائس، نتيجة للأنظمة السياسية التي تحكمه.

في الرواية، أسلوب جديد للمرة الأولى ألحظه، وهو أسلوب الأفلام الوثائقية، وكأننا نشاهد فيلمًا وثائقيًا، نستعرض من خلاله شهادة اثنين ممن تعرضوا لصنوف من الأذى النفسي والجسدي، صورة هنا وصورة هناك، مشهدٌ هنا، ومشهدٌ هناك، مرة بعين وتجربة “رجب”، ومرة بعين وتجربة أخته”أنيسة”….الألم الذي اعتصر أقوامًا، وأذلهم في المشرق……….هو عينه الألم الذي سحق أماني الأطفال وأحلامهم في المغرب، رواية على لسان شخصين، تُحاكي واقعًا عانى منه الملايين.

ولايكتفي “منيف” في ابتكار هذا الأسلوب الروائي الشيق، بل ويتعدى ليستخدم لغة، صريحة واقعية، فيها من ملامح السجون السياسية والقمع، فيها من البذاءة والسباب والشتائم، ألفاظ لا تُقال….نعم وماذا تتوقع من السجّان الذي لا يخاف الله سوى البذاءة في الكلام، والتعنت والصلف في الأسلوب؟؟!!!، وكذلك أجاد في استخدام هذه اللغة، لم يكن متحاملاًُ، ولا مُبالغًا فيما استخدم من لغة، ولعل ال”YouTube” ومايحوي من أفلام ألتقطت بعدسات الكاميرا لخير دليل على وجود أمثال هذه الأساليب واللغات، يستخدمها صاحب النفوذ العربي-أينما كان موقعه- أنّى، ووقت، وكيف يشاء.

هذه الرواية…باختصار “شمعة أضاءها عبدالرحمن منيف في ظلام السجون الدامس، ليفضح جزء بسيط من هذا العالم…هذا الجحيم”.

 

الرواية الثانية.”الكنز التركي” لـ/سيف الإسلام بن سعود آل عبدالعزيز، وفي طبعتها الأولى الصادرة عن دار الفارابي، وتقع في “238” صفحة، وللوهلة الأولى يظن القارئ أنه بصدد قراءة رواية من روايات المغامرة والبحث عن الكنوز والجواهر، تلك الروايات والقصص الكلاسيكية، والتي في أغلبها تصل إلينا عن طريق السمع لا عن طريق القراءة، وبالفعل لا تختلف كثيرًا هذه الرواية في ذلك، إلا أن لكل إنسان ما نوى في حياته، فإذا كان البعض في رحلتهم نحو الكنز، قد نووا الحصول على الذهب والفضة والأموال، فإن البعض الآخر قد نوى من الرحلة، تَحدٍ آخر، قد يجد نفسه فيه، نفسه التي تعبت من التناقضات والظلم وميل ميزان العدل الذي أصبح سمة من سمات هذه الحياة.

الرواية هذه تقع في 8 فصول، وهي على غرار الرواية السابقة في الأسلوب الروائي، فصلٌ هنا وفصلٌ هناك، مشهدٌ هنا، ومشهدٌ هناك، إلا أن الفرق هنا، أن الانتقال لا يحدث بين شخصين، وإنما بين عالمين، في بقعة جغرافية واحدة، وإن تعددت فهي على الأقل مُتقاربة، عالم طُويت صفحته، وأمسى رهن كتب التاريخ، وعالمٌ آخر مازالت الحياة تدب فيه، ومازالت آخر خطوطه قيد التشكل.

الكنز التركي، تتحدث عن رحلة مجموعة من الأشخاص للبحث عن الكنز التركي، وهي ثروة كبيرة من الذهب، دفنتها الحامية العثمانية –التركية، التي كانت مُرابطة في المدينة المنورة، وذلك قبل رحيلها وللمرة الأخيرة من المدينة المنورة، إثر هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى.

