Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘محمد’

image

 

رحلة من مصر إلى مصر
الأستاذ المحامي محمد فريد وجدي بيك

مراجعة وتصحيح وتعليق: د.عبدالمجيد خيّالي
عدد الصفحات: 146 صفحة (شاملة الفهارس والصور).
الناشر: مركز التراث الثقافي المغربي ودار ابن حزم/ الطبعة الأولى/ 2011م.

 

المحامي والسياسي والمؤرخ محمد فريد بيك، يقوم برحلة سياحية قصيرة في صيف عام 1901م، ليستطلعَ بها ما أصاب المسلمين جرّاء التخلف والانقسام والتنازع بينهم، ولذلك فهو يقصد اسبانيا، ليطلعَ على شواهد باقية من الحضارة الإسلامية، بقيت برغم محاولات المحو والتشويه، ثم يتوجه لشمال أفريقيا، ليكون شاهدًا شهادة العين والأذن والمعايشة، على ما يتعرض له العرب والمسلمون في ديارهم من ظلم المحتل.

مسار الرحلة:
بدأ المحامي وجدي بيك رحلته يوم الجمعة 5 يوليو 1901م، منطلقًا من القاهرة، وبحرًا توجه نحو مرسيليا، المدينة الفرنسية الساحلية العتيقة، وبعد قضاء بضعة أيام فيها، توجه بحرًا نحو اسبانيا التي طاف في أرجائها، فشملت رحلته بالترتيب المدن التالية: برشلونه – سرقسطة – مدريد – طليطلة – قرطبة – غرناطة – اشبيلية – وأخيرًا قادس.
ويبدو من خلال سير رحلته في ربوع اسبانيا، أن السائح كان يقصد التعرف على ما تبقى من آثار المسلمين في الأندلس، لذلك، فهو لم يتجشم عناء التوجه لمدن غرب وشمال اسبانيا، وذلك لعدم اشتمالها على ما تبقى ويُظَن أن له علاقة بتاريخ الأندلسيين وحضارتهم، واكتفى بأن يقضي يومين أو ثلاثة في كل حاضرة من حواضر الأندلس العريقة، وهو في رحلته هذه، يقدم دروسًا وعِبَر يطلب من المسلمين التنبه لها، كما أنه لا يُخفي حزنه على بدائع إسلامية تعرضت للتشويه والتبديل، وطمس آيات القرآن، ليوضع عليها وبشكل مُنفر علامات وأيقونات المسيحية.

كما أن الأستاذ المحامي، كان حريصًا على انتقاد بعض المظاهر غير الحضارية في الحياة الاسبانية اليومية، وأهمها كانت مصارعة الثيران، هذه الرياضة التي لا بد فيها من نزف الدماء وقتل الحيوانات، لا لشيء سوى المتعة، كانت هذه الرياضة محل انتقاد شديد من المحامي صاحب الرحلة، وسابقًا، انتقد الأستاذ الفرنسيين وعموم الأوروبيين على ممارساتهم واعتقاداتهم الدينية المتخلفة، المتمثلة في إلقاء النذور في الكنائس، وغيرها من السلوكيات فكتب يقول:

“ومن الغريب أن الإفرنج يرموننا بالجهل، لتمسك بعض جهلائنا بالأوهام الباطلة، واعتقادهم بتأثير الأحجية والتمائم مع شيوع هذه الاعتقادات بين أكثر طبقاتهم تنوراً، فهم يغمضون الجفن عن عيوبهم، وينظرون إلى أقل عيب في غيرهم بالنظارة المكبرة، لكن لا غرابة في ذلك، فهو أمر طبيعي في الأفراد والأمم”.

