Feeds:
المقالات
تعليقات

Posts Tagged ‘مكتبات’

bosniaالبوسنة والهرسك

المؤلف: الدكتور جمال الدين سيد محمد

عدد الصفحات: 291 صفحة

دار النشر: دار سعاد الصباح/ الطبعة الأولى/ 1992م

 

في أوائل تسعينات القرن الماضي، وبعد انهيار ما يسمى بالمعسكر الشرقي، عبر انحلال الاتحاد السوفييتي، وقبله سقوط جدار برلين، في تلك الحقبة التاريخية المفصلية، كانت أمم صغيرة في شرق ووسط أوروبا تشق طريقها نحو الحرية والانفتاح، والديمقراطية والاستقلال، لكن بقايا النظام المتهالك لم يكن ليسمح لها جميعًا بالوجود على مسرح البلدان، وكانت البوسنة والهرسك هي إحدى هذه الدول التي حاولت أن تبصر النور بعد استفتاء شعبي شاركت فيه أغلبية السكان في البوسنة، وأيدوا الانفصال والاستقلال عن يوغسلافيا، كما فعلت سلوفينيا وكرواتيا ومقدونيا من قبل، لكن البوسنة والهرسك ذات الأغلبية المسلمة، كان ينتظرها مصيرٌ آخر.
لقد رفضت قوات الجيش اليوغسلافي الاتحادي مغادرة البوسنة والهرسك، وتشكلت مليشيات صربية أخرى في البوسنة، ترفض الانفصال، وتدعم السلطة المركزية في بلجراد، لتجعل من البوسنة والهرسك مسرحًا لجرائم مروعة نفذها الصرب ومرتزقة وفدوا من عدة دول أوروبية، لإجهاض ولادة دولة مستقلة، ذات أغلبية مسلمة في أوروبا.
وانبرى المسلمون محاولين الدفاع عن حق الشعب البوسني بالحياة وإدارة دولته بشكل مستقل، حاله كحال بقية الشعوب الأوروبية التي استقلت بنفسها، وأقامت دولاً حديثة، ومن هذه الجهود في الدفاع عن البوسنة وأهلها، كتاب الدكتور جمال الدين سيد محمد، وهو استجابة عاجلة وموجزة، يستهدف من خلالها المؤلف تسجيل “بعض ملامح تلك السمات الإسلامية التي أراد البعض عن عمدٍ محوها” وكما يقول صراحة المؤلف، فقد أراد أن “ينقذ ملف مسلمي البوسنة والهرسك من الضياع في خضم الأحداث السياسية المتلاحقة”.
 ***
ومن الملاحظ في مقدمة الكتاب، أن المؤلف انتهى منه في ديسمبر عام 1992م، وهو العام الذي اندلعت فيه الحرب الشعواء التي شنها الجيش الصربي وصرب البوسنة ضد المسلمين، كما يُلفت النظر ذلك العنوانُ الخالي من أية سمة سوى “البوسنة والهرسك”، ويبدو أن الكاتب ونظرًا للظرف الطارئ الذي يكتب فيه، اكتفى بأن وضع اسم البلد التي يدور حولها محتوى الكتاب، دون التكلف في إضافة أي عبارات جذابة أو دعائية أو تفسيرية، هكذا بكلمة واحدة “البوسنة والهرسك”، ربما يُعد ذلك قصورًا في إخراج الكتاب، لكن لا تثريب عليه بما احتوى من مضمون. والكتاب عبارة عن دراسة قصيرة، تتضمن مجموعة من المقالات، بلغ عددها 28 مقالة متنوعة، متفاوتة بين قصيرة ومتوسطة، جمعها الكاتب بأسلوبٍ غير متكلف ولا مطنب، وعززها بمعلومات تاريخية وجغرافية وأدبية، وثقافية عامة عن البوسنة والهرسك وأهلها.