التشويق والإثارة، الحب والكراهية، ونقد النفس الإنسانية، ملامح تتكرر في هذه الرواية، عبر شخصياتها المتنوعة، رواية تستحق القراءة بالفعل.

 الرواية الثالثة.”موسم الهجرة إلى الشمال” للأديب السوداني/الطيب صالح، الصادرة عن مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، وفي “168” صفحة، فهي أقصر الروايات.

رواية جميلة، وهي تختلف عن الروايتين السابقتين بأنها سردية، شخص واحد يسرد علينا الرواية، أو يسرد علينا تجربته مع شخص يكتنفه الغموض، والتساؤلات….. إنه مصطفى سعيد، ومازالت الأسئلة التي تدور حول شخصيته تبحث عن إجابات، نوع من الغموض أحيط بشخصية مصطفى سعيد، ذكي…ناجح…فحل…ومسكين، لم يجد في أي تحد خاضه سببًا للشعور بالسعادة.

في الخرطوم…في القاهرة…في لندن، وغيرها من العواصم، كان النجاح حليفه، أو هكذا نُقِل لنا.

حيثما أرتاد من أماكن، فإن له تأثير السحر على الفتيات، حتى وهو يمارس الجنس معهن، لم يكن يشعر بالسعادة، بقدر ما كان يشعر بأن تحدٍ آخر يخوضه، ولابد أن يجعل النجاح حليفه.

لم يرسب إلا في اختبار “جين مورس”، تلك العلامة الفارقة التي وجهت حياته فيما بعد، كان يستلذ بعذاب الفتيات…فاستلذت هي بعذابه، كان يظن نفسه قمة جبل لا تصلها أي فتاة، فوقع على وجهة حينما رأى قمتها، وكأن تشق السحاب…..”جين مورس” باءت معها كل الخطط والحللول بالفشل….”جين مورس” علاجها كان بنصل خنجر حاد زرعه مصطفى سعيد في صدرها.

ومع ذلك…..فلا زالت الأسئلة تدور حول مصطفى سعيد، حتى وهو يصف نفسه “أنا جنوب يحن إلى الشمال والصقيع” فإن الغموض مازال مخيمًا عليه.

كلمة واحدة أصدقها قالها عن نفسه…….”أنا لا أطلب المجد“…………كان يطلب شيء آخر….كان يطلب شيء آخر.

 

إشارة لابد منها:

تفوقت رواية عبدالرحمن منيف على جميع الروايات السابقة في نهايتها القاطعة لأي فكرة أو شك قد تنتاب القارئ، فالرواية هي تجسيد لواقع مُر، ولا مكان هنا للخيارات، أما الروايتان التاليتان فلم تكن النهايات محسومة، بل شابها نوع من الغموض، الذي يستدعي إعمال فكر القارئ في النهاية.

 

Read Full Post »