لكنه كذلك أثنى على دور الحكومة الاسبانية في الاهتمام والعناية بالآثار الأندلسية القديمة المتبقية، وهذا الأمر له علاقة مباشرة بما يسمى “الحنين إلى الأندلس” هذه الموجة الأدبية التي اجتاحت مثقفي وشعراء وأدباء الغرب في القرن التاسع عشر، فكان ذلك سببًا في إقبال السائحين والباحثين على اسبانيا، ومن هنا تنبهت الحكومة الاسبانية لما يمكن أن يعود عليها من منافع بسبب هذه الآثار فأولتها اهتمامها، وشخصيًا، أعتقد أن اهتمام العرب والمسلمين في أوليات القرن العشرين وحتى منتصفه، كان رجع الصدى لتلك الموجة الرومانسية الغربية تجاه الأندلس، فأحيت ما كان ضامرًا في النفوس العربية.
ولأنه عروبي ويعتز بالإسلام وحضارته، فلم يفوت فرصة المرور على “مكتبة الاسكوريال”، والتعرف على الكتب والمخطوطات العربية التي بحوزة هذه المكتبة، وهي تشكل ذخيرة غنية ومتنوعة، كثير منها لم يُكتشَف بعد.
***
وفي يوم الاثنين الموافق 29 يوليو، يتوجه المحامي بحرًا من قادس إلى طنجة، ومنها إلى عدة مدن عربية، وذلك على الترتيب التالي:
طنجة – مليلة – وهران – تلمسان – مدينة الجزائر.

طنجة.. المدينة الساحلية المغربية، كانت تخضع لنظام غريب، فهي أفريقية، ويتغلب عليها الأوروبيون، ويتحكمون بأمرها فعليًا، رغم أنها اسميًا تنتمي لسلطان “مراكش” أو ما يُعرف حاليًا بالمملكة المغربية.
وهناك، شاهد وجدي بيك -برأي العين وسمع الأذن وتقطع القلب- ما أحزنه وحذَّرَ منه، فالغلبة هناك للأوروبيين، مدنيًا مناطق الأوروبيين أنظف وأجمل، وعسكريًا، تولى الأوروبيون المناصب القيادية في الجيش والشرطة والبحرية، فقائد الجيش العام فرنسي، وقائد المشاة انجليزي، وقائد القطعة العسكرية البحرية الوحيدة ألماني، وثقافيًا، تتنوع لغات الصحف المطبوعة والمنشورة، ولا توجد بينها صحيفة واحدة تطبع باللغة العربية!
وفي ميدان الاتصالات والبريد، فلكل قنصلية أوروبية مصلحة بريد وتلغراف خاص بها.
وكل ذلك يورده المحامي وجدي بيك، ليحذر من مغبات التفرق، وهو ينتقد سلطان مراكش -ملك المغرب- لعدم استخدامه لضباط من الدولة العثمانية في “ترتيب جيوشه”، ويعزو ذلك لـ:

“التفرق والتخاذل الذي سبَّبَ ضياع بلاد الأندلس، والذي سيكون سببًا في ضياع مراكش وغيرها من بلاد الإسلام، فلا حول ولا قوة إلا بالله”.

وبعد قضاء يومين في طنجة، توجه بحرًا نحو وهران، ثم بالقطار إلى مدينة تلمسان، ومنها إلى مدينة الجزائر.
وعمومًا، كانت المشاهدات في الجزائر أكثر إيلامًا من تلك التي في لمغرب، ولم يُسمح له بالنزول من الباخرة إلا في اليوم التالي، وبعد بعض الاتصالات، لكنه في البداية وضح سبب زيارته وتجشمه عناء السفر للجزائر:

“أردتُ زيارة الجزائر لأتحقق مما يدَّعي الفرنساويون أنهم أتَوه من الإصلاح، وما قاموا به من الأعمال الجِسام لتحسين حالة الأهالي المعاشية، وتقدمهم في مراقب التمدن والسعادة، فما رأى كمن سمع”.