كانت أول 3 مقالات تتناول الأحداث الجارية في البوسنة سنة 1992م، وهي السنة التي بدأت فيها أعظم حرب تطهير عرقي في أوروبا عند نهاية القرن العشرين، على يد الصرب ومن عاونهم ضد مسلمي البلقان، وتحديدًا البوسنة، ويبدو أن الكاتب أراد أن يضع القارئ في صلب الأحداث المتسارعة، وذلك لتسهيل تشكيل صورة اولية عن البوسنة والهرسك.
ثم 11 مقالة ثقافية-تاريخية-جغرافية، وهي بالأحرى تعريفية، يفتح بها المؤلف النوافذ على تاريخ البوسنة والهرسك، وعلى أعلامها، ومعالمها الشهيرة من مساجد ومكتبات ومدارس، وسيندهش القارئ حين يتعرف على حجم الأعمال الوقفية التي رصدها مسلمو البوسنة قديمًا، دعمًا لأعمال الخير في مجتمعهم، وتشجيعًا على التكافل الاجتماعي فيما بينهم، واهتمامًا بالعلم والعمل، وأخص بالذكر هنا أوقاف الغازي خسرو بيك، التي تنوعت ما بين مسجد ومكتبة ومدرسة، وغيرها من أعمال البر. وسيجد القارئ مقالات أخرى منوعة، تتناول مدنًا بوسنية مثل “ترافنيك”، وأخرى عنوانها “جسر على نهر درينا”، في اقتباس مباشر لعنوان رواية شهيرة لإيفو اندريتش، ومقالة تتناول سمات شهر رمضان في المجتمع البوسني الحديث، وفي الاتجاه نفسه، مقالة تعريفية بداعية إسلامي بوسني اسمه د.أحمد سماسلوفيتش.
أما المقالات الـ14 الأخرى، فكانت تدور عن موضوعات ذات صلة مباشرة بتخصص المؤلف في اللغة والآداب لشعوب الاتحاد اليوغسلافي، وتتعلق هذه المقالات باللغة والأدب والاستشراق البوسني*، والكلمات العربية في اللغة الصربو-كرواتية، ومقالات تعريفية بالأدباء البوسنيين، وأعمال أدبية بوسنية، مثل رواية “رحلة إلهامي إلى الموت”**، ومن الأدباء الذين كتب عنهم مقالات ضمن الكتاب: إيفو اندريتش صاحب رواية “جسر على نهر درينا”، وقد ذكر بعضًا من الانتقادات الموضوعية التي وجهت لهذه الرواية، ومن الأعلام الأدباء الذين تمَّ ذكرُهم محمد بك قبطانوفيتش لوبوشاك، الذي كان من أبرز الكتاب الذين يستخدمون “الهاميادو”، وهو الأدب الأعجمي، وهو أدب مؤلف باللغة المحلية للبلد، أي اللغة الصربو-كرواتية، ومكتوب بالحروف العربية.
وفي النهاية، يضع المؤلف ببلوغرافيا قصيرة، يسرد فيها عناوين كتب تتناول التاريخ البوسني من عدة جهات، وبلغ عددها 19 عنوانًا.
 ***
والحق، أن المقالات كانت ثرية بمحتواها، سلسة في أسلوبها وكتابتها، لم يعمد فيها المؤلف إلى الإغراق في التفاصيل، وكذلك كان من المُلاحظ أن هذا الكتاب الذي يتزامن مع نشوب الحرب الضروس، لم يجعله المؤلف مجرد بكائيات على حال البوسنيين، وشحن عاطفي للقراء، واستجداء لدموعهم، رغم تعاطفه الواضح مع مسلمي البوسنة، وانتصاره لهم، ولحقهم في الحياة، ورفضه للحرب التي يشنها الصرب عليهم، واستنكاره للصمت العالمي، لكنه -مع ذلك- حافظ على الخط الموضوعي، وتعرض بالنقد والمعالجة الموضوعية لكافة أوجه الحياة لدى مسلمي الوسنة.