  1. “”كان مولدي في الجزائر عام 1905م، أي في زمن كان يمكن فيه الاتصال بالماضي عن طريق آخر من بقي حيًا من شهوده، والإطلال على المستقبل عبر الأوائل من رواده.. هكذا إذن فقد استفدت بامتياز لا غنى عنه لشاهد، حينما ولدت في تلك الفترة””.
هكذا يستهل مالك بن نبي كتابة مذكراته بوصفه شاهدًا للقرن، مُبينًا اتصاله الوثيق بالماضي الأصيل، بماضي الألم الجزائري العربي الإسلامي في نطاقه الجغرافي، وانتماءه للمستقبل “المشرق” الواعد، الذي يتأمل تحقيقه عبر “المصلحين” الجادين، إذن فليس بينه وبين الماضي أي خصومة، وليس بينه وبين المستقبل أي سوء تفاهم، إذ أن الحضارة ومشاكلها تتطلب نظرة شاملة لتاريخ الأمم، يشمل ماضيها وحاضرها ويمتد ليشكل مستقبلها.
عُرف عن المفكر الجزائري مالك بن نبي تبينه لقضايا الحضارة ككل، وهذا ما تجلى عبر إصداراته الفكرية التي بلغ عددها تقريبًا 17 كتاب، وهذه النزعة لحل “مشكلات الحضارة” كانت واضحة حتى في كتابه “مذكرات شاهد للقرن”، هذا الكتاب الذي يتناول فيه المفكر مالك بن نبي سيرته الذاتية منذ ولادته وحتى العام 1939م، أي حينما كان يبلغ من العمر الخامسة والثلاثين عامًا.
وهذا الكتاب مُقسم إلى جزئين:
الأول: الطفل 1905-1930م.
الثاني: الطالب 1930-1939م.
وخلال مراجعة بن نبي لسجل ذكرياته -ذكريات الطفل ومن ثم الطالب- يستطيع القارئ تلمس التحليل الحضاري لبعض المواقف التي يسردها لنا الكاتب، وخصوصًا تلك التي أعقبها فشل في كثيرٍ من الأحيان، ونجاح في بعضٍ منها، فهو لا يتوقف في تحليله للحدث عند مظهره، أو عند نتيجته، بل يتعدى حسبما أوتي من إدراك كامل لحقيقة الموقف لجميع أوجه المشكلة أو القضية، ومن ثم يُعطينا الخلاصة، بطريقة لا تبعث الملل على نفس القارئ، فهو يستخدم أحيانًا الأسلوب التهكمي الساخر عند حديثه عن تصرفاته وأفعاله، وهو في ذلك لا يُحاول أن يكون الكاتب المثالي، ولكن يُثبت أن النظرة للأمور يجب أن تكون شاملة لجميع أوجهها، كما يجب أن لا تكون مبتورة من سياقها، كي نستطيع أن نعيها ونفهما بالشكل الذي يُعيننا على حلها أو تطبيقها أو تعديلها.
الطفل…
وفي هذا القسم يتناول مالك بن نبي مذكراته ومواقفه في مدينة قسنطينة، أو في منطقة “تبسة” التابعة لها حيث تعيش عائلته التي كانت تجمع بين أفرادها أواصر المحبة والتعاون، كأي عائلة جزائرية بسيطة.
وكانت الجزائر في ذلك الحين ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي، والذي ذاق مرارته أجيال متعاقبة من الجزائريين، وقد وصلت سموم الاستعمار درجة بدأت فيها ملامح المناطق الجزائرية الإسلامية آخذة بالأفول…لولا بقية من دين تعتصم به.
وهنا أترك للقارئ بعض العناوين التي اقتبستها من الكتاب، عساها تكون مُحفِزًا لقرائته، وينبغي التذكير بأن الكتاب سردي، فهو غير مقسم إلى فصول سوى الفصلين الرئيسيين اللذين ذكرتهما أعلاه، أما ما يلي فهي عناوين عريضة لأحداث أو أشخاص تطرق إليهم بالحديث المفكر مالك بن نبي:
الجدة الحاجة “بايا”.
العائلة والهجرة.
قسنطينة Xتبسة.
الزوايا الصوفية.
المدرسة الفرنسيةXمدرسة القرآن.
الصحافة العربية في الجزائر.
ذكريات الحرب العالمية الأولى.
الدراسة في قسنطينة.
التخرج من المدرسة والسؤال الكبير: ما العمل الآن؟.