وبالفعل، لم تكن هذه سوى دعاية ترويجية للمحتل الفرنسي، فأهل البلاد في فقر وتخلف وجهل، وأما التمدن والبحبوحة العيش فكانت حصرًا للمستوطنين الفرنسيين، فأهل البلاد “شيّالون في الميناء أو خادمين عند الإفرنج.. ولا يوجد بينهم تاجر عظيم أو متوسط، ولا صاحب معمل”،ومما وقف عليه السائح العربي، تحويل عدة مساجد إلى كنائس أو مخازن في هذا البلد المسلم!
وكذلك لاحظ الغزو الثقافي الفرنسي، الذي أجبر الناس على هجرة تعلم العلوم العربية والشرعية، والتوجه لدراسة العلوم باللغة الفرنسية، طمعًا في تحصيل وظيفة أو منفعة دنيوية.
وفي وهران، ألتقى محمد فريد بأستاذ اللغة العربية المسيو “موليراس”، الذي كتب له خِطابَين أحدهما إلى قاضي تلمسان، والآخر إلى سكرتير حاكم الجزائر العام، حيث “أوصاهما فيهما بمساعدتي على جميع ما أريده من الاستعلامات عن حالة البلاد وأهليها”، ويؤكد وجدي بيك أن الخطاب الثاني الذي وجه به إلى سكرتير حاكم الجزائر كان مفيدًا له، حيث “أن المسلمين يحذرون من مقابلة من يأتي بلادهم من إخوانهم من البلاد الأخرى، إلا إذا علموا أن الحكومة ورجالها غير ناقمين من وجود هذا المسلم الأجنبي وبالأخص إذا كان تركيًا أو مصريًا”.
وبعد تلمسان توجه إلى مدينة الجزائر، ومما ذكره عنها، أنه كان يوجد فيها 14 مسجدًا جامعًا، لم يبق منها إلا أربعة!
وفي وسط المشاهد التي تجلب الضيق على النفس، والحزن في القلب، تبدى له مشهدًا جميلاً حينما شاهد وجود “عشرة من البحارة الروسيين يؤدون صلاة الجمعة بكل خشوع”، وحينما سألهم عن موطنهم، أجابه البعض بأنه من بلاد قفقاسيا، والبعض من أوفه، وقَزان، وكانت له لقاءات ببعض أعلام الجزائر في حينها ومنهم قاضي تلمسان شعيب بن عبدالله، الذي أكرم وفادة الأستاذ المحامي.
وفي الجزائر البلد الكبير المترامي الأطراف، لا توجد به سوى جريدة واحدة وهي “المبشر”، ولم يذكر عما إذا كانت عربية أم لا،وهي جريدة رسمية تنشر الأوامر وبعض الفصول في فضل فرنسا على العرب، والحض على التعلق بالولاء لها!
وفي آخر رحلته، قدّمَ المسافرُ العربي مقالتين قصيرتين جدًا عن مشاهداته في الجزائر، الأولى عنوانها “الحرية الشخصية في الجزائر”، وفيها يؤكد على ازدواجية معايير هذه الحرية، فكل شيء مباح للفرنسيين والغربيين، وكل شيء ممنوع على الجزائريين. والمقالة الثانية عنوانها “التعليم والمدارس في الجزائر”، وفيها يتناول أوجه الغزو الثقافي الفرنسي، الذي يعمل على تهميش وإقصاء علوم الشريعة واللغة العربية، ويركز عبر آليات عدة، في مقدمتها التوظيف في الإدارات الحكومية، على التعليم باللغة الفرنسية.

وفي يوم الأحد 11 أغسطس، غادر المحامي مدينة الجزائر بحرًا، عائدًا لمدينة مرسيليا، ومنها توجه لقضاء 20 يومًا في كل من مدينتي “باريس” و”فيشي”، ثم قفل عائدًا إلى بلده، فوصل الاسكندرية يوم 10 سبتمبر 1901م.