ومن بين أهم الملاحظات، تكرار الكاتب لطرح فكرة تجاهل الاتحاد اليوغسلافي للتركة الثقافية والأدبية لمسلمي البوسنة، بل ومحاولة التعتيم عليها وإخفائها عن الأعين، وهذا السلوك ليس منحصرًا في قادة الاتحاد اليوغسلافي الاشتراكي، بل مسبوق بعدة سوابق مثل إغفال اسم البوسنيين عند تشكيل مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين عام 1918م، والتي كانت البوسنة جزءًا في هذه المملكة، ومن هذه المحاولات مصادرة أوقاف المسلمين وأملاكهم في البوسنة، وتوطين قوميات أخرى فيها لتفتيت الهوية البوسنية، ومنع وحظر كثير من الأنشطة والشعائر الدينية للمسلمين، كما تعرض مفكرو البوسنة وعلمائها للسجن كثيرًا، وهنا نتذكر قضية محاكمة وسجن مثقفي البوسنة مطلع الثمانينات، والتي كان الرئيس علي عزت بيجوفيتش أبرز ضحاياها.
لكن هذه الممارسات الاقصائية والتهميشية لم تكن مقتصرة على جهود الحكومة والنظام اليوغسلافي، بل لقد تبنى بعض المثقفين اليوغسلاف هذه الأساليب ودعموها بكتاباتهم وأعمالهم العلمية والأدبية، ومن هؤلاء الأديب البوسني إيفو اندريتش صاحب جائزة نوبل، والذي يذكر الكاتب أن رسالته في الدكتوراه التي نالها من جامعة جراتس في النمسا عام 1923م، كان عنوانها ومضمونها “الحياة الفكرية في البوسنة والهرسك في عهد الأتراك”، ويضيف المؤلف د.جمال الدين أن الأديب إيفو اندريتش حاول في رسالته البرهنة على التخلف الأدبي والثقافي للبوسنيين، واعتبر ذلك كشفًا علميًا، وقد عالج نفس هذه الفكرة في عدد كبير من رواياته وقصصه التاريخية عن البوسنة وأهلها.
ولعل البعض قد يستغرب أن يجد كاتبًا يتناول البوسنة بهذا الحجم الكبير من المعرفة الواسعة، وقدرته على كتابة 28 مقالة تتناول التاريخ والجغرافيا واللغة والأدب وغيرها من جوانب الحياة في مدة قصيرة، لكن الاستغراب سيزول حتمًا حينما نعلم أن المؤلف ليس غريبًا على الاتحاد اليوغسلافي، إذ عاش في بلغراد فترة من الزمن لا تقل عن 4 سنوات، وزار سراييفو وبعض المدن البوسنية الأخرى عدة مرات، وحصل على درجتي الماجستير(سنة 1976) والدكتوراه(سنة 1979) من كلية اللغات بجامعة بلغراد، وقبلها كان قد تخرج من كلية الألسن بجامعة عين شمس قسم اللغة الصربو-كرواتية سنة 1963م، وقد تعمق أكثر في الدراسات والأعمال الأدبية واللغوية الصربو-كرواتية، فأنتج عددًا من الترجمات لأعمال أدبية يوغسلافية، وله أيضًا ترجمات من اللغة العربية إلى لغات شعوب يوغسلافيا سابقًا، كما أنه نشر كتابًا عنوانه “الأدب اليوغسلافي المعاصر” ضمن سلسلة عالم المعرفة، التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت عام 1984م.
———-
* في سياق الاستشراق اليوغسلافي، أنصح بقراءة كتاب “مراجعة الاستشراق – ثنائية الذات/الآخر – نموذج يوغسلافيا” للدكتور محمد الأرناؤوط، اصدار دار المدار الإسلامي 2002م، وفيه نظرة تأريخية ونقدية لأعلام المستشرقين اليوغسلاف وإنتاجهم، كما أنه يتركز على موضوع طريف في الاستشراق وهو دراسة الذات/الآخر.
** رواية “رحلة إلهامي إلى الموت” للأديب البوسني رشاد قاضيتش وبترجمة الدكتور جمال الدين سيد محمد، قرأتها في ديسمبر 2013م، وسأكتب عنها مراجعة قريبًا بإذن الله.