السفر إلى فرنسا…والعودة بـ”فشل كبير”، ولكن العزيمة تأباها.
نفوذ اليهود في تبسة.
حركات الإصلاح في قسنطينة وتبسة.
العمل في محكمة “أفلو”.
أفلو…قصة الحضارة الإنسانية في أرض البداوة.
قصة الراعي الأمين في أفلو.
الشراكة التجارية مع الصهر والكساد العالمي.
الطالب…
في هذا القسم يتناول الأستاذ مالك بن نبي سيرة الطالب الجزائري مالك أو “الصديق”، والذي سافر من بلده الأم إلى البلد “المُستعمِر”، وهناك مدفوعًا بعزيمة وهمة عالية مصحوبة بذكرى التجربة الفاشلة، تبدأ رحلته للدراسة في معهد الدراسات الشرقية، ولكنه ببساطة فشل برغم سهولة الامتحان، لأنه ببساطة كما وضح له مدير المعهد بطريقة أو بأخرى “أن الدخول لمعهد الدراسات الشرقية لا يخضع-بالنسبة لمسلم جزائري- لمقياس علمي وإنما لمقياس سياسي”، لا تتعجبوا فهذه من أبسط سياسات الاستعمار، أوليس كذلك؟!!
ولكن نصيحة من احد الأصدقاء تجعله يغير من اهتمامه نحو دراسة شيء يتاح له ولأمثاله من أبناء المستعمرات بدراستها، وقد كانت بالفعل “مدرسة اللاسلكي” الباب الذي فتحَ لمالك بن نبي فيما بعد آفاق رحبة في شتى العلوم التطبيقية، والاستفادة منها في صياغة وتشكيل أفكاره ونظرياته فيما يتعلق بمشكلات الحضارة العديدة والمتنوعة، ومنها مشكلة بلاده المُستعمَر الجزائر.
تعرف مالك بن نبي في أيامه هذه على الوجه الحقيقي الجميل للحضارة العظيمة في فرنسا، غير ذلك الوجه القبيح الكريه الذي تبرزه في مُستعمراتها، وهناك أيضًا تعرف على حفنة من الشباب العربي، وخصوصًا المغاربي، والذي سيتولى بعد فترة من الزمن-عهود ماقبل وبعد الاستقلال- زمام الأمور في دول المغرب العربي، كما شهد الصراع بين “الوحدويين” و”التقدميين” كما يصف كل فريق نفسه بذلك.
يُكمل مسيرته في فرنسا، ويتزوج من سيدة فرنسية أسلمت وسمت نفسها “خديجة”، كانت خديجة هذه خير رفيق لمالك أثناء دراسته وبعد تخرجه من مدرسة اللاسلكي.
أترك للقارئ الكريم بقية سيرة الأستاذ مالك بن نبي، وهنا كما في الأعلى بعض العناوين الرئيسة في القسم الثاني:
الوصول إلى باريس.
معهد الدراسات الشرقية.
الوحدة المسيحية للشبان الباريسيين “جمهورية تريفيز”.
الالتحاق بمدرسة اللاسلكي.
العرب بين الوحدة والانشقاق…وأبطال المعارك “الانتخابية”.
دعوة بن نبي في الحي اللاتيني بباريس ل”الإصلاح والوهابية والوحدة المغربية”.
دار الـ”با” للملابس وتعرضه للرسول صلى الله عليه وسلم .
معرض المُستعمرات بباريس.
الزواج من “خديجة”.
أمسيات الثقافة مع حموده بن الساعي.
محاولات السفر إلى الشرق..إلى الطائف.
نادي المؤتمر الجزائري الإسلامي بمرسيليا.
الذهاب والإياب بين فرنسا والجزائر.
وفاة الوالدة الحنون.
ترك الجزائر والرحيل إلى فرنسا.

هذه بعض العناوين، وليس كلها، ومما لاشك به أنكم ستتعرفون على حجم المعاناة التي زرعها الاستعمار في طريق كل مسلم اعتصم بدينه، واتخذه منهجًا لحياته، مالك بن نبي هو أحد هؤلاء المسلمين ….هو أحد ضحايا الانتماء لدين الإسلام جوهرًا قبل أن يكون مجرد مظهر.

إشارة لابد منها:

من الملاحظ أن مالك بن نبي قدم مذكراته، على أنهاتعود له كشاهد للقرن، وليس عليه، لا أعلم إن كان الأمر مقصودًا منه، ولكن ما أشعر به أنه يوحي بشيء من الامل والتفاؤل الذي كان يحمله بن نبي تجاه القرن الذي يعيشه.

Read Full Post »