***
تمتاز هذه الرحلة بعدة خصائص، من أهمها أن صاحبها رجل يحمل هَمَّ الأمة، ويشعر بمغبة التفرقة والتنازع بين أبنائها، فكانت رحلته هذه مطبوعة بطابع النصح والإرشاد، واستلهام الدروس والعبر، فإذا ما عرفنا الوضع الحرج الذي كانت تعيشه الأمة العربية والإسلامية في مطلع القرن العشرين، وإذا ما عرفنا الدور السياسي والحقوقي والثقافي الذي اضطلع به الأستاذ محمد فريد، اكتشفنا أهمية رحلته القصيرة هذي، وأنها تستهدف تنبيه الأمة وإيقاظها من سباتها.
وتمتاز بطابعها الجغرافي الممتد، من مصر إلى مصر، مرورًا بعدة دول وحواضر أوروبية وعربية أفريقية، وهي تقع -كما ذكرتُ أعلاه- في حقبة تاريخية مضطربة ومتأزمة من تاريخ العالم العربي والإسلامي.

ومما تمتاز به هذه الرحلة، أنها من بواكير رحلات العرب إلى الأندلس، فكما أعلم -وعلمي قاصر- أن الأستاذ محمد فريد سبق الأديب الأمير شكيب أرسلان وغيره من العرب في السياحة إلى الأندلس، فكانت تجربة فريدة وسابقة جميلة تسجل لصاحبها.
كما تمتاز هذه الرحلة، باستشراف المستقبل، فكان السائح المثقف يدقق بصره وبصيرته في ممارسات المحتل في كل من المغرب والجزائر، وكان يحذر وينبه لخطورة ما تقوم به حكومات وإدارات المحتل في ثقافة وتاريخ ودين البلدان المحتلة.


كانت لغة صاحب الرحلة واضحة بسيطة، لم يتكلف لا في عبارته ولا في أسلوبه، وكذلك لم يتجنب إظهار عاطفته الحزينة لحال المسلمين، كما أنه كان حريصًا على الموضوعية، فانتقاده لهيمنة الدول الأوروبية واحتلالها بلداننا، لم يمنعه من الثناء على تنظيمها وحسن إدارتها لأمورها في بلدانها.
كان الكتاب قد طبع قديمًا، وهذه الطبعة هي الطبعة الثانية، وكانت بتحقيق الأستاذ عبدالمجيد كيالي، الذي أضاف هوامشًا عديدة، ربما لم يكن من المطلوب وضعها بهذا الشكل، كما أن هذه الطبعة حفلت بصور فوتوغرافية لم تشتمل عليها الطبعة اأصلية، وهذه من النقاط السلبية في هذه الطبعة، فبعض الصور “مسحوب” من منتدى في الانترنت، وتظهر في إحدى زواياها شعار ذلك المنتدى أو الموقع، وبشكل مُنفِّر، كما أن خط الطباعة كان كبيرًا، يماثل حجم خط الطباعة في الكتب المدرسية، وربما أرادت الدار إخراجه بهذا الشكل لزيادة عدد صفحات الكتاب.

وعمومًا، الرحلة مثيرة، وحافلة بالدروس، والتنبيهات والتحذيرات التي تحقق للأسف بعضٌ منها.

Read Full Post »

missr1مصر وحركة الجامعة الإسلامية

من عام 1882 إلى عام 1914م

المؤلف: نصر الدين عبدالحميد نصر

عدد الصفحات: 129 صفحة.

الدار: الهيئة المصرية العامة للكتاب/ الطبعة الأولى/ 1984م.