Read Full Post »

arabfrance

تاريخ الدراسات العربية في فرنسا

تأليف الدكتور محمود المقداد

عدد الصفحات: 285 مع صفحات المراجع والمصادر.

اصدار: سلسلة عالم المعرفة/ رقم 167/ نوفمبر 1992م/ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب/ الكويت.

يتتبع الدكتور محمود المقداد في هذا البحث، تاريخَ الدراسات العربية في فرنسا، منذ بواكيرها في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين، وحتى ما قبل عشر سنوات من تأليف البحث، أي سبعينات وثمانينات القرن العشرين، ويهتم البحث برصد أعلام “الاستعراب” في فرنسا وجهودهم المتنوعة، ومراحل تطور الدراسات العربية ومجالاتها في المؤسسات الاكاديمية والعلمية والسياسية الفرنسية.

يبدأ أولاً المقداد بحثَه بإلقاء ضوء على مفهوم “الاستشراق”، وهو مفهوم عام يتناول “دراسة الشرق من جميع النواحي”، ولمَّا كان مفهومًا عامًا يشمل العرب وغيرهم، يشمل الإسلام وغيره من الأديان، فقد نشأ مفهومٌ آخر أكثر دقة وتخصصًا، يشير إلى الدراسات العربية والإسلامية، وهو “الاستعراب”، والمشتغِل في هذا الحقل يُطلَق عليه “المستعرب” Arabisant.

لم يكن الاستشراق/الاستعراب خلوًا من الغايات والأهداف، فهذا ما لا يمكن تصوره في أي حركة بشرية، وعلى أي مستوى، ولكن من جهة أخرى، لا يمكن أن توصَف أهداف الاستشراق/الاستعراب بالسيئة والسلبية على طول الخط، فمن هذه الأهداف ما فيه نفع لنا ولهم، وما ليس فيه ضرر علينا، ومنها ما فيه ضرر علينا، لذلك، فالباحث يرفض الأحكام القطعية الجامدة المسبقة التي تُلقى على الاستشراق/الاستعراب أيًّا كانت، فكل مرحلة من مراحل الاستشراق/الاستعراب كانت تمتاز ببعض السمات، التي لا بد من دراستها على حدة وبموضوعية قبل إصدار الأحكام عليها. لكن المؤلف عمومًا يقرر بأن “الهدف العام لحركة الاستعراب أو الدافع الرئيسي لها كان حب الكشف والتعرف والاطلاع للإفادة العلمية والتواصل الفكري بين الفرنسيين والعرب”.

في الفصل الأول، تناول المقداد الصلات بين الشرق العربي والغرب الأوروبي، وأكد بأن هذه العلاقات تعود إلى الماضي الموغل في القدم، فهي لم تنقطع إلا خلال فترات من الزمن قليلة، وأما في الغالب، فالعلاقات كانت متواصلة بين الشطرين سواء سلمًا أو حربًا، وبالتحديد منذ بزوغ فجر الإسلام، وقد وصلت إلى أوجها حربًا في الحروب الصليبية، والتي كانت فرنسا تحتل فيها مركزًا متقدمًا في الحشد والإمداد العسكري، لكن وبحسب المؤرخين، فإن لهذه الحروب التي انتهت باخفاق عسكري أوروبي في الشرق، تأثيرات عميقة في المجتمع الأوروبي، كان من أهمها تسهيل التبادلات التجارية والفكرية والفنية بين طرفي المتوسط. وقد بدأت في حينها ترجمة المؤلفات العربية إلى اللغة اللاتينية، لغة العلم والثقافة في أوروبا حينذاك، وينقل المؤلف أن أحد المؤرخين الغربيين واسمه ليكليرك Leclerc أحصى في كتابه “تاريخ الطب العربي” عدد المؤلفات العربية التي تُرجمَت إلى اللغة اللاتينية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، فوجدها تزيد على 300 ترجمة، من بينها 90 ترجمة تتعلق بالعلوم الفلسفية والفيزيائية والطبيعية، و90 أخرى تتعلق بالعلوم الطبية، وغيرها من المجالات الثقافية والأدبية والعلمية.

في وقت لاحق، نشأت ظروف سياسية وعسكرية وثقافية جديدة في أوروبا، نتيجة لفتح العثمانيين القسطنطينية عام 1453م، هذا العام الذي يعتبر الأوروبيون فاصلاً بين حقبة انتهت، وهي العصور الوسطى، وحقبة جديدة ابتدأت، وهي عصر النهضة الأوروبية، والذي ستتخذ فيه الدراسات العربية في فرنسا بُعدًا آخر.

فقد تطورت اللغات القومية الأوروبية، وظهرت إلى مسرح الوجود المعاهد والجامعات التي لا تعترف بسلطة الكنيسة، ووصايتها عليها، فبدأ الأوروبيون محاولة الرد على الأخطار العثمانية عبر قراءة واستكشاف المنتج الثقافي للحضارة التي تحمل الدولة العثمانية لوائها، ومن هنا كان اهتمام الفرنسيين بتجميع المخطوطات العربية، والاحتفاظ بها في فرنسا، وترجمتها، واهتم الفرنسيون كذلك بإيجاد جيل من الفرنسيين يتقنون العربية والتركية والفارسية، وبذلك بدأ اتجاه جديد برعاية الدولة، يهتم بالدراسات العربية في فرنسا، وإن كان سينتابه بعض الفتور في لحظات تاريخية معينة، إلا أنه ومنذ الثورة الفرنسية 1789م، سيزداد الاهتمام الفرنسي بالدراسات العربية، والتي توجها نابليون بونابرت بحملته على مصر عام 1798م.

وقد ظهر في القرون الثلاثة الماضية عددٌ من الباحثين والمستعربين الكبار، الذين بذلوا جُلَّ أوقات أعمارهم في دراسة وتدريس اللغة العربية، والثقافة العربية للفرنسيين، وترجمة وتحقيق التراث العربي، بما يحقق مصالح بلادهم، ومن أهم هؤلاء المستعربين سلفستر دو ساسي (1758-1838م) الذي أسهم باقتراحاته ودراساته في تبوء الدراسات العربية مكانة هامة في الأوساط الأكاديمية الفرنسية.

وقد اهتم الفرنسيون منذ القدم في جمع المخطوطات العربية، ونقلها إلى فرنسا، وترجمتها، وذلك من أجل التعرف على الثقافة العربية، وكشف أسرارها، وقد جُنِّدَ لذلك رهبان مبشرون وتجار، وجواسيس، ودبلوماسيون، وسفراء في العالم العربي والإسلامي، وسوّاح ومستعربون، كُلفوا خصيصًا بهذا العمل، وقد مرت على عملية جمع المخطوطات العربية في فرنسا 6 مراحل بحسب المؤلف، تمتد الأولى منذ بداية القرن الثامن وحتى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، ولا يلحظ فيه أي اهتمام جدي من الغرب الأوروبي عمومًا بالشرق أو باللغة العربية، وأما آخر هذه المراحل، وهي السادسة، فتمتد من عام 1883 إلى عام 1975م، وفيها أضافت فرنسا عددًا كبيرًا من المخطوطات العربية في مكتباتها، نتيجة استعمارها عددًا كبيرًا من البلدان العربية والإسلامية في غضون هذه الحقبة، إلى حد أنها تجاوزت عدد سبعة آلاف مخطوطة.

ويلخص المقداد جهودَ المستعربين الفرنسيين في التعامل مع المخطوطات العربية في 7 نقاط، وهي:

  • البحث عن هذه المخطوطات وجمعها ونقلها إلى فرنسا.
  • حفظ هذه المخطوطات.
  • وضع فهارس تنظم الإفادة منها.
  • تحقيق بعضها ونشره.
  • نشر اقتباسات من هذه المخطوطات، أو خلاصات لها بغية تعريفها.
  • ترجمة بعض هذه المخطوطات إلى الفرنسية.
  • نسخ بعض هذه المخطوطات أو تصويرها.

وفي فصل آخر (الفصل3)، تناول المقداد تدريس اللغة العربية في فرنسا، وهي عملية مرت بعدة أطوار، أولها في معهد فرنسا (كوليج دو فرانس)، وقد أدخلت العربية كأحدى المواد عام 1587م، على يد أرنولد دو ليسل، واستمرت كذلك إلى عام 1613م. ثم ظهرت جهة أخرى تولي العربية واللغات الشرقية الأخرى اهتمامها، وهي مدرسة فتيان اللغة التي تأسست عام 1669م، والتي كانت تأمل فرنسا من ورائها تأسيس جيل من الفرنسيين يتقنون العربية بالتحديد، وذلك لتولي مصالح بلادهم السياسية والتجارية مع الشرق، ثم تمَّ تأسيس المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحية عام 1795م، والتي نافست وتفوقت على مدرسة الفتيان، وأصبحت هي المصدر الأساسي لتخريج المستعربين في فرنسا إلى يومنا هذا، وكان سلفستر دو ساسي أحد أعمدة هذه المدرسة، وواضع أهم لوائحها ونظمها.

وفي فصل آخر، وهو الرابع، تطرق المؤلف لأنواع الدراسات العربية في فرنسا، وهو يعني بالتحديد الفنون من الثقافة العربية التي اهتم المستعربون بها، فعملوا على نشر مخطوطاتها، أو قاموا بنشر مؤلفاتها أو أسهموا في إلقاء المحاضرات عنها، ومن هذه الدراسات: الدراسات اللغوية، الدراسات الأدبية، الدراسات التاريخية، الدراسات الإسلامية، الدراسات الجغرافية، وغيرها، وسنأخذ مثالاً هنا الدراسات اللغوية.