بحثٌ تاريخي قصير يتناول فكرة الجامعة الإسلامية، وإرهاصاتها وبواكيرها، ورجالاتها وجهودهم، ومعارضي الفكرة في مصر، ويتقيد البحث بتناول فكرة الجامعة الإسلامية في مصر، وخلال الفترة الممتدة ما بين العام 1882م، وحتى العام 1914م.
وتنقسم الدراسة إلى مقدمة وتمهيد، وسبعة فصول، ثم خاتمة، ويورد المؤلف في النهاية مسردًا بمصادره ومراجعه والوثائق التاريخية التي استخدمها في دراسته.
 **
ويشير الباحث نصر الدين، إلى تطور فكرة الجامعة الإسلامية خلال القرن التاسع عشر في مصر، ويقدم عددًا من الإشارات التاريخية، التي يمكن اعتبارها إرهاصات لتبلور فكرة الجامعة الإسلامية في مصر، ومنها الاحتلال الفرنسي لمصر الذي دام 3 سنوات(1798-1801م)، حيث “ترك نواةً للاتجاه الوطني الذي مهد للفكرة القومية المتعصبة أو الدعوة إلى الفرعونية”، وهو الاتجاه الذي يعارضه الإسلاميون عمومًا، وإشارة أخرى تتعلق بدور محمد علي باشا وقيادته لمصر، وتطلعه نحو الغرب، ومساعيه لإيجاد هوية جديدة لمصر، متمايزة عن الدولة العثمانية، حيث “فتح أبواب مصر للأوروبيين، وأرسل الشباب إلى بعض البلاد الأوروبية ليتلقوا العلوم [هناك]”، وإشارة ثالثة تتعلق نزعة ظهرت في مصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من قبل “بعض المثقفين ثقافة غربية”، وتتضمن هذه النزعة دعوات إلى “استخدام اللهجة العامية بدلاً من العربية الفصحى، وإلى دمج الأقليات الدينية بالأغلبية الإسلامية”، وهذه الإشارات -بحسب الكاتب- لم تؤد إلى ظهور فكرة الجامعة الإسلامية مباشرة، ولكنها أدت إلى بروزها والترويج لها.
**
ويشير المؤلف إلى الأسباب المباشرة لظهور فكرة الجامعة الإسلامية، ويجملها بموقف السلطان عبدالحميد الثاني، الذي رأى أن دولة الخلافة تعاني من أزمات متعددة، ويخضع بعض أجزائها للاحتلال الغربي، “ولم يجد السلطان عبدالحميد من مخرج له سوى طرح فكرة الجامعة الإسلامية، هادفًا من وراء ذلك إلى جمع الشعوب الإسلامية تحت لوائه في محاولة لمقاومة التدخل الأوروبي المتزايد في شئون بلاده”.
ولِما كانت مصر تحتله من مكانة في قلب العالم الإسلامي، ولظروفها السياسية والثقافية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فقد توجه إليها جمال الدين الأفغاني، وهو أحد روّاد فكرة الجامعة الإسلامية، حيث قصد مصر عام 1871م، داعيًا ومعلمًا، ومروجًا لفكرة الجامعة الإسلامية وفق نظرته هو، وهي قيام “وحدة حكومات معبرة عن وحدة شعوب”، وقد التف حول الأفغاني طلابٌ كثر، آمنوا بفكرته، ودعموها، وروجوا لها، إلا أن جهود الأفغاني ستصطدم مع السياسيين والطبقة الحاكمة، حيث صدر “قرار مجلس النظار المصري سنة 1879م، بطرده من مصر”، وفي الفصل الذي يليه تناول جهود أبرز تلاميذ الأفغاني وهو الشيخ محمد عبده، الذي كان يحضر دروس أستاذه الأفغاني، ورغم تأثره به، إلا أن دعوة الإصلاح التي تبناها كل منهما قد تمايزت عن الأخرى في جانب جوهري منها، “فبينما كان جمال الدين يريد الإصلاح عن طريق السياسة وتحرير الشعوب الإسلامية من الاستعمار الأوروبي، كان عبده يؤمن برسالة العلم والموعظة الحسنة وينادي بضرورة تثقيف المسلمين وأخذهم بأسباب الحضارة الأوروبية الحديث، ولنهوض بالأمة بالتدريج دون تهور أو اندفاع، وبعيدًا عن السياسية”.
وقد اتفق الرجلان في “السعي نحو تحرير العقل من الجمود الفكري والسخط على حكام المسلمين المستبدين، وأن نهضة المسلمين تتأتى بوحدتهم وببعث تراث السلف”.
 **
وفي الفصل الرابع، تناول الباحث موقف الحركة الوطنية المصرية من فكرة الجامعة الإسلامية، وبين فيها تأرجح عددٍ من الأحزاب بين الإيمان الحقيقي بفكرة الوحدة الإسلامية، وبين استخدامها كواجهة ودعاية لجذب الجماهير وترسيخ المكانة في مصر، حيث تحدث عن دور “الحزب الوطني” في عهد رئيسه محمد فريد وجدي بيك، الذي كان يؤمن بالفكرة، وينادي بها، والتعاون مع دولة الخلافة الإسلامية، يشكل محورًا رئيسيًا في مفهومه عن فكرة الجامعة الإسلامية، بينما على خلاف هذا الموقف الواضح والصلب، يوضح الباحث أن موقف “حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية” من فكرة الجامعة الإسلامية، كان موقفًا “تكتيكيًا” أكثر منه موقفًا مبدئيًا.
 **
وفي الفصل الخامس، تعرض لمواقف الأحزاب والأعلام المعارضين لفكرة الجامعة الإسلامية في مصر خلال تلك الفترة، وفي مقدمتهم “حزب الأمة” وكان من أهم رجالاته أحمد لطفي السيد، الذي عارض فكرة الجامعة الإسلامية، عبر مقالات له في جريدة “الجريدة” لسان الحزب الناطق، وقد دعا في مقالاته إلى “المصرية”، كهوية مستقلة للمصريين، ولما شب السجال بينه وبين الإسلاميين ومؤيدي فكرة الجامعة الإسلامية، انبرى د.طه حسين مدافعًا عن أحمد لطفي السيد، ومبررًا له مقالاته، ومؤيدًا له في مواقفه، وشكل غلاة الأقباط أحد التيارات المعارضة لفكرة الجامعة الإسلامية في مصر، هؤلاء الغلاة الذين “نادوا بالقومية الفرعونية”، ويعزو المؤلف ظهور هذه الفكرة “لمعارضة فكرة الجامعة الإسلامية التي كان يروج لها الحزب الوطني بنوع خاص”، وقد اتخذ الأقباط من اسم “رمسيس” شعارًا لهم، وأنشأوا ناديًا خاصًا بهم، وظهرت حركة ترمي إلى إحياء اللغة القبطية لأنها -كما قالوا- لغة البلاد المصرية، وقد كادت الدعوات المتطرفة لهؤلاء الأقباط أن تؤدي إلى نزاعات دموية بين المسلمين وعموم الأقباط في مصر، لولا تدخل العقلاء من الطرفين، وأما آخر الفئات المعارضة لفكرة الجامعة الإسلامية في مصر، فهم “المعارضون الأحرار”، والذين لا يجمعهم تيار سياسي معين، وإنما يرفضون الفكرة من منطلق فكري وفلسفي، مناقض للدين أساسًا، ومن بينهم شبلي شميل وتلميذه سلامة موسى.
 **
وفي الفصل السادس، تناول المؤلف مصر والدولة العثمانية وفيما بينهما فكرة الجامعة الإسلامية، ويبين أن مصر التي كانت آنذاك تحت الاحتلال البريطانية الفعلية، والتبعية الأسمية للدولة العثمانية، لم تستطع أن تتخذ موقفًا سياسيًا واضحًا من فكرة الجامعة الإسلامية، إلا أن هذا لا ينفي أن “عواطف المصريين كانت مع الدولة العثمانية”، ولم يقتصر الأمر على مجرد التعاطف، بل تعداه إلى المساهمة في التبرع للدولة العثمانية في حرب طرابلس الغرب، وتقديم المواد الإغاثية والطبية