قام المستعربون الفرنسيون في إطار اهتمامهم بالدراسات اللغوية العربية بتأليف كتب في النحو العربي، كما قام بذلك بوستل عام 1538م، ودو سافاري عام 1748م، ونشر دو ساسي كتابًا في قواعد اللغة العربية أسماه “التُحفة السَنية في علم العربية” عام 1810م، وقام المستعربون كذلك بوضع المعاجم اللغوية العربية، حيث صنّف مارسيل سنة 1837م، معجمَه “كنز المصاحبة” وهو معجم فرنسي-عربي عامي، وكذلك قام المستعربون بنشر الكتب النحوية العربية وترجمتها، وتأليف الدراسات اللغوية حول اللغة العربية الفصحى واللهجات العامية، وقاموا بوضع الكتب التعليمية، ونشر المختارات النحوية العربية.

في الفصل الخامس، تناول الدكتور المقداد، مجالات أخرى لعمل المستعربين غير العمل التدريسي، وهذه المجالات بلا شك تثير جدلاً كبيرًا، خصوصًا إذا ما علمنا بأن بعضها كان يتعلق بأغراض سياسية وعسكرية استعمارية، وأخرى دينية تبشيرية، وقد عمل بعض المستعربين في السلك الديبلوماسي الفرنسي، مثل كليمان هوار الذي تخرج من مدرسة اللغات الشرقية عام 1873م، وعُين مترجمًا في القنصلية الفرنسية في دمشق أولاً ثم الآستانة تاليًا، وفي وقت لاحق عُين قنصلاً عامًا لحكومته في دمشق، وينقل المؤلفُ شهادةَ د.طه حسين في المستعرب لوي ماسينيون الشهير، وأنه كان موظفًا في إدارة المخابرات في وزارة الخارجية الفرنسية. وهذه جهود ومجالات عمل، لا شك بأنها تلقي نوعًا من الشك والريبة في الإنتاج الثقافي والعلمي لهؤلاء المستعربين، ونقص في الثقة التي يوليها المثقف العربي لآراء المستعربين التي توصف بأنها علمية.

لكن هناك مجالات أخرى علمية، عمل بها هؤلاء المستعربين، مثل عقد المؤتمرات الاستشراقية، والتي بدأت أولها عام 1873م في باريس، والاشتراك في تحرير مواد “الموسوعة الإسلامية”، وتأسيس الجمعيات الاستشراقية والاستعرابية، والاشراف على الاطروحات الجامعية.

وفي الفصل السادس والأخير، تناول د.محمود المقداد بعض أعلام الاستعراب الفرنسيين، وسلط الضوء على سيرهم وأعمالهم بإيجاز، وفي مقدمتهم سلفستر دو ساسي، والذي يرد إليه الفضل في تطور الدراسات العربية في فرنسا خصوصًا وأوروبا عمومًا، كما تناول جهود مستعربين آخرين مثل موريس غودفروا-ديمومبين(1862-1957م)، وغاستون فييت(1887-1971م)، وأخيرًا ريجيس بلاشير(1900-1973م).

 

البحث غني بالمعلومات التاريخية والموضوعية عن عالم الدراسات العربية في فرنسا، والمؤلف يقدمها بطريقة موضوعية غير منحازة، وهناك طرائف تاريخية عديدة، تتعلق بالعلاقات الثقافية العربية-الفرنسية، يجدها القارئ منثورة بانتظام فيما بين سطور الكتاب، وقد لاحظتُ نوعًا من التحامل السلبي من المؤلف تجاه الدولة العثمانية، حيث يعتبرها مسؤولة عن التخلف الذي أصاب العرب، ويتهمها بأنها كانت لديها نزعة خفية إلى تتريك العرب خاصة وإلغاء اللغة العربية ثقافيًا. وفي صفحة أخرى، يعتبر المؤلف أن همَّ الدولة العثمانية كان منصبًا نحو جمع الضرائب وبناء الجيش الانكشاري وتدعيم سلطانهم في الآستانة، دون نظر إلى مصالح الرعية الحقيقية وحقها في التقدم والازدهار.

Read Full Post »