للمحتاجين، ومن قبلها أسهم المصريون في التبرع للجيش العثماني أثناء حرب اليونان، وقد ساد الابتهاج شوارع مصر حين انتصر العثمانيون، وتشكلت لجان لجمع التبرعات للجيش العثماني، وغير ذلك من الإشارات الدالة على اعتناق المصريين لفكرة الجامعة الإسلامية على المستوى التطبيقي قبل المستوى التنظيري، وإن كانت الطبقة السياسية تتأرجح في هذه الفكرة ما بين تأييد لها ومعارضة، ومناورة سياسية لكسب بعض المواقف.
 **
وفي الفصل السابع والأخير، تناول الكاتب موقف مصر والمصريين من حركات الإصلاح الإسلامية الشهيرة، وفي مقدمتها الحركة الوهابية ثم السنوسية ثم المهدية، ويؤكد الباحث “تأثر مصر بالحركة الوهابية رغم اصطدام محمد علي بها”، ورغم قبول الشعب لمصري لفكرة ودعوة الحركة الوهابية الإصلاحية، إلا أن الجهات الرسمية ظلت مناوئة لهذه الحركات عمومًا، وينقل عددًا من أسماء أهم أعلام العالم الإسلامي الذين تأثروا بهذه الحركة الإصلاحية، ومن بينهم: الآلوسي الكبير في بغداد، ومحمد بن علي الشوكاني في اليمن، وجمال الدين الأفغاني، وخير الدين التونسي، والشيخ محمد عبده، والمؤرخ الجبرتي، وفيما يتعلق بموضوع الكتاب، كانت الحركة الوهابية تستهدف إعادة توحيد الإمارات المتصارعة والمتنازعة في شبه الجزيرة العربية، وقد تحققت بالفعل وحدة متنامية ومتصاعدة، إلا أنها اصطدمت بقوة الحملة المصرية التي توجهت إلى الجزيرة العربية، وأجهضتها، وفتت في عضدها. وأما ثاني الحركات، وهي الحركة السنوسية، فيعزو الباحث سبب نجاحها في ابتعادها عن العمل السياسي المباشر، وكسب ولاء الخلافة العثمانية المعترف بها لدى أكثرية المسلمين، فلم تظهر بمظهر المعارضة، وهذا ما جعل وجودها وانتشارها أكثر سهولة من الحركة الوهابية والحركة المهدية في السودان، ولكن هذا لا ينفي أن قادة الحركة السنوسية كانوا يدعون للوحدة بين المسلمين، بينما كانت المواجهة العسكرية تستهدف القضاء على الحركة المهدية، التي نادت بتحرير أرض المسلمين من الاستعمار، وقد مارست العمل العسكري الجهادي، ولذلك السبب كان المصريون يؤيدون الحركة المهدية.
 **
وفي خاتمة البحث، يقرر الباحث أن “فكرة الجامعة الإسلامية فكرة محببة إلى كل مسلم، إلا أنها أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة”، ورغم هذه الخاتمة المتشائمة للمؤلف، إلا أنه يؤكد أن المصريين ظلوا في كل العصور مخلصين للفكرة الإسلامية، كما ظهر ذلك من مواقفهم تجاه حركات الإصلاح الإسلامية، وقد تجلى هذا الإخلاص في العقود الاخيرة بالتبرعات المالية والعينية التي يقدمها المصريون لمنكوبي ومحتاجي العالم الإسلامي.
ملاحظة أخيرة:
لم يكن البحث عميقًا ومتناسقًا، فهو أشبه ما يكون بالبحث القصير والسريع والسردي، وقد تبدى هذا في بعض الأفكار التي تحتاج إلى تفصيل أعمق، وذكر شواهد أكثر للتدليل على صلاحيتها، وقد حاولت البحث عن مؤلفات أخرى للباحث نصر الدين عبدالحميد نصر، بل أنني بحثت عن اسمه في شبكة الانترنت محاولاً الوصول إلى أي توصيف أكاديمي له، أو جهد علمي آخر أسهم به، إلا أنني لم أوفق إلى ذلك!

Read Full